اكتمل ✓
تفسير سورة المائدة الآية 32 وعظمة النفس البشرية واسم الله الصبور - تفسير, سورة المائدة

ما تفسير سورة المائدة الآية 32 وما معنى اسم الله الصبور وكيف يعلمنا القرآن الإنصاف وعدم التعميم؟

تتحدث الآية 32 من سورة المائدة عن تحريم قتل النفس البشرية، وأن من قتل نفسًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا. وتتضمن الآية دلالة على اسم الله الصبور، إذ يرسل الله رسله بالبينات مرة بعد مرة قبل أن يؤاخذ عباده. كما تعلّمنا كلمة «كثيرًا منهم» قاعدة الإنصاف وتجنب التعميم في الحكم على الناس.

4 دقائق قراءة
  • هل تعلم أن قتل نفس واحدة بغير حق يعادل في الإثم قتل الناس جميعًا وفق الآية 32 من سورة المائدة؟

  • اسم الله الصبور من أسمائه الحسنى الواردة في حديث أبي هريرة بسنن الترمذي، ومعناه أنه لا يناله ضر ولا نفع من البشر.

  • الله سبحانه لا يظلم عباده، وكل المصائب من حكمته، ويستحق الحمد في السراء والضراء على كل حال.

  • تعددت الرسل وتعددت معها البينات بين المعجزة والبرهان العقلي والكتب المنزلة واستجابة الدعاء، لتناسب أحوال كل قوم.

  • كلمة «ثم» في الآية تدل على التراخي، أي أن القوم عرفوا البينات وآمنوا بها ثم أسرفوا بعد فترة.

  • كلمة «كثيرًا منهم» تعلّم قاعدة ذهبية في التفكير المنصف: التعميم خطأ، وهو تفكير أراق الدماء وأسّس للإرهاب.

تلاوة آية تحريم القتل من سورة المائدة وبيان عظمة النفس البشرية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: 32]

دلالة إرسال الرسل بالبينات على فضل الله ورحمته بعباده

وفي قوله تعالى:

﴿وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ [المائدة: 32]

بيان لفضل الله ورحمته، وأن الله سبحانه وتعالى ينبئنا عن صفة من صفاته تستوجب منا الشكر الجزيل والحمد الكثير، وتستوجب منا ألا نكون مثل العبد النكد الغبي الذي لا يعرف كيف يتعامل مع مولاه.

في هذه الآية ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فيها أن الله صبور، وأنه يرسل رسولًا بالبيّنة فيجد المعصية مستمرة، فيرسل رسولًا آخر بالبيّنة فيجد المعصية مستمرة، فيرسل ثالثًا بالبيّنة قبل أن يؤاخذ أو يأخذ؛ فهو صبور سبحانه وتعالى.

اسم الله الصبور ومعناه وأنه لا يناله ضر من البشر

ومن أسمائه الحسنى الواردة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في تعدادها في سنن الترمذي آخر اسم الصبور. وهو صبور سبحانه وتعالى؛ لأنه لا ينال ولا يناله ضرٌّ ولا نفعٌ من البشر.

يعني لا تستطيع أن توقع الضرر بالله رب العالمين، هو يوقع الضرر بك، ولكنه أيضًا يوقع النفع؛ فهو الضار النافع سبحانه وتعالى. لكن أنت تضر نفسك، قال تعالى:

﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوٓا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 57]

ولا نستطيع أن نظلم الله سبحانه وتعالى؛ لأنه ليس لنا في الحقيقة تصرف في ملكه وفي ملكه إلا من بعد إذنه، ولذلك فلا يمكن أن نظلم ربنا.

الله لا يظلم عباده وكل المصائب من حكمته ويستحق الحمد على كل حال

وهو سبحانه وتعالى من كرمه وفضله لا يظلمنا ولا يتصور ذلك؛ لأنه يتصرف في ملكه. وكل المصائب التي يراها الناس في أبنائهم أو في أنفسهم أو في صحتهم أو في أموالهم إنما هي من حكمة الله سبحانه.

لا يوصف أبدًا إلا بالعدل، ولا يواجه أبدًا إلا بالحمد. فنقول: الحمد لله على كل حال. عندما تصيبنا مصيبة نقول: الحمد لله على كل حال؛ فهو يستحق الحمد في السراء وفي الضراء، في المنشط وفي المكره، سبحانه وتعالى.

تعدد الرسل والبينات وتنوع أساليب الدعوة بحسب أحوال الأقوام

﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ لما تعددت الرسل تعددت معها البينات، فكل رسول أرسله الله إلى قومه بلسانهم، ليس فقط بلغتهم، بل أيضًا بتكوين عقولهم، بثقافتهم، بعاداتهم، بما هو شائع فيهم من نظام أخلاقي واجتماعي.

فتعددت البينات والطرق: بعضها كان في صورة المعجزة الخارقة للعادة، وبعضها كان من قبيل البرهان والخطاب العقلي، وبعضها كان من قبيل لفت النظر إلى النتائج السيئة للمعصية أو إلى النتائج الطيبة للطاعة، وبعضها كان بالتعقل والتفكر والتدبر في شأن النفس والكون والحياة وما قبل ذلك وما بعد ذلك، وبعضها كان في صورة كتب أُنزلت تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وتخرجهم من الظلمات، وبعضها كان على سبيل استجابة الدعاء وعلى سبيل النصرة والتأييد.

دلالة كلمة ثم على التراخي وأن القوم عرفوا البينات ثم أسرفوا بعدها

اختلفت البينات ولكن القلوب القاسية تصمّ وتعمى.

﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ﴾، وكلمة «ثم» تدل على شيء غريب عجيب، وهو أنهم قد استمعوا إلى هذه البينات، وأنهم استقرت هذه البينات في عقولهم، وأنهم تفكروا فيها، وأنهم عرفوا أنها من جنس البينات.

اعلم أنه لو قال «وكان» لما كان هناك مشكلة، لكنه يقول «ثم»، و«ثم» هذه تدل على الترتيب مع التراخي. فيكون المعنى: لقد جاءتهم رسلنا بالبينات، وبعد فترة، بعد فترة من مجيء الرسل، وبعد فترة من البينات، وكذا.

حسنًا، ماذا حدث في هذه الفترة منذ أن جاءت الرسل بالآية [البيّنة] التي ستحدث بعد ذلك؟ إذن، هناك فترة، ماذا حدث فيها؟ لقد سمعوا [أي القوم] الرسلَ البينات، ودخلت في قلوبهم وعقولهم، فأصبحوا في دائرة العلم بها. إذن عندما جاءتهم البينات لم يستطيعوا أن يردوها وعرفوا بها وصدّقوا واستقرت نفوسهم وأيقنت.

دلالة كلمة كثيرًا منهم على أن بعضهم استمر على الإيمان وأهمية الإنصاف

﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا﴾ بعد ذلك وبعد فترة نرى كثيرًا منهم. أيضًا نقف عند كلمة «كثير منهم» هذه، ما معناها؟ معناها أن بعضهم استمر على الإيمان.

وهنا نتعلم - إذا تأملنا الآية الثانية والعاشرة بعد المائة [من سورة المائدة] - إذا ما تدبرت القرآن يعلّمك الإنصاف، يعلّمك قاعدة ذهبية في التفكير المستقيم: أن التعميم يحمل في ذاته خطأً.

احذر أن تقول: الغرب سيئون، واحذر أن تقول هذه الكلمة. ربنا دائمًا نبّهنا أننا نقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ وليس كلهم. احذر أن تقول: الناس طيبون؛ فليس من المعقول أن يكون الناس كلهم طيبين، إذن أين دفع الله الناس بعضهم ببعض؟ والشر والمعصية والطاعة.

خطورة التفكير غير المنصف والتعميم وأثره في إراقة الدماء ونشر الإرهاب

كن منصفًا واصفًا للواقع كما هو. هذه الأمور افتقدناها في خطابنا، افتقدنا هذا الوصف المنصف؛ فإما أن نقول إن كل الناس سيئون، أو كل الناس طيبون، ومن ليس معنا فهو علينا.

هذا التفكير أتعب الدنيا، وهذا التفكير أراق الدماء في الطرقات، وهذا التفكير اعتمد عليه الإرهاب لتسويد وجوهنا ووجوه أنفسهم. هذا التفكير الذي هو أخذ العاطل بالباطل هكذا تفكير سيئ.

تكرار القرآن للتنبيه على الإنصاف وأهمية التدبر حرفًا حرفًا

ولكن العجب أنه يكاد في كل ثلاث أو أربع آيات ينبّهك: احذر أن تفعل هكذا. طيب، الإصرار والتكرار هذا لماذا؟ لأنه يبدو من الصعب أن تُعلِّم الإنسان وتجعله يقتنع بهذا [أي بالإنصاف وعدم التعميم]، ولذلك أكثر منه؛ لأنه يصف لنا الإنسان المنصف.

كثيرون يقرأونها ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ خالصًا، كثيرًا منهم يريد أن يرى ما الذي حدث بعد ذلك، ولا يتوقف. لا يتحول القرآن إلى كتاب هداية إلا إذا قرأته حرفًا وسرت معه هكذا، تعيش معه حرفًا ثم تتوقف عند «ثم» هكذا وتفكر: كيف شكلها؟ أن كثيرًا منهم، أيضًا تفكر في أن «منهم».

دلالة كلمة بعد ذلك على الفترة بين مجيء البينات ومخالفة القوم وختام اللقاء

حسنًا، الذين ليسوا كثيرين، ماذا فعلوا؟ استمروا في الإيمان.

بعد ذلك كلمة «بعد ذلك» ترشّح وتؤكد الفترة التي كانت بين مجيء الرسل بالبينات وبين مخالفتهم، بعد أن استقر الإيمان في قلوبهم.

﴿فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: 32]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

وفق الآية 32 من سورة المائدة، من قتل نفسًا بغير حق فكأنما:

قتل الناس جميعًا

في أي كتاب من كتب السنة ورد اسم الله الصبور ضمن الأسماء الحسنى؟

سنن الترمذي

ما ترتيب اسم الصبور في قائمة الأسماء الحسنى الواردة في حديث أبي هريرة؟

الآخر

ما الآية القرآنية التي استُشهد بها لبيان أن البشر يظلمون أنفسهم لا يظلمون الله؟

﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾

ما الدلالة النحوية لكلمة «ثم» في قوله تعالى ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾؟

الترتيب مع التراخي

ما القاعدة الذهبية التي تعلّمها كلمة «كثيرًا منهم» في سورة المائدة؟

أن التعميم في الحكم على الناس خطأ

لماذا أرسل الله رسلًا متعددين بدلًا من رسول واحد وفق ما جاء في تفسير الآية؟

لأن كل رسول أُرسل بلسان قومه وبما يناسب ثقافتهم وعقولهم

أي من الأساليب التالية لم يُذكر ضمن أنواع البينات التي جاء بها الرسل؟

الحروب والفتوحات

ما الموقف الصحيح الذي يجب أن يتخذه المؤمن عند المصائب وفق ما جاء في التفسير؟

قول الحمد لله على كل حال

ما الشرط الذي يجعل القرآن كتاب هداية حقيقية وفق ما جاء في التفسير؟

قراءته حرفًا حرفًا والتوقف عند كل كلمة للتدبر

ما وصف الله سبحانه وتعالى من حيث التصرف في الكون وفق ما جاء في تفسير الآية؟

يتصرف في ملكه وحده

ما الخطر الذي نبّه إليه التفسير من جراء التفكير القائم على التعميم؟

إراقة الدماء ونشر الإرهاب

ما نص الآية 32 من سورة المائدة المتعلقة بتحريم القتل؟

﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.

على من كُتب حكم تحريم قتل النفس في الآية 32 من سورة المائدة؟

كُتب على بني إسرائيل، وهو حكم يعكس قيمة النفس البشرية في شريعة الله.

ما معنى اسم الله الصبور؟

الصبور هو الذي لا يناله ضر ولا نفع من البشر، فيمهل عباده ويرسل إليهم الرسل بالبينات قبل أن يؤاخذهم.

من الصحابي الذي روى حديث الأسماء الحسنى الذي ورد فيه اسم الصبور؟

أبو هريرة رضي الله عنه، وورد الحديث في سنن الترمذي.

لماذا لا يستطيع البشر ظلم الله سبحانه وتعالى؟

لأن الله يتصرف في ملكه، وليس للبشر تصرف في ملكه إلا من بعد إذنه، فمن يعصي إنما يظلم نفسه.

كيف يجب أن يواجه المؤمن المصائب التي تصيبه؟

يواجهها بالحمد لله على كل حال، في السراء والضراء والمنشط والمكره، لأن الله يستحق الحمد دائمًا.

ما المقصود بأن الرسل أُرسلوا إلى أقوامهم بلسانهم؟

لم يقتصر الأمر على اللغة فحسب، بل شمل تكوين عقول القوم وثقافتهم وعاداتهم ونظامهم الأخلاقي والاجتماعي.

اذكر ثلاثة أنواع من البينات التي جاء بها الرسل.

المعجزة الخارقة للعادة، والبرهان والخطاب العقلي، والكتب المنزلة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

ما الفرق بين قول «وكان» و«ثم» في سياق الآية 32 من سورة المائدة؟

«وكان» تعني التزامن أو الاستمرار المباشر، أما «ثم» فتدل على الترتيب مع التراخي، أي أن الإسراف جاء بعد فترة من الإيمان والاستقرار.

ماذا يعني أن القوم كانوا في دائرة العلم بالبينات قبل إسرافهم؟

يعني أنهم سمعوا الرسل وصدّقوا واستقرت البينات في قلوبهم وعقولهم، ثم أسرفوا عن علم ويقين لا عن جهل.

ما الذي تدل عليه كلمة «كثيرًا منهم» بدلًا من «كلهم»؟

تدل على أن بعضهم استمر على الإيمان ولم يُسرف، وهذا يعلّم الإنصاف وعدم التعميم في الحكم على الناس.

ما القاعدة التي يعلّمها القرآن من خلال عبارة «كثيرًا منهم»؟

قاعدة الإنصاف في التفكير: التعميم يحمل في ذاته خطأً، فلا يصح الحكم على جميع أفراد أي جماعة بصفة واحدة.

ما الأثر العملي للتفكير القائم على التعميم في الواقع المعاصر؟

أتعب الدنيا وأراق الدماء في الطرقات، واعتمد عليه الإرهاب لتسويد وجوه الأمة.

لماذا يكرر القرآن التنبيه على الإنصاف وعدم التعميم بشكل متكرر؟

لأن تعليم الإنسان هذه القاعدة أمر عسير يصعب الاقتناع به، فأكثر القرآن منه ليرسّخه في النفوس.

ما الشرط الجوهري لكي يتحول القرآن إلى كتاب هداية حقيقية؟

أن يُقرأ حرفًا حرفًا مع التوقف عند كل كلمة والتفكر في دلالتها، لا أن يُقرأ مرورًا دون تدبر.

ما دور عبارة «بعد ذلك» في ختام الآية 32 من سورة المائدة؟

تؤكد وترسّخ الفترة الزمنية التي كانت بين مجيء الرسل بالبينات وبين مخالفة القوم وإسرافهم في الأرض.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!