اكتمل ✓
تفسير سورة المائدة وأن الله على كل شيء قدير وأثر العيش بهذه الحقائق - تفسير, سورة المائدة

ما معنى أن الله على كل شيء قدير في سورة المائدة وكيف يؤثر الإيمان بهذه الحقيقة في سلوك الإنسان؟

آية المائدة 40 تتضمن ثلاث حقائق: أن لله ملك السماوات والأرض، وأنه يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، وأنه على كل شيء قدير. من عاش بهذه الحقائق وجعلها منطلقًا لحياته لم يجرؤ على ارتكاب الذنب وهو عالم قاصد مختار. وقدرة الله على كل شيء تشمل الزمان والمكان والأشخاص والأحوال دون استثناء.

3 دقائق قراءة
  • هل يمكن للإنسان المؤمن أن يذنب وهو عالم قاصد مختار إذا استحضر حقيقة أن الله يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء؟

  • تفسير سورة المائدة آية 40 يكشف ثلاث حقائق كبرى: ملك الله للسماوات والأرض، ومشيئته في العذاب والمغفرة، وأنه على كل شيء قدير.

  • الإيمان بهذه الحقائق لا يكفي وحده، بل لا بد من العيش فيها حتى تؤثر في السلوك وتمنع الوقوع في المعصية.

  • التوجس من كون المرء في طائفة المعذبين أو المغفور لهم يُحدث قلقًا وخوفًا يردعان عن الذنب.

  • الذنب لا يقع من الإنسان إلا عند الغفلة أو الجهل أو الإكراه أو القصور البشري، وخير الخطائين التوابون.

  • قدرة الله على كل شيء تشمل الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، ودليلها حديث يوم الدجال الذي يُبنى عليه حكم تقدير الصلاة والصيام في البلاد ذات المواقيت المختلة.

مقدمة وتلاوة آية ملك الله للسماوات والأرض من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: 40]

فذكر الله سبحانه وتعالى ثلاث حقائق: الحقيقة الأولى أن الله له ملك السماوات والأرض. الحقيقة الثانية أنه سبحانه وتعالى يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، وأن الأمر كله بيد الله. الحقيقة الثالثة أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.

أثر الإيمان بحقيقة ملك الله على علاقة الإنسان بربه وبالناس وبنفسه

تكلمنا في حلقة ماضية عن الحقيقة الأولى [أن الله له ملك السماوات والأرض]، وأننا إذا سلّمنا بهذه الحقيقة وبنينا عليها معيشتنا وعشنا بها وفيها ومعها؛ فإن الأمر سيختلف في علاقتنا مع الله، ومع الناس، ومع النفس.

الحقيقة الثانية تبيّن لنا أن الأمر كله بيد الله، خاصة فيما أمر ونهى وكلّف سبحانه وتعالى؛ فهو يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء.

لو عاش الإنسان بحقيقة أن الله يعذب ويغفر لمن يشاء لما أذنب قط

فالله سبحانه وتعالى بهذه الآية [آية ملك السماوات والأرض] لو عشنا بها وفيها ومعها واعتقدنا أنها حقيقة؛ لا يجرؤ أحد منا أن يذنب قط. ولو أنك جعلت هذه الحقيقة أساسًا لحياتك تنطلق منها؛ لارتعدت فرائصك عندما تفعل الذنب.

ولا يتم منك ذنب إلا عند غفلة، ولا يتم منك ذنب إلا عند نسيان، ولا يتم منك ذنب إلا عند عدم قدرة على أن تضبط نفسك. لكن وأنت قاصد عالِم مختار لا يمكن [أن تذنب].

خطورة ارتكاب الذنب مع الإيمان بأن مشيئة العذاب والمغفرة بيد الله وحده

لأنك لو ارتكبت الذنب مع إيمانك بهذه الحقيقة [أن الله يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء]؛ لا تعرف ما في نفس الله [من حكمه فيك]:

﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾ [المائدة: 116]

خلاص، وأنت تعرف ربنا يغفر لك أم لا؟ لا تعرف. هل هو سيتصرف في ملكه ولن يغفر لك؟ تبقى مصيبة كبيرة!

حسنًا، وبعد ذلك، هذا فيه خطر داهم، والخطر الداهم عندما يُنبَّه إليه الإنسان يحدث له قلق ويحدث له خوف وتوجس ويحدث له تردد وإحجام [عن المعصية].

التوجس من كون الإنسان من المعذبين أو المغفور لهم يردعه عن الذنب

فلو قال [الله سبحانه وتعالى]: يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء؛ توجّست: هل أكون من طائفة المعذبين أو من طائفة المغفور لهم بإذن الله تعالى؟ لا أعلم، على الحقيقة لا أعرف.

وحينئذ ترتدع وتنسحب من الذنب، ولا تستطيع أصلًا أن تفعل الذنب إذا آمنت وعشت في هذه الحالة [حالة استحضار مشيئة الله في العذاب والمغفرة]. ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

تحويل الحقيقة الإيمانية إلى منطلق عملي يؤثر في السلوك ويمنع الذنب

فإذا حوّل [الإنسان] الحقيقة [حقيقة أن الله يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء] إلى منطلق؛ لا بفهمها فقط، ولا بالإيمان بها فقط، ولكن بالعيش فيها ومعها. فنحن أولًا نفهم، وثانيًا نصدّق ونؤمن، وثالثًا نعيش بطريقة تؤثر في سلوكنا.

فلو عرفت هذه الحقيقة وحوّلتها إلى موجّه لحياتك؛ لم تفعل ذنبًا قط وأنت عالم قاصد مختار. نعم، من الممكن أن تفعل ذنبًا وأنت مُكرَه، ومن الممكن أن تفعل الذنب وأنت جاهل، ويمكن أن تفعل الذنب من قصور بشري من غير قصد.

الفرق بين من يستحضر الحقيقة فيتوب ومن يغفل عنها فيقع في الذنب

فإذا فعلت ذلك [الذنب عن إكراه أو جهل أو قصور بشري] وتنبّهت ورجعت وعزمت على أن لا تعود لمثل هذا أبدًا [فهذا هو المطلوب].

أما إذا لم تكن هذه الحقيقة [حقيقة مشيئة الله في العذاب والمغفرة] حاضرة في ذهنك؛ فإنك ترتكب الذنب وأنت تعرف أنه ذنب، ثم تبكي بعد ذلك، تتضايق بعد ذلك.

حسنًا، كل بني آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون.

الحقيقة الثالثة أن الله على كل شيء قدير وأثر العيش بها في الالتجاء إليه

الحقيقة الثالثة أن الله على كل شيء قدير. وهذه الحقيقة نعرفها جميعًا ونؤمن بها جميعًا، لكنّ القليل منا مَن يعيش فيها.

هذه الحقيقة لو عرفتها لالتجأت إلى الله سبحانه وتعالى في كل كبيرة وصغيرة؛ لأن الله هنا أطلق ولم يقيّد، عمّم ولم يخصّص، وجعل الأمر أنه سبحانه على كل شيء قدير.

يعني ليس هو قديرًا على شيء دون شيء، ولا هو قدير في يوم دون يوم، ولا مع بعض الأفراد دون آخرين، ولا في بعض الأحوال دون أحوال أخرى، بل إنه سبحانه وتعالى على كل شيء [قدير].

معنى كلمة شيء وشمولها للزمان والمكان والأشخاص والأحوال في قدرة الله

وكلمة "شيء" هنا أرجعتنا إلى الكينونة؛ يعني شخص موجود في زمان، محصور في مكان، له حال. فالزمان والمكان والأشخاص والأحوال أربع جهات لكلمة "شيء".

هو على كل شيء قدير: قدير على الزمان، وقدير على المكان، وقدير على الأشخاص، وقدير على الأحوال.

قدرة الله على الزمان ودليلها من حديث يوم الدجال الذي يكون كسنة

والزمان عندنا يأتي من دوران الأفلاك؛ الأرض تدور حول نفسها وتدور حول الشمس، فتصنع الليل والنهار وتصنع الصيف والشتاء.

هو [الله سبحانه وتعالى] قادر على أن يوقف الأرض، ولذلك يوم من أيام الدجال يكون سنة كاملة؛ الصباح والليل سنقيم فيه ستة أشهر وستة أشهر، نسأل الله أن ينجّينا.

فقالوا له [أي الصحابة]: يا رسول الله، أتكفينا صلاة يوم؟ قال ﷺ:

«لا، اقدروا لها بالساعة»

فأخذنا هذا الحديث وقدّرنا بالساعة الصيام والصلاة في البلاد التي اختلّت فيها المواقيت؛ البلاد الإسكندنافية وشمال القطب وما إلى ذلك. عندما تختلّ المواقيت نأخذ بالتقدير.

أهمية الأخذ بكل ما نطق به النبي ﷺ وعدم رد شيء من أحاديثه

لماذا [نقدّر بالساعة]؟ من حديث الدجال. الذي يقول لك شخص ما: لا، ارموا هذا الحديث! نحن لا نرمي شيئًا؛ كل ما نطق به سيدنا محمد ﷺ ينفعنا، ولن نرمي شيئًا. ارموا ما تريدون أن ترموه.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

كم عدد الحقائق التي تتضمنها آية ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في سورة المائدة؟

ثلاث حقائق

ما الحقيقة الثالثة التي تذكرها آية المائدة 40؟

أن الله على كل شيء قدير

متى يقع الذنب من الإنسان المؤمن وفق تفسير الآية؟

عند الغفلة أو الجهل أو الإكراه

ما المراحل الثلاث اللازمة لتحويل الحقيقة الإيمانية إلى منطلق عملي؟

الفهم والتصديق والعيش

ما الجهات الأربع التي تشملها كلمة شيء في قوله تعالى على كل شيء قدير؟

الزمان والمكان والأشخاص والأحوال

ما الذي يُحدثه الخطر الداهم في نفس الإنسان حين يُنبَّه إليه؟

القلق والخوف والتردد والإحجام

ما الذي يدل عليه يوم الدجال الذي يكون كسنة كاملة؟

قدرة الله على الزمان

ما الحكم الفقهي الذي استُنبط من حديث يوم الدجال؟

تقدير الصلاة والصيام بالساعة في البلاد ذات المواقيت المختلة

ما الذي يحدث للإنسان الذي لا تكون حقيقة مشيئة الله حاضرة في ذهنه؟

يرتكب الذنب وهو يعرف أنه ذنب ثم يندم

ما الحديث النبوي الذي استشهد به في تفسير قدرة الله على الزمان؟

حديث يوم الدجال الذي يكون كسنة

ما الموقف الصحيح من أحاديث النبي ﷺ وفق ما جاء في التفسير؟

الأخذ بكل ما نطق به النبي ﷺ دون رد شيء

ما الآية التي استُشهد بها لبيان أن الإنسان لا يعلم ما في نفس الله؟

﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾

ما الحقيقة الأولى في آية المائدة 40؟

أن لله ملك السماوات والأرض.

ما الحقيقة الثانية في آية المائدة 40؟

أن الله يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء وأن الأمر كله بيده.

ما الحقيقة الثالثة في آية المائدة 40؟

أن الله على كل شيء قدير.

لماذا لا يستطيع الإنسان العالم القاصد المختار أن يذنب إذا عاش بحقيقة مشيئة الله؟

لأنه يتوجس هل سيكون من طائفة المعذبين أم المغفور لهم، فيردعه هذا التوجس عن الإقدام على المعصية.

ما الفرق بين الإيمان بالحقيقة الإيمانية والعيش بها؟

الإيمان هو التصديق الذهني، أما العيش بها فهو تحويلها إلى منطلق يؤثر في السلوك اليومي ويمنع الوقوع في الذنب.

ما الحالات التي يُعذر فيها الإنسان إذا وقع في الذنب؟

الإكراه، والجهل، والقصور البشري من غير قصد.

ما المقصود بقول النبي ﷺ: اقدروا لها بالساعة؟

يعني تقدير أوقات الصلاة والصيام بالساعة الزمنية في البلاد التي اختلت فيها المواقيت الطبيعية كالبلاد الإسكندنافية.

ما سبب دوران الزمان وتعاقب الليل والنهار والفصول؟

دوران الأرض حول نفسها يصنع الليل والنهار، ودورانها حول الشمس يصنع الصيف والشتاء.

ما دلالة يوم الدجال الذي يكون كسنة كاملة على قدرة الله؟

يدل على أن الله قادر على إيقاف الأرض عن دورانها، مما يُثبت قدرته المطلقة على الزمان.

ما المقصود بأن الله أطلق ولم يقيّد في قوله على كل شيء قدير؟

يعني أن قدرته ليست مقيدة بزمان أو مكان أو شخص أو حال، بل هي شاملة لكل شيء بلا استثناء.

ما الحديث النبوي الذي يدل على قدرة الله على الزمان؟

حديث يوم الدجال الذي يكون كسنة كاملة، إذ يقيم الناس في صباحه وليله ستة أشهر وستة أشهر.

ما الحكمة من استحضار حقيقة أن الله يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء؟

تُحدث في النفس قلقًا وخوفًا وتوجسًا يردعان الإنسان عن الذنب ويدفعانه إلى التوبة والإنابة.

ما المقصود بقوله تعالى ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾ في سياق التفسير؟

يُستشهد بها لبيان أن الإنسان لا يعلم ما في نفس الله من حكمه فيه، فلا يدري هل سيُعذَّب أم يُغفر له.

ما الحكمة من عدم رد أحاديث النبي ﷺ مهما بدت غريبة؟

لأن كل ما نطق به النبي ﷺ ينفع المسلمين، وقد يُستنبط منه أحكام فقهية عملية كحديث الدجال الذي أصّل لتقدير الصلاة والصيام.

ما الجهات الأربع التي تشملها قدرة الله في قوله على كل شيء قدير؟

الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!