اكتمل ✓
تفسير سورة المائدة وأحكام الوضوء والتيمم وخلاف الفقهاء في لمس النساء - تفسير, سورة المائدة

ما تفسير آيات الوضوء والتيمم في سورة المائدة وما حكم لمس النساء في نقض الوضوء؟

تتناول آيات سورة المائدة أحكام الوضوء والتيمم وأسباب الحدث الأصغر والأكبر. اختلف الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي في تفسير قوله تعالى ﴿أو لامستم النساء﴾؛ فذهب الشافعي إلى أن مجرد لمس المرأة ينقض الوضوء باعتباره مظنة، بينما رأى أبو حنيفة أن المقصود بها الجنابة لا مجرد اللمس. واستدل كل فريق بأدلة لغوية وحديثية دقيقة.

3 دقائق قراءة
  • هل مصافحة الزوجة تنقض الوضوء؟ هذا السؤال الفقهي الدقيق يقف خلف خلاف كبير بين أئمة المذاهب.

  • تتناول آيات سورة المائدة أحكام الوضوء والتيمم وأسباب الحدث الأصغر والأكبر بأسلوب قرآني بليغ.

  • فقد الماء حسًّا أو شرعًا كالمرض والسفر يبيح التيمم بدلًا من الوضوء.

  • استعمل القرآن كلمة "الغائط" مجازًا للأدب الرباني الرفيع في التعبير عن قضاء الحاجة.

  • اختلف الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي في تفسير ﴿أو لامستم النساء﴾ بين الجنابة ومجرد اللمس.

  • استند كل إمام إلى أدلة لغوية وحديثية متعددة، منها الفرق بين "لامس" و"مسّ" في لغة القرآن الكريم.

مقدمة الحلقة ومراجعة أحكام الوضوء والتيمم في سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وبعد أن علّمنا الله سبحانه وتعالى الوضوء والطهارة والاغتسال تهيؤًا للصلاة، علّمنا بديل ذلك وهو التيمم، وعلّمنا أن الأمر قد يكون بسبب فقد الماء حسًّا، وبفقد الماء شرعًا.

ولفقده شرعًا صورٌ كثيرةٌ ذكرنا بعضها في حلقةٍ سابقة.

المريض والمسافر وأسباب فقد الماء حسًّا وشرعًا في آية التيمم

قال تعالى:

﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾ [المائدة: 6]

فـالمريض يجدُ الماءَ لكنه لا يستطيعُ أن يستعملَه، فهذا فقدٌ شرعي [للماء]. أو على سفرٍ، فـالمسافرُ يفتقدُ الماءَ، أو إذا وجدَه احتاجَ إليه [للشرب ونحوه]، وبذلك يكونُ هذا فقدًا حسيًّا في بعضِ صورِه.

وتكلَّمَ [الله سبحانه وتعالى في الآية] عن أسباب الحدث فقال:

﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ﴾ [المائدة: 6]

فأصبح الخارج من الإنسان سببًا في الوضوء أو في التيمم؛ فالإنسان إذا خرج منه شيء من السبيلين: البول، البراز، الريح، فإنه يكون قد انتقض وضوءه.

معنى كلمة الغائط في اللغة واستعمالها مجازًا للأدب في التعبير

كلمة الغائط أي المنخفض من الأرض، لكنها صارت دليلًا على هذا المعنى [قضاء الحاجة]، الذي نقول عليه الآن دخول دورة المياه أيضًا، هذا مجاز؛ لأن الإنسان يمكن أن يدخل دورة المياه ولا يفعل فيها شيئًا.

لكنها أصبحت مجازًا، يعني عندما تقول: أنا أريد أن أذهب إلى دورة المياه، فهل تذهب لتصلحها؟ أو تذهب لتنام فيها؟ من المعروف أن هذا يعني هذا [أي قضاء الحاجة]، وهي الإشارة لذلك فيها مجاز.

فائدة المجاز في القرآن وأهمية الأدب الرباني في الكلام والمجالس

وهذا المجاز فائدته الأدب؛ لأن هذا الإخراج لا يُستحسن ذكره في المجالس، عادةً المرء لا يقول هذا الكلام إلا للطبيب أو لغرض محدد، لكن مجالس الناس تُنزَّه عن هذا، فنستعمل معها ألفاظًا تشير إلى المعنى دون أن تذكر المعنى صراحةً.

ففي هذا نوع من الأدب العالي الرباني الذي يحتاج منا أن نقتدي به في سائر حياتنا، وأن ندرك أن الأشياء ينبغي أن تكون لها حدود، وينبغي في الكلام أن نراعي الأدب، وينبغي في الكلام أن نراعي مشاعر الجالسين، وينبغي في الكلام أن نتحلى بشيء من اللباقة واللياقة، بحيث نكون ربانيين، فالرباني هذا شأنه.

وصف النبي ﷺ بالأدب العالي وتعليمه لأمته بالأسوة الحسنة

ولذلك فكما ورد في وصف رسول الله عليه وسلم أنه لم يكن فاحشًا ولا بذيئًا ولا سبّابًا ولا لعّانًا، أدبٌ عالٍ كان [يتحلّى به ﷺ] ويعلمه لأمته.

كان هذا شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ناحية، وهو يعلمه بالأسوة الحسنة لأمته بعد ذلك إلى يوم الدين.

رأي الإمام أبي حنيفة في تفسير ملامسة النساء بالحدث الأكبر

﴿أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ [المائدة: 6]

الإمام أبو حنيفة لما تأمل في الآية قال: أنا أفهم من هذه الآية أنها تتحدث عن الحدثين: المجيء من الغائط وهو الحدث الأصغر، وملامسة النساء وهو الحدث الأكبر [أي الجنابة].

لأنه لو كان الأمر أن المجيء من الغائط حدث أصغر ولامستم النساء حدث أصغر، فسيكون هناك تكرار. وثانيًا لن تكون هناك إشارة إلى الحدث الأكبر.

لكن لو فهمنا أن هذا حدث أصغر وهذا حدث أكبر، يعني تكون [الآية] بليغة، يكون لا يوجد تكرار، وفي نفس الوقت ذُكِرَ الموردين: حدث الأصغر وحدث الأكبر. كلام جميل، كلام قوي.

رأي الإمام الشافعي في أن ملامسة النساء تنقض الوضوء وتقييده باللغة

الإمام الشافعي قال له [أي لأبي حنيفة]: نحن مقيدون باللغة.

﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ﴾ [المائدة: 6]

هذا أحد الأسباب [لنقض الوضوء].

﴿أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ [المائدة: 6]

هذا سبب آخر، وكلاهما يصدق في ماذا؟ في الحدث الأصغر.

أما الحدث الأكبر [وهو الجنابة] فهو مذكور في قوله تعالى:

﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَٱطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]

إما بالماء وإما بالتيمم، فهي مذكورة [في الآية صراحةً]. وأفرد [الله تعالى] لمس النساء [كسبب مستقل لنقض الوضوء].

الفرق بين المئنة والمظنة في أسباب نقض الوضوء عند الإمام الشافعي

لأن القادم من الغائط هو على سبيل المئنة، والقادم من لمس النساء على سبيل المظنة.

المئنة تعني ماذا؟ تعني مائة في المائة، أي يقين؛ أي أن الذي عاد من الحقل ودخل دورة المياه وقضى حاجته، هذا بالتأكيد قد انتقض وضوءه مائة في المائة.

لكن شخص سلّم على زوجته، فما المشكلة في ذلك؟ ماذا يعني أن شخصًا سلّم على زوجته؟ فالإمام الشافعي يقول: هو انتقض وضوءه وهي انتقض وضوءها، كلاهما انتقض وضوءهما [بمجرد اللمس].

موقف الإمام أبي حنيفة من عدم نقض الوضوء بلمس المرأة ورد الشافعي عليه

أما الإمام مالك، نحن الآن بين رأي الشافعي ومَن؟ وأبي حنيفة.

فأبو حنيفة يقول: لا ينتقض الوضوء ولا شيء، فقوله تعالى:

﴿أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ [المائدة: 6]

المقصود به الجنابة [أي الجماع]. أما إذا سلّم أحد على يد زوجته هكذا، فلا يكون قد حدث له شيء يُبطل الوضوء.

لكن الشافعي قال له: لا، بل حدث له [ما ينقض الوضوء]، وهذا [لأن] لمس النساء مظنة خروج شيء من الرجل.

اعتراض الأحناف على الشافعي بأن اللمس ليس مظنة خروج شيء من المرأة

قال له [الإمام أبو حنيفة]: والله يا إمام، فضيلة الإمام الشافعي، نحن غير مقتنعين بهذا.

هذا مَن الذي يقول له؟ سيدنا الإمام أبو حنيفة.

قال له: لماذا؟ قالوا [أي الأحناف]: لو كان ذلك مظنة خروج شيء من الرجل، فليس بمظنة خروج شيء من المرأة، وأنت تقول الرجل والمرأة على حدٍّ سواء، هذا ينقض الوضوء وهذا ينقض الوضوء.

انتبه، فأنت يعني ستُدخلنا في ضيق قليلًا [بهذا القول].

الاستدلال بحديث تقبيل النبي ﷺ زوجته ورد الشافعي بتضعيف الحديث

سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد عنه أنه كان يُقبّل ويكبّر، يعني كان يُقبّل زوجته ويقول الله أكبر ويدخل للصلاة بطيب نفس، ليس هناك وضوء [جديد]، ها هو، وهذه القبلة لَمْسٌ.

أجاب عنه الإمام الشافعي بأن الحديث ضعيف، الحديث فيه ضعف عنده.

الاستدلال بحديث السيدة عائشة ولمس قدمي النبي ﷺ في السجود ورد الشافعي

قال [أبو حنيفة]: حسنًا، كان وهو ساجد [صلى الله عليه وسلم]، السيدة عائشة تضع يدها على قدميه حتى ترى إذا كان حيًّا أو متوفى؛ لأنه أطال في السجود كثيرًا، ولو كان هذا [اللمس] ينقض الوضوء لما كان الأمر هكذا.

قال [الشافعي]: لعلها فعلت ذلك فوق الثياب.

هل أنت منتبه للجدل الدائر حول قوله [تعالى أو لامستم النساء]؟

التفريق اللغوي بين لامس ومسّ في القرآن الكريم وأثره في الحكم الفقهي

لماذا تقول هكذا؟ قالوا [أي الأحناف]: لامستم غير مسستم، كما في لغة القرآن:

﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: 20]

لغة القرآن هكذا [تستعمل "مسّ" للجماع]، لكن لامس تعني وضع اليد على اليد هكذا [أي مجرد اللمس الظاهري].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما المقصود بفقد الماء شرعًا في آيات التيمم؟

وجود الماء لكن تعذّر استعماله كالمريض

ما الأصل اللغوي لكلمة الغائط في العربية؟

المنخفض من الأرض

ما الفائدة الرئيسية من استعمال المجاز في القرآن الكريم عند ذكر قضاء الحاجة؟

الأدب ومراعاة مشاعر الجالسين

ما رأي الإمام أبي حنيفة في معنى ﴿أو لامستم النساء﴾؟

تعني الجنابة أي الجماع

ما رأي الإمام الشافعي في حكم لمس المرأة على الوضوء؟

ينقض وضوء الرجل والمرأة معًا

ما معنى المئنة عند الإمام الشافعي في باب الطهارة؟

اليقين التام مائة في المائة

ما الاعتراض الذي وجّهه الأحناف للإمام الشافعي في مسألة نقض الوضوء باللمس؟

أن المظنة تصح في الرجل لا في المرأة فكيف ينتقض وضوؤها

كيف ردّ الإمام الشافعي على حديث تقبيل النبي ﷺ زوجته ودخوله الصلاة مباشرةً؟

قال إن الحديث ضعيف لا يُحتج به

كيف ردّ الإمام الشافعي على حديث السيدة عائشة ولمسها قدمي النبي ﷺ في السجود؟

قال لعلها فعلت ذلك فوق الثياب

ما الكلمة التي يستعملها القرآن للجماع وفق الاستدلال اللغوي للأحناف؟

مسّ

أيّ الأحداث التالية ينقض الوضوء وفق ما ذكرته الآية الكريمة؟

الخارج من السبيلين

ما الذي يجعل الآية بليغة وفق تفسير الإمام أبي حنيفة لـ﴿أو لامستم النساء﴾؟

أنها تشمل الحدثين الأصغر والأكبر دون تكرار

ما الفرق بين فقد الماء حسًّا وفقد الماء شرعًا؟

فقد الماء حسًّا هو عدم وجوده أصلًا كما قد يحدث للمسافر، أما فقد الماء شرعًا فهو وجوده مع تعذّر استعماله كالمريض الذي لا يستطيع استخدامه.

ما الأحداث التي تنقض الوضوء وفق ما ذكرته آية المائدة؟

الخارج من السبيلين كالبول والبراز والريح، وكذلك ملامسة النساء على خلاف في تفسيرها بين الفقهاء.

لماذا يُعدّ استعمال كلمة الغائط في القرآن مجازًا؟

لأن الغائط أصله المنخفض من الأرض، واستُعمل كناية عن قضاء الحاجة تأدبًا، وهو مجاز يُشير إلى المعنى دون التصريح به.

ما الأدب الرباني الذي يستفاد من استعمال المجاز في القرآن؟

ينبغي للمسلم أن يتحلى باللباقة واللياقة في كلامه، ويراعي مشاعر الجالسين، ويستعمل ألفاظًا تشير إلى المعنى دون التصريح بما يُستقبح ذكره.

بم وُصف النبي ﷺ من حيث الأدب في الكلام؟

وُصف بأنه لم يكن فاحشًا ولا بذيئًا ولا سبّابًا ولا لعّانًا، وكان يعلّم هذا الأدب لأمته بالأسوة الحسنة.

ما حجة أبي حنيفة في أن ﴿لامستم النساء﴾ تعني الجنابة لا مجرد اللمس؟

قال إن حمل الآية على حدثين — الأصغر والأكبر — يجعلها بليغة خالية من التكرار، وتشمل الموردين معًا دون إهمال الحدث الأكبر.

أين ذُكر الحدث الأكبر صراحةً في آية المائدة وفق الإمام الشافعي؟

في قوله تعالى ﴿وإن كنتم جنبًا فاطّهّروا﴾، فالجنابة مذكورة صراحةً في الآية ذاتها.

ما معنى المظنة في الفقه الإسلامي؟

المظنة هي الاحتمال الغالب لوقوع أمر ما، وقد استعملها الشافعي للقول بأن لمس المرأة مظنة خروج شيء من الرجل فينقض وضوءه.

ما الفرق بين المئنة والمظنة عند الشافعي في باب الطهارة؟

المئنة يقين تام كالقادم من الغائط الذي انتقض وضوءه حتمًا، والمظنة احتمال غالب كلمس المرأة الذي قد يُفضي إلى خروج شيء.

ما الاعتراض الذي وجّهه الأحناف للشافعي بشأن نقض وضوء المرأة باللمس؟

قالوا إن المظنة تصح في الرجل لأنه قد يخرج منه شيء، لكنها لا تصح في المرأة، فكيف ينتقض وضوؤها بمجرد اللمس؟

ما الدليل الحديثي الذي ساقه الأحناف على عدم نقض الوضوء بالقبلة؟

استدلوا بأن النبي ﷺ كان يُقبّل زوجته ثم يكبّر ويدخل الصلاة دون وضوء جديد، والقبلة لمس.

ما الدليل الحديثي الثاني الذي ساقه الأحناف من فعل السيدة عائشة؟

كانت السيدة عائشة تضع يدها على قدمي النبي ﷺ وهو ساجد لتتأكد من حياته، ولو كان اللمس ينقض الوضوء لما كان الأمر هكذا.

كيف يستعمل القرآن كلمة مسّ وفق الاستدلال اللغوي للأحناف؟

يستعملها للجماع كما في قوله تعالى ﴿ولم يمسسني بشر﴾، بينما لامس تعني وضع اليد على اليد أي اللمس الظاهري.

ما الحكم الشرعي للمسافر الذي يجد الماء لكنه يحتاجه للشرب؟

يجوز له التيمم لأن هذا يُعدّ فقدًا حسيًّا للماء من حيث الطهارة، إذ الماء مصروف لحاجة أشد ضرورةً.

ما الذي يجعل الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي في ﴿لامستم النساء﴾ خلافًا لغويًا وفقهيًا معًا؟

لغويًا يختلفان في دلالة لامس بين اللمس الظاهري والجنابة، وفقهيًا يترتب على ذلك حكم نقض الوضوء بمجرد لمس المرأة من عدمه.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!