ما هي الأدلة المختلف فيها في أصول الفقه وكيف استخدمها المجتهدون في استنباط الأحكام الشرعية؟
الأدلة المختلف فيها هي أدلة تزيد على ثلاثين دليلاً يلجأ إليها المجتهد حين تعذّر عليه استنباط الحكم من الأدلة الأربعة المتفق عليها. تشمل عمل أهل المدينة وقول الصحابي وشرع من قبلنا والمصلحة المرسلة، وكل منها نشأ من دافع محدد كالتعارض بين النصوص أو خلو المصادر الظاهرة من الحكم. والمجتهد لا يلجأ إليها لإنشاء أحكام جديدة من العدم، بل لترجيح الأدلة وضبط المساحات الواسعة من أفعال البشر التي لم يرد فيها نص مستقل.
- •
هل يمكن للمجتهد اليوم أن يُنشئ أدلة جديدة كما فعل أئمة القرون الأولى؟
- •
الأدلة المختلف فيها تربو على ثلاثين دليلاً، يشتهر منها نحو ثمانية أو تسعة، وكثير منها يشبه القواعد الفقهية كقاعدة ارتكاب أخف الضررين.
- •
عمل أهل المدينة عند الإمام مالك ليس دليلاً لإنشاء حكم جديد، بل آلية ترجيح عند تعارض حديث الآحاد مع عمل الجماعة المتواتر فعلاً.
- •
قول الصحابي يُعدّ حجة عند خلو الكتاب والسنة والإجماع والقياس من الحكم، وقصة حكم الإمام علي في الجريمة الوهمية نموذج تطبيقي على ذلك.
- •
شرع من قبلنا محل خلاف بين العلماء، والراجح اعتباره حجة ما لم يرد في شريعتنا ما ينسخه أو يعارضه.
- •
المصلحة المرسلة تضبط المساحات الواسعة من أفعال البشر غير المنصوص عليها، وشرطها أن تكون معتبرة بجملتها في الشرع لا بتفصيلها.
- 0:00
الاستدلال لغةً هو طلب الدليل وتحصيله، والألف والسين والتاء تدل على الطلب في جميع أغراضها العشرة.
- 1:49
الفقيه يحتاج إلى أدلة إضافية لسد الفجوة بين المصادر المحدودة والحوادث غير المتناهية التي تتجدد عبر الزمان والمكان.
- 3:06
الأدلة المختلف فيها ليست ضرورة مطلقة عند جميع العلماء، فبعضهم اكتفى بالأربعة وبعضهم تخيّر من الأدلة الإضافية.
- 4:31
الأدلة المختلف فيها تربو على ثلاثين دليلاً، يشتهر منها نحو ثمانية أو تسعة، وكثير منها يشبه القواعد الفقهية.
- 5:41
قاعدة ارتكاب أخف الضررين مسألة عقلية يتفق عليها العقلاء، استُعملت قاعدة فقهية أكثر من كونها دليلاً مستقلاً.
- 6:32
توليد الأدلة الجديدة ممكن للمجتهد المعاصر كما فعل أئمة القرون الأولى، وهذا يكشف عن آلية عمل العقل الفقهي.
- 7:52
الإمام مالك يعتبر عمل أهل المدينة حجة خلافاً لجمهور الأئمة، وفهم دافعه يستلزم الدخول في طريقة تفكيره الفقهي.
- 8:38
حديث سليك الغطفاني صحيح السند يأمر بصلاة ركعتين تحية المسجد حتى أثناء الخطبة، وهو محور إشكال الإمام مالك.
- 9:47
الإمام مالك قريب العهد من الصحابة، شيوخه أبناؤهم، وسند حديث سليك وصله بسلسلة ثقات لا تتجاوز جيلين.
- 10:56
الإمام مالك وجد أن أبناء الصحابة في المدينة لا يصلون ركعتين أثناء الخطبة رغم صحة الحديث، فأحدث ذلك اضطراباً في ذهنه.
- 12:20
الإمام مالك رأى عمل أبناء الصحابة في قوة المتواتر فقدّمه على حديث الآحاد، وجعل عمل أهل المدينة آلية ترجيح.
- 13:44
حديث التبكير إلى الجمعة صحيح رواه البخاري، يحثّ على الذهاب من طلوع الشمس، وهو مثال آخر على تعارض النص مع عمل أهل المدينة.
- 15:01
الإمام مالك وجد علماء المدينة الأتقياء لا يبكّرون إلى الجمعة رغم صحة الحديث، مما عمّق إشكاله في التعارض بين النص والعمل.
- 15:58
الشافعي وأبو حنيفة يقدّمان النص الصحيح مباشرة ولا يرون في عمل أهل المدينة حجة تعارض الحديث الصريح.
- 16:44
الإمام مالك جعل عمل أهل المدينة حجة في الترجيح وقبول الحديث ورفضه، مقدّماً عمل الجماعة على خبر الفرد عند التعارض.
- 17:58
عمل أهل المدينة عند مالك آلية ترجيح وفك تعارض لا دليل إنشاء حكم جديد، وتسميته دليلاً فيه تجاوز للحقيقة.
- 19:14
دليل عمل أهل المدينة نشأ من تعارض الآحاد مع عمل الجماعة، فمالك رأى العمل في قوة المتواتر فرجّحه على الآحاد.
- 20:05
الجميع يأخذ من أهل المدينة المقاييس والمعلومات الجغرافية باتفاق، والخلاف في اعتبار عملهم حجة في الترجيح الفقهي.
- 21:18
مقصد مالك أنه وجد تعارضاً بين آحاد ومتواتر مقدّر من عمل الجماعة، فاضطر إلى التأويل أو الرفض.
- 21:50
مالك أوّل حديث سليك بأنه خاص به لتنبيه الناس على فقره لا لتشريع عام، وهذا التأويل دفعه إليه تعارضه مع عمل أهل المدينة.
- 22:55
مالك اضطر للتأويل لأن عمل أهل المدينة حجة عنده في الترجيح، بينما الشافعي وأبو حنيفة طبّقا الحديث مباشرة.
- 23:34
الخلو الظاهري للمصادر الأربعة من الحكم هو الدافع لاعتبار قول الصحابي دليلاً عند المجتهد.
- 24:58
قول الصحابي يُعدّ حجة بشرط صحة نسبته إليه وعدم معارضة صحابي آخر له.
- 26:08
الإمام علي أجاب على دعوى الجريمة الوهمية بعقوبة وهمية وهي ضرب الظل، في حكم فقهي بديع يناسب جنس الجريمة.
- 27:19
الإمام علي اختار التعزير بضرب الظل لأنه يناسب جنس الجريمة الوهمية، جامعاً بين العقوبة والفضيحة والضغط النفسي.
- 28:46
المجتهد يجعل قول الصحابي أصلاً للقياس عند خلو المصادر الأربعة، وحكم الإمام علي في الجريمة الوهمية نموذج تطبيقي.
- 30:03
الخلو الظاهري للمصادر الأساسية دفع المجتهد لقول الصحابي، لما للصحابة من صفات فريدة في الفهم والتقوى والتدريب على الفتوى.
- 31:00
شرع من قبلنا محل خلاف على أربعة مذاهب: من يقبله مطلقاً ومن يرفضه مطلقاً ومن يشترط عدم النسخ أو عدم المعارضة.
- 31:37
الخلاف في حجية القرآن الكلية بين من يرى كل آياته مصدراً للأحكام ومن يقصرها على مائتين أو ثلاثمائة آية أحكام.
- 33:01
حكاية القرآن لشرائع الأمم السابقة مع الأمر بالاقتداء بهدى الأنبياء أثارت إشكالية هل نأخذ بتلك الشرائع أم لا.
- 34:17
أمثلة الاستدلال بشرع من قبلنا تشمل قصة موسى في الإجارة وصوم مريم بالصمت والأمر لها بالركوع مع الراكعين.
- 35:22
سجود التلاوة وسجود الشكر مشروعان خارج الصلاة، أما السجود المستمر خارج الصلاة فأهل السنة يعدّونه بدعة.
- 36:28
أهل السنة يجيزون سجود التلاوة والشكر فقط، ويعدّون السجود المستمر خارج الصلاة بدعة خلافاً لما نُسب لعلي زين العابدين.
- 37:42
طُرح على المجتهد جواز الركوع المفرد خارج الصلاة استدلالاً بأمر مريم بالركوع، وهو نموذج للاستدلال بشرع من قبلنا.
- 39:07
العلماء رفضوا الركوع المفرد وصوم الصمت ولم يقبلوا شرع من قبلنا فيهما، مستدلّين بنهي النبي عن عبادات إسرائيل الناذر.
- 40:19
النبي أبقى من عبادات إسرائيل ما وافق الشريعة كالصوم ونهى عما خالفها كالصمت والوقوف، وهو تطبيق عملي لضابط شرع من قبلنا.
- 41:27
الدافع الأول لدليل شرع من قبلنا هو حكاية القرآن لشرائع الأمم السابقة، مما أوجب على من يرى القرآن كله حجة تحديد موقفه منها.
- 42:07
خلو النصوص الظاهرة من الحكم هو الدافع الثاني لإنشاء الأدلة المختلف فيها، ويدفع المجتهد للاستعانة بأدلة إضافية.
- 42:30
المصلحة المرسلة مبنية على المنفعة التي هي جلب اللذات ودفع الآلام، وهي ليست خالصة بل مختلطة دائماً بشيء من المضرة.
- 44:05
القرافي يبيّن أن المنافع تتخللها المضار دائماً كمشقة الطبخ للوصول إلى لذة الأكل، مما يثبت نسبية المصلحة وعدم خلوصها.
- 45:02
المصالح نسبية ومتعارضة بين الناس ومتنوعة بين خاصة وعامة ومحققة وموهومة وعاجلة وآجلة، مما يستوجب أن يحددها الله لا الإنسان.
- 46:50
الله وحده يحدد المصلحة بإجماع المسلمين، والمصالح ثلاثة أقسام: معتبرة أقرّها الشرع وملغاة نهى عنها ومرسلة سكت عنها.
- 48:07
المصلحة المرسلة هي ما سكت عنه الشرع فلم يقيّده بإلغاء ولا اعتبار، بخلاف المعتبرة التي أقرّها والملغاة التي رفضها.
- 48:36
الشرع ألغى منفعة السرقة والزنا واعتبرها إثماً، وأباح البيع والإيجار رغم ما فيهما من مضار، وهذا هو معنى المصالح المعتبرة والملغاة.
- 49:49
في الإسلام الله يحدد المصلحة بينما في الأنظمة الأخرى يحددها الحاكم أو البرلمان، وهذا يكشف الاتصال العميق بين العقيدة والنظام السياسي.
- 51:06
تطبيق الشريعة يعني جعل المصالح المعتبرة والملغاة نظاماً عاماً للدولة، كما يكون النظام العام والآداب في الأنظمة القانونية الأخرى.
- 51:53
المجتهد جعل المصلحة المرسلة دليلاً لضبط ما سكت عنه الشرع، مع الالتزام بضوابط تمنع الخروج عن روح الشريعة.
- 52:52
المصلحة المرسلة تشترط الاعتبار بجملتها في الشرع عبر أحاديث كلية كلا ضرر ولا ضرار، لا بتفصيل كل جزئية على حدة.
- 54:06
المصالح المرسلة تشمل تنظيم المرور والطيران وبناء السدود والطرق وكل ما يؤدي إلى النفع والعمارة دون نص مستقل بكل جزئية.
- 55:14
المجتهد أنشأ دليل المصلحة المرسلة لأن مساحات ضخمة من أفعال البشر لم يرد فيها نص مستقل، وهي مرتبطة بالمقاصد الخمس.
- 56:10
الأصل في الأشياء الإباحة مبدأ عقدي يضمن أن كل فعل بشري له حكم شرعي ولو كان الإباحة، ضمن نظرية فقهية متكاملة.
ما معنى الاستدلال في اللغة العربية وما دلالة الألف والسين والتاء؟
الاستدلال في اللغة العربية مشتق من الألف والسين والتاء التي تدل على الطلب. فاستدلّ معناه طلب الدليل وسعى إلى تحصيله، كما أن استفهم معناه طلب الفهم، واستحجر الطين معناه أن الطين يسعى ليصبح حجراً. وإن عُدّت الألف والسين والتاء لنحو عشرة أغراض فإنها تتلخص جميعها في قضية الطلب.
ما هي الأدلة المختلف فيها ولماذا احتاج الفقيه إليها إلى جانب الأدلة الأربعة المتفق عليها؟
الأدلة المختلف فيها هي أدلة إضافية يلجأ إليها الفقيه لمعالجة الفجوة بين المصادر المحدودة والحوادث غير المتناهية. فالكتاب والسنة هما المصدران الأساسيان، والإجماع يحوّل الظني إلى قطعي، والقياس يُلحق الفرع بالأصل في حكمه عند اشتراكهما في العلة. غير أن هذه الأدلة الأربعة وحدها قد لا تكفي لاستيعاب كل الحوادث المتجددة عبر الزمان والمكان.
هل تكفي الأدلة الأربعة المتفق عليها أم يحتاج المجتهد إلى أدلة أخرى؟
بعض العلماء اكتفى بالأدلة الأربعة المتفق عليها ولم يقل بشيء من الأدلة المختلف فيها، معتبراً إياها تحصيل حاصل لا تُنشئ حكماً مستقلاً. وبعض الأئمة يتخيّر من الأدلة المختلف فيها دليلاً أو اثنين أو ثلاثة، وبعضهم يرفضها كلها. فالقضية مختلف فيها بالإجمال بين من يأخذ بها كلها ومن يرفضها كلها ومن يتخيّر منها.
كم عدد الأدلة المختلف فيها وما علاقتها بالقواعد الفقهية؟
عدد الأدلة المختلف فيها يربو على ثلاثين دليلاً، يشتهر منها نحو ثمانية أو تسعة، وأوصلها بعضهم كالشيخ جمال الدين القاسمي إلى نحو أربعين دليلاً. وكثير من هذه الأدلة تشبه القواعد الفقهية، كقاعدة ارتكاب أخف الضررين واجب، إذ يعدّها بعضهم دليلاً ويعدّها آخرون قاعدة فقهية.
لماذا تُعدّ قاعدة ارتكاب أخف الضررين قاعدة فقهية أكثر من كونها دليلاً مستقلاً؟
قاعدة ارتكاب أخف الضررين مسألة عقلية يتفق عليها العقلاء؛ لأن الإنسان إذا لم يرتكب الضرر الأخف وقع لا محالة في الضرر الأعظم. ولهذا استُعملت بصورة قاعدة أكثر مما أُطلق عليها دليل، وإن كان الدليل قد يُذكر وينظّم القاعدة.
هل يمكن للمجتهد المعاصر أن يُولّد أدلة جديدة كما فعل أئمة القرون الأولى؟
نعم، يمكن للمجتهد المعاصر أن يُولّد أدلة جديدة إذا احتاج إليها، كما ولّد أئمة القرون الأولى أدلتهم بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد عهد الصحابة. فالمجتهدون الذين أنشأوا هذه الأدلة لم يكونوا في القرن الأول، ونحن أيضاً قد بعُدنا عن القرن الأول. وهذه الأسئلة تُلقي أضواء على كيفية عمل ذهن المجتهد.
هل عمل أهل المدينة حجة شرعية وما موقف الأئمة منه؟
الإمام مالك يعتبر عمل أهل المدينة حجة، بينما لا يعتبره حجة غيره من الأئمة كالشافعي والأوزاعي وابن حنبل وأبي حنيفة. وللفهم الصحيح لموقف الإمام مالك لا بد من التفكر في طريقة تفكيره ومعرفة الدافع الذي جعله يعتبر عمل أهل المدينة حجة.
ما قصة حديث سليك الغطفاني وما علاقته بمسألة عمل أهل المدينة؟
سليك الغطفاني دخل المسجد يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس مباشرة، فقطع النبي خطبته وقال له: يا سليك هلّا حيّيت الله بركعتين. فقام سليك وصلى ركعتين تحية المسجد. هذا الحديث رواه ثقات عن رسول الله ووصل بسند صحيح إلى الإمام مالك.
كيف وصل حديث سليك إلى الإمام مالك وما قرب عهده من الصحابة؟
الإمام مالك سمع الحديث من عالم ثقة سمعه من شيخه الثقة الذي سمعه من صحابي رأى الموقف بنفسه. والإمام مالك المتوفى سنة مائة وأربعة وسبعين هجرياً كان بينه وبين وفاة النبي نحو ستة وثمانين عاماً فقط، وكان يروي عن نافع عن ابن عمر، أي أن شيوخه وأساتذته هم أبناء الصحابة أنفسهم.
ما الإشكال الذي واجه الإمام مالك عندما وجد عمل أهل المدينة مخالفاً لحديث سليك الصحيح؟
الإمام مالك لم يرَ أحداً من أهل المدينة يأتي متأخراً ويصلي ركعتين أثناء الخطبة، بل كل من أتى جلس مباشرة. وهذا أحدث له اضطراباً لأنه في عصر الخير حيث العلماء والأتقياء منتشرون وهم أبناء الصحابة. فتساءل: هل يُعقل أن يجتمعوا كلهم على الخطأ؟ فكان عنده تعارض بين نبأ قولي من فرد ونبأ فعلي من جماعة.
كيف رجّح الإمام مالك عمل أهل المدينة على حديث الآحاد عند التعارض؟
الإمام مالك رأى أن حديث الآحاد يعارضه عمل جماعة من الأتقياء الأنقياء أبناء الصحابة الذين رأوا هذا عن آبائهم. فكأن عمل الجماعة في قوة الحديث المتواتر، والترجيح يكون للمتواتر على الآحاد. ولذلك قدّم عمل أهل المدينة وجعله حجة تفسّر السنة وتُرجّح رأياً على آخر في نظرية التعارض والترجيح.
ما حديث التبكير إلى الجمعة وكيف يتعلق بمسألة عمل أهل المدينة؟
النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أتى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرّب بدنة، ومن أتاها في الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن أتاها في الثالثة فكأنما قرّب شاة، وتغلق الملائكة الصحف إذا صعد الإمام المنبر. والحديث أخرجه البخاري وهو صحيح لا كلام فيه، وهو يحثّ على التبكير إلى الجمعة من طلوع الشمس.
كيف وجد الإمام مالك عمل أهل المدينة مخالفاً لحديث التبكير إلى الجمعة رغم صحته؟
الإمام مالك لم يرَ أحداً من علماء أهل المدينة يبكّر إلى الجمعة من طلوع الشمس، بل كانوا يذهبون قبل الأذان بربع ساعة أو عشر دقائق. وهؤلاء العلماء الأتقياء الأنقياء المتتبعون للسنن والآثار، فوجد عمل أهل المدينة مخالفاً لحديث صحيح، مما عمّق إشكاله وجعله يبحث عن آلية للترجيح.
ما موقف الإمام الشافعي وأبي حنيفة من تقديم النص على عمل أهل المدينة؟
الإمام الشافعي وأبو حنيفة يقولون: النص هكذا وما لنا بعمل أهل المدينة، فهم ليسوا معصومين وليسوا كل الصحابة إذ كثيراً منهم تركوا المدينة وسافروا إلى الآفاق. فيلتزمون بالحديث الوارد بسند صحيح مباشرة دون النظر إلى مقارنته بعمل أهل المدينة.
ما حجة الإمام مالك في تقديم عمل الجماعة على حديث الآحاد وكيف جعل عمل أهل المدينة أداة ترجيح؟
الإمام مالك لا يتصور أن يكون الحديث صحيحاً في حين أن أهل المدينة اتفقوا على عدم العمل به إطلاقاً. فقدّم عمل المجموع على كلام فرد بعينه، وجعل عمل أهل المدينة حجة تفسّر السنة وتساعده في نظرية التعارض والترجيح، فيرجّح به رأياً على رأي أو يقبل حديثاً ويرفض آخر.
هل جعل الإمام مالك عمل أهل المدينة دليلاً لإنتاج حكم جديد أم آلية ترجيح فقط؟
الإمام مالك في حقيقة الأمر لم يجعل عمل أهل المدينة دليلاً لإنتاج حكم شرعي جديد، بل جعله آلية للقبول والرفض وفك التعارض والترجيح بين الآراء والأحاديث. وتسمية هذا بالدليل فيه تجاوز، والذي دفعه إليه هو دفع التعارض والتنافر والوصول إلى الراجح دون المرجوح.
كيف نشأ دليل عمل أهل المدينة وما الفرق بين موقف مالك والشافعي في التعامل مع التعارض؟
دليل عمل أهل المدينة نشأ من التفكّر في تعارض حديث صحيح مع عمل الجماعة، فبدأ التفكير في الترجيح. الشافعي أخذ بصريح النص، ومالك أخذ بعمل الجماعة لأنه يرى الجماعة ناقلة لحديث متواتر. فكأن هناك حديثين: حديث آحاد وحديث متواتر، والترجيح يكون للمتواتر على الآحاد.
ما الذي يُسلّم به الجميع من عمل أهل المدينة وما الذي يُختلف فيه؟
يُسلّم الجميع بأخذ الكيل والميزان والصاع والمد والدرهم والدينار من أهل المدينة لأنهم أدرى بها. وكذلك المعلومات الجغرافية كموضع هجر لتحديد قلال الماء، وموضع بئر بضاعة وبئر رومة. أما ما يختلف فيه فهو اعتبار عمل أهل المدينة حجة في الترجيح بين الأحاديث والآراء الفقهية.
ما حقيقة مقصد الإمام مالك من عمل أهل المدينة وكيف تعامل مع التعارض؟
حقيقة مقصد الإمام مالك أنه وجد تعارضاً بين حديث في صورة الآحاد وحديث مقدّر في صورة المتواتر. هذا التقدير جاءه من أن جماعة اتفقت على عمل معين فكان في قوة الحديث. فاضطر الإمام مالك إلى أن يؤوّل الحديث الآحادي أو يرفضه.
كيف أوّل الإمام مالك حديث سليك الغطفاني وما الحكمة من هذا التأويل؟
الإمام مالك أوّل حديث سليك بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصد سليكاً بالذات لأنه كان فقيراً صعلوكاً، فأراد تنبيه الناس إليه ليعطوه صدقة بعد الصلاة. فبدلاً من إحراجه أمام الناس بطلب الصدقة له مباشرة، قال له قوموا فصلّوا ركعتين فتنبّه الجالسون أن سليكاً حضر فيتصدقوا عليه.
لماذا لجأ الإمام مالك إلى تأويل حديث سليك بينما أخذ به الشافعي وأبو حنيفة مباشرة؟
الإمام مالك اضطر إلى التأويل لأن الحديث تعارض مع عمل أهل المدينة الذي يعدّه حجة في الترجيح والقبول والرفض. أما الشافعي وأبو حنيفة فأخذوا الحديث وطبّقوه مباشرة دون النظر إلى عمل أهل المدينة. وهذا هو معنى دليلية عمل أهل المدينة عند مالك: أنه يؤثّر في قبول الحديث وتأويله.
ما الذي دفع المجتهدين إلى اعتبار قول الصحابي دليلاً شرعياً؟
الذي دفع المجتهد إلى اعتبار قول الصحابي دليلاً هو الخلو الظاهري للكتاب والسنة والإجماع والقياس من الحكم في مسألة معينة. فحين لا يجد المجتهد في هذه المصادر الأربعة ما يُسعفه أثناء حاجته لإصدار الحكم، يجد قولاً للصحابي فيلجأ إليه.
ما شروط اعتبار قول الصحابي حجة شرعية؟
يُعدّ قول الصحابي حجة بشرطين: أولاً أن يكون صحيحاً ثابتاً عن الصحابي بالتأكد من صحة نسبته إليه. وثانياً أن لا يرد ما يخالفه عن صحابة آخرين، أي أن يكون قول صحابي واحد لم يعارضه أحد من الصحابة. وكثير من فتاوى الصحابة كانت على هذا الشأن.
ما قصة حكم الإمام علي في من ادّعى رؤية أم رجل في المنام وكيف تعامل معها؟
رجل قال لآخر إنه كان مع أمه في المنام طوال الليل، فذهب المشتكي إلى الإمام علي يطلب إقامة الحد. فقال الإمام علي: ليقف في الشمس ولتُضرب ظلّه. فكأن الإمام علي أراد أن يعاقب على جريمة وهمية بعقوبة وهمية، إذ لا يجوز إقامة الحد على فعل في المنام.
ما الحكمة من حكم الإمام علي بضرب الظل وكيف ناسب العقوبة جنس الجريمة؟
الإمام علي أراد ألا يترك المسألة بلا عقاب لأن الرجل أتى بكلام تافه مؤذٍ، وفي الوقت ذاته لا يريد أن يقع في جريمة ضرب أحد حداً ليس مستحقاً له. فاختار التعزير بالفضيحة والضغط النفسي بوقوفه في الشمس وضرب ظله، وهذا يتناسب مع جنس الجريمة الوهمية التي ارتكبها.
كيف يُقاس على قول الصحابي وما مثال ذلك من حكم الإمام علي؟
يجعل المجتهد قول الصحابي أصلاً يقيس عليه، فيطبّق مبدأ تحويل الجريمة الوهمية إلى عقوبة وهمية على كل ما من شأنه تحويل الحس إلى وهم سواء في المنام أو في الذهن. والدافع لاعتبار كلام الإمام علي حجة هو أن المجتهد بحث في القرآن والسنة والإجماع والقياس فلم يجد أصلاً نصياً ولا ما يصلح أن يكون أصلاً.
ما الذي جعل المجتهد يُنشئ دليل قول الصحابي وما صفات الصحابة التي تجعل قولهم حجة؟
الذي دفع المجتهد لإنشاء دليل قول الصحابي هو الخلو الظاهري للمصادر الأساسية من الحكم. فاتجه إلى كلام الصحابة لأنهم العرب الأقحاح أصحاب الملكة اللغوية، تربّوا في مدرسة النبي ورأوا منازل الوحي وفهموا الخطاب وتدرّبوا على الفتوى، ومشهود لهم بالتقوى والورع والصدق والثقة.
هل شرع من قبلنا شرع لنا وما مذاهب العلماء في ذلك؟
اختلف العلماء في شرع من قبلنا على أربعة مذاهب: الأول أنه شرع لنا مطلقاً، والثاني أنه ليس شرعاً لنا مطلقاً، والثالث أنه شرع لنا إذا لم يرد ناسخ في شريعتنا، والرابع أنه شرع لنا إذا لم يعارض أصلاً من أصول شريعتنا.
هل القرآن كله مصدر لاستنباط الأحكام الفقهية أم فقط آيات الأحكام؟
اختلف العلماء في ذلك: كثير من الأصوليين والمجتهدين يرون أن القرآن كله حجة وتُستنبط منه الأحكام الفقهية، فالستة آلاف آية كلها حجة. أما الإمام الغزالي ومدرسته فيرون أن آيات الأحكام هي مائتان أو ثلاثمائة آية فقط وهي الصريحة في الفقه، وما عداها لا يُستنبط منه حكم فقهي.
كيف أثارت حكاية القرآن لشرائع الأمم السابقة إشكالية الاستدلال بشرع من قبلنا؟
من ذهب إلى أن القرآن كله مصدر للأحكام اصطدم بآيات تحكي تشريعات الأمم السابقة فتساءل: هل نأخذ بها؟ وقد يدل على الأخذ بها قوله تعالى: فبهداهم اقتده، وقوله: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم. فثارت إشكالية: هل نركب مركبهم ونأخذ برأيهم؟
ما الأمثلة التطبيقية على الاستدلال بشرع من قبلنا من قصص القرآن الكريم؟
من الأمثلة التطبيقية: الاستدلال بقصة موسى مع صاحب مدين في أحكام الإجارة وعمل الإنسان. والاستدلال بقول مريم: إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً، على جواز التعبد بالصمت. والاستدلال بالأمر لمريم: واركعي مع الراكعين، على جواز الركوع المفرد خارج الصلاة.
ما أنواع السجود المشروعة خارج الصلاة وما الدليل على كل منها؟
السجود المشروع خارج الصلاة نوعان متفق عليهما: سجود التلاوة عند مواضع السجدة في القرآن، وسجود الشكر عند تجدد النعم. وقد كان ابن عباس يسجد عند رؤية آيات الله، فلما بلغته وفاة ميمونة سجد وقال: إن الموت لآية. أما السجود المستمر خارج الصلاة كما كان يفعل علي زين العابدين فأهل السنة يعدّونه بدعة.
ما موقف أهل السنة من السجود المفرد المستمر خارج الصلاة كما كان يفعل علي زين العابدين؟
علي زين العابدين المعروف بالسجّاد كان يسجد كثيراً خارج الصلاة، وهو ما خالف عليه الأئمة الأربعة. أهل السنة يقولون إن السجود المستمر خارج الصلاة لم يرد، وإن أراد الإنسان الدعاء ساجداً فليدعُ في الصلاة. أما السجود بعد السلام للدعاء فبعض فرق المسلمين يفعلونه وأهل السنة يعدّونه بدعة.
هل يجوز الركوع المفرد خارج الصلاة استدلالاً بالأمر الموجه لمريم في القرآن؟
طُرح على المجتهد سؤال: هل يجوز الركوع المفرد خارج الصلاة استدلالاً بقوله تعالى لمريم: واركعي مع الراكعين؟ فكأن المجتهد يريد أن يستقبل القبلة ويركع ويسبّح ثم يقوم. وهذا مثال على محاولة الاستدلال بشرع من قبلنا لإحداث حكم شرعي جديد في العبادة.
ما موقف العلماء من الركوع المفرد وصوم الصمت وهل يُقبل فيهما شرع من قبلنا؟
العلماء رفضوا الركوع المفرد خارج الصلاة لأن الركوع جزء من الصلاة ولا يجوز تجزئتها بلا دليل. وكذلك رفضوا صوم الصمت لأن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على رجل نذر الصوم والصمت والوقوف وعدم الاستظلال، فأمره بالجلوس والاستظلال والكلام وإتمام الصوم فقط. فلم يقبلوا شرع من قبلنا في هذين المجالين.
كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع عبادات إسرائيل الناذر وما الدرس المستفاد؟
النبي صلى الله عليه وسلم أمر إسرائيل الناذر بإتمام صومه عن الطعام لأنه يوافق شريعة المسلمين، ونهاه عن الصمت والوقوف وعدم الاستظلال لأنها عبادات أخذها عن الشرائع السابقة وتخالف شريعة الإسلام. فهذا يدل على أن شرع من قبلنا يُقبل ما وافق شريعتنا ويُرفض ما نُسخ أو عارض أصولها.
ما الدافع الأول لإنشاء دليل شرع من قبلنا وكيف ارتبط بحجية القرآن الكلية؟
الدافع الأول لإنشاء دليل شرع من قبلنا هو وجود حكاية لشرائع الأمم السابقة في القرآن الكريم. فمن اعتبر القرآن كله مصدراً للأحكام اضطر إلى تحديد موقفه من هذه الآيات وكيفية التعامل معها، مما جعل قضية شرع من قبلنا محل بحث ونظر بين العلماء.
ما الدافع الثاني لإنشاء الأدلة المختلف فيها وكيف يرتبط بخلو النصوص من الحكم؟
الدافع الثاني لإنشاء الأدلة المختلف فيها هو خلو النصوص الظاهرة من الحكم في مسائل معينة. فحين لا يجد المجتهد في الكتاب والسنة والإجماع والقياس ما يُسعفه، يضطر إلى الاستعانة بشيء آخر كقول الصحابي أو المصلحة المرسلة.
ما تعريف المصلحة المرسلة وما حقيقة المنفعة في الفقه الإسلامي؟
المصلحة المرسلة مشتقة من المصلحة التي هي كالمنفعة وزناً ومعنى، والمنفعة هي جلب اللذات ووسائلها ودفع الآلام ووسائلها. وحقيقة المنفعة أنها ليست خالصة، إذ ليس هناك منفعة من غير أن يشوبها شيء من المضرة، وليس هناك مضرة لا يشوبها شيء من المنفعة، فالأمر مختلط دائماً.
كيف يتخلل الألم اللذة في المنافع وما مثال القرافي على ذلك؟
الأكل لذة لكن الإكثار منه يسبب التخمة والأمراض. والقرافي يضرب مثلاً بأن الإنسان لكي يطبخ طعاماً يتحمل مشقة البحث عن الوقود وإشعاله وتحمّل لهيب النار وخطر الاحتراق. فتخللت المنافع المضار وأصبحت غير خالصة، وهذا يدل على نسبية المصلحة وعدم خلوصها.
لماذا تكون المصالح نسبية ومتعارضة بين الناس وما أنواعها؟
المصالح نسبية لأن فوائد قوم قد تكون مصائب عند قوم آخرين، كالطبيب الذي يستفيد من مرض الناس. والمصالح متنوعة: فهناك مصلحة خاصة وعامة، ومحققة وموهومة، وعاجلة وآجلة، ودنيوية وأخروية. وهذا التعارض والتنوع يجعل الإنسان لو استقل بتحديد المصلحة لاختلف واختلفت عليه.
من يحدد المصلحة في الإسلام وما تقسيم المصالح عند العلماء؟
أجمع المسلمون من العقيدة أن الذي يحدد المصلحة هو الله سبحانه وتعالى. وقد قسّم العلماء المصالح إلى ثلاثة أقسام: المعتبرة وهي ما أقرّها الله وأباحها أو أمر بها، والملغاة وهي ما نهى عنها الله وألغاها، والمرسلة وهي المسكوت عنها التي لا هي معتبرة ولا ملغاة.
ما الفرق بين المصلحة المعتبرة والملغاة والمرسلة في أصول الفقه؟
المصلحة المعتبرة هي التي تحدث عنها الشرع وأقرّها، والملغاة هي التي تحدث عنها الشرع ورفضها. أما المصلحة المرسلة فهي التي سكت عنها الشرع فلم يقيّدها لا بالإلغاء ولا بالاعتبار، وسُمّيت مرسلة لأنها مطلقة غير مقيدة.
ما أمثلة المصالح الملغاة والمعتبرة في الشريعة الإسلامية؟
من المصالح الملغاة: منفعة اللص من السرقة ألغاها الشرع واعتبر العدوان على المال إثماً، ومتعة الزاني ألغاها الشرع. ومن المضار الملغاة: نقص مال صاحب العمل بدفع الأجر ألغاه الشرع واعتبر الأجر. ومن المصالح المعتبرة: البيع والشراء رغم ما فيه من مشاحّة، والإيجار رغم ما فيه من غرر.
كيف يختلف تحديد المصلحة في الأنظمة غير الإسلامية عن الإسلام وما علاقة ذلك بالعقيدة؟
في الأنظمة غير الإسلامية يحدد المصلحة الدكتاتور في النظام الدكتاتوري، أو الحزب الواحد في النظام الشمولي، أو مجلس النواب في النظام الديمقراطي. أما في الإسلام فالله هو الذي يحدد المصلحة، وهذا يكشف اتصال النظام السياسي بالعقيدة، إذ المصالح الشرعية تشبه في الأنظمة القانونية الآداب والنظام العام.
ما حقيقة دعوة المسلمين لتطبيق الشريعة وما علاقتها بمفهوم النظام العام؟
تطبيق الشريعة معناه اعتبار مساحة المصالح المعتبرة والملغاة نظاماً عاماً للدولة وآداباً لا يخرج عنها. فكما أن النظام العام والآداب في أي دولة لا يجوز لأحد الخروج عنهما، كذلك المصالح المعتبرة والملغاة عند المسلمين هي نظامهم العام الذي لا يُتجاوز.
كيف جعل المجتهد المصلحة المرسلة دليلاً شرعياً وما ضوابطها؟
المجتهد جعل المصلحة المرسلة دليلاً لضبط ما سكت عنه الشرع، إذ لا كلام فيما حدده الشرع بالاعتبار أو الإلغاء لأنه يمثل النظام العام والآداب. أما ما سكت عنه الشرع فلا بد من ضبطه وجعل المصلحة المرسلة منشأً للأفعال فيه، مع الالتزام بضوابط تمنع الخروج عن روح الشريعة.
ما شرط المصلحة المرسلة وكيف تكون معتبرة بجملتها لا بتفصيلها؟
شرط المصلحة المرسلة أن تكون معتبرة بجملتها في الشرع لا بتفصيلها، أي أن يكون الشرع قد أقرّ مبدأها العام دون أن ينص على جزئياتها. والدليل على ذلك أحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار، وأحسنكم أنفعكم للناس، وخياركم خياركم لأهله. فهذه تُقرّ مبدأ المصلحة العامة دون تفصيل جزئياتها.
ما أمثلة المصالح المرسلة في الحياة المعاصرة؟
من أمثلة المصالح المرسلة المعاصرة: تمهيد الطرق وبناء السدود والخزانات، ووضع مواصفات الإنتاج، وتنظيم حركة الطيران والمرور، وكل ما تقوم به جماعة البشر من أعمال تؤدي إلى الخير والنفع والتقدم والعمارة وتساعد على العبادة. ولم يرد بخصوص كل واحد منها حكم مستقل بذاته بل تُرك لمساحة كبيرة.
ما الدافع الذي جعل المجتهد يُنشئ دليل المصلحة المرسلة وما علاقته بالمقاصد الخمس؟
الدافع لإنشاء دليل المصلحة المرسلة هو وجود مساحات ضخمة من أفعال البشر لم يرد بخصوصها وبجزئياتها دليل مستقل. فالمجتهد لا يريد أن يترك هذه المساحات بلا بيان لدليلها، وهي مرتبطة بالمقاصد الخمس: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
ما معنى استصحاب الأصل وكيف يرتبط بمبدأ الأصل في الأشياء الإباحة؟
استصحاب الأصل يعني أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد دليل على التحريم، وهذا يضبط المساحات الواسعة من أفعال البشر غير المنصوص عليها. وهذا المبدأ متصل بمسألة عقدية: فالله خلقنا وكلّفنا بالشرع، وكل فعل بشري لا بد أن يكون لله فيه حكم ولو كان هذا الحكم هو الإباحة، لأن النظرية الفقهية نظرية متكاملة لا تترك فعلاً بلا حكم.
الأدلة المختلف فيها نشأت من حاجة المجتهد لسد الفجوة بين النصوص المحدودة والحوادث غير المتناهية عبر آليات منهجية دقيقة.
الأدلة المختلف فيها في أصول الفقه تربو على ثلاثين دليلاً، يلجأ إليها المجتهد لا لإنشاء أحكام من فراغ، بل لمعالجة حالات التعارض بين النصوص أو خلو المصادر الأساسية من الحكم. فعمل أهل المدينة عند الإمام مالك جُعل آلية ترجيح بين حديث الآحاد وعمل الجماعة المتواتر فعلاً، لا دليلاً مستقلاً لإنتاج حكم جديد.
أما قول الصحابي فيُعتبر حجة عند خلو القرآن والسنة والإجماع والقياس من الحكم، وقصة الإمام علي في الجريمة الوهمية نموذج على القياس عليه. وشرع من قبلنا محل خلاف بين العلماء، والمصلحة المرسلة تضبط المساحات الواسعة من أفعال البشر بشرط اعتبارها بجملتها في الشرع، مما يجعل كل فعل بشري لله فيه حكم ولو كان الإباحة.
أبرز ما تستفيد منه
- الأدلة المختلف فيها تزيد على ثلاثين دليلاً ويشتهر منها نحو ثمانية أو تسعة.
- عمل أهل المدينة عند مالك آلية ترجيح لا دليل إنشاء حكم مستقل.
- قول الصحابي حجة عند خلو المصادر الأربعة الأساسية من الحكم.
- المصلحة المرسلة تشترط الاعتبار بجملتها في الشرع لا بتفصيلها.
- الأصل في الأشياء الإباحة لضبط المساحات الواسعة من أفعال البشر.
معنى الاستدلال في اللغة العربية ودلالة الألف والسين والتاء على الطلب
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه. نتعرض إلى ما يمكن أن نسميه بالاستدلال، والألف والسين والتاء تدخل في العربية للطلب؛ فنقول "استدان" أي أنه قد طلب الدين، ونقول "استحجر الطين" أي صار الطين حجرًا، فكأن الطين يحاول أن يطلب الحجرية، يحاول أن يصبح حجرًا. ونقول "استفهم" أي أنه قد طلب الفهم، أراد أن يفهم، وهكذا.
فالألف والسين والتاء وإن عدُّوها تدخل لنحو عشرة أغراض، لكن لو تأملنا في هذه الأغراض كلها لوجدناها أنها تتلخص في قضية الطلب. فاستدلّ أنه قد سعى إلى تحصيل وطلب الدليل، والاستدلال بالطلب وحصل طلب أن يحصل الدلالة.
الأدلة المختلف فيها وحاجة الفقيه إلى أدلة إضافية غير المتفق عليها
وهو أيضًا ما يُعرف بالأدلة المختلف فيها. لهذا احتاج الفقيه أن يذهب إلى أدلة أخرى، وقد عرفنا أن الكتاب والسنة هما المصدران الأساسيان للتشريع، وأن الإجماع وظيفته أن يحوّل الظني إلى قطعي فيرفع النزاع ويجمع الأمة على قدر مشترك، فلا تنفلت الأمور إلى احتماليات الدليل النقدي.
وأن الإلحاق [أي القياس] يعالج تلك الفجوة ما بين الأدلة لانحصارها في عدد معين معدود محدود، وبين الحوادث التي نريد أن نتبيّن لله سبحانه وتعالى فيها ولها حكمًا. فهذه الفجوة ما بين الحوادث غير المتناهية المتجددة غير المحصورة التي تتجدد عبر الزمان والمكان، وتلك المصادر المحدودة، قد صنعنا لها آليات هي آليات القياس أو الإلحاق؛ حتى نتمكن من إلحاق الفرعي بالأصلي في حكمه عندما يشترك في علته، إلى آخر ما قد ذكرناه بالمقال الثالث.
هل تكفي الأدلة الأربعة المتفق عليها أم يحتاج المجتهد إلى أدلة أخرى
أوليس هذا [أي الأدلة الأربعة المتفق عليها] كافيًا؟ المفروض أنه يكفي، وهناك بعض من اكتفى به لدرجة أنه لم يقل بشيء من الأدلة التي سنذكرها اليوم. فكأن الأدلة التي سنذكرها اليوم هي تحصيل حاصل، أو هي تُطمئن قلب المستند، ولكن لا تُنشئ حكمًا، أو هي ليست معتبرة بل المعتبر هي الأدلة [الأربعة]، وبذلك لا يقولون بها.
وبعض الأئمة يتخيّر منها دليلًا أو اثنين أو ثلاثة، وبعضهم يختار أدلة أخرى غير هذه الأدلة الثلاثة التي تخيّرها أخوهم المجتهد الأول، وهكذا. فالقضية هنا هي أن هذه الأدلة مختلف فيها بالإجمال، وكانت المختلف فيها تشمل ذلك الذي يأخذ بها كلها، وذلك الذي يرفضها كلها، وهذا الذي يتخيّر منها فيأخذ بعضها ويُعرض عن بعضها الآخر.
عدد الأدلة المختلف فيها يربو على الثلاثين وبعضها قواعد فقهية
فكل ذلك كائن. عدد هذه الأدلة يربو على الثلاثين - ثلاثين دليلًا - لكن يشتهر منها نحو ثمانية أو تسعة، حتى إذا ما أضفناها إلى الأربعة المشهورة المعروفة المتفق عليها التي ذكرناها، فإنها تصل في حدود اثني عشر دليلًا أو ثلاثة عشر دليلًا في هذا الحدود. إنما أوصلها عندما عدّها بعض الحدود مثل الشيخ جمال الدين القاسمي إلى نحو من أربعين دليلًا. إذن الأدلة المتفق عليها، دا غير العلم المختلف فيه، ستة وثلاثين دليلًا.
لكن لو تأملنا في غالب هذه الأدلة ستة وثلاثين أو التي خرقت ثلاثة عشر، لوجدناها كأنها قواعد فقهية. مثلما يكون "ارتكاب أخف الضررين واجب"، أعدّها بعضهم دليلًا وبعضهم يعدّها كقاعدة: إن ارتكاب أخف الضررين واجب.
قاعدة ارتكاب أخف الضررين واجب بين كونها دليلاً وقاعدة فقهية
هذه مسألة عقلية؛ لأن الإنسان إذا لم يرتكب ذلك الضرر الأخف فإنه يقع ولا محالة في الضرر الأعظم، وعلى ذلك فكل عاقل يدرأ هذا الضرر الأعظم بذلك الضرر الأخف. فهذا يتفق عليه العقلاء، وهذه تفصيلة استُعملت بصورة قاعدة أكثر مما أُطلق عليها دليل.
وعلى أن الدليل قد يُطلق وينظم القاعدة، وهذا هو الذي جعل بعضهم جعل بعضهم يذكرون كلمة "دليل" بإزاء هذه القواعد. الدليل يُذكر وينظم القاعدة.
أسئلة جوهرية حول حاجة المجتهد إلى الأدلة المختلف فيها وإمكانية توليد أدلة جديدة
ونرى عبر اليوم ببعض تلك الأدلة، ونرى كيف ولماذا احتاج إليها المجتهد، وهل هذه الحاجة حاجة حقيقية، وهل هذه الحاجة حاجة مرتبطة بالزمان.
وهل يمكن لنا الآن أن نولّد أدلة أخرى إذا ما احتجنا إليها؟ كما ولّدت تلك الأدلة أئمة ليسوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تكن في عهد الصحابة، لم يكونوا في القرن الأول مثلًا، بل كانوا في قرن قد بعُد عن القرن الأول. ونحن أيضًا قد بعُدنا عن القرن الأول، وبناءً على ذلك، فيمكن لنا أن ننشئ الأدلة؟ وكيف ننشئ الأدلة إذا ما احتجنا إليها؟ ولماذا ننشئها وكيف نفعلها؟ كل هذه الأسئلة تلقي لنا أضواء على ذهن المجتهد كيف يعمل أو كيف كان يعمل.
عمل أهل المدينة كدليل عند الإمام مالك وموقف بقية الأئمة منه
فمثلًا نذهب إلى عمل أهل المدينة، هل هو حجة؟ فالإمام مالك يعدّ عمل أهل المدينة ويعتبره حجة، وغيره من الأئمة كالشافعي والأوزاعي وابن حنبل وأبي حنيفة وكذا لا يعتبرونه حجة.
ما الذي دفع الإمام مالك لأن يعتبر عمل أهل المدينة حجة؟ إذن فلا بد علينا أن نفكر وأن نتصور وأن نذهب بداخل عقل الإمام مالك لنرى كيف كان يفكر.
حديث سليك الغطفاني وأمر النبي له بصلاة ركعتين أثناء الخطبة
النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب في يوم الجمعة، يدخل رجل من غطفان اسمه سليك، وسليك الغطفاني يجلس. النبي صلى الله عليه وسلم يقطع الخطبة ويقول له:
«يا سليك، هلّا حيّيت الله بركعتين، لقد دخلت في المسجد فجلست فورًا دون أن تصلي ركعتين تحية المسجد»
فقام سليك فصلّى. هذا الحديث رواه ثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصل بطريقة صحيحة إلى الإمام مالك.
سند حديث سليك ووصوله إلى الإمام مالك بسلسلة ثقات قريبة العهد
الإمام مالك سمعه من أحد العلماء الثقات، الذي سمعه من شيخه وكان ثقة، والذي سمعه من صحابي، الصحابي الثقة الذي أخبر أنه قد رأى هذا الموقف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المسألة بسيطة: الإمام مالك متوفى مائة وأربعة وسبعين هجريًا، عن ثمانٍ وثلاثين سنة أو ثمانية وسبعين سنة، مولود عام ستة وسبعين. انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى سنة أحد عشر، أي ما بين وفاة النبي وولادة مالك ما يقارب ستة وثمانون عامًا.
يعني الأمر لم يزل، ماذا؟ يعني لا يوجد جيلين. الإمام مالك يروي عن نافع عن ابن عمر، يعني بينه وبين الصحابة، يعني هو رأى أبناء الصحابة، شيوخه وأساتذته هم أبناء الصحابة، فالحكاية قريبة.
إشكال الإمام مالك من مخالفة عمل أهل المدينة لحديث سليك الصحيح
لكن هذا قد أحدث له [أي للإمام مالك] إشكالًا في ذهنه ومشكلة في ذهنه وفي نفسه. ذلك المسألة قريبة أيضًا، وهو لم يرَ أحدًا إطلاقًا من أهل المدينة يأتي متأخرًا ويصلي ركعتين. كل من أتى من أهل المدينة جلس.
ما هذا؟ نحن مازلنا في عصر الخير، والعلماء منتشرون، والأتقياء منتشرون، وهؤلاء الذين نراهم وتعلّمت على أيديهم هم أبناء الصحابة. نعم، أيُجمعون كلهم هكذا على الخطأ؟ أنا حدث عندي أنا مالك اضطراب قليلًا؛ لأن واحدًا يخبرني بنبأ قولي، وجماعة تخبرني بنبأ فعلي.
تعارض حديث الآحاد مع عمل الجماعة وترجيح الإمام مالك لعمل أهل المدينة
هو رآهم لا يصلّون [أي ركعتي تحية المسجد أثناء الخطبة]، والله، وهؤلاء قد رأوا آباءهم الصحابة لا يصلّون. هل هذا معقول؟ فالإمام مالك يقف عند هذه الجزئية ويقول: لقد حدث في قلبه شك وعلامة استفهام من هذا الحديث الذي سمعته من واحد على أنه يخالف العمل الذي عليه جماعة.
فكأن هذا آحاد وكأن هذا كلام الجماعة عن الجماعة، فيكون العمل أقوى. فكيف أترك العمل؟ والعمل ليس صادرًا عن أشخاص عاديين، عن أشخاص مقصّرين في ركعتين، لا! بل هؤلاء هم الأتقياء الأنقياء، أئمة مجاهدين علماء، أبناء الصحابة الذين رأوا هذا عن آبائهم، وهم متمسكون بكل همسة ولمسة عرفوها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى في مشيته، حتى في كيفية تسوية لحيته، حتى في أمور حياته.
إن الذين يتمسكون بهذه الكيفية غير معقول أن يجتمعوا جميعًا على هذا الشكل.
حديث التبكير إلى الجمعة ومخالفة أهل المدينة له في الواقع العملي
مالك يسمع أن نبيكم صلى الله عليه وسلم - ويسمع من ثقات - النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«من أتى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرّب بقرة أو بدنة، ومن أتاها في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن أتاها في الساعة الثالثة فكأنما قرّب شاة» أخرجه البخاري
وهكذا، يعني يحثّ على التبكير، أن تذهب مبكرًا إلى الجمعة. فالأفضلية في الساعة الأولى، والساعة الأولى لديه تقريبًا عند طلوع الشمس، أي في الشروق، فإنني أذهب لأصلي الجمعة ولكن أول طلوع الشروق أجلس في المسجد وأعبد الله سبحانه وتعالى.
والحديث صحيح لا يوجد فيه كلام، إلى أن قال: ومن جاء بعد ذلك فالملائكة تغلق الصحف، تغلق التسجيل، ويردّوا باب التسجيل إذا الإمام صعد للمنبر.
الإمام مالك لم يرَ أحدًا من أهل المدينة يبكّر إلى الجمعة رغم صحة الحديث
الإمام مالك لم يرَ أحدًا من أهل المدينة من العلماء يبكّر إلى يوم الجمعة. فهو يذهب قبل الأذان بربع ساعة، ويذهب عشر دقائق، شيء من هذا القبيل.
من أين أتى هذا الحديث؟ يعني الصحابة كلهم لم يسمعوا؟ من يقيمون في المدينة، يعني أولادهم كلهم. وقلنا أن أولاد هؤلاء الذين نحن نعرف جيدًا من هم، هذا جزء من القضية: أنهم علماء وأتقياء وأنقياء ومتتبعين للسنن والآثار، ويهتمون بشدة بالحركات والسكنات لسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم وبإقامة السنة في أنفسهم. هذا ما يفعلونه، عجيب! فيجد عمل أهل المدينة مخالفًا لحديث صحيح.
موقف الشافعي وأبي حنيفة من تقديم النص على عمل أهل المدينة
الإمام الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما يقولون: النص هكذا، ما لنا بعمل أهل المدينة! هل هم معصومون؟ هل هم كل الصحابة؟ كثير من الصحابة تركوا المدينة وسافر إلى الآفاق.
وأنا لا أدرك يعني لماذا فعلوا هذا، أنا لا دخل لي بهذه القضية. أنا ألتزم بهذا الحديث ورُدّ إليّ بسند صحيح يأمرني بهذا فائتمر. ما الذي يجعلنا ندخل في مقارنة بين هذا الحديث وبين عمل أهل المدينة؟
حجة الإمام مالك في تقديم عمل الجماعة على حديث الآحاد عند التعارض
والثاني [أي الإمام مالك] ليس مطمئنًا لهذا الكلام؛ لأنه لا يتصور أن يكون الحديث صحيحًا في حين أن أهل المدينة لا يعملون به مطلقًا، إطلاقًا اتفقوا على عدم العمل به.
يقول [الإمام مالك]: حدث لي في ذلك تعارض، وعلى ذلك فسأقدّم كلام المجموع أو عمل المجموع على كلام فرد بعينه. ولذلك سأقدّم عمل أهل المدينة وسأجعله حينئذ حجة تفسّر لي السنة، وحجة أستطيع بها أن أستخدمها في قضية القبول، وحجة تساعدني في نظرية التعارض والترجيح، فأجعل عمل أهل المدينة مرجّحًا لرأي على رأي، ولقبول حديث على رفض، أو رفض حديث على قبول.
حقيقة موقف الإمام مالك من عمل أهل المدينة كآلية ترجيح لا دليل مستقل
إذن فالإمام مالك هنا في حقيقة الأمر لم يجعل عمل أهل المدينة دليلًا لإنتاج حكم شرعي جديد، بل جعله من آليات القبول والرفض، وجعله من آليات فك التعارض، وجعله من آليات الترجيح التي يستطيع بها أن يرجّح رأيًا على آخر، أو أن يقبل حديثًا دون آخر، أو أن يعتمد على مذهبًا دون مذهب.
فتسمية هذا بالدليل فيه تجاوز. والذي دفعه إلى ذلك هو دفع التعارض والتنافر، وهو محاولة للوصول إلى التغيير، إلى القول بالظن دون الوهم، والراجح دون المرجوح.
كيفية نشأة دليل عمل أهل المدينة من التفكر في التعارض بين النص والعمل
توليد ذلك الدليل كيف نشأ؟ نشأ من التفكّر: حديث صحيح يقابله ويعارضه عمل الجماعة، يبدأ التفكير في محاولة الترجيح بأيهما نأخذ. فيأخذ الشافعي بصريح النص، ويأخذ مالك بعمل الجماعة؛ لأنه يرى الجماعة ناقلة لحديث متواتر.
فكأن هناك حديثين: حديث آحاد وحديث متواتر، والترجيح طبعًا يكون للمتواتر على الآحاد.
مناقشة المالكية حول المقصود بعمل أهل المدينة والأمور المتفق عليها فيه
ولذلك لما جاؤوا ليناقشوا المالكية قالوا لهم: ماذا تقصدون بعمل أهل المدينة؟ إن كنتم تقصدون أن أهل المدينة نأخذ منهم الكيل والميزان والصاع والمد، وما هو الدرهم، ما هو الدينار، ما هو كذا، فهذا مسلّم نأخذ به.
على هذه الحالة إن كنتم تريدون أن نأخذ من أهل المدينة: أين هجر؟ يقول: إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر. هجر هذه أين؟ هجر هذه ضاحية من ضواحي المدينة، فأيّ مكان أهل المدينة أدرى به، يدلّون عليها، فهذا نأخذ به دون شك.
كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يتوضأ من بئر بضاعة، فأين بئر بضاعة هذه؟ وسيدنا عثمان اشترى بئر رومة أو بئر حاء، فأين بئر حاء؟ فهذا نأخذه نعم من أهل المدينة، وهذا باتفاق.
حقيقة مقصد الإمام مالك من عمل أهل المدينة هو الترجيح عند التعارض
أو أنكم تعنون أنهم يُنشئون الدليل؟ هو في الحقيقة معنى كلام الإمام مالك هو ما ذكرنا: أنه حدث عنده تعارض بين حديث في صورة الآحاد وحديث مقدّر في صورة المتواتر.
هذا التقدير جاءه من أن جماعة قد اتفقت على عمل معين، فكأنه في قوة الحديث. فاضطر الإمام مالك إلى أن يؤوّل ذلك أو أن يرفضه.
تأويل الإمام مالك لحديث سليك بأنه خاص به لغرض التنبيه على فقره
فقال [الإمام مالك] في حديث سليك: لا، رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصد سليكًا بالذات؛ لأن سليكًا كان صعلوكًا، كان فقيرًا، فأراد أن ينبّه الناس إليه. يعني الناس عندما تعرف أن سليكًا حضر فإنها تعطيه شيئًا بعد الصلاة، تعطف عليه بصدقة.
بدلًا من أن يُحرجه أمام الناس ويقول: يا سليك أنت حضرت يا إخواننا فلتعطوه شيئًا، شيئًا هكذا، نعم شيئًا هكذا هو بعد الصلاة. ما كان هذا شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن ينبّه إلى ذلك فقال:
«يا سليك، هلّا حيّيت الله بركعتين»
فتنبّه الجالسون جميعًا من هذا الشأن أن سليكًا حضر، أي أن من يريد أن يعطيه شيئًا تنبّه أن سليكًا - والحمد لله - قد جاء في هذه الجمعة، وهو رجل غطفاني غريبٌ فقيرٌ إلى آخره.
سبب لجوء الإمام مالك إلى تأويل الحديث بسبب تعارضه مع عمل أهل المدينة
لماذا يا مالك تقول هكذا؟ يعني لماذا هذه اللفّة؟ الشافعي لم يفعل هكذا ولا أبو حنيفة، أخذوا الحديث وطبّقوا مباشرة: الذي يدخل والإمام يخطب يقوم فيصلي ركعتين، لم ينظروا إلى هذا المعنى.
قال [الإمام مالك]: أنا اضطررت إلى هذا لأنه تعارض مع عمل أهل المدينة. وعمل أهل المدينة حجة، في ماذا؟ إنشاء الأحكام؟ لا. حجة في الترجيح، وحجة في القبول والرفض عنده، وحجة كذا إلى آخره. وهذا هو معنى دليلية كون هذا الشيء - يعني دليل عمل أهل المدينة.
قول الصحابي كدليل شرعي والدافع إلى اعتباره عند خلو النصوص من الحكم
بعضهم يقول: قول الصحابة دليل من الأدلة. ما الذي دفعه إلى هذا؟ الذي دفعه إلى هذا خلو ظاهر - خلو ظاهري - لحكم من الأحكام في الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
ينظر المجتهد فلا يسعفه تفكيره أن يجد في كتاب الله، يمكن بعد تأمل طويل أن يجد في كتاب الله، لكنه لا يسعفه تفكيره حالًا أثناء نظر القضية، أثناء حاجته إلى إصدار الحكم والفتوى. لا يسعفه تفكيره ولا ذهنه في أنه يجد شيئًا في كتاب الله حول هذه القضية، لا أصلًا ولا ما يصلح أن يكون مقيسًا عليه، لا هذا ولا ذاك.
وكذلك في السنة، ولم يرد إجماع يعرفه هو، ليس هناك هذا ولا ذاك، لكنه وجد قولًا للصحابي.
شروط اعتبار قول الصحابي حجة وصحته وعدم معارضته من صحابي آخر
فهل يُعدّ هذا القول [أي قول الصحابي] حجة في ذاته؟ أيّ قول للصحابي؟ قال: لا، هو قول للصحابي صحيح عنه وتأكدت من أنه صحيح، ثم إنه أيضًا لم يرد ما يخالفه عن الصحابة الآخرين. هو واحد فقط قال هذا الكلام.
فهل أَعُدُّ هذا أصلًا؟ وهل هذا الأصل أقيس عليه؟ كذلك، كثير من فتاوى الصحابة كانت على هذا الشأن: أمر أتى ويذكره الصحابي ولا يعارضه أحد.
قصة حكم الإمام علي في من ادعى رؤية أم رجل في المنام وطلب إقامة الحد
من طرائف ذلك أن رجلًا أصبح يقول لرجل - وكأنه يغيظه أو يستفزه -: إنني كنت مع أمك طوال الليل في المنام، كنت أحلم أنني مع أمك طوال الليل.
فذهب [المشتكي] إلى عليّ [بن أبي طالب رضي الله عنه] يشكو ويقول له: يا أمير المؤمنين، أقم عليه الحد. كان الرجل متغيّظًا من صاحبه يغيظه، فقال له: يا أمير المؤمنين، أقم عليه الحد.
قال [الإمام علي]: ليقف في الشمس ولتُضرب ظلّه. ما هو منام! كأنه الإمام علي هنا فعل شيئًا عجيبًا.
حكمة الإمام علي في مناسبة العقوبة الوهمية للجريمة الوهمية
الرجل النائم ما كان ينبغي عليه أدبًا أن يقوم - إن كان صادقًا - ويقول مثل هذا الكلام التافه الصغير، لكنه فعل. لكنه قد أتى بشيء غير محسوس وغير فعلي، إنما هو توهّم النائم.
فماذا علينا أن نفعل وهذا صاحبنا يطالب بحد في ظهر أخيه؟ هذا كشأن المعتدي المستيقظ؟ فيريد الإمام علي أن لا يترك المسألة تسير من غير عقاب، ولا يريد أيضًا أن يقع في جريمة وهي أن يضرب أحدًا من الناس حدًّا ليس مستحقًّا له.
فسيذهب به إلى ساحة الأحكام ويوقفه في الشمس فيكون له ظل فيُضرب هذا الظل. كان هذا نوعًا من أنواع الفضيحة فقط، نوعًا من أنواع التعزير، نوعًا من أنواع الضغط النفسي على هذا، ويتناسب حجم التعزير مع جنس الجريمة التي قد ارتكبها.
جعل قول الصحابي أصلاً يُقاس عليه في تحويل الجريمة الوهمية إلى عقوبة وهمية
هل نفّذوا هذا الحكم أم لا؟ لم يرد في الكتب أنهم نفّذوه أم لا، لكن يأتي أحدهم ويجعل قول الصحابي هذا حجة، ويجعله أصلًا يجوز القياس عليه.
ويبدأ في كل ما من شأنه تحويل الحس إلى وهم - سواء كان في المنام أو في الذهن - أن يكون جزاؤه هو ما يكون أيضًا في صورة الوهم، قياسًا على استنباط الإمام علي لهذه القضية وفهمه لها.
لماذا يلتجئ المجتهد لاعتبار كلام الإمام علي حجة؟ لأنه في بداية الرأي وحينما أراد أن يتأمل وأن يقضي في القضية التي أمامه، بحث في القرآن والسنة والإجماع والقياس فلم يجد، لم يجد لا أصلًا نصيًّا ولا ما يصلح أن يكون أصلًا.
الخلو الظاهري للمصادر الأساسية هو الدافع لإنشاء دليل قول الصحابي
إذن فالذي دفع المجتهد لإنشاء ذلك الدليل الخلو الظاهري. يمكن أن نقول هكذا: أن المجتهد ما الذي جعله ينشئ هذا الدليل؟ الخلو الظاهري، خلو المصادر الأساسية من هذا الشيء.
فاتجه إلى ما تحت يده محاولًا أن يجعل كلام الصحابة - وهم العرب الأقحاح الذين عندهم ملكة، الذين تربّوا في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم، رأوا منازل الوحي، فهموا الخطاب، تدرّبوا على الفتوى - صفات كثيرة في الصحابة لا توجد في غيرهم: مشهود لهم بالتقوى، مشهود لهم بالورع، بالصدق، بالثقة إلى آخره.
شرع من قبلنا هل هو شرع لنا ومذاهب العلماء في ذلك
شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟ دليل أنشأه المجتهدون واختلفوا فيه على مذاهب:
-
بعضهم يقول: شرع من قبلنا شرع لنا مطلقًا.
-
وبعضهم يقول: شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا مطلقًا.
-
وبعضهم يقول: شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد ناسخ في شرعنا.
-
وبعضهم يقول: شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يعارض أصلًا من أصول شرعنا.
وأشياء مثل ذلك.
الدافع الأول لإنشاء دليل شرع من قبلنا وهو حجية القرآن الكلية واستنباط الأحكام منه
أصلًا لماذا نعتبر هذا دليلًا؟ هنا لو جلسنا نبحث في ذهن المجتهد ونرى لماذا التجأ مَن التجأ من المجتهدين إلى مثل هذا، وكيف كان يفكر، يمكن أن نجد أمرين دفعا المجتهدين للتفكير في هذا الشأن:
الأمر الأول متعلق بحجية القرآن: هل القرآن كله حجة وكله تُستنبط منه الأحكام الفقهية؟ إذا كان القرآن كله حجة، فإن الستة آلاف آية حجة كلها وتُستنبط منها الأحكام الفقهية، وهذا هو الذي عليه كثير من الأصوليين والمجتهدين.
الإمام الغزالي ومدرسته يقول: لا، هم مائتان أو ثلاثمائة آية. ماذا يُسمّون؟ آيات الأحكام، هم الصرحاء في قضية الفقه، لكن الباقي لا يهمنا، لا نستطيع أن نستنبط منه شيئًا.
إشكالية حكاية القرآن لشرائع الأمم السابقة وهل نأخذ بها
فالذي ذهب إلى أن القرآن كله محل لاستنباط الأحكام اصطدم بأشياء في القرآن وواجهها ووجدها أنها من التشريع، وأنه لا يعرف هل هذا التشريع نأخذ به. فثارت في ذهني هذه القضية، ألا وهي: ما حكاه الله سبحانه وتعالى عن الأنبياء السابقين، هل نأخذ به؟
هل نحن مأمورون إجمالًا باتباعهم؟
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]
يعني اقتدِ بهدى أولئك الأوائل الذين هم الأنبياء.
﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 6-7]
طيب، ما هم من المنعم عليه؟ فهل ينبغي أن نركب مركبهم وأن نأخذ رأيهم؟
أمثلة تطبيقية على الاستدلال بشرع من قبلنا من قصص القرآن
وأن نستدل بقصة سيدنا موسى مع صاحب مدين في أمور تتعلق بالإجارة وعمل الإنسان؟
هل نستدل من التوجيه الرباني لمريم:
﴿إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: 26]
إلى جواز التعبد لله سبحانه وتعالى بالصمت والامتناع عن الكلام؟
هل نستدل بالأمر الموجه إلى مريم وغيرها:
﴿وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]
لأن أُفرد الله بالعبادة بركعة [مفردة خارج الصلاة]؟
أسئلة واجهت المجتهد حول السجود المفرد خارج الصلاة وأنواعه المشروعة
أسئلة واجهت المجتهد عندما سُئل عنها: أنت مجتهد وعندك شيء اسمه سجود التلاوة في موضع القبلة، وأن نسجد هذه السجدة مفردة خارج الصلاة، سجدة لله هكذا.
هناك في الشرع ورد سجدة الشكر، وهي أن الإنسان إذا ما تجددت عليه نعمة من النعم شكر الله بالسجود إليه، كأنه نجح في امتحان أو ذهبت عنه بلوى أو حدث له كذا.
وكان ابن عباس يسجد أيضًا إذا ما رأى آية من آيات الله يأتي ساجدًا لله هكذا. فلما بلغته وفاة ميمونة رضي الله تعالى عنها سجد، فقيل له: لماذا تسجد؟ قال: إن الموت لَآية. هكذا ورد.
علي زين العابدين وكثرة سجوده وموقف أهل السنة من السجود المفرد خارج الصلاة
وورد أن علي زين العابدين - وهذا مخالف لما عليه الأئمة الأربعة - كان يسجد كثيرًا، كل فترة قصيرة يأتي ليسجد ويدعو، يسجد ويدعو، ألف سجدة في اليوم، ألفي سجدة في اليوم.
قطعًا لا يمكن أن نعني بالسجدة هنا الصلاة؛ لأن اليوم لا يتحمل ألفي سجدة - ألفا ركعة - لا يمكن. فهذا معناه أنه كان - وهو المسمى بالسجّاد - والأذكار التي تُنسب إليه تسمى الصحيفة السجادية؛ لأنه كان كثير السجود، أي أنه كان يسجد خارج الصلاة.
أهل السنة يقولون: إن هذا لم يرد. سجود التلاوة لا حرج فيه، وسجود الشكر فقط. أما أن أسجد وأسجد باستمرار وأظل ساجدًا على هذا النحو، هذا لم يرد، ولم يرد سجود خارج الصلاة. وإذا أردت أن تدعو وأنت ساجد فادعُ في الصلاة، لكن كونك بعد أن تسلّم من الصلاة تأتي ساجدًا لكي تدعو، فبعض فرق المسلمين يفعلون هذا إلى يومنا هذا، فهذا لم يرد وهذا بدعة وهذا كذا إلى آخره.
سؤال المجتهد عن جواز الركوع المفرد خارج الصلاة استدلالاً بشرع من قبلنا
حسنًا لا بأس، لكني كمجتهد سُئلت: هل لديكم موضع للشكر وموضع للتلاوة؟ هل لديكم ركوع؟ هل لديكم أن تجلسوا هكذا وتقولوا: نقرأ الفاتحة، تقرأ قرآنًا، تذكر وتسبّح؟ جائز خارج الصلاة، جائز طبعًا أن نقرأ ونذكر ونسبّح، لا مانع من ذلك.
لكن أن تركع؟ تركع فقط؟ لم يرد شيء مثل هذا. فهل يجوز أن نستغل الأمر الموجه إلى مريم:
﴿وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]
لإحداث حكم شرعي لجواز ذلك، وأذهب لأستقبل القبلة، الله أكبر، وأركع أسبّح ربي بما يفتح الله عليّ، ثم بعد ذلك خلاص أقوم وأمشي؟ ماذا تفعل يا أخي؟ أعبد الله بأحد أنواع العبادات، هي جزء من الصلاة وقد أُمِرت بها مريم بصورة واضحة إلى آخره.
رفض العلماء للركوع المفرد وعدم قبول شرع من قبلنا في هذا المجال
في الناحية الثانية طبعًا، العلماء قالوا: لا، لا نأخذ بهذا، وليس هناك ركوع مفرد، والشريعة تأبى هذا، والركوع إنما هو جزء من الصلاة، ولا يجوز تجزئة الصلاة بهذا من غير دليل، ولا دليل هنا. ولم يقبلوا قضية شرع من قبلنا شرع لنا في هذا المجال.
قالوا: طيب، والصمت؟ أصوم صامتًا؟ قالوا: هذا يخالف السنة؛ لأن هناك في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على رجل فقال:
«ما هذا؟» قالوا: هذا إسرائيل. قال: «وما إسرائيل؟» قالوا: هذا قد نذر أن يصوم فلا يفطر، وأن يقف فلا يجلس، وأن يقف في الشمس فلا يستظل، وأن لا يتكلم.
نوع من أنواع التعبد بمثل هذه الأشياء: الصمت، والوقوف، وعدم الاستظلال، والصيام المعتاد عن الطعام، وكذا إلى آخره.
موقف النبي من عبادات إسرائيل وإبقاء ما وافق الشريعة ونهيه عما خالفها
قال [النبي صلى الله عليه وسلم]:
«مُرْهُ، مُرْهُ، يعني فليجلس وليستظل وليتكلم وليُتمم صومه»
فكان النبي صلى الله عليه وسلم هنا اختار ما وافق شريعة المسلمين [وهو الصوم]، ثم نهاه، نهى عن تلك الصيامات [أي العبادات الأخرى] التي أخذها إسرائيل هذا عن الشرائع السابقة من نحو الصمت والوقوف وعدم الاستظلال وغير ذلك.
إذن هذا عند من قال لا نأخذ به مطلقًا، وعند من قال لا نأخذ به إلا إذا نُسخ في شريعتنا، لا يقبلونه. حتى لو قالوا إن شرع من قبلنا شرع لنا، لكن سيأتي في الفرع هذا ويقول: لكن جاء في شريعتنا ما يخالفها.
الدافع الأول لإنشاء دليل شرع من قبلنا هو حكاية القرآن لشرائع الأمم السابقة
إذن فأول شيء هو أن هناك في القرآن حكاية لشرائع الأمم السابقة، وأننا إذا ما اعتبرنا أن القرآن كله مصدر للأحكام، فلا بد علينا من أن نحدد موقفنا من هذه الآيات وكيفية التعامل معها.
وهذا هو الدافع الأول لإنشاء هذا الدليل أو لاعتبار هذه القضية محل بحث ونظر بين الناس.
الدافع الثاني لإنشاء الأدلة المختلف فيها هو خلو النصوص الظاهرة من الحكم
وأمر آخر وهو الذي قلناه في مثل قول الصحابي: هو خلو النصوص الظاهرة من الحكم. فهذا يدفعنا إلى الاستعانة بشيء آخر.
تعريف المصلحة المرسلة وحقيقة المنفعة بين جلب اللذات ودفع الآلام
هناك مثلًا ما يسمى بدليل المصلحة المرسلة. والمصلحة كالمنفعة وزنًا ومعنى، والمنفعة هي جلب اللذات ووسائلها ودفع الآلام ووسائلها.
متى أصف شيئًا بأنه نافع لي؟ إذا جلب لي لذة ودفع عني ألمًا، هذا في النهاية هو حقيقة المنفعة.
لكن الغريب أن المنفعة بهذا التعريف لها صفات: هذه الصفات أنها ليست خالصة؛ فليس هناك منفعة من غير أن يشوبها شيء من المضرة، وليس هناك مضرة لا يشوبها شيء من المنفعة، فالأمر مختلط. فليست هناك منفعة خالصة.
اختلاط المنافع بالمضار وتخلل الآلام للذات كما بيّنه القرافي وغيره
فالأكل لذة، لكن الإكثار منه يسبب التخمة ويسبب الأمراض. حتى القرافي يقول وغيره: أن الإنسان عندما يأكل أو يريد أن ينضج الطعام فإنه يتحمل مشقة البحث عن الوقود وإشعاله وتحمّل لهيب النار، ويمكن أن يحترق في الإناء الذي سيطبخ فيه.
كل هذه الآلام يفعلها حتى يصل إلى طعام أكثر طيبًا أو تذوقًا. إذن فتخللت المنافع، تخللتها المضار وأصبحت غير خالصة.
نسبية المصالح وتعارضها بين الناس وتنوعها بين خاصة وعامة ودنيوية وأخروية
ثانيًا: المصالح متعارضة نسبيًا. فوائد قوم عند قوم مصائب، ومصائب قوم عند قوم فوائد. فلو لم يمرض الناس لا يُرزق الطبيب. الطبيب نعم يتمنى أن الذي أمامه كحالة جزئية هكذا تخف، لكنه هل يتمنى أن ينتهي المرض من العالم؟ لو لم - إذا كان كذلك لأفلس.
وهكذا في كل المهن والصناعات التي فيها معاونة كمهنة المحامي أو المحاسب، أو التي فيها رفع للنزاع أو نحو ذلك. لو لم يكن هناك مثل هذه المصائب لما حدث هناك تدافع بين الناس وعمار للدنيا. فمن مصلحتي أن آخذ، عندما أخذت شيئًا فهذا يعني أنني انتقصت مما أخذت منه، وليس من مصلحتي أن ينقص. إذن فالمصالح دائمًا نسبية.
المصالح متنوعة؛ فهناك مصلحة خاصة وهناك مصلحة عامة، هناك مصلحة محققة وهناك مصلحة موهومة، هناك مصلحة عاجلة وهناك مصلحة آجلة، هناك مصلحة قد تكون دنيوية وهناك مصلحة أخرى أخروية.
إجماع المسلمين على أن الله هو الذي يحدد المصلحة وتقسيمها إلى معتبرة وملغاة ومرسلة
وهنا ستزداد النسبية والتعارض وعدم الخلوص تعقيدًا، مما يجعل الإنسان لو أراد أن يستقل بتحديد المصلحة لاختلف واختلفت عليه. ولذلك فقد أجمع المسلمون - وهي من العقيدة عندهم - أن الذي يحدد المصلحة هو الله سبحانه وتعالى.
وهنا وجد العلماء أن الله سبحانه وتعالى قد أقرّ أو رفض مصالح معينة، فأسموها بالمصالح المعتبرة والملغاة. المعتبرة هي ما أقرّها الله سبحانه وتعالى وأباحها أو أمر بها، والملغاة هي ما نهى عنها الله سبحانه وتعالى وألغاها.
لكن هناك بقيد الإلغاء، يعني لا هي معتبرة ولا هي ملغاة، هي مسكوت عنها.
تقسيم المصالح إلى ثلاثة أقسام ومعنى المصلحة المرسلة غير المقيدة
إذن فهذه المصلحة أو القسم الثاني من المصالح: قسم تحدث عنه الشرع وقسم سكت عنه. القسم الساكت عنه اسمه مرسل؛ لأنه ليس مقيدًا لا بالإلغاء ولا بالاعتبار.
والقسم الذي تحدث عنه واحد من اثنين: إما أنه قد اعتبره فهو معتبر، وإما أنه قد ألغاه فهو ملغي.
أمثلة على المصالح الملغاة والمعتبرة في الشريعة الإسلامية
ما من شك أن اللص يستفيد عندما يسرق، وهذا هو الدافع الذي يدفعه للسرقة، لكن هذه المنفعة قد ألغاها الشرع واعتبر العدوان على المال نوعًا من أنواع الإثم.
ولا شك في أن الزاني يتمتع، لكنها مصلحة قد ألغاها الشرع. ولا شك أن الذي يدفع الأجر للعامل ينقص ماله، ولكن هذه مضرة قد ألغاها الشرع واعتبر الأجر.
ولا شك في أن البيع والشراء قد يكون فيه مشاحّة ومماكسة وشيء من هذا القبيل، ولكن هذا قد أباحه الشرع. ولا شك في أن الإيجار فيه نوع من الغرر، لكنه قد أباحه الشرع. وهكذا فهذه مضار ومنافع قد اعتمدها واعتبرها أو نفاها الشرع.
من يحدد المصلحة في الأنظمة غير الإسلامية واتصال النظام السياسي بالعقيدة
وأصبح هذا هو الأساس. في فكر غير المسلمين الذي يحدد المصلحة مرتبط بالنظام السياسي: الدكتاتور في النظام الدكتاتوري هو الذي يحدد المصلحة، أو الحزب الواحد في النظام الشمولي، أو مجلس النواب في النظام الديمقراطي هو الذي يحدد المصلحة، وهو الذي يستطيع أن يقول ما هو الملغي وما هو المعتبر من المصالح.
ولذلك يتضح لنا هنا اتصال النظام السياسي بالعقيدة. فالعقيدة تقول لنا أن هناك مصالح قد تحدث عنها الشرع وهي التي تمثل المصالح الشرعية، وهذه أمر خارج الإنسان يشبه في الأنظمة القانونية الآداب والنظام العام.
المصالح المعتبرة والملغاة كنظام عام وحقيقة دعوة المسلمين لتطبيق الشريعة
النظام العام والآداب لا يجوز لأحد أن يخرج عنه إطلاقًا نهائيًا في أي دولة من الدول وفي أي نظام من الأنظمة. النظام العام والآداب هو مجموعة المصالح المعتبرة والملغاة عند المسلمين.
وهذا هو حقيقة دعوة المسلمين لتطبيق الشريعة: تطبيق الشريعة معناها اعتبار مساحة المصالح المعتبرة والملغاة نظامًا عامًا للدولة، واعتبارها آدابًا لا يخرج عنها أو لا يخرج الإنسان عنها.
المصلحة المرسلة كدليل شرعي وضوابطها عند المجتهد
هذا ما تحدث عنه الشرع، ولكن ما سكت عنه ماذا نفعل فيه وهو المصلحة المرسلة؟ فجاء المجتهد وجعلها دليلًا.
قال: لا كلام لنا فيما حدده الشرع بالاعتبار أو بالإلغاء، هذا لا كلام لنا فيه لأنه يمثل النظام العام والآداب. لكن ما سكت عنه الشرع ماذا نفعل فيه؟ لا بد أن نضبطه، ولا بد في المصلحة المرسلة هذه أن نجعلها منشأ لأفعالنا.
شرط المصلحة المرسلة أن تكون معتبرة بجملتها في الشرع لا بتفصيلها
إذن هكذا نفكر. إذن فالمصلحة المرسلة لا بد أن تكون قد اعتُبرت بجملتها في الشرع لا بتفصيلها. فقد ذكر الشرع شيئًا أو ضابطًا للمصلحة المرسلة بشكل عام، وليس بجزئياتها كما فعل فيما تحدث فيه.
فنهانا عن السرقة والقتل وأكل مال اليتيم والزنا، وأمرنا بالبيع والزواج والجهاد وأمر بأمور أخرى. لا، ليس هكذا بالتفصيل، إنما يأتي ويقول:
قال رسول الله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»
يعني ينبغي علينا أن نحصّل المصلحة أينما كانت.
قال رسول الله ﷺ: «أحسنكم أنفعكم للناس»
هذه هي المصلحة المرسلة.
قال رسول الله ﷺ: «خياركم خياركم لأهله»
هذه هي المصلحة المرسلة.
أمثلة على المصالح المرسلة في حياة البشر من تمهيد الطرق إلى تنظيم المرور
كل ما يؤدي إلى الخير والنفع والتقدم والعمارة، ويساعد على العبادة، ويحيي الناس، ويخرجهم من المنهيات إلى المأمورات، فهو من المصالح المرسلة. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: الشرك بالله والإضرار بالناس، الشرك بالله وعقوق الوالدين، وهكذا.
إذن، فتمهيد الطرق وبناء السدود والخزانات، ووضع الجداول بالمواصفات في الإنتاج، وتنظيم حركة الطيران والمرور، والآلاف مما تقوم به جماعة البشر، كل هذه من المصالح المرسلة. ولم يرد بخصوص كل واحد منها - بالرغم من أنها أفعال بشرية - حكم مستقل بذاته، بل تُرك لمساحة كبيرة.
دافع المجتهد لإنشاء دليل المصلحة المرسلة وضبط المساحات الكبرى من أفعال البشر
وهنا ما الدافع للمجتهد من أن ينشئ هذا الدليل؟ هو أنه لا يريد أن يجعل مساحة كبيرة من أفعال البشر من غير بيان لدليله. المقاصد الخمس [حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال].
إذن الذي دفع المجتهد لإنشاء ذلك الدليل هو مساحات ضخمة من الأفعال والأحداث لم يرد بخصوصها وبجزئياتها دليل مستقل. وكان من الممكن أن تندرج تحت الإلحاق [القياس]، بمعنى أنك كنت ستكذب بشكل كبير جدًا وتترك بقية الاثنين مليون فعل الذين يصدرون عن البشر.
استصحاب الأصل والإباحة الأصلية لضبط أفعال البشر غير المنصوص عليها
فيكون أصلهم ماذا؟ أصلهم الإقدام أيضًا، الإقدام وليس الإحجام، كما كانوا قبل الشرع. فضبطوها بمسألة استصحاب الأصل وأن الأصل في الأشياء الإباحة؛ حتى لا تكون هناك مساحات ضخمة من أفعال الإنسان من غير حكم شرعي.
ومحاولتهم هذه إنما هي متصلة بمسألة عقدية، متصلة بالإجابة عن بعض الأسئلة الكلية: من أين نحن؟ خلقنا الله. وماذا نفعل الآن؟ ملتزمون بالشرع.
حسنًا، ملتزمون بالشرع في خمسين ألف فعل وتاركين ثلاثة ملايين فعل غيرهم؟ قال: لا، الثلاثة ملايين لله فيهم حكم حتى لو كان هذا الحكم هو الإباحة. هذا مهم؛ لأنها نظرية متكاملة ترى أن الفعل البشري لا بد له أن يكون لله فيه حكم.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الذي تدل عليه الألف والسين والتاء في اللغة العربية بشكل عام؟
الطلب
كم يبلغ عدد الأدلة المختلف فيها في أصول الفقه تقريباً؟
تزيد على ثلاثين دليلاً
ما وظيفة الإجماع في منظومة الأدلة الشرعية؟
تحويل الظني إلى قطعي ورفع النزاع
ما الذي دفع الإمام مالك إلى اعتبار عمل أهل المدينة حجة؟
تعارض حديث الآحاد مع عمل الجماعة من أبناء الصحابة
ما الحكم الذي أصدره الإمام علي في من ادّعى رؤية أم رجل في المنام؟
الوقوف في الشمس وضرب ظله
ما الشرط الأساسي لاعتبار قول الصحابي حجة شرعية؟
أن يكون صحيحاً ثابتاً ولم يعارضه صحابي آخر
ما الرأي الراجح في مسألة شرع من قبلنا عند من يقول به؟
هو شرع لنا إذا لم يرد ناسخ في شريعتنا
ما تعريف المنفعة في الفقه الإسلامي؟
جلب اللذات ووسائلها ودفع الآلام ووسائلها
ما القسم الثالث من أقسام المصالح الذي يُعدّ مسكوتاً عنه في الشرع؟
المصلحة المرسلة
من يحدد المصلحة في الإسلام وفق العقيدة الإسلامية؟
الله سبحانه وتعالى
ما شرط المصلحة المرسلة لكي تُعتبر دليلاً شرعياً؟
أن تكون معتبرة بجملتها في الشرع لا بتفصيلها
ما موقف الإمام الغزالي من آيات الأحكام في القرآن الكريم؟
آيات الأحكام مائتان أو ثلاثمائة آية فقط
ما الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم إسرائيل الناذر من عباداته؟
أمره بالجلوس والاستظلال والكلام وإتمام الصوم فقط
ما الأصل الفقهي الذي يضبط المساحات الواسعة من أفعال البشر غير المنصوص عليها؟
الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد دليل التحريم
ما الذي يُعدّ مثالاً على المصلحة الملغاة في الشريعة الإسلامية؟
منفعة اللص من السرقة
ما معنى كلمة استدلّ في اللغة العربية؟
استدلّ معناه طلب الدليل وسعى إلى تحصيله، مشتقة من الألف والسين والتاء الدالة على الطلب.
ما الفجوة التي يعالجها القياس في أصول الفقه؟
القياس يعالج الفجوة بين المصادر المحدودة والحوادث غير المتناهية المتجددة، بإلحاق الفرع بالأصل عند اشتراكهما في العلة.
ما قاعدة ارتكاب أخف الضررين ولماذا تُعدّ مسألة عقلية؟
قاعدة ارتكاب أخف الضررين واجب، وهي مسألة عقلية لأن كل عاقل يدرأ الضرر الأعظم بالضرر الأخف، وهذا مما يتفق عليه العقلاء.
ما الذي يميّز الإمام مالكاً من حيث قربه من عهد الصحابة؟
الإمام مالك المتوفى سنة 174 هجرية كان بينه وبين وفاة النبي نحو 86 عاماً فقط، وكان يروي عن نافع عن ابن عمر، أي أن شيوخه أبناء الصحابة أنفسهم.
ما الفرق بين حديث الآحاد والحديث المتواتر في الترجيح؟
الحديث المتواتر مقدّم على حديث الآحاد عند التعارض، لأن التواتر يفيد القطع بينما الآحاد يفيد الظن.
ما الأمور التي يُسلّم بها الجميع من عمل أهل المدينة؟
يُسلّم الجميع بأخذ الكيل والميزان والصاع والمد والدرهم والدينار من أهل المدينة، وكذلك المعلومات الجغرافية كموضع هجر وبئر بضاعة وبئر رومة.
ما صفات الصحابة التي جعلت قولهم حجة عند المجتهدين؟
الصحابة عرب أقحاح أصحاب ملكة لغوية، تربّوا في مدرسة النبي ورأوا منازل الوحي وفهموا الخطاب وتدرّبوا على الفتوى، ومشهود لهم بالتقوى والورع والصدق والثقة.
ما الدافع الأول لإنشاء دليل شرع من قبلنا؟
الدافع الأول هو وجود حكاية لشرائع الأمم السابقة في القرآن الكريم، مما أوجب على من يرى القرآن كله مصدراً للأحكام تحديد موقفه من هذه الآيات.
ما الآية القرآنية التي استُدل بها على الاقتداء بالأنبياء السابقين؟
قوله تعالى: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده، وهي في سورة الأنعام آية 90.
ما أنواع السجود التي أجازها أهل السنة خارج الصلاة؟
أجاز أهل السنة نوعين فقط: سجود التلاوة عند مواضع السجدة في القرآن، وسجود الشكر عند تجدد النعم.
لماذا رفض العلماء الركوع المفرد خارج الصلاة؟
لأن الركوع جزء من الصلاة ولا يجوز تجزئتها بلا دليل، ولم يقبلوا الاستدلال بشرع من قبلنا في هذا المجال.
ما الحديث النبوي الذي يدل على مبدأ المصلحة المرسلة بشكل عام؟
حديث: لا ضرر ولا ضرار، وحديث: أحسنكم أنفعكم للناس، وحديث: خياركم خياركم لأهله. وهذه تُقرّ مبدأ المصلحة العامة دون تفصيل جزئياتها.
ما علاقة تطبيق الشريعة بمفهوم النظام العام في القانون؟
تطبيق الشريعة يعني جعل المصالح المعتبرة والملغاة نظاماً عاماً للدولة وآداباً لا يُخرج عنها، كما يكون النظام العام والآداب في الأنظمة القانونية الأخرى.
ما المقاصد الخمس التي ترتبط بها المصلحة المرسلة؟
المقاصد الخمس هي: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهي الإطار الكلي الذي تندرج فيه المصالح المرسلة.
ما معنى استصحاب الأصل في أصول الفقه؟
استصحاب الأصل يعني إبقاء الحكم الأصلي حتى يرد دليل على تغييره، ومنه مبدأ الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد دليل التحريم.
لماذا يقول الفقهاء إن كل فعل بشري لا بد أن يكون لله فيه حكم؟
لأن النظرية الفقهية الإسلامية نظرية متكاملة ترى أن الإنسان مكلّف بالشرع في جميع أفعاله، وحتى لو كان الحكم هو الإباحة فهو حكم شرعي، فلا تبقى مساحة من أفعال البشر بلا حكم.
ما الفرق بين موقف الإمام مالك والإمام الشافعي من حديث سليك الغطفاني؟
الشافعي أخذ بالحديث مباشرة وأوجب صلاة ركعتين على من دخل والإمام يخطب، بينما مالك أوّل الحديث بأنه خاص بسليك لتنبيه الناس على فقره، لأن الحديث تعارض مع عمل أهل المدينة.
ما الذي يُسمّى بالمصلحة الملغاة في الفقه الإسلامي؟
المصلحة الملغاة هي ما نهى عنه الشرع وألغاه رغم ما فيه من منفعة ظاهرة، كمنفعة اللص من السرقة ومتعة الزاني.
