ما هي مقاصد الشريعة الخمسة وكيف يوظفها المجتهد في الترجيح والإفتاء؟
مقاصد الشريعة الخمسة هي: الحفاظ على النفس والعقل والدين والنسل والمال، ولكل منها مراتب ثلاث هي الضروريات والحاجيات والتحسينيات. يلتزم المجتهد بعرض حكمه على هذه المقاصد قبل الإفتاء، فإن عاد حكمه عليها بالبطلان راجع نفسه وأعاد الاجتهاد. وتُستعمل هذه المقاصد جنبًا إلى جنب مع قواعد الترجيح بين الأدلة المتعارضة لإيقاع حكم الله على الواقع.
- •
كيف يتعامل المجتهد مع أدلة متعارضة ظاهرياً، وما الفرق بين الجمع والترجيح والنسخ في أصول الفقه؟
- •
مقاصد الشريعة الخمسة هي الحفاظ على النفس والعقل والدين والنسل والمال، ولكل منها مراتب الضروريات والحاجيات والتحسينيات تُشكّل ستين خانة في جدول المقاصد.
- •
يجب على المجتهد عرض حكمه على المقاصد قبل الإفتاء، فمن أسقط الزكاة عن الأوراق النقدية كرّ على مقاصد الشرع بالبطلان لأنه ربط الزكاة بالذهبية لا بالمالية.
- •
قواعد الترجيح بين الأخبار المتعارضة تشمل تقديم الأقل وسائط والفقيه والمشهور العدالة وصاحب الواقعة، وكلها عمليات فكرية منطقية لا تعسف فيها.
- •
إدراك الواقع ركن أساسي في الإفتاء أهمله الأصوليون القدامى لبساطة واقعهم، لكن ثورة المواصلات والاتصالات والتكنولوجيا جعلت وضع ضوابط لإدراك الواقع من منظور إسلامي ضرورة ملحّة.
- •
الخلاف في ترتيب المقاصد الخمسة بين تقديم الدين أو النفس خلاف لفظي لا حقيقي، والإسلام يخاطب البشرية كلها بهذه المقاصد التي هي أسس أي حضارة.
- 0:00
الحلقة الأخيرة تعالج نظرية الإفتاء المكونة من معرفة مقاصد الشرع والترجيح بين المتعارضات وإيقاع حكم الله على الواقع.
- 1:18
إطلالة على النظريات الأصولية الكبرى: الحجية والثبوت والفهم والإلحاق والاستدلال التي يبني عليها المجتهد استنباطه.
- 2:37
نظرية الاستدلال تُكمل عملية الفهم والتطبيق، وتُلزم المجتهد بدراسة الواقعة المشخصة وبيان حكم الله فيها.
- 3:41
المجتهد يستعمل النظريات الأصولية أدواتٍ لاستخراج حكم الله، ويواجه تعارضات في الأدلة تستلزم معرفة القطع والظن ثبوتًا ودلالةً.
- 4:29
التعارض بين قطعيين مستحيل عقلًا وواقعًا، والتعارض بين القطعي والظني يُحسم بتقديم القطعي فورًا دون تردد.
- 5:40
التعارض الحقيقي يقع بين الظنيات، وأول علاجه الجمع بين الدليلين بحمل كل منهما على جهة مختلفة لإعمالهما معًا.
- 6:51
الجمع بين الأدلة يكون بفك الجهة زمانًا أو مكانًا أو أشخاصًا، فإذا انفكت الجهة زال التعارض وأُعمل الدليلان معًا.
- 7:56
مثال تطبيقي على تعارض الأحاديث: حديث يمدح الشهادة قبل الاستشهاد وآخر يذمها، والمطلوب الجمع بينهما لإعمالهما معًا.
- 9:33
الجمع بين الحديثين: الذم محمول على الشهادة في حقوق الله حيث الواجب الستر، والمدح محمول على الشهادة في حقوق الناس دفاعًا عن المظلوم.
- 10:49
الشهادة المتطوع بها في حقوق الناس محمودة حين تكون دفاعًا عن حق مغتصب، وفيها تحقيق لمصالح دنيوية وأخروية.
- 11:33
وجه ثانٍ للجمع: المدح لشهادة الحق الخالصة، والذم لشهادة المتسرع المدفوع بالهوى، فيُعمل بالحديثين دون تعارض.
- 12:31
علماء الأصول واجهوا تعارضات في نظريات الثبوت والفهم والإلحاق فوضعوا برامج ترجيح تبين الراجح المقبول على المتروك.
- 13:21
ترجيح الخبر الأقل وسائط على الأكثر لأن قلة الحلقات تقلل احتمال التحريف والخطأ، وهو من أبرز قواعد الترجيح في الثبوت.
- 14:41
تقديم الراوي الفقيه على غير الفقيه والعالم بالعربية على الأعجمي لأن الفقه والعربية يزيدان الضبط والفهم الصحيح للمروي.
- 15:47
ترجيح حسن الاعتقاد على سيئه، وتشتد التهمة إذا روى صاحب البدعة حديثًا يؤيد بدعته لاحتمال الميل والهوى في قبوله.
- 17:26
ترجيح خبر صاحب الواقعة لأنه أدرى بما جرى، ومثاله أبو رافع الذي كان الوسيط في زواج النبي بميمونة فروايته أولى.
- 18:43
أبو رافع الوسيط في الزواج يروي أنهما كانا حلالًا، وابن عباس الصغير الغائب يروي أنهما كانا محرمَين، وهذا تعارض يحتاج إلى ترجيح.
- 19:40
الزواج حال الإحرام باطل بالأصل، وحديث ابن عباس يعكر هذا الأصل، فيجب الترجيح بين روايته ورواية أبي رافع.
- 20:32
يُقدَّم حديث أبي رافع على حديث ابن عباس لأنه صاحب الواقعة والوسيط فيها، فيثبت أنهما كانا حلالًا لا محرمَين.
- 20:58
ترجيح من اشتهرت عدالته كمالك وأحمد بن حنبل على من لم تشتهر، لأن شهرة العدالة والضبط تجعل روايتهم أولى بالقبول.
- 22:01
عشرون ترجيحًا في الثبوت تقوم على المنطق وأفعل التفضيل، فعند التعارض يُؤخذ بالأفضل والأرجح من أي جهة كانت.
- 22:53
ترجيح المتفق على رفعه على المختلف فيه، وترجيح الرواية باللفظ الصريح على الرواية بالمعنى لأن اللفظ أضبط وأدق.
- 24:03
ثلاث قواعد ترجيح: القول مقدم على الفعل، والتشديد مقدم على التخفيف احتياطًا، والمؤرخ بآخر حياة النبي مقدم على المطلق.
- 24:42
مثال تطبيقي: حديث صلاة النبي قاعدًا والناس قيامًا في مرض وفاته يتعارض مع حديث الأمر بالجلوس خلف الإمام الجالس.
- 25:29
يُقدَّم حديث القيام لأنه كان في مرض وفاة النبي فلم يُنسخ، وهو تطبيق لقاعدة تقديم الخبر المؤرخ بآخر حياة النبي.
- 26:24
الترجيح عملية فكرية منطقية بسيطة توصل إليها الأصوليون بالتفكر، وكتبوها قواعد في الكتب يمكن توسيعها بالأمثلة.
- 27:18
الاختلاف في الترجيح طبيعي لأن كل عالم يدخل من مدخل، لكن الجميع يشتركون في الهدف الثابت وهو التوثق وترجيح الراجح.
- 28:09
ترجيح القياس ذي العلة الوصفية كالإسكار على القياس ذي الحكمة المجردة كذهاب العقل، لأن الوصف أظهر وأضبط وأكثر اتفاقًا.
- 29:44
ترجيح العلة الوجودية على العدمية، ومثاله الخلاف في اشتراط الصوم للاعتكاف المطلق بين أبي حنيفة والشافعي.
- 31:35
قياس الاعتكاف على الصلاة يُظهر العلة العدمية وهي عدم الوجوب، وما كان ثابتًا مثبتًا أحسن في القياس مما كان عدميًا.
- 33:07
العلة البسيطة كالإسكار مقدمة على المركبة كناقض الوضوء عند الحنفية الذي يشترط اجتماع الخروج والنجاسة معًا.
- 34:37
تفصيل قوانين الترجيح يُظهر خبرة الأصوليين في الاتصال بالنصوص ومحاولتهم ترجيح الأدلة المتعارضة من كل جهة ممكنة.
- 35:12
مقاصد الشريعة الخمسة هي حفظ النفس والعقل والدين والنسل والمال، ولكل منها مراتب الضروريات والحاجيات والتحسينيات لتشكل خمس عشرة خانة.
- 36:14
جدول المقاصد يتوسع إلى ستين خانة بإضافة بُعدَي الأصلي والتكميلي من جهة، والوجود والعدم من جهة أخرى، مضروبًا في الخمسة.
- 37:36
سد الرمق ضرورة في جانب الوجود لحفظ النفس، ويحل عنده من الحرام ما يبقي الحياة لأن الضرورات تبيح المحظورات.
- 38:44
تحريم القتل هو مثال الضروريات في جانب العدم لحفظ النفس، إذ المحافظة على النفس تقتضي عدم القتل.
- 39:14
الضروريات ما يهلك بفقده فورًا، والحاجيات ما يضر بمرور الوقت كالمسكن، والتحسينيات ما يرفع جودة الحياة كالترويح.
- 40:48
الدين في ترتيب المقاصد يعني الشعائر والطقوس لا الإسلام الشامل، والتعارض الأفقي يُحسم بتقديم النفس ثم العقل ثم الدين.
- 41:29
مقاصد الشريعة الخمسة هي أسس أي حضارة، ومن هنا تنطلق الدعوة إلى الإسلام لأنه الحافظ لهذه المقاصد التي لا يرفضها عاقل.
- 42:14
الاستعمال الصناعي لكلمة الدين في الأصول يعني الشعائر والطقوس، وهو مختلف عن الاستعمال الشرعي الذي يعني الإسلام كله.
- 42:45
مقاصد الشريعة الخمسة حجة على البشرية لقبول الإسلام، فمن لم يقبله دينًا فليقبله حضارةً، ومن لم يقبله شريعةً فليقبله قانونًا.
- 43:37
الإسلام يخاطب البشرية بلا إكراه ويتعامل مع غير المسلمين تحت مظلة المحافظة على المقاصد الخمسة التي هي النظام العام للبشرية.
- 44:33
المجتهد ملزم بعرض حكمه على المقاصد الشرعية قبل الإفتاء، فإن عاد عليها بالبطلان راجع نفسه وأعاد الاجتهاد.
- 45:49
إسقاط الزكاة عن الأوراق النقدية بحجة أنها ليست ذهبًا ولا فضة يكرّ على مقاصد حفظ المال والنفس بالبطلان ويستوجب المراجعة.
- 47:05
القول بسقوط الزكاة عن الأوراق النقدية يكرّ على مقاصد الشرع بالبطلان لأنه يُلغي ركنًا دينيًا ويضرب التوازن الاجتماعي.
- 48:26
تصحيح الخطأ يكون بإدراك أن الزكاة معلقة بالمالية لا بالذهبية، لأن مقصودها التكافل الاجتماعي وحفظ المال وهذا لا يقتصر على الذهب.
- 49:30
الخطأ ربط الزكاة بالذهبية لا بالمالية، والصواب أن الزكاة مستمرة لأن المالية باقية، والذهب يبقى مقياسًا للنصاب لا شرطًا للفرض.
- 50:28
نصاب الزكاة يُحسب بضرب 85 جرامًا ذهبًا في سعر الجرام يوميًا، فالذهب مقياس للتقويم لا شرط للفرض، والزكاة واجبة على كل مال.
- 51:39
إدراك الواقع ركن في الإفتاء لكن الأصوليين تركوه للملكة العملية ولم يدوّنوه، لأنه كان يُتعلم بالتناقل لا بالكتابة.
- 52:57
الأصوليون لم يدوّنوا إدراك الواقع لأن واقعهم كان رتيبًا بطيء التغير، وهذا تغيّر جذريًا بعد ثورة الاختراعات بين 1830 و1930.
- 54:23
ثورة المواصلات والاتصالات والتكنولوجيا غيّرت الحياة جذريًا، وسرعة الأحداث وكم المعلومات اليومية جعلا حياة الأمس مستحيلة اليوم.
- 55:26
العالم أصبح قرية واحدة بفضل الاتصالات الفورية، مما غيّر أنماط الاستهلاك والعلاقات وجعل المعلومات تنتقل بين الشعوب فورًا.
- 56:26
الواقع المتغير المعقد يستوجب وضع ضوابط لإدراكه وإلحاقها بأصول الفقه، لأن المفتي لا يستطيع الإفتاء دون إدراك صحيح للواقع.
- 57:12
الأصوليون اكتفوا بعبارة يعلم الواقعة لبساطة واقعهم، لكن ثورة الاتصالات أنشأت علاقات معقدة أفرزت العلوم الاجتماعية بمناهج جديدة.
- 58:09
مناهج العلوم الاجتماعية الغربية متحيزة لعقيدة الغرب، والبديل هو مناهج منطلقة من الرؤية الإسلامية الكلية للإنسان والكون والحياة.
- 58:50
التبشير يسير عبر مناهج العلوم الاجتماعية في الجامعات التي تشكّل العقل المسلم برؤية غربية للإنسان والكون والحياة.
- 59:33
إدراك الواقع برؤية غربية مع إدراك النص برؤية شرعية يُحدث تناقضًا لأنهما من مصدرين متضادين، والحل إدراك الواقع من رؤية إسلامية.
- 60:33
الرؤية الكلية الإسلامية تنبثق عنها مناهج العلوم الاجتماعية، ويمكن إلحاقها بأصول الفقه ليدرك المفتي الواقع بمنهج إسلامي.
- 61:13
الكبوة تتجلى في تناقض الفتاوى وحيرة الناس، والانطلاق منها يكون بتطوير منهج إسلامي لإدراك الواقع يُظهر الدين كنزًا لا عبئًا.
- 62:04
السلف قاموا بواجب وقتهم ونجحوا، لكن الإسلام التراثي وحده لا يكفي لمواجهة الواقع المتغير الذي يحتاج إلى تطوير منهجي.
- 63:05
المطلوب التمسك بمنهج إيقاع الوحي على الواقع مع استيعاب متغيرات العصر وإضافة ضوابط إدراك الواقع إلى أصول الفقه.
- 63:47
قول لا أدري فتوى في حد ذاتها، والاعتراف بعدم العلم موقف علمي صحيح أفضل من التسرع في الإفتاء بغير علم.
- 64:34
الترتيب المعروف في كتب الأصول هو الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وهناك خلاف في تقديم الدين أو النفس يحتاج إلى تحقيق.
- 65:22
الفقهاء الأوائل عبّروا عن إدراك الواقع بتحقيق مناط الحكم الشرعي، وكان يسيرًا لبساطة واقعهم، أما اليوم فيحتاج إلى منهج أعمق.
- 66:40
الترتيب المنطقي: النفس أولًا لأن فقدها يُفقد كل شيء، ثم العقل لأن التكليف منوط به، ثم الدين سعادةً، ثم النسل كرامةً، ثم المال.
- 67:47
الخلاف في ترتيب المقاصد لفظي لا حقيقي، ودعوى الإجماع غير صحيحة، وكل ترتيب يخدم غرضًا في مخاطبة العقل المعاصر.
- 68:54
الجهاد لا يتعارض مع تقديم النفس لأنه نفس مع نفس لا نفس مع دين، والمجاهد يخرج على ظن السلامة لا طالبًا للموت.
- 69:52
آية الإكراه دليل على تقديم الله النفس على الدين، إذ أجاز النطق بالكفر درءًا للسيف، والجهاد فيه احتمال القتل لا طلبه.
- 71:05
الجهاد فضيلة لا انتحار، وليس فيه طلب قتل النفس، وتصوّر ذلك وهم مزدوج خطأ في الفهم وخيال لا أساس له في الشريعة.
- 72:01
واقع الفقهاء الأوائل كان بسيطًا محصورًا فكان تحقيق المناط يسيرًا، أما اليوم فالتعقيدات والسرعة الرهيبة تستوجب منهجًا جديدًا.
- 72:31
بورصة لندن تُجسّد أزمة العصر إذ يبتدع رجال المال عقودًا يعجز القانونيون عن تكييفها، وهذا دليل على تسبق النشاط للفكر.
- 73:41
الفكر الإسلامي ثابت يغير الواقع لا يُؤخذ منه، لكنه يحتاج إلى قواعد للتعامل مع الواقع المتغير لتفعيل التوحيد في حياة الناس.
- 74:27
الإفتاء لمن إدراكه غربي يستلزم أولًا تغيير هذا الفكر بالدعوة والتربية، وهي عملية طويلة تسبق الإفتاء الفردي.
- 75:07
التنافر بين الفكر المعاصر والتراث سببه فقدان الجيل للمنهج الإسلامي، والحل إنشاء الفكر الإسلامي أولًا ثم الدعوة إليه.
- 76:17
التعارض في مسألة صلاة المأموم خلف الإمام الجالس يُفهم بالجمع أو بتقديم القول على الفعل، وكلا الوجهين مقبول في أصول الفقه.
- 78:01
الأصلي هو الفريضة كالصلاة والزكاة والصيام، والتكميلي هو ما يُتمّمها كالسنن والصدقة وصيام النوافل.
- 78:31
مقصد الحفاظ على الدين يشمل الأديان كلها، فالإسلام لا يُكره أحدًا على تركه لكنه يبيّن الحق ويحارب الإلحاد.
- 79:15
الإسلام يحافظ على دين الناس دون إكراه على الإسلام، لكنه يبيّن بطلان غيره ويحارب الإلحاد لأنه فساد في الأرض.
- 79:53
الإسلام يحارب الإلحاد ويُلزم من لا دين له بالتدين، لأن الإلحاد فساد في الأرض ومخالفة للنظام العام الذي يقوم على المقاصد الخمسة.
- 80:31
ادعاء اعتبار الهندوس موحدين يحتاج إلى تمحيص، لأن من يعبد غير الله ولو واحدًا فقد أشرك وليس موحدًا.
- 81:24
من يعبد غير الله ولو واحدًا فقد أشرك لأن الإله يشمل كل معبود، والتوحيد هو لا إله معبود بحق إلا الله.
- 82:51
الشرك يقع بعبادة أي شيء غير الله ولو واحدًا، لأن الله معبود بحق فمن أضاف إليه معبودًا آخر فقد أشرك.
- 84:07
الهندوسية إلحاد لا معنى لها لأن كل العقائد تندرج تحتها، وقد رفض المسلمون الدخول فيها لأنها تُذيب الهوية الدينية.
- 85:25
رفض المسلمون الهندوسية لأنها تُذيب الهوية الدينية بمرور الأجيال، إذ يبقى الاسم فقط وتضيع العقيدة.
- 86:08
ولي الله الدهلوي قال ذبح البقر من شريعة الإسلام في الهند لأنه الفارق الجوهري بين المسلم والهندوسي في ذلك الواقع.
- 87:07
قصّر المسلمون في الدعوة بالهند ولم ينتشلوا طبقة المنبوذين، مما أضاع فرصة تغيير الديمغرافيا السكانية للهند.
- 88:08
الدرس من الهند أن الدعوة والتربية هي أداة التغيير، وتقصير المسلمين فيها أضاع فرصة تاريخية لتغيير ديمغرافيا الهند.
- 89:07
العمليات الانتحارية في فلسطين فيها إفتاء لا حكم مطلق، والمفتي ينظر هل هي نزاع نفس مع نفس لحماية الجماعة.
- 89:55
العملية الانتحارية لحماية الجماعة نزاع نفس مع نفس لأن المجاهد يُقدّم نفسه حفاظًا على نفس الجماعة، وهذا يجعلها قابلة للإفتاء.
- 90:31
الغزو الإسلامي جهاد في سبيل الله له حق شرعي ودولي، والاحتلال الغربي باطل لا حق فيه، والفرق جوهري بين المفهومين.
- 91:50
الحق الشرعي للجهاد هو تبليغ كلمة الله وإخراج الناس من الظلم، وخرج المسلمون بمبادئ صارمة تحمي الشعوب وتمنع الفساد.
- 92:49
التاريخ الإسلامي نظيف لم يُبِد المسلمون فيه شعبًا ولم يفتحوا محاكم تفتيش، وادعاء الفظائع تحريف وقراءة مبتورة للتاريخ.
- 93:55
الحضارة الإسلامية قامت على العدل والرحمة، وعمر نام تحت الشجرة عدلًا، والإنسان المسلم نظيف في تاريخه الحضاري.
- 95:03
المسلمون يتعسون بقدر تقليدهم للغرب ويسعدون بقدر تحررهم منه والعودة إلى الإسلام الذي يُحقق السعادة الحقيقية.
- 95:43
قتل المرتد عليه جماهير الأمة لكنه ليس مجمعًا عليه وفيه خلاف، والفرق بينه وبين الكافر الأصلي أنه دخل الإسلام ثم تلاعب.
- 97:55
تغير تصنيف الضروريات والحاجيات بتغير الواقع له أثر كبير في الفتوى، ونظرية المقاصد لم تُختم بعد وتحتاج إلى مزيد بحث.
- 99:06
قول عمر بن عبد العزيز يعني أن الفقهاء يسدون على الناس أبواب التفلت كلما ابتدعوا طرقًا جديدة للخروج من الالتزام الديني.
- 100:19
سد الذريعة يعني أن الفقيه يسد أبواب التفلت كلما فتحها الناس، لأن النفس ضعيفة أمارة بالسوء تحتاج إلى ضبط مستمر.
- 101:13
الدعوة والعلم والعبادة فروض كفاية على الأمة بحسب الإمام السيوطي، ولكل منها عقلية مختلفة وإن تداخلت في الشخص الواحد.
- 102:10
العابد المتخصص لا يصلح لغير العبادة لكنه يُقوّي الصلة بالله وتُستجاب دعواته، وهذا من فروض الكفاية الضرورية للأمة.
- 102:58
العالم يبكي من قراءة كتب العلم إدراكًا لعظمة الله، والعابد يبكي في الصلاة والذكر، وكلاهما يخشى الله من طريق مختلف.
- 104:03
الداعية يُكرّس وقته لخدمة الناس وتربيتهم وفتح الجمعيات الخيرية، وعقليته مختلفة عن العالم والعابد وهو من فروض الكفاية.
- 104:53
الجمع التام بين العلم والدعوة والعبادة مستحيل لضيق الوقت، وهذه إقامات ربانية يُقيم الله فيها من يشاء لا تخصص بشري.
- 106:14
الاستعدادات والإمدادات الربانية تعني أن الله يُقيم كل إنسان في دوره من علم أو دعوة أو عبادة بمنحة إلهية لا باختيار بشري.
- 106:26
آليات الترجيح تُنتج حرية فكر محترمة لا فوضى، والتنوع الفقهي الصادر عنها تنوع معتبر إذا أُعمل الفكر بصدق وتجرد.
- 107:20
روح الفريق والتقوى والأخوة تُزيل كثيرًا من الخلافات، والإمام الشافعي نموذج في الجدال الشريف الذي يبحث عن الحق لا عن الغلبة.
- 108:13
الهوى هو سبب الفوضى لا آليات الترجيح، والإجماعات تحمي الدين من التصدعات الكبيرة وتُخرج الأمة من الضلال.
- 110:01
الخلافات في التفضيل بين العلماء صغيرة لا تُحدث تصدعات، والإجماعات تحمي الدين من الضلال وتُخرج الأمة من الظلام.
- 111:04
صعوبة الوصول إلى الاجتهاد في أصول الفقه ليست في العلم ذاته بل في غياب الآليات التكنولوجية التي توفر السنين الطوال.
- 112:11
آليات العصر التكنولوجية كإدخال الرواة والأسانيد على الحاسوب تُسهم في تطوير علم الحديث وتيسير الوصول إلى الاجتهاد.
- 113:15
العلم ينمو بنشاط العالم لا بذاتية الكتاب الثابت، والمُحدِث يُوفّر على من بعده السنين الطوال بإحداث آليات جديدة.
- 114:15
آخر من طوّر علم الحديث كان السيوطي قبل خمسة قرون ثم المرتضى الزبيدي، وبعدهما توقف العطاء حتى جاءت الجهود الرقمية الحديثة.
- 115:05
أُدخلت الكتب السبعة على الحاسوب مع ربط الأسانيد وتصنيف الرواة المتشابهين، وهذا العمل استغرق سنوات من مراكز البحوث.
- 116:09
مراكز البحوث الرقمية في الحديث تعمل منذ عشر سنوات، والتوقع أنه في ثلاثين سنة ستتكون علوم جديدة في الحديث.
- 116:53
التراث الحديثي يشمل ستمائة كتاب لكن لم يُدخَل منها إلا سبعة في عشر سنوات، مما يدل على ضخامة المهمة وطول الطريق.
- 117:45
استمرار التطوير في علوم الحديث والفقه يحتاج إلى علماء لا مجرد طلاب، لأن العلم ينمو بنشاط العالم المفكر لا بذاتية الكتب.
- 118:11
إيصال التطورات العلمية لعموم الأمة يكون عبر اتحادات علمية وتعليم البرامج في مراكز وتوزيعها على الحواسيب الشخصية.
- 118:51
تأسس اتحاد في دبي بموافقة مصرية ليكون مقره الأزهر، يهدف إلى تشكيل شبكة جامعات لتدريس الحديث ونشر برامجه.
- 119:38
اتحادان مقترحان: أحدهما للبرامج والخطط الاستراتيجية والآخر للتنفيذ الميداني، وكلاهما في طريق التكوين لخدمة علوم الحديث.
ما هي مكونات نظرية الإفتاء التي يحتاجها المفتي؟
نظرية الإفتاء تشتمل على ثلاثة مكونات أساسية: معرفة مقاصد الشرع، ومعرفة كيفية الترجيح بين المتعارضات من الأدلة، ومعرفة كيفية إيقاع حكم الله على الواقع. يحتاج المفتي إلى هذه المكونات مجتمعةً لأن الإفتاء لا يتم إلا بإدراك المقاصد وفك التعارض وفهم الواقع.
ما النظريات الأصولية التي يحتاجها المجتهد لبناء استدلاله الفقهي؟
يحتاج المجتهد إلى نظرية الحجية لمعرفة ما به الدليل، ونظرية الثبوت لمعرفة كيف وصلت الأدلة إليه، ونظرية الفهم لمعرفة كيفية استيعاب الأدلة وعلاقة القطع والظن بها، مستعينًا بالإجماع لرفع الاحتمالات. ثم تأتي نظرية الاستدلال ونظرية الإلحاق لمواجهة انحصار النصوص وكثرة الحوادث.
ما دور نظرية الاستدلال في مكملات عملية الفهم والتطبيق الفقهي؟
نظرية الاستدلال تنظر في مكملات عملية الفهم والتطبيق والاستنباط، إذ لجأ الأصولي إلى أدلة رأى فيها دلالة مكملة فاستعملها، بينما رأى بعضهم الاستغناء عنها بالأدلة المتفق عليها. وبعد إقامة الحجة وفهمها يُطالَب المجتهد بدراسة واقعة مشخصة بعينها وبيان حكم الله فيها.
كيف يستعمل المجتهد الأدوات الأصولية للوصول إلى حكم الله عند وجود تعارض بين الأدلة؟
يستعمل المجتهد كل ما سبق من نظريات آلاتٍ وأدواتٍ للوصول إلى حكم الله في المسألة. وعند ذلك لا بد أن يعرف كيف يفك التعارض الذي يظهر بين الأدلة، إذ تنقسم الأدلة إلى قطعية وظنية، والقطع والظن يشملان قضايا الثبوت وقضايا الدلالة معًا.
هل يقع تعارض حقيقي بين دليلين قطعيين أو بين القطعي والظني؟
لا يقع تعارض بين دليلين قطعيَّي الثبوت قطعيَّي الدلالة عقلًا وواقعًا، ولم يجد الأصوليون مثالًا على ذلك. وكذلك لا يُشكل التعارض بين القطعي والظني لأنه يُحسم فورًا بالأخذ بالقطعي وترك الظني، وذلك دون مزيد تفكير متى كان الأمر متحدًا في القطعية والظنية ثبوتًا ودلالةً.
أين يقع التعارض الحقيقي بين الأدلة وما أول خطوة لمعالجته؟
التعارض الحقيقي يقع بين الظنيات أو بين دليل فيه ظن من جهة ودليل آخر فيه ظن من جهة أخرى، كأن يكون أحدهما قطعي الدلالة ظني الثبوت والآخر ظني الدلالة قطعي الثبوت. وأول ما يخطر ببال الأصولي هو الجمع بين الدليلين بحمل كل منهما على جهة مختلفة حتى يُعمل بهما معًا.
كيف يتم الجمع بين الأدلة المتعارضة بفك الجهة وما أنواع الجهات الممكنة؟
يتم الجمع بين الأدلة المتعارضة بفك الجهة، وهي قد تكون الزمان أو المكان أو الأشخاص أو النسبة بين شيئين أو غير ذلك. فيُنفَّذ الدليل الأول في وقت أو مكان أو على أشخاص، والدليل الثاني في وقت أو مكان أو على أشخاص آخرين. وإذا انفكت الجهة زال التعارض وأمكن إعمال الدليلين معًا.
ما مثال الجمع بين حديثين متعارضين في مدح وذم الشهادة قبل الاستشهاد؟
ورد حديثان: أحدهما يمدح من يشهد قبل أن يُستشهد، والآخر يذم من يفعل ذلك. والإشكال أن الشخص يتطوع بالذهاب للشهادة أمام القاضي دون أن يُطلب منه ذلك، فهل هذا الفعل ممدوح أم مذموم؟ يحتاج الأصولي إلى الجمع بين الحديثين بدلًا من إهمال أحدهما.
كيف يُجمع بين حديث مدح الشهادة وحديث ذمها بحملهما على حقوق الله وحقوق الناس؟
يُحمل حديث الذم على من يسارع في الشهادة على ما يتعلق بحقوق الله، كمن يشهد على معصية ارتكبها أخوه، لأن الواجب في حقوق الله هو الستر والرحمة. ويُحمل حديث المدح على من يشهد في حقوق الناس دفاعًا عن صاحب حق مظلوم، فيُعمل بالحديثين معًا دون إهمال أي منهما.
متى تكون الشهادة المتطوع بها في حقوق الناس محمودة شرعًا؟
تكون الشهادة المتطوع بها محمودة حين يعلم الشاهد أن حقًا سيُغتصب ويحتاج صاحبه إلى شهادته، فيذهب مدافعًا عن هذا الحق الضعيف. وفي هذه الحالة تتحقق مصالح دنيوية وأخروية، لأن البشر يؤذي بعضهم بعضًا وحقوقهم تحتاج إلى من يصونها.
ما الوجه الآخر للجمع بين حديثي مدح وذم الشهادة قبل الاستشهاد؟
وجه آخر للجمع هو حمل الحديث المادح على شهادة الحق الخالصة لله، وحمل الحديث الذام على من يشهد متسرعًا غير متثبت لا يدفعه إلا الهوى أو إيغار صدر المشهود عليه. فتكون الأولى لله والثانية لأهواء وأمراض في القلب، ويصح بذلك العمل بالحديثين معًا.
في أي نظريات أصولية وجد العلماء تعارضات واضطروا إلى وضع برامج للترجيح؟
وجد علماء الأصول تعارضات في نظرية الثبوت وفي نظرية الفهم والدلالة وفي قضية الإلحاق والقياس. فوضعوا برنامجًا يوضح بعد تفكر وتدبر ما يُرجَّح وما يُقبَّل على ما يُترك، وهو ما يُعرف بقوانين الترجيح.
كيف يُرجَّح بين خبرين متعارضين بناءً على عدد الوسائط في السند؟
يُرجَّح الخبر الذي قلّت فيه الوسائط على الخبر الذي كثرت فيه، لأن قلة الحلقات بين الراوي والنبي تقلل احتمال التحريف والتصحيف والخطأ والزيادة والنقصان. فكلما زاد عدد الرواة في السند زاد احتمال الخطأ، ولذلك يُقدَّم الحديث ذو الأسانيد الأقل حلقات.
لماذا يُقدَّم الراوي الفقيه على غير الفقيه عند التعارض؟
يُقدَّم الراوي الفقيه على غير الفقيه لأن الفقيه أوعى وأضبط في فهم ما يحمله وروايته. وكذلك يُرجَّح العالم بالعربية على غيره لأنه أقدر على فهم الكلام الذي سمعه، بخلاف من كان أعجميًا قد يفهم بعض الكلام ويُخطئ في بعضه.
كيف يؤثر اعتقاد الراوي في ترجيح روايته خاصة إذا كان الحديث يتعلق ببدعته؟
يُرجَّح من حسن اعتقاده على من ساء اعتقاده، فيُقدَّم المنتسب إلى أهل السنة على الخارجي مثلًا عند التعارض. وتشتد التهمة إذا كان الحديث المروي يتعلق ببدعة الراوي أو عقيدته، لأن ميل القلب إلى الحديث قد يجعله يتهاون في النظر إلى سنده حتى يقنع نفسه والآخرين بصحته.
لماذا يُرجَّح خبر صاحب الواقعة على خبر غيره ومن هو أبو رافع في قصة زواج النبي بميمونة؟
يُرجَّح خبر صاحب الواقعة لأنه أدرى بما جرى من غيره الذي رأى من بعيد. ومثاله حديث أبي رافع الذي يروي أن النبي تزوج ميمونة وهما حلال في موضع يسمى سَرِف، وأبو رافع كان هو الرسول الوسيط بين النبي وميمونة في هذا الزواج فهو أدرى بتفاصيله.
ما وجه التعارض بين رواية أبي رافع وابن عباس في زواج النبي بميمونة؟
أبو رافع كان المرسال بين النبي وميمونة في قصة زواجهما فهو أدرى بتفاصيلها، ويروي أنهما كانا حلالًا. أما ابن عباس فكان صغيرًا في السن ولم يكن حاضرًا الواقعة، وميمونة خالته، فيروي أنهما كانا محرمَين، وقد اختلط عليه حال الإحرام بحال الحِل.
ما حكم الزواج حال الإحرام وكيف يُحسم التعارض بين حديث أبي رافع وحديث ابن عباس؟
الأصل أن النبي نهى المحرمين عن الزواج فيقع باطلًا إذا تزوج رجل امرأة وهما محرمان. جاء حديث ابن عباس ليعكر هذا الأصل بادعاء أنهما كانا محرمَين، فوجب الترجيح بين الروايتين للوصول إلى الحكم الصحيح في مسألة الزواج حال الإحرام.
كيف يُحسم التعارض بين رواية أبي رافع وابن عباس في مسألة الإحرام؟
يُحسم التعارض بتقديم رواية أبي رافع التي تقول إنهما كانا حلالًا، لأن أبا رافع كان هو الرسول الوسيط بين النبي وميمونة في الزواج فهو أدرى بحالهما من ابن عباس الذي لم يكن حاضرًا. وهذا تطبيق لقاعدة تقديم خبر صاحب الواقعة على خبر غيره.
كيف تؤثر شهرة عدالة الراوي في ترجيح روايته على من لم تشتهر عدالته؟
يُرجَّح من اشتهرت عدالته على من لم تشتهر، فهناك رواة بلغوا من الثقة والعلم والورع مبلغًا لا يُسأل عنهم الناس بل هم الذين يُسأل عن الناس. فأحمد بن حنبل مثلًا الذي حفظ مليون حديث واشتهر بالتقوى والعلم هو الذي يُسأل عن الرواة لا العكس.
على أي أساس منطقي تقوم قواعد الترجيح العشرون في الثبوت؟
قواعد الترجيح العشرون في الثبوت تدور كلها على المنطق وأفعل التفضيل: الأكثر عددًا، الأكثر ورعًا، الأضبط لغةً، الأضبط فقهًا. فعند التعارض يُذهب إلى الأفضل والأرجح من أي جهة كانت، وهذه قواعد منطقية يتفق عليها العقلاء.
كيف يُرجَّح بين الأخبار من حيث الرفع إلى النبي والرواية باللفظ أو بالمعنى؟
يُرجَّح الخبر المتفق على رفعه إلى النبي على الخبر المختلف في رفعه، لأن الاتفاق على الرفع أقوى من الخلاف فيه. كما يُرجَّح الخبر الذي رُوي باللفظ الصريح عن النبي على الخبر الذي رُوي بالمعنى، لأن اللفظ الصريح أضبط وأدق من الرواية بالمعنى.
ما قواعد الترجيح المتعلقة بتقديم القول على الفعل والتشديد على التخفيف والمؤرخ على المطلق؟
يُرجَّح القول على الفعل لأن القول أصرح في الدلالة. ويُرجَّح الخبر المتضمن للتشديد على المتضمن للتخفيف احتياطًا في الدين. ويُرجَّح الخبر المؤرخ بتاريخ مضيق أي الوارد في آخر حياة النبي على الخبر المطلق عن التاريخ لأنه أقرب إلى الحكم الأخير.
ما مثال الحديث المؤرخ في مسألة صلاة المأموم خلف الإمام الجالس؟
ورد حديثان متعارضان: الأول أن النبي صلى بالناس في مرضه الذي توفي فيه قاعدًا والناس من خلفه قيام. والثاني قوله: إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا. فأحد الحديثين يأمر بالجلوس والآخر يدل على جواز القيام، وهذا تعارض يحتاج إلى ترجيح بالتأريخ.
لماذا يُقدَّم حديث القيام خلف الإمام الجالس على حديث الجلوس؟
يُقدَّم حديث القيام لأنه كان في آخر حياة النبي في مرضه الذي توفي فيه، فلم يلحق أن يُنسخ. فالنبي في البداية أمر بالجلوس ثم في النهاية صلى والناس قيام، وبما أن هذا كان في آخر ثلاثة أيام من حياته لم تعد هناك فرصة لنسخه، فيكون هو الحكم الأخير.
ما طبيعة عملية الترجيح بين الأحاديث وكيف توصل إليها الأصوليون؟
الترجيح عملية فكرية يجلس فيها الإنسان ليتصور ورود الأحاديث وكيف تثبت وما هو الراجح فيها. وقد توصل إليها الأصوليون بتفكرهم في كيفية ترجيح الراجح، فكتبوا في الكتب ما توصلوا إليه من قواعد بسيطة منطقية يمكن أن تُشرح بأمثلة كثيرة.
لماذا لا ينبغي الانزعاج من الاختلاف في الترجيح بين العلماء؟
لا ينبغي الانزعاج من الاختلاف في الترجيح لأن وراءه شيئًا ثابتًا وهو إرادة التوثق وترجيح الراجح، وهذا هو الضابط المشترك بين الجميع. والاختلاف يقع في الجزئيات وكيفية التطبيق لأن كل عالم قد يدخل من مدخل مختلف، وهذا طبيعي في عمل الفكر.
كيف يُرجَّح بين الأقيسة المتعارضة وما الفرق بين العلة الوصفية والحكمة المجردة؟
يُقدَّم القياس الذي تكون علته وصفًا مشتملًا على الحكمة على القياس الذي تكون علته نفس الحكمة. فالإسكار وصف مشتمل على حكمة ذهاب العقل، وهو أحسن من جعل ذهاب العقل نفسه علةً. والسبب أن العلة ظاهرة منضبطة بخلاف الحكمة، وما كان ظاهرًا منضبطًا متفقًا عليه أولى مما كان مختلفًا فيه.
ما الفرق بين العلة الوجودية والعدمية في الأقيسة ومثال اشتراط الصوم للاعتكاف؟
يُرجَّح القياس ذو العلة الوجودية على القياس ذو العلة العدمية. ومثاله مسألة اشتراط الصوم للاعتكاف: اتفق الفقهاء على اشتراطه في الاعتكاف المنذور، واختلفوا في الاعتكاف المطلق، فقال أبو حنيفة يشترط كالمنذور، وقال الشافعي لا يشترط. والعلة في بعض الأقيسة هنا عدمية وهي عدم الوجوب.
كيف تظهر العلة العدمية في قياس الاعتكاف على الصلاة في مسألة اشتراط الصوم؟
أجرى بعضهم قياسًا على الصلاة فقالوا إن الصلاة لا تجب عند الاعتكاف المطلق فهي لا تجب عند المنذور، وكذلك الصوم لا يجب عند المطلق فلا يجب عند المنذور. والعلة هنا عدمية وهي عدم الوجوب، وما كان ثابتًا مثبتًا أحسن مما كان عدميًا في بناء الأقيسة.
ما الفرق بين العلة البسيطة والمركبة في الأقيسة ومثال ناقض الوضوء عند الحنفية؟
يُقدَّم القياس ذو العلة البسيطة على القياس ذو العلة المركبة. فناقض الوضوء عند الحنفية علته مركبة من صفتين: كون الشيء خارجًا من الجسم وكونه نجسًا معًا. فالدموع والعرق لا تنقض لأنها خارجة فقط وليست نجسة، والدم داخل الجسم لا ينقض لأنه نجس فقط وليس خارجًا، فلا بد من اجتماع الصفتين.
ما الغرض من تفصيل الأصوليين لقوانين الترجيح بهذه الدقة؟
الغرض من تفصيل قوانين الترجيح هو إظهار خبرة الأصوليين في الاتصال بالنصوص وما حدث عندهم من تعارضات، وكيف حاولوا ترجيح بعضها على بعض من أي جهة كانت. وهذا التفصيل يعكس عمق التفكير الفقهي في التعامل مع الأدلة المتعارضة.
ما هي مقاصد الشريعة الخمسة وما مراتبها الثلاث في نظرية الإفتاء؟
مقاصد الشريعة الخمسة هي: الحفاظ على النفس والعقل والدين والنسل والمال. ولكل واحدة من هذه الخمسة مراتب ثلاث هي الضروريات والحاجيات والتحسينيات. فإذا وضعنا جدولًا بالمقاصد الخمسة أفقيًا والمراتب الثلاث رأسيًا أصبح لدينا خمس عشرة خانة.
كيف يتوسع جدول المقاصد من خمس عشرة خانة إلى ستين خانة؟
تتوسع الخانات بإضافة بُعدين: أولًا كل مرتبة إما أصلية وإما تكميلية فيصبح العمودي ستة بدلًا من ثلاثة. ثانيًا كل واحدة من الستة إما متعلقة بالوجود وإما بالعدم فيصبح اثني عشر. وضرب اثني عشر في خمسة يعطي ستين خانة تمثل الجدول الكامل لمقاصد الشريعة.
ما مثال الضروريات في جانب الوجود لحفظ النفس وما حكم الحرام عند الضرورة؟
الأكل في حد سد الرمق هو في جانب الوجود من قبيل الضروريات في النفس، لأن الإنسان إذا لم يأكل هذا القدر مات. ولذلك يحل له من الحرام ما يسد به الرمق عند الضرورة، والرمق هو النفس أو الروح، وسد الرمق يعني أقل السعرات الحرارية التي يحتاجها الجسم للبقاء.
ما مثال الضروريات في جانب العدم لحفظ النفس؟
في جانب العدم لحفظ النفس يأتي تحريم القتل، إذ المحافظة على النفس تقتضي عدم القتل. فعدم القتل ضرورة من ضرورات المحافظة على النفس، وهذا هو معنى جانب العدم في جدول المقاصد: المحافظة على الشيء بنفي ما يضره.
ما الفرق بين الضروريات والحاجيات والتحسينيات في مجال حفظ النفس؟
الضروريات هي ما يهلك الإنسان بفقدانه فورًا كسد الرمق. والحاجيات هي ما لا يهلك بفقدانه فورًا لكنه يؤثر على حياته بمرور الوقت كالمسكن والكساء والراحة. والتحسينيات هي ما تحتاجه النفس من ترويح وراحة وأمور تزيد جودة الحياة، وفي كل مرتبة ما هو أصلي وما هو تكميلي.
ما معنى الدين في ترتيب المقاصد الخمسة وكيف يُحسم التعارض الأفقي بينها؟
الدين في ترتيب المقاصد الخمسة يعني الطقوس والشعائر والعبادات لا الإسلام بمعناه الشامل، لأن الإسلام بمعناه الشامل هو هذه الخمسة كلها. ولذلك قدّم بعضهم الدين على الجميع باعتباره الإسلام، أما في هذا الترتيب فالدين يمثل الشعائر فقط. والتعارض الأفقي يُحسم بتفضيل النفس على العقل والعقل على الدين.
كيف تكون مقاصد الشريعة الخمسة أساسًا لدعوة البشرية إلى الإسلام؟
الإسلام يحافظ على النفس والعقل والدين والنسل والمال، وهذه الخمسة هي أسس أي حضارة على وجه الأرض. فلا بد لأي إنسان متحضر أن يقبل الإسلام ليعيش في ظله، لأنه لا يوجد عاقل يريد عمارة الدنيا وسعادة البشرية ويستطيع أن يقدح في واحدة من هذه المقاصد الخمسة.
ما الفرق بين الاستعمال الشرعي والاستعمال الصناعي لكلمة الدين في علم الأصول؟
الاستعمال الشرعي لكلمة الدين هو أن الدين عند الله الإسلام. أما الاستعمال الصناعي في صناعة الأصول فهو استعمال الكلمة بمعنى الشعائر والطقوس لأغراض تحليلية. وهذا الاستعمال الصناعي ليس هو الاستعمال الشرعي للكلمات، بل هو اصطلاح خاص بعلم الأصول لفهم شيء معين.
كيف تُستعمل مقاصد الشريعة الخمسة حجةً على البشرية لقبول الإسلام حضارةً وقانونًا؟
لا بد على البشر أن يندرجوا تحت مظلة الإسلام لأنه لا حضارة إلا بالإسلام، والإسلام هو الحفاظ على النفس والعقل والدين والعرض والمال. وليس هناك عاقل يريد عمارة الدنيا يستطيع أن يقدح في واحدة من هذه المقاصد الخمسة، فإن لم يقبلوه دينًا فلا بد أن يقبلوه حضارةً، وإن لم يقبلوه شريعةً فلا بد أن يقبلوه قانونًا يحكم الأرض.
كيف يتعامل الإسلام مع غير المسلمين في ظل مقاصد الشريعة الخمسة؟
الإسلام يخاطب البشرية كبشرية ويأمرها بالدخول في دينه لكن بلا إكراه. وهو يُكفّر من لم يدخل الإسلام لكنه يبقي عليه ويتعامل معه تحت ظل المحافظة على النظام العام للبشرية وهو المحافظة على المقاصد الخمسة. وهذا يحل إشكاليات الأقليات والأديان الأخرى في المجتمع المسلم.
ما واجب المجتهد تجاه المقاصد الشرعية قبل إصدار فتواه؟
يجب على المجتهد أن يعرض الحكم الذي توصل إليه على المقاصد الشرعية. فإن وجد أن حكمه يعود على تلك المقاصد بالبطلان ويؤدي إلى فساد لا عمارة وضياع نفس أو عقل أو عرض أو مال، فإنه يراجع نفسه ويمتنع عن الفتوى ويعيد الاجتهاد للوصول إلى حكم يتوافق مع المقاصد.
كيف يُعدّ إسقاط الزكاة عن الأوراق النقدية مثالًا على الكرّ على مقاصد الشرع بالبطلان؟
تأمّل بعض الفقهاء في النصوص فوجد أن الزكاة تتعلق بالذهب والفضة، ثم رأى أننا لا نتعامل بذهب ولا فضة بل بأوراق نقدية، فاستنتج أن الزكاة قد ذهبت مع ذهاب الذهب والفضة. لكن هذا الحكم كرّ على مقصد حفظ المال وعلى التوازن الاجتماعي بالبطلان، فهو مثال على الحكم الذي يجب مراجعته.
لماذا يُعدّ القول بعدم وجوب الزكاة على الأوراق النقدية خطأً يكرّ على الشرع بالبطلان؟
الذهب والفضة كانا وسيطًا للتبادل بصفات خاصة تؤهلهما لذلك، لكنهما ذهبا وحلّت محلهما الأوراق النقدية. فمن قال إن الزكاة تعلقت بالذهب والفضة فقط وقد ذهبا فالزكاة قد ذهبت، فإنه كرّ على ركن من أركان الدين وعلى مقصد حفظ المال وعلى التوازن الاجتماعي بالبطلان.
كيف يُصحح المجتهد خطأ ربط الزكاة بالذهب والفضة فقط؟
يرجع المجتهد لنفسه ويدرك أن الله علّق الزكاة بالمالية لا بكون الشيء ذهبًا أو فضةً، لأن المقصود من الزكاة إغناء الفقير وإحداث التكافل الاجتماعي وحفظ المال والنفس. وهذه الصفات لا تقتصر على الذهب والفضة بل هي من صفات المال عمومًا، والأوراق النقدية مال وإن لم تكن ذهبًا.
ما الخطأ الذي وقع فيه من أسقط الزكاة عن الأوراق النقدية وكيف تبقى الزكاة مستمرة؟
الخطأ هو ظن أن الله علّق الزكاة بالذهبية والفضية، في حين أن الله علّقها بالمالية. الذهبية والفضية ذهبت لكن المالية لم تذهب فالزكاة مستمرة. أما ربط الشافعي الزكاة بالذهب في كتاب الأم فكان من أجل التقويم لا من أجل الفرض، أي لتحديد النصاب بخمسة وثمانين جرامًا من الذهب.
كيف يُحسب نصاب الزكاة بالأوراق النقدية مع بقاء الذهب مقياسًا؟
يُحسب نصاب الزكاة بضرب خمسة وثمانين جرامًا من الذهب في سعر الجرام في السوق يوم إخراج الزكاة. فمن أراد إخراج الزكاة ينظر في الجريدة لسعر الجرام ويضربه في خمسة وثمانين، فإن كان ما لديه أكثر من هذا وجبت عليه الزكاة وإلا فلا. فالذهب مقياس للتقويم لا شرط للفرض.
لماذا لم يتوسع الأصوليون في تدوين كيفية إدراك الواقع رغم أهميته في الإفتاء؟
بعد فك التعارض والالتزام بمقاصد الشريعة يجب على المجتهد أن يدرك الواقع. لكن الأصوليين لم يتعرضوا بتوسع لكيفية إدراك الواقع في كتب الأصول، ويبدو أن ذلك كان متروكًا للملكة العملية التي لم يرَ الأصولي أن يسجلها في الكتب، وأن كيفية إدراك الواقع أمر يتعلمه الناس بعضهم من بعض.
ما السبب الذي جعل الأصوليين الأوائل لا يدوّنون كيفية إدراك الواقع؟
السبب أن الواقع الذي عاشه المجتهدون الأوائل كان رتيبًا لا يتغير والخبرات تسير ببطء. وظل هذا الحال حتى سنة ألف وثمانمائة وثلاثين، ثم في الفترة من 1830 إلى 1930 اكتشف الإنسان ما لم يكتشفه في حياته كلها، وبعد 1930 استمر في أبحاث بدأت لكن النمط الفكري العلمي لم يتغير.
كيف غيّرت ثورة المواصلات والاتصالات والتكنولوجيا حياة الإنسان جذريًا؟
قبل 1830 لم تكن هناك مواصلات ولا اتصالات ولا تكنولوجيا كما هي اليوم، وهذه الأمور الثلاثة جعلت حياة الأمس مستحيلة اليوم. فسرعة الأحداث وكم العلاقات والاتصالات شيء رهيب، إذ تبث وكالات الأنباء مائة وعشرين مليون معلومة يوميًا للعالم كله.
كيف أصبح العالم قرية واحدة وما أثر ذلك على أنماط الاستهلاك والعلاقات؟
أصبح العالم كقرية واحدة عبر الدش والطائرة والاتصالات الفورية، فما كان ينتقل بين الشعوب بعد أجيال أصبح ينتقل فورًا. وإذا أصبح الهاتف الشخصي في جيب كل شخص مع إمكانية الاتصال الدولي فإن أنماط الاستهلاك ستختلف جذريًا، إذ يمكن لشخصين في مدينتين مختلفتين أن يتشاورا في الشراء فورًا.
ما الحاجة إلى وضع ضوابط لإدراك الواقع المتغير وإلحاقها بأصول الفقه؟
الواقع المعاصر فيه علاقات متداخلة وأفكار منقولة وتغيرات متسارعة، مما يستوجب وضع ضوابط للتعامل معه وإدراكه وإلحاقها بالأصول. فالمفتي لا يمكن أن يفتي إلا بعد أن يدرك الواقع، والسؤال هو كيف يدرك الواقع وكيف يتوصل إلى المعلومة وما المنهج الذي يوصله إلى معرفة الحقيقة.
كيف عبّر الأصوليون القدامى عن إدراك الواقع وما الجديد الذي أضافته ثورة الاتصالات؟
أدرج الأصوليون إدراك الواقع في عبارة واحدة هي أن المفتي ينبغي أن يعلم الواقعة، ولم يتوسعوا لأن علم الواقعة في القرن الثاني الهجري كان نفسه في القرن الثاني عشر. لكن ثورة الاتصالات والمواصلات والتقنيات أنشأت علاقات معقدة، مما أفرز العلوم الاجتماعية والإنسانية بمناهج مقننة لإدراك الواقع.
ما خطر مناهج العلوم الاجتماعية الغربية على المسلم وما البديل الإسلامي؟
مناهج العلوم الاجتماعية الغربية قادرة على إدراك الواقع لكنها متحيزة لعقيدة الغرب. والمطلوب أن تنطلق المناهج الاجتماعية والإنسانية من رؤية كلية للإنسان والكون والحياة يحملها المسلم من عقيدته، فيدرك بها الواقع على ما هو عليه كما أراده الله. وإن استطعنا ذلك تحررنا من التبعية.
كيف يسير التبشير عبر مناهج العلوم في الجامعات وليس فقط عبر الوعظ المباشر؟
التبشير في الجامعات يسير عبر تدريس علم النفس وعلم الاجتماع وعلم التربية بمناهج ترى رؤية للإنسان والكون والحياة غير ما يراه المسلم. وقد أثبتت بحوث كثيرة في مؤتمرات عديدة أن أمر التبشير هو أمر مناهج للعلوم، وأن هذه المناهج هي التي تكوّن وتشكّل العقل المسلم.
كيف يسبب إدراك الواقع برؤية غربية مع إدراك النص برؤية شرعية تناقضًا في شخصية المسلم؟
عندما يدرك المسلم الواقع برؤية غربية ويدرك النص والوحي برؤية شرعية فإنه لا يستطيع أن يوافق بينهما لأنهما من مصدرين مختلفين ورؤيتين متضادتين. والحل هو إدراك الواقع من رؤية إسلامية ربانية ترى أن الإنسان مخلوق لخالق وأن للأشياء حرمة وقداسة وأن فيها قيمًا ومقاصد شرعية ومبادئ عامة.
كيف تنبثق مناهج العلوم الاجتماعية من الرؤية الكلية الإسلامية وتُلحق بأصول الفقه؟
الرؤية الكلية الإسلامية تشمل سننًا إلهية تاريخية وكونية ونفسية متعلقة بالمجتمع والنفس البشرية، وتنبثق عنها مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية. ويمكن إلحاق هذا في فصل أخير لأصول الفقه يستطيع به المفتي أن يدرك الواقع على ما هو عليه فيحكم على أفعال البشر بحكم يريده الله.
ما مظاهر الكبوة الحالية في الفتوى وكيف يمكن الانطلاق منها؟
تتجلى الكبوة في التناقض والنشاز في فتوى المفتين وفي حيرة الناس عند عرض المسائل الفقهية والاجتماعية والسياسية عليهم. والانطلاق منها يكون بتطوير منهج إسلامي لإدراك الواقع، مما سيجعل الحكام يشعرون أن الدين كنز وسيسمعون كلام الله بطريقة مختلفة.
لماذا لا يكفي الإسلام بمعناه التراثي وحده لمواجهة تحديات العصر؟
السلف الصالح قاموا بواجب وقتهم وصنعوا علومًا تجيب على كل شيء في وقتهم سعيًا لإيقاع الوحي على الوجود ونجحوا في ذلك. لكن الإسلام بمعناه التراثي وحده لا يحقق المصلحة ولا يحكم على الأفعال القائمة الآن في المجالات المختلفة بأحكام تؤدي إلى التقدم والقوة، لأن الواقع تغيّر جذريًا.
ما المطلوب من المسلمين اليوم للتعامل مع متغيرات العصر في ضوء منهج إيقاع الوحي على الواقع؟
المطلوب التمسك بمنهج إيقاع الوحي على الواقع مع إدراك أن هذا الواقع له متغيرات ينبغي استيعاب آليات التعامل معها. وينبغي الكتابة في هذا وإضافته إلى أصول الفقه لأن به كمال الفهم، إذ من أصول الفقه قضية الإفتاء التي من أركانها معرفة الواقع.
ما أهمية قول لا أدري في الفتوى وكيف يكون العالم مفتيًا بها؟
قول لا أدري في الفتوى أمر مشروع بل هو نفسه فتوى، إذ قيل من قال لا أدري فقد أفتى. وهذا يعني أن الاعتراف بعدم العلم في مسألة ما هو موقف علمي صحيح لا يُعاب، بل هو أفضل من التسرع في الإفتاء بغير علم.
ما الترتيب المعروف لمقاصد الشريعة الخمسة في كتب أصول الفقه وما الخلاف فيه؟
الترتيب المعروف في كتب أصول الفقه هو: الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وعليه اتفاق كثير من العلماء كما حقق الريسوني في نظرية المقاصد عند الشاطبي. وتحت الضروريات تأتي الخمسة على هذا الترتيب، وهناك خلاف في تقديم الدين أو النفس.
كيف عبّر الفقهاء الأوائل عن إدراك الواقع بمصطلح تحقيق مناط الحكم الشرعي؟
الفقهاء الأوائل كانوا يعبرون عن إدراك الواقع بتحقيق مناط الحكم الشرعي، أي تطبيق الحكم المجرد على واقع معين مع مراعاة تأثير الواقعة في تكييف الحكم الشرعي نفسه. وكان واقعهم بسيطًا فكان تحقيق المناط يسيرًا، أما واقعنا المعقد فيحتاج إلى تحقيق مناط بما يناسبه من تعقيد.
ما المبرر المنطقي لتقديم النفس على العقل والعقل على الدين في ترتيب المقاصد الخمسة؟
المبرر المنطقي هو أن النفس تُقدَّم لأنه لو ضاعت لما بقي شيء يُحافظ عليه. ثم يُقدَّم العقل لأن التكليف منوط به فلا بد من المحافظة على مناط التكليف. ثم يأتي الدين لأنه سعادة الإنسان. ثم النسل لأنه كرامة الإنسان ومتعته. ثم المال لأن غالب أصحاب الفطر السليمة يؤخرونه على العرض.
هل الخلاف في ترتيب المقاصد الخمسة خلاف حقيقي أم لفظي وما موقف دعوى الإجماع فيه؟
الخلاف في ترتيب المقاصد خلاف لفظي لا حقيقي، لأن من يقدم الدين يقصد به الإسلام الشامل فلا خلاف. ودعوى الإجماع التي ذهب إليها البوطي ومن بعده الريسوني ليست صحيحة لأن هناك خلافًا حتى الريسوني أشار إليه. والترتيب المختلف يخدم غرضًا مختلفًا وهو مخاطبة العقل المسلم المعاصر وغير المسلم.
هل يتعارض الجهاد مع تقديم النفس على الدين في ترتيب المقاصد؟
لا يتعارض الجهاد مع تقديم النفس على الدين، لأن المجاهد يخرج باذلًا نفسه لحماية أنفس المجتمع فهي نفس مع نفس لا نفس مع دين. وثانيًا يخرج على ظن السلامة لا طالبًا للموت، فليس في الجهاد أمر بقتل النفس كما أُمر بنو إسرائيل، بل فيه احتمال القتل لا طلبه.
كيف يدل حكم الإكراه على الكفر على تقديم الله النفس على الدين؟
الله قدّم النفس على الدين عندما أجاز للمكره أن ينطق بكلمات الكفر درءًا للسيف عنه، قال تعالى: إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان. فهذا دليل صريح على أن الله لم يطلب من المسلمين أن يقدموا دينهم على أنفسهم. وفي الجهاد فيه احتمال القتل لا طلبه، ونحن نتكلم في الطلب لا في الاحتمال.
هل يأمر الإسلام بقتل النفس في الجهاد وما حقيقة هذا الوهم؟
الجهاد فضيلة وليس فيه طلب قتل للنفس، فالنبي لم يأمر بقتل النفس كما أُمر بنو إسرائيل. وتصوّر أن الجهاد يعني الخروج في عملية انتحارية لا يُفترض العودة منها وهم مزدوج: وهَم بمعنى الخطأ في الفهم، ووهْم بمعنى الخيال الذي لا أساس له في الشريعة.
لماذا كان تحقيق مناط الحكم الشرعي يسيرًا عند الفقهاء الأوائل مقارنةً بالواقع المعاصر؟
كان واقع الفقهاء الأوائل بسيطًا وأفعال المكلفين محصورة معروفة معلومة، والقاضي كان ينزل ليعرف أعراف البلد ببساطة. لم تكن هناك تعقيدات شديدة في العلاقات ولا سرعة رهيبة في التغيرات، فكان تحقيق المناط يسيرًا. أما اليوم فالتعقيدات الشديدة والسرعة الرهيبة في التغيرات تجعل تحقيق المناط أمرًا يحتاج إلى منهج.
كيف تُعبّر بورصة لندن عن أزمة العصر في تسبق النشاط للفكر؟
بورصة لندن تنشئ من العقود كل يوم ما أتعب القانونيين في بريطانيا، إذ يبتدع رجال المال والبنوك والبورصات من المعاملات ما يجعل القاضي غير قادر على تكييفها تحت أي قانون. وهذا ما يسميه رينيه جينو أزمة العصر: أن النشاط قد سبق الفكر، وكنا في أناة حيث كان الفكر يسبق النشاط.
كيف يتميز الفكر الإسلامي عن غيره في التعامل مع الواقع المتغير؟
الفكر الإسلامي ثابت لا يُؤخذ من الواقع كفكر الآخرين، بل يحاول أن يغير الواقع لأن فيه شيئًا من المثالية. لكن لا بد من قواعد للتعامل مع الواقع بصورة أكثر فعالية وتفعيلًا للتوحيد في واقع الناس وتطبيقًا للوحي في وجودهم، وهذا يستلزم وضع ضوابط لإدراك الواقع المتغير.
كيف يُفتي من يدرك الواقع شرعيًا لناس إدراكهم غربي؟
الذين نزل عليهم الوحي هم الأصل في الشرع، والأمة لا بد من دعوتها وتربيتها وهي عملية طويلة. فنحن نغير هذا الفكر الغربي ونحاربه ونربي بفكر إسلامي آخر، وليست المسألة مجرد إفتاء فردي لشخص ذي فكر غربي بل هي عملية تغيير شاملة للأمة.
لماذا يحدث التنافر بين الفكر المعاصر والتراث الإسلامي وما الحل؟
التنافر يحدث لأن جيلًا بأكمله فقد اللغة والمنهج الذي تربى عليه في الفكر الإسلامي وأصبح يفكر تفكيرًا غربيًا. والحل هو إنشاء الفكر الإسلامي أولًا ثم دعوة أولئك إليه فينجذبون ويقتنعون، ثم بعد ذلك يكون الإفتاء مقبولًا. أما الإفتاء دون وجود هذا الفكر فيُحدث التنافر والتنازع.
كيف يُفهم التعارض بين حديث الأمر بالجلوس خلف الإمام الجالس وفعل الصحابة بالقيام؟
يمكن فهم قيام الصحابة خلف النبي الجالس على أنه جهل ببعضهم بالحكم، أو على أن الوقوف كان على الإباحة والأولى الجلوس. وبعض العلماء أفتى بوجوب جلوس المأموم لأنه لم يعتبر آخر الأمرين وفضّل الحديث الأول القولي على الفعل الأخير، من باب أن القول مقدم على الفعل عنده.
ما معنى الأصلي والتكميلي في مراتب المقاصد مع أمثلة تطبيقية؟
الأصلي هو الفريضة الأساسية كصلاة الظهر، والتكميلي هو ما يُكمّلها كسنة الظهر التي تجبر ما قد يقع من نقص في الفريضة. وكذلك الزكاة أصلية والصدقة تكميلية لها، والصيام الفريضة أصلي وصيام الاثنين والخميس تكميلي له. فالتكميلي يُتمم الأصلي ويسد ما قد يعتريه من قصور.
هل يشمل مقصد الحفاظ على الدين في الإسلام الأديان الأخرى أم الإسلام فقط؟
مقصد الحفاظ على الدين يشمل الدين كله لا الإسلام فقط، فالإسلام لا يأمر النصراني بالإلحاد ولا يُكرهه على الإسلام. قال تعالى: لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي. فالإسلام يحافظ على دين الناس ويبيّن لهم الحق دون إكراه، وهو يحارب الإلحاد لأن من لا دين له فساد في الأرض.
كيف يحافظ الإسلام على دين الناس مع رفضه الإكراه على الإسلام؟
الإسلام يحافظ على دين الناس بمعنى أنه لا يأمر النصراني بالإلحاد ولا يُكرهه على الإسلام، لكنه يبيّن له أن ما عليه من عقيدة باطل وأنه في ضلال. أما من لا دين له فالإسلام يحاربه حتى يتدين، لأن الإلحاد فساد في الأرض ومخالفة للنظام العام.
ما موقف الإسلام من الملحد الذي لا دين له؟
الإسلام يحافظ على دين الناس عندما يكون لهم دين، أما الذي لا دين له فيحاربه حتى يتدين، فإن لم يتدين يقتله لأنه فساد في الأرض ومخالف للنظام العام. وهذا لأن الإسلام يرى أن وجود الدين ضرورة من ضرورات النظام العام للبشرية.
هل اعتبر المسلمون الهندوس موحدين وأهل ذمة في تاريخ الفتح الإسلامي للهند؟
يُدّعى أن بعض المسلمين في الهند اعتبروا الهندوس موحدين لأنهم يعتقدون في إله ولا يعبدون البقر ذاتها. لكن هذا الادعاء يحتاج إلى تمحيص، لأن من يعبد غير الله ولو واحدًا فقد أشرك، وعبارة التوحيد هي لا إله معبود بحق إلا الله.
لماذا لا يكون من يعبد إلهًا واحدًا غير الله موحدًا؟
الإله في اللغة يشمل كل معبود سواء كان الله أو صنمًا، ولذلك عبارة التوحيد هي لا إله معبود بحق إلا الله. فمن يعبد شجرة أو بقرة أو حجرًا ولو واحدًا فقد أشرك مع الله إلهًا آخر وليس موحدًا. وحتى من يعبد هبل فقط فهو مشرك لأنه أضاف إلى الله هبل.
كيف يكون الشرك حتى لو عبد الإنسان إلهًا واحدًا فقط غير الله؟
الشرك يأتي من إضافة أي معبود إلى الله، فمن عبد هبل فقط فهو مشرك لأنه جعل هبل إلهًا مع الله. ومن عبد هبل وزحل وغيره فهو أشرك أكثر. فالشرك لا يشترط تعدد الآلهة بل يكفي عبادة واحد غير الله لأن الله موجود ومعبود بحق فمن أضاف إليه شيئًا فقد أشرك.
ما حقيقة الهندوسية وهل هي توحيد أم إلحاد؟
الهندوسية في حقيقتها إلحاد لا معنى لها، بمعنى أن كل العقائد يمكن أن تندرج تحتها بمجرد أن يقول الشخص أنا هندوسي. فقد عرض الهندوس على المسلمين في الهند أن يدخلوا الهندوسية مع الاحتفاظ بكل شعائرهم الإسلامية، مما يدل على أنها لا عقيدة محددة لها.
لماذا رفض المسلمون في الهند الدخول في الهندوسية رغم أنها لم تطلب منهم تغيير شعائرهم؟
رفض المسلمون الهندوسية لأنها تُذيب الهوية الدينية، إذ بمجرد قول أنا هندوسي يصبح الشخص هندوسيًا حتى لو احتفظ بكل شعائره الإسلامية. وهذا يعني أن الجيل الأول قد يبقى مسلمًا لكن بعد جيلين يبقى الاسم فقط وتذوب الهوية الإسلامية.
كيف أصبح ذبح البقر من شريعة الإسلام في الهند وما قول ولي الله الدهلوي في ذلك؟
لما ادّعى بعضهم أن لا فرق بين المسلمين والهندوس لأن الهندوسي مستعد لقبول كل الشعائر الإسلامية، قال ولي الله الدهلوي عبارته الشهيرة: ذبح البقر من شريعة الإسلام. فأصبح ذبح البقر في ذلك الواقع من شريعة الإسلام لأنه هو الفارق الجوهري بين المسلم والهندوسي.
أين قصّر المسلمون في الهند وما الفرصة الضائعة في طبقة المنبوذين؟
قصّر المسلمون في الدعوة والتربية في الهند، ولم ينتشلوا طبقة المنبوذين التي لا دين لها أصلًا والبراهمة ترفضها. ولو أن المسلمين علّموا هذه الطبقة وأخرجوها لأصبحت الديمغرافيا السكانية للهند مختلفة تمامًا. فالتربية والدعوة هي التي افتقدها المسلمون في تلك البلاد.
ما الدرس المستفاد من تقصير المسلمين في الدعوة والتربية في الهند؟
الدرس هو أن الدعوة والتربية هي التي تنشئ الناس وتغير المجتمعات. فالمسلمون قصّروا تقصيرًا كبيرًا في الدعوة في الهند ولم يعلّموا طبقة المنبوذين التي لا دين لها، وكان البرهمي يقتل المنبوذ إذا مسّه. ولو أن المسلمين قاموا بواجب الدعوة لتغيّرت الديمغرافيا السكانية للهند.
ما حكم العمليات الانتحارية في فلسطين وكيف يُنظر إليها من منظور المقاصد؟
العمليات الانتحارية ليس لها حكم مطلق بل فيها إفتاء يرجع فيه إلى المفتي. فالمفتي ينظر هل الإنسان عندما يقتل نفسه سيحمي نفسًا أخرى، فيكون النزاع نفسًا مع نفس لا نفسًا مع دين. وهذا يختلف عن الانتحار المحرم لأن الغرض هو حماية الجماعة.
كيف يُفسَّر تقديم النفس في العملية الانتحارية على أنه حفظ للنفس الجماعية؟
من يشارك في عملية انتحارية لحماية أبناء جماعته يُقدّم نفسه حفاظًا على نفس الجماعة التي قدّمها على نفسه. فيبقى النزاع هنا نزاع نفس مع نفس لا نفس مع دين، وهذا يجعل المسألة قابلة للإفتاء بالجواز في حالات معينة بعد عرضها على المفتي.
ما الفرق بين الغزو الإسلامي والاحتلال الغربي وكيف يُرد على من يعتبر الفتوحات غزوًا سلبيًا؟
كلمة غزو كلمة جيدة لأن الفتوحات الإسلامية غزو وهو جهاد في سبيل الله لا في سبيل المال أو الأرض أو التسلط أو ظلم الشعوب. أما ما فعله الإنجليز في مصر فهو احتلال لا حق لهم فيه وهو باطل. فالغزو الإسلامي له حق دولي وحق شرعي، والاحتلال الغربي باطل لا حق فيه.
ما الحق الشرعي الذي يُبرر الجهاد الإسلامي وما مبادئه في التعامل مع الشعوب؟
الحق الشرعي للجهاد هو تبليغ كلمة الله وإخراج الناس من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ومن ظلم العباد إلى عبادة رب العباد. وخرج المسلمون بمبادئ ألا يُفسدوا في الأرض ولا يقطعوا نخلًا ولا يقتلوا أطفالًا ولا نساءً ولا شيوخًا ولا رهبانًا في الأديرة.
ما الرد على ادعاء أن المسلمين ارتكبوا فظائع في فتوحاتهم؟
التاريخ الإسلامي نظيف وأوضح من أن يُلوَّث، فلم يُبِد المسلمون شعبًا ولم يفتحوا محاكم تفتيش ولم يحرقوا تراثًا. وتحريف التاريخ والقراءة المبتورة منهج سخيف عفى عليه الزمان لأن الواقع غير ذلك. وما حدث من هدم بعض الآثار كان من أفراد لا من سياسة إسلامية.
ما الدليل على نظافة الحضارة الإسلامية وعدل حكامها؟
الحضارة الإسلامية قامت على العدل والرحمة، وعمر بن الخطاب جاع وبكى ونام تحت الشجرة حتى قيل له عدلت فأمنت فنمت يا عمر. ولم يسرق المسلمون الشعوب ولم يركزوا الثروات. والإنسان المسلم إنسان نظيف منذ أن أرسله الله إلى يومنا هذا.
ما العلاقة بين تقليد الغرب وتعاسة المسلمين وبين العودة إلى الإسلام وسعادتهم؟
المسلمون يتعسون بقدر ما يقلدون الغرب في أخلاقه وعلاقاته، ويسعدون بقدر ما يتحررون من هذا التقليد ويعودون إلى ما أراده الله ورسوله. فالغرب يعيش في جحيم من الكبر والكراهية وعدم الاعتذار، والمسلمون حين يقلدون هذا يُصابون بنفس الجحيم.
هل قتل المرتد مجمع عليه في الإسلام وما الخلاف في هذه المسألة؟
قتل المرتد وإن كانت عليه جماهير الأمة إلا أنه ليس أمرًا مجمعًا عليه وفيه خلاف. والفرق بين المرتد والكافر الأصلي أن المرتد دخل الإسلام بعد تفكر وتدبر ثم تلاعب، بخلاف الكافر الأصلي. والإسلام لا يمنع النفاق ولا يقتل المنافق، والبحث في هذه المسألة واسع.
ما أثر تغير تصنيف الضروريات والحاجيات بتغير الواقع على الفتوى؟
تغير تصنيف الضروريات والحاجيات له أثر كبير في الفتوى لأن الضرورات تبيح المحظورات. فما كان ضرورة في زمن قد يصبح حاجة في زمن آخر أو العكس باختلاف الأشخاص والأزمان والأماكن. ونظرية المقاصد لم تُختم بعد وهناك علماء يكتبون فيها الآن لوضع منهج لهذا التغيير.
ما معنى قول عمر بن عبد العزيز يحدث للناس من الأمر بقدر ما يحدثون وما علاقته بسد الذريعة؟
قول عمر بن عبد العزيز يعني أنه كلما ابتدع الناس طرقًا للتفلت من الدين وضع الفقهاء فتاوى تسد هذه الطرق وتعيدهم إلى الالتزام. فيقوم الناس بتفلت آخر فيسده الفقهاء، وهكذا. وهذا قائم على نظام سد الذريعة وعلى تصور أن الناس تطيع الفقهاء.
كيف يعمل نظام سد الذريعة في مواجهة تفلت الناس من الالتزام الديني؟
الفقيه يسد على الناس طرق التفلت بفتاوى تضبطهم وتعيدهم إلى الدين، فإذا وجدوا طريقًا آخر للتفلت سده الفقيه أيضًا. وهذا قائم على تصور أن النفس ضعيفة أمارة بالسوء تدفع الإنسان إلى المعصية، والفقيه يسد عليه الطرق وهو يطيع الفقيه فينسد من هنا ويحاول من مكان آخر.
ما الفرق بين عقلية الداعية والعالم والعابد وهل هي فروض كفاية على الأمة؟
الدعوة والعلم والعبادة ثلاث مراتب متداخلة لكن لكل منها عقلية وطريقة تفكير مختلفة. وقد عدّها الإمام السيوطي من فروض الكفاية على الأمة، فلا بد أن يوجد في الأمة علماء وعباد ودعاة. وإن كان كل منهم يمتلك شيئًا من الآخرين إلا أن الغالب عليه يحدد انتماءه.
ما خصائص العابد المتخصص في العبادة وما دوره في الأمة؟
العابد المتخصص في العبادة لا يصلح لغيرها، فلا يُكلَّف بالدعوة ولا بالعلم لأنه غير قادر على ذلك. لكنه قادر على العبادة، وعندما يجلس إليه الإنسان يشعر بالراحة، وإذا دعا يُستجاب له لأنه يقوي الصلة بالله. وهذا من فروض الكفاية التي لا بد أن تتوفر في الأمة.
ما خصائص عقلية العالم وكيف تختلف عن عقلية العابد؟
عقلية العالم مختلفة عن العابد، فالعالم قد يبكي عندما يقرأ صفحة من كتاب نحو لأنه يُدرك كيف أنشأ العلماء هذه العبارات لحفظ دين الله فيتذكر الله فيبكي. أما العابد فيبكي في الصلاة والذكر. وكلاهما يخشى الله لكن من طريق مختلف يناسب تركيبته التي خلقه الله عليها.
ما خصائص عقلية الداعية وكيف تختلف عن العالم والعابد؟
الداعية يريد خدمة الناس والتفاعل معهم وتربيتهم وفتح الجمعيات الخيرية وجمع الزكاة وتوزيعها، وطوال النهار في سبيل الله. فعقليته ونفسيته وشخصيته مختلفة عن العالم والعابد، وإن كان عنده شيء من العلم والعبادة إلا أن أغلب وقته في الدعوة. وهذا أيضًا من فروض الكفاية.
لماذا لا يصلح الجمع التام بين العلم والدعوة والعبادة في شخص واحد؟
لا يصلح الجمع التام بين العلم والدعوة والعبادة لأن الوقت لا يتسع لذلك، فمن يوزع وقته بالتساوي لا يكون لا هذا ولا ذاك. والنبي صلى الله عليه وسلم فوق هذه القسمة شيء آخر لا يُوصف بهذه الأوصاف. وهذه ليست قضية تخصص بشري بل إقامات ربانية يُقيم الله فيها من يشاء.
ما معنى الاستعدادات والإمدادات الربانية في تحديد دور الإنسان بين العلم والدعوة والعبادة؟
الاستعدادات والإمدادات الربانية تعني أن الله خلق في الإنسان الاستعداد ثم أمدّه بنفحة من عنده متنوعة، فهذا للعلم وذاك للدعوة وآخر للعبادة. فهذه ليست قضية تخصص بشري يختاره الإنسان بل هي منح صمدانية وإقامات إلهية يُقيم الله فيها من يشاء.
هل تؤدي آليات الترجيح إلى فوضى فكرية أم إلى حرية فكر محترمة؟
آليات الترجيح من قبيل أعمال الفكر وهي أمور نسبية بين البشر، والاختلاف الناتج عنها ليس عدم انضباط بل هو حرية فكر معتبرة. والتنوع الصادر عنها تنوع محترم لا بأس به ولن يؤدي إلى شيء إذا أعمل الجميع الفكر بصدق وتجرد.
كيف تُزيل روح الفريق والتقوى والأخوة كثيرًا من الخلافات الفقهية؟
بالعمل بروح الفريق تزول كثير من الخلافات ويقتنع بعضنا ببعض، ويأتي دور التقوى والأخوة في الاستماع دون تحدٍّ أو هدم. وقال الإمام الشافعي: والله ما جادلت أحدًا ولا أبالي على لسان من يُنطق الله بالحق. فالمسألة ليست خصامًا بل بحثًا عن الحق، وهذا في حالة الاختلاف الشريف في الفتوى.
ما الذي يُسبب الفوضى في الفتوى: آليات الترجيح أم الهوى؟
الهوى هو سبب الفوضى لا آليات الترجيح، فلو أُلغيت هذه الآليات لضلّ الناس أيضًا لأن الهوى هو المشكلة. وآليات الترجيح يتفق عليها جميع العقلاء: الأكثر عددًا أحسن من الأقل، والأفقه أحسن من غير الأفقه، وصاحب الواقعة مقدم على غيره. وهناك إجماعات تخرج الأمة من الضلال وتحمي الدين.
كيف تحمي الإجماعات الدين من التصدعات الكبيرة رغم الخلافات الصغيرة في التفضيل؟
الخلافات في التفضيل بين العلماء أمور صغيرة كقول الشافعي أفقه من مالك، وهذا لم يُحدث تصدعات كبيرة في الدين. فمن الممكن أن يقول أحد إن الشافعي أفقه من مالك لكن لا يستطيع أن يقول إن مالكًا ليس فقيهًا. والإجماعات تخرج الأمة من الظلام المتصور وتحمي الدين من الضلال.
لماذا يصعب على العالم الوصول إلى درجة الاجتهاد في أصول الفقه رغم أهميته؟
أصول الفقه بحر واسع يحتاج إلى استيعاب كميات هائلة من المعلومات، وقد لا يسعف العالم عمره للوصول إلى درجة الاجتهاد. لكن هذا لا يعني أن العلم عقيم بذاته، بل المشكلة في آليات العصر التي لم تُطوَّر بما يكفي لتيسير الوصول إلى هذا العلم وتوفير السنين الطوال.
كيف تُسهم آليات العصر التكنولوجية في تطوير علم الحديث وتيسير الاجتهاد؟
أدخل الباحثون الرواة على الحاسوب وترجموا لكل راوٍ طبقًا للكتب الموجودة، وأدخلوا الكتب بأسانيدها. وآليات العصر التكنولوجي هي التي ستُحدث تقدمًا في العلم لا ذاتية الكتب. فالعلم يحتاج إلى العالم لأنه يُطلق ويُراد منه الإدراك والملكة وهما يحتاجان إلى إنسان.
ما الفرق بين العلم في الكتاب والعلم في ذهن العالم وكيف ينمو العلم؟
العلم الذي في الكتاب ثابت لا يتغير، لكن الذي يُحدث الزيادة والنمو هو العالم لأنه من شأنه أن يفكر بخلاف الكتاب. فالعلم ينمو بنشاط العالم لا بذاتية الكتب، وذاتية العلم متصلة بذاتية العالم. والمُحدِث لا بد أن يتفنن لإحداث آليات تُمكّن من بعده من عدم إضاعة السنين الطوال.
من كان آخر من حاول تطوير علم الحديث وكم مضى على ذلك؟
آخر من حاول في هذا المجال كان الإمام السيوطي المتوفى سنة 911 هجرية أي منذ خمسة قرون تقريبًا. ثم حاول المرتضى الزبيدي المتوفى سنة 1205 هجرية أن يفعل شيئًا. وبعد ذلك توقف العطاء العلمي في هذا المجال حتى جاءت الجهود الحديثة بإدخال الكتب على الحاسوب.
ما الجهود الحالية في إدخال كتب الحديث على الحاسوب وتصنيف الأسانيد؟
أُدخلت الكتب السبعة على الحاسوب وجُعل رابط بينها يُمكّن من استدعاء موضوع معين بكل أحاديثه وأسانيده. ثم دُخل في الأسانيد فصُنّفت وفُكّكت لتمييز الرواة المتشابهة أسماؤهم كسفيان من سفيان وإبراهيم من إبراهيم، وهذا استغرق وقتًا طويلًا.
ما التوقعات لمستقبل علم الحديث في ضوء الجهود الرقمية الحالية؟
مراكز بحوث ضخمة عملت في السنوات العشر الماضية كل في اتجاه وجانب وتوصلت إلى أشياء أفضل بكثير مما كانت عليه. ولو استمر هذا الاتجاه فإنه في غضون ثلاثين سنة ستتكون علوم جديدة حتى للحديث، وهذا يُبشّر بنهضة علمية في هذا المجال.
ما حجم التراث الحديثي الذي يحتاج إلى رقمنة وما الذي أُنجز منه حتى الآن؟
التراث الحديثي يشمل ستمائة كتاب في الحديث، وقد صُمّمت البرامج لتتحمل هذا العدد. لكن في عشر سنوات لم يُستطع إدخال أكثر من سبعة كتب من الستمائة، مما يدل على ضخامة المهمة وطول الطريق أمام الباحثين.
ما الشرط الأساسي لاستمرار التطوير في علوم الحديث والفقه؟
ينبغي ألا يُتوقف عن التطوير وأن يُستمر في البناء على ما أُنجز، وهذا لا يكون إلا بالعلماء لا بمجهود الطلاب وحدهم. فالعلماء هم الذين يُحدثون الزيادة والنمو في العلم بتفكيرهم وإبداعهم، والكتب وحدها لا تكفي.
كيف يمكن إيصال التطورات الحديثة في علم الحديث إلى عموم الأمة؟
يمكن إيصال هذه التطورات عبر اتحادات علمية تضم جامعات تهتم بتدريس الحديث، وعبر تعليم البرامج في مراكز لعموم الناس، وتوزيعها مع الحواسيب الشخصية في البيوت، وتحميلها على بنوك المعلومات عبر المودم والهاتف.
ما الاتحاد العلمي الذي تأسس لنشر برامج الحديث وأين مقره؟
تأسس اتحاد في دبي حصل على موافقة من رئاسة الجمهورية في مصر ليكون مقره الأزهر، وهدفه تشكيل اتحاد من عدة جامعات تهتم بتدريس الحديث وتعليم البرامج وتوزيعها على مستويات مختلفة من الأمة.
ما الفرق بين الاتحادين العلميين المقترحين في مجال تطوير علوم الحديث؟
هناك اتحادان: الأول أقرب إلى وضع البرامج والخطط والتخطيط الاستراتيجي، والثاني أقرب إلى التنفيذ والتطبيق الميداني. وكلا الاتحادين ما زالا في طريق التكوين، والله يوفق في إتمام هذه الجهود لخدمة علوم الإسلام.
مقاصد الشريعة الخمسة هي المرجع الأعلى للمجتهد، وكل حكم يعود عليها بالبطلان يجب مراجعته قبل الإفتاء.
مقاصد الشريعة الخمسة — حفظ النفس والعقل والدين والنسل والمال — ليست مجرد تصنيف نظري، بل هي الضابط العملي الذي يحكم المجتهد عند الإفتاء. فمن توصّل إلى حكم يعود على إحدى هذه المقاصد بالبطلان، كمن أسقط الزكاة عن الأوراق النقدية بحجة أنها ليست ذهبًا ولا فضة، فإنه يُلزَم بمراجعة اجتهاده لأن الزكاة معلقة بالمالية لا بالذهبية.
تتكامل المقاصد مع قواعد الترجيح بين الأدلة المتعارضة — من تقديم الأقل وسائط، والفقيه على غيره، وصاحب الواقعة على سواه — لتُشكّل معًا منظومة الإفتاء الكاملة. ويُضاف إليها اليوم ركن إدراك الواقع بمنهج إسلامي، إذ لا يمكن للمفتي أن يُنزّل الحكم الشرعي على واقع لم يُدركه إدراكًا صحيحًا، خاصة في ظل ثورة المواصلات والاتصالات والتكنولوجيا التي غيّرت طبيعة الحوادث المستجدة.
أبرز ما تستفيد منه
- مقاصد الشريعة الخمسة هي: النفس والعقل والدين والنسل والمال، ولكل منها ضروريات وحاجيات وتحسينيات.
- كل حكم فقهي يعود على المقاصد بالبطلان يجب على المجتهد مراجعته والامتناع عن الإفتاء به.
- الزكاة معلقة بالمالية لا بالذهبية، ونصاب الذهب يبقى مقياسًا للتقويم لا شرطًا للفرض.
- إدراك الواقع بمنهج إسلامي ركن أساسي في الإفتاء يحتاج إلى ضوابط مدوّنة في أصول الفقه.
مقدمة الحلقة الأخيرة حول نظرية الإفتاء ومكوناتها الأساسية
بسم الله الرحمن الرحيم، في هذه الحلقة وهي الأخيرة نعالج ما أسميناه بنظرية الإفتاء، وهي التي تشتمل على معرفة مقاصد الشرع، ومعرفة كيفية الترجيح بين المتعارضات التي تواجه المجتهد، ومعرفة كيفية إيقاع حكم الله سبحانه وتعالى على الواقع، وهو المسمى بالاجتهاد والإفتاء.
وسمينا كل هذا بالإفتاء؛ لأنه ضروري له، لأن المفتي يحتاج إلى معرفة مقاصد الشرع، ويحتاج إلى معرفة كيفية فك التعارض بين الأدلة التي ظاهرها التعارض، ويحتاج أيضًا إلى معرفة كيفية الاجتهاد، ويحتاج إلى إدراك الواقع، وبذلك تتم عملية الإفتاء.
إطلالة سريعة على النظريات الأصولية التي يحتاجها المجتهد
إذن، فمرة ثانية، كإطلالة سريعة على ذلك الأصولي الذي بيَّن لنفسه ما به الحجة في نظرية الحجية، وما به الثبوت - كيف ثبتت تلك الحجة لنا ووصلت إلينا - وما به الفهم - كيف يفهم الأدلة التي أمامه والتي ثبتت - وما علاقة القطع والظن بهذه المسألة، واحتياجه في ذلك إلى الإجماع ليرفع كثيرًا من احتمالات الدليل اللفظي.
ونظرية الاستدلال ونظرية الإلحاق التي وقع في مشكلة انحصار الأدلة الشرعية في عدد معين من الآيات وكثرة الحوادث، فاتجه إلى الإلحاق.
نظرية الاستدلال ومكملات عملية الفهم والتطبيق والاستنباط
ونظرية الاستدلال والتي نظر فيها إلى مكملات لعملية الفهم، أو مكملات لعملية التطبيق، أو مكملات لعملية الاستنباط، إلى آخر ما قلناه. فالتجأ إلى بعض الأدلة التي رأى فيها تلك الدلالة فاستعملها، ورأى بعضهم أنها لا تكون دليلًا، أو أنه يمكن أن نستغني بالأدلة المتفق عليها عنها.
ثم في النهاية، بعدما أقام الحجة وثبتت عنده وفهمها واستطاع أن يلحق ما استطاع أن يلحقه، فإنه سيقع في أمور، وهو أنه سيُطالَب بدراسة واقعة معينة مشخصة بالذات أمامه، ويُطالَب أيضًا ببيان حكم الله سبحانه وتعالى في مثلها.
استعمال الأدوات الأصولية للوصول إلى حكم الله في المسألة
وحينئذٍ فإنه سيذهب إلى كل ذلك الذي مضى ويستعمله آلات وأدوات للوصول إلى حكم الله سبحانه وتعالى في المسألة. فإن فعل ذلك فلا بد عليه أن يعرف كيف يفك التعارض الذي سيظهر أمامه في الأدلة.
أنا عندي أدلة قطعية وعندي أدلة ظنية، والقطع والظن يشمل قضايا الثبوت وقضايا الدلالة.
استحالة التعارض بين القطعيين وسهولة الترجيح بين القطعي والظني
عندما فكر الأصولي وجد أنه لا تعارض بين قطعيين عقلًا وواقعًا؛ لم يجد دليلين قطعيَّي الثبوت قطعيَّي الدلالة وقع التعارض بينهما بحيث أنه قد وقف أمامهما متحيرًا.
وأيضًا فإننا لا نتخيل التعارض بين القطعي والظني؛ لأنه لو حدث التعارض لكان أمرًا سهلًا، وذلك أننا فورًا سنأخذ بالقطعي ونترك الظني. كل ذلك إذا كان الأمر متحدًا، بمعنى قطعي الدلالة قطعي الثبوت أمام ظني الدلالة ظني الثبوت مثلًا، فإننا وبدون شك ومن غير مزيد فلسفة ولا فكر سنرجح ما هو الراجح وهو قطعي الدلالة قطعي الثبوت.
التعارض الحقيقي يقع بين الظنيات وكيفية التعامل معه
لكن الحاصل هو التعارض بين الظني أو القطعي من جهة والظني من جهة أخرى، كأن يكون قطعي الدلالة ظني الثبوت مع ظني الدلالة قطعي الثبوت مثلًا. فإنه هنا لدخول الظن في المسألة ثبوتًا أو قطعًا، فإنه قد يمكن النظر في هذين الدليلين.
فماذا عسانا أن نفعل أمام دليلين متعارضين؟ فأول شيء خطر ببال الأصولي أن يجمع بينهما، يجمع بين الدليلين. والجمع بين الدليلين وهما متعارضان معناه أنه حمل أحدهما على جهة وحمل الآخر على جهة أخرى.
الجمع بين الأدلة المتعارضة بفك الجهة وإعمال الدليلين معاً
هذه الجهة قد تكون الزمان، قد تكون المكان، قد تكون الأشخاص، قد تكون النسبة بين شيئين، قد تكون غير ذلك من الجهات. بمعنى أنه سينفذ الحديث الأول أو الآية الأولى في وقت، والآية الثانية في وقت آخر، أو هذا في مكان وهذا في مكان آخر، هذا على أشخاص وهذا على أشخاص آخرين، أو هذا من جهة ووضع وهذا من جهة ووضع آخر.
وهكذا فإنه يفكر أن يفك الجهة، وإذا انفكت الجهة فلا تعارض ولا تناقض. ويطبق ما عساه أن يراه متعارضًا في ظاهر الأمر أو في بداية الأمر، فيحمل هذا ويحمل هذا إعمالًا للدليلين وعملًا بهما.
مثال الجمع بين حديثي مدح وذم الشهادة قبل الاستشهاد
فمثلًا لو أنه وجد حديثين: في الحديث الأول يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك الذين يشهدون قبل أن يُستشهدوا، وفي حديث آخر يذم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك الذين يشهدون قبل أن يُستشهدوا.
إذن فهذا أمر ممدوح أو مذموم، منهي عنه أو لا؟ إنني أذهب إلى القاضي فأشهد على أمر لم أُطلب للشهادة فيه، قبل أن أُطلب وقبل أن يسألني أحد من الناس أن أشهد أمام القاضي على واقعة معينة، فإنني أتطوع من نفسي وأذهب للشهادة.
هل هذا الفعل فعل سيء أو أنه فعل قبيح أو أنه فعل صحيح مذموم أو ممدوح؟ مرة ورد هكذا ومرة ورد هكذا، ماذا أقول؟
حمل حديث الذم على حقوق الله وحديث المدح على حقوق الناس
أريد أن أعمل بالدليلين وبالحديثين، فأقول: لعل الذم محمول على ذلك الذي يسارع في الشهادة على ما يتعلق بحقوق الله؛ لأنه حينئذٍ فكأنه يفضح صاحبه، فقد شهد عليه أنه أفطر في رمضان، أو شهد عليه أنه رآه يفعل معصية إلى آخره، وكان واجبًا عليه الستر. فهذا حق من حقوق الله، والله سبحانه وتعالى غفور رحيم، والجماعة ينبغي أن يكون بين قلوبها من الرحمة والود والتراحم ما يستر فيها بعضهم بعضًا بأخوّة وتلائم وكذا إلى آخره.
ويُحمل المدح على ذلك الذي لا يريد أن يضيع على أحد من الناس حقه، فإنه يُحمَل على حقوق الناس.
تطبيق الجمع بين الحديثين في الشهادة على حقوق العباد
بحيث أنني لو عرفت أن أحدًا من الناس سيغتصب قطعة أرض ويحتاج صاحب الحق إلى شهادتي، فإنني أذهب متطوعًا أدافع عن هذا الحق وأنقذ صاحب هذا الحق الضعيف الذي هو من البشر، وليس الله سبحانه وتعالى الذي لا يحتاج إلينا ولا إلى عبادتنا، فإنه غفور رحيم واسع صبور على عباده.
ولكن البشر سيؤذي بعضهم بعضًا وستتحقق مصالح دنيوية وأخروية إذا ما أنا ذهبت فشهدت قبل أن أُستشهد.
وجه آخر للجمع بين حديثي الشهادة بحمل المدح والذم على معانٍ مختلفة
أو يفك بعضهم التعارض بين الأمرين، بين الحديثين، فيعمل بهما، وذلك بأن يحمل الحديث المادح على شهادة الحق، ويحمل الحديث القادح الذام على ذلك الذي يشهد متسرعًا في الشهادة غير متثبت منها، لا يدفعه إلى هذا التسرع إلا الهوى، أو أن يوغر صدر المشهود عليه أو شيء من هذا.
فكأن الأولى تكون لله، والثانية تكون لأهواء وأمراض في القلب، ويصح بذلك العمل بالحديثين معًا.
وقوف علماء الأصول أمام التعارضات في نظريات الثبوت والفهم والإلحاق
وهكذا وقف علماء الأصول أمام كثير جدًا من التعارضات، فوجدوا تعارضًا قد وقع في نظرية الثبوت، ووجدوا تعارضًا قد وقع في نظرية الفهم والدلالة، ووجدوا تعارضًا قد حدث في قضية الإلحاق [القياس].
فوضع [الأصولي] برنامجًا يوضح فيه بعد تفكرٍ وتدبرٍ ما نرجحه وما نقبله على ما نتركه.
ترجيح الخبر الأقل وسائط على الأكثر في قضية الثبوت
فمثلًا في قضية الثبوت يُرجَّح الخبر الذي قلَّت فيه الوسائط على الخبر الذي كثرت فيه الوسائط. حديثٌ نرويه بثلاث حلقات بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشخاص فقط، إذن فاحتمال التحريف والتصحيف والخطأ والزيادة والنقصان قليل.
لكن عندما يكون بيني وبين رسول الله عشرة في السند، كل واحد منهم لو أخطأ في شيء أو زاد حرفًا أو أنقص شيئًا أو فهم فهمًا خاطئًا، وهذا كلما زاد العدد زاد احتمال ذلك. فإنني إذا تعارض الحديثان فإنني أنظر إلى الوسائط، إلى عدد الرجال الذين في السند، فيُقدَّم الحديث ذو الأسانيد ذات الحلقات الأقل أو الوسائط الأقل على الحديث الذي فيه وسائط أكثر.
ترجيح رواية الفقيه على غير الفقيه عند التعارض
يُنظَر إلى الراوي فيُقدَّم من كان فقيهًا على من لم يكن فقيهًا. إذا ما رأيت راوي الحديث هو الشافعي أو مالك أو أبو حنيفة أو الأوزاعي أو سفيان الثوري أو سفيان بن عيينة وأمثال هؤلاء، فإنني أقدّمه على غيره من الرواة الذين حملوا الدين لكن لم يكونوا فقهاء؛ لأن أولئك أوعى وأضبط من غير الفقيه.
فإذا حدث تعارض فإنني أرجّح الفقيه على غير الفقيه، وأرجّح العالم بالعربية على غيره، فلو رأيت رجلًا من أهل العربية الخُلَّص فإنه يكون أقدر على فهم ما تحمله وسمعه من غيره الذي كان أعجميًا، قد يكون فهم بعض الكلام ولم يفهم بعضه.
ترجيح رواية حسن الاعتقاد على سيئه خاصة فيما يتعلق ببدعته
يُرجِّح [الأصولي] من حَسُن اعتقاده على من ساء اعتقاده، فيرجح رجلًا منتسبًا إلى أهل السنة على رجل من الخوارج مثلًا، وإن كان هذا الخارجي صادقًا، لكن نحن نتكلم عند التعارض. هذا الخارجي قد عارض في كلامه ونقله من هو حسن الاعتقاد.
خاصة إذا كان الحديث المروي يتعلق ببدعته ويتعلق بعقيدته، فإنه يكون متهمًا تهمة أكثر من لو روى حديثًا لا علاقة له بعقيدته أو ببدعته التي من أجلها أنكره جمهور الناس؛ لأنه إذا روى شيئًا يؤيد عقيدته لكان هناك علامة استفهام: هل يا ترى قد ألّف هذا أو أنه قد رواه متهاونًا في النظر إلى سنده وإلى مشايخه فيه لأن قلبه يميل إليه، فيريد أن يقنع نفسه ويقنع الآخرين أن النبي قال مثل هذا الحديث؟ من الممكن أن يحدث للبشر هذا حتى مع عدم تهمتي له بالكذب، لكن هناك ميل وهوى في القلب لهذا الحديث لأنه يؤيد بدعته أو لأنه يؤيد عقيدته.
ترجيح خبر صاحب الواقعة على غيره ومثال حديث أبي رافع وابن عباس
يُرجَّح خبر صاحب الواقعة على خبر غيره، يعني صحابي حضر واقعة وهذه الواقعة هي واقعته هو، قضيته هو، فرواها، ورواه صحابي آخر بأمر مخالف. طبعًا هو أدرى بنفسه وبما تم أكثر بكثير من أولئك الذين رأوا من بعيد، هذا منطقي، يعني كل هذه أشياء منطقية توصلوا إليها.
فمثلًا حديث أبي رافع وهو من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة رضي الله تعالى عنها وهما حلال، وهما حلال يعني لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام وميمونة في حالة الإحرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها في منطقة تبعد عن مكة وهما عائدان إلى المدينة تسمى سَرِف.
أبو رافع كان الرسول بين النبي وميمونة وهو أدرى بالواقعة
الرسول (الوسيط) بين النبي صلى الله عليه وسلم وميمونة في قصة زواجهما كان هو أبو رافع، يعني أبو رافع أخذ الكلام وأبلغ ميمونة وقال لها: رسول الله يريد أن يتزوجك، أموافقة أم غير موافقة؟ قالت: موافقة. فأخذ الكلام وذهب إلى النبي وقال: يا رسول الله، ميمونة موافقة. وهكذا كان هو المرسال بينهم، فهو أدرى.
يأتي ابن عباس - وابن عباس هذا صغير في السن، إنه ذو إحدى عشرة سنة - ميمونة خالته، نعم ميمونة خالته، لكنه كان صغيرًا في السن ولم يكن حاضرًا هذه الواقعة. يقول إنهما كانا مُحرِمَين، يعني في حالة إحرام. لقد اختلط عليه الأمر، اختلط عليه حالة الإحرام بحالة الحِل.
تقديم حديث أبي رافع على حديث ابن عباس في زواج النبي بميمونة
نُقدِّم حديث أبي رافع على حديث ابن عباس، ونأخذ من ذلك الحديث الأصلي الذي ينهى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المُحرِمين من الزواج، فهو يقع باطلًا إذا تزوج رجل امرأة وهما محرمين، يكون هذا الزواج باطلًا لا يصح، لابد أن يكونا حلالًا.
جاء حديث ابن عباس ليعكر علينا هذا الأمر. هذا الكلام موجود في الأحاديث وثابت وانتهى الأمر، فجاء حديث ابن عباس قائلًا: لا، هؤلاء كانوا محرمين، مما يجعلني أفكر تفكيرًا آخر. وبعد ذلك هل هم كانوا محرمين أم لا؟ هل يقع الزواج حالَ الإحرام أم لا يجوز ذلك؟ فوجدتُ حديث أبي رافع يقول: لا، بل كانوا حلالًا.
حسم التعارض بتقديم رواية صاحب الواقعة أبي رافع
إذن لديَّ تعارض بين أمرين: هل هم حلال أم حرام؟ فنقدم كلمة حلال هنا بمعنى أنهم لم يكونوا محرمين؛ لأن أبا رافع كان في الحقيقة هو الرسول بين الاثنين: النبي صلى الله عليه وسلم وميمونة.
ترجيح رواية من اشتهرت عدالته على من لم تشتهر عدالته
يُرجَّح من اشتهرت عدالته على من لم تشتهر عدالته. هناك أناس قال فيهم العلماء: لا يُسأل عنه الناس، إنما هو يسأل عن الناس. يعني لا أستطيع أن أذهب إلى أحد من الناس وأقول له: ما رأيك في مالك أو في سفيان؟ هذا غير ممكن. أو أقول له: رأيك في أحمد بن حنبل مثلًا؟ من هذا الذي سيعطي رأيه في أحمد بن حنبل!
أحمد بن حنبل هو الذي يعطي رأيه في الناس، نذهب إليه ونقول له: ما رأيك في الراوي الفلاني؟ فيقول: هذا ثقة، هذا سيئ، هذا جيد، هذا معنا، هذا ضدنا، هذا كذا. أما هو نفسه مَن يسأل؟ هذا الذي حفظ مليون حديث في ذهنه، واشتهر بالتقوى والورع والعلم والفضل وما إلى ذلك.
عشرون ترجيحاً في الثبوت كلها تدور على المنطق وأفعل التفضيل
وحسنًا، أنت تعني أن هؤلاء أناس اشتهرت عدالتهم وضبطهم وثقتهم إلى الغاية والمنتهى. وهكذا يُرجَّح خبر من فعل كذا إلى كذا. أمامي هنا عشرون ترجيحًا، عشرون ترجيحًا كلها تدور في المنطق: الأكثر عددًا، الأكثر ورعًا، الأضبط لغةً، الأضبط فقهًا، وكذا.
أفعل التفضيل هذا، أفعل التفضيل لما يأتي يكون هذا أفضل من هذا وأفضل من هذا من أي جهة. فإذا حدث التعارض بهذه الكيفية فإننا نذهب إلى الأفضل، إلى الأرجح، ونرجح به الرواية.
ترجيح المرفوع المتفق عليه والمنقول بلفظه على المختلف فيه والمروي بالمعنى
يرجحون الخبر من ناحية المروي: المتفق على رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم على الخبر المختلف في رفعه إلى النبي. قلنا إن بعض الأخبار نرفعها إلى النبي فنقول: قال رسول الله، وبعضها الصحابي يتكلم ولا نعرف إذا ما كان هذا كلام رسول الله أو كلامه هو، ويحدث خلاف بين الناس. واحد يقول سمعته مرة يقول إن هذا قاله رسول الله، ويقول أحدهم: لا، لم أسمعه. المتفقون على أنه مرفوع أفضل من المختلف فيه بالطبع.
يُرجح الخبر الذي ذُكر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم على الخبر الذي حُكي بالمعنى. خبر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا، والثاني روى بالمعنى: كنا مع رسول الله فحدَّث كذا وحدث كذا إلى آخره، فالقول هذا الذي سمعت رسول الله يقول كذا أحسن من هذا.
ترجيح القول على الفعل والتشديد على التخفيف والمؤرخ على المطلق
كذلك يرجحون القول على الفعل. كذلك يرجحون الخبر المتضمن بالتشديد على الخبر المتضمن للتخفيف، احتياطًا في الدين.
فيرجحون الخبر المؤرخ بتاريخ مضيق - أي وارد في آخر حياته صلى الله عليه وسلم - على الخبر المطلق عن التاريخ.
مثال ترجيح الحديث المؤرخ: صلاة النبي قاعداً والناس قياماً في مرض وفاته
النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس في مرضه الذي توفي فيه قاعدًا، الحديث يقول هكذا، والناس من خلفه قيام. يبقى في هذا الحديث أن النبي كان قاعدًا في الصلاة والناس قيامًا.
بينما في حديث آخر يقول:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا»
ففي حديث يقول: إذا جلس الإمام فاجلسوا جميعًا، وحديث يقول: إذا جلس الإمام فيجوز لكم القيام.
تقديم حديث القيام لأنه كان في آخر حياة النبي ولم يُنسخ
نأخذ الحديث الذي فيه القيام ونسير وراءه؛ لأنه كان في آخر حياة النبي، لأن في نص يقول ماذا: في مرضه الذي توفي فيه، توفي فيه يعني مات بعد ثلاثة أيام، يكون الأمر ضيقًا هنا، لم يلحق أن يُنسخ.
فهو في البداية قال لهم اجلسوا، وفي النهاية قال قوموا. حسنًا، ربما قال اجلسوا مرة أخرى، أو ربما يكون خبر صلوا جلوسًا هذا جاء في النهاية. متى حصل هذا؟ هو ثلاثة أيام أمضاها عندهم ودخل البيت وظل مريضًا إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، فلم تعد هناك فرصة، لم تعد هناك فرصة [للنسخ].
الترجيحات عملية فكرية منطقية يجلس فيها الإنسان ليتصور ويرجح
هنا نرى في كل الترجيحات أنها عملية فكرية يجلس الإنسان ليتصور ورود الأحاديث وكيف تكون وكيف تثبت وما هو الراجح فيها، فيرجح الراجح كهذا بمنتهى البساطة.
ثم بعد ذلك تأتي حالات كثيرة، ففي كل حالة يظهر رأي راجح معين من جهة معينة فيكتبونها في الكتب. وبدلًا من هذه القاعدة البسيطة المنطقية نستطيع أن نجلس عشرة أو خمسة عشر أو عشرين صفحة، ولو كتبنا فيها رسالة يمكن أن نكتب فيها رسالة وكتابًا إذا أكثرنا من الأمثلة.
لكن كيف أتت عند الأصولي؟ أتت عندما أراد أن يرجِّح الراجح فقط لا غير. بمَ؟ بتفكّره.
الاختلاف في الترجيح طبيعي ولا ينبغي الانزعاج منه لأن الأصل واحد
اجلس وحاول أن تتوصل إلى طريقة للثبوت وترى أمامك، ويمكن أن تختلف مع أخيك الذي يفكر بنفس الطريقة. وإن اختلفتَ فسترى أنهم قد اختلفوا أيضًا؛ لأنك ستجد نفسك قد دخلتَ من مدخل والآخر قد دخل من مدخل آخر.
فلا ننزعج من كثرة هذه الخلافات؛ لأن وراءها شيء ثابت وهو أننا نريد أن نتوثق وأننا نرجح الراجح. هذا هو الشيء الذي يضبط الجميع، ولكن نختلف في الجزئيات وكيفية التطبيق.
المرجحات الخاصة بالأقيسة وتقديم العلة الوصفية على الحكمة المجردة
يمضون أيضًا ويتكلمون بعد ما يتكلمون عن الخبر والمروي من الخبر وكذا إلى آخره، إلى قضية المرجحات الخاصة بالأقيسة. فإنهم وجدوا أن الأقيسة تتعارض أيضًا بعضها مع بعض، لا يكون التعارض في الأخبار فقط بل أيضًا في الأقيسة.
فيقدمون القياس الذي تكون علته وصفًا مشتملًا على الحكمة على القياس الذي تكون علته نفس الحكمة. وصف مشتمل على الحكمة مثل الإسكار، أهو هذا وصف مشتمل على الحكمة وهي ذهاب العقل. هذا أحسن من قياس أقوى من قياس يكون فيه الجامع بين الفرع والأصل ذهاب العقل فقط، واعتبار العلة هي نفس الحكمة.
لماذا؟ لأن العلة ظاهرة منضبطة، والحكمة قد لا تكون ظاهرة وقد لا تكون منضبطة. إذن، فما هو ظاهر منضبط أولى مما ليس كذلك. العلة متفق على القياس بها، لكن الحكمة ليست متفقة على القياس بها، فما كان متفقًا عليه أولى في التقديم مما كان مختلفًا فيه.
ترجيح القياس ذي العلة الوجودية على العلة العدمية مع مثال الاعتكاف والصوم
يُرجَّح القياس الذي تكون علته حكمته مثل ذهاب العقل على القياس الذي تكون علته وصفًا عدميًا. والوصف العدمي يعني فيه "ليس"، عدم الشيء.
يعني مثلًا يقول ماذا؟ يقول: نحن عندنا نذر، نذرت الاعتكاف، وعندي أنني قد اعتكفتُ من غير نذرٍ. فعندي حالتان: الإطلاق والنذر. الإطلاق معناه أنني لم أنذر، إنما ذهبت إلى المسجد ودخلت فيه لأعتكف. والنذر: لله عليّ أن أعتكف يومًا كذا أو يومين أو ثلاثة إلى آخره.
هل يُشترط في هذا الاعتكاف الصوم؟ اتفقوا على أن النذر يُشترط فيه الصوم، فمن نذر الاعتكاف فإنه يشترط فيه الصوم. واختلفوا في أنه ما لم ينذر الاعتكاف هل يشترط فيه الصوم أو لا يشترط فيه الصوم؟ فقال أبو حنيفة: يشترط كالمنذور، وقال الشافعي: لا يشترط.
تفصيل القياس على الصلاة في مسألة اشتراط الصوم للاعتكاف والعلة العدمية
يبقى أنهم اتفقوا على الاعتكاف المنذور واختلفوا على الاعتكاف المطلق في قضية اشتراط الصوم. وأجروا قياسًا على الصلاة، فقالوا إن الصلاة لا تجب عند الاعتكاف المنذور فهي لا تجب عند الاعتكاف المطلق.
والصوم يقولون أن الصلاة لا تجب عند الاعتكاف المطلق، ولذلك فهي لا تجب عند الاعتكاف المنذور. فالعلة هنا هي أنها لا تجب عند الاعتكاف المنذور. والصوم لا يجب عند الاعتكاف المطلق، ولذلك فهو لا يجب عند الاعتكاف المنذور.
العلة هنا عدمية: لا يجب، لا يجب، عدم الوجوب. هذا الوصف عدمي، وهذا الوصف ما كان ثابتًا مثبتًا أحسن مما كان عدميًا.
ترجيح القياس ذي العلة البسيطة على المركبة ومثال ناقض الوضوء عند الحنفية
لكن يُقدم القياس ذو العلة البسيطة على القياس ذي العلة المركبة. العلة البسيطة هي علة واحدة مثل الإسكار وكفى، لكن العلة المركبة مثل ناقض الوضوء عند الحنفية، ما هو؟ الشيء النجس الخارج. كونه خارجًا من الجسم وكونه نجسًا، فهذه علة مركبة.
لكن الخارج فقط لا ينقض الوضوء، ولذلك الدموع لا تنقض الوضوء، فالدموع من الأشياء التي تخرج من الجسم. والعرق أيضًا لا ينقض الوضوء لأنه خارج فقط. والشيء النجس فقط لا ينقض الوضوء؛ لأن الإنسان قد يكون عنده مثلًا الدم الجاري داخل عروقي، والدم هذا نجس لكنه نجس حال الانفصال، أما وهو داخل جسمي، والبول وما شابهه وما إلى ذلك، كل هذه الأشياء داخل الجسم لا تسمى نجسة.
فلا بد أن يكون خارجًا ولا بد أن يكون نجسًا، فهذه علة مركبة لنقض الوضوء لأنها مركبة من صفتين.
غرض الأصوليين من تفصيل قوانين الترجيح وبيان خبرتهم في التعامل مع النصوص
يتكلم الأصوليون عن التعارض وعن قوانين الترجيح بتفاصيل كثيرة، والغرض منها أن يبينوا خبرتهم في الاتصال بالنصوص وما حدث عندهم من تعارضات، وكيف حاولوا أن يرجحوا بعضها على بعض من أي جهة كانت. هذا ترجيح من أي جهة كانت.
المقاصد الشرعية الخمسة ومراتبها الثلاث في نظرية الإفتاء
قضية المقاصد الشرعية قضية هامة أيضًا في الإفتاء. خمسة هي: الحفاظ على النفس، وعلى العقل، وعلى الدين، وعلى النسل، وعلى المال.
وكل واحدة من هذه الخمسة لها مراتب ثلاث: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات. يعني هناك في مجال النفس هذه الثلاث، وفي مجال العقل هذه الثلاث. يعني كأننا لو وضعنا جدولًا وكتبنا هذا في الأفقي وهذا في الرأسي، لأصبح عندنا خمسة عشر خانة.
تفصيل جدول المقاصد بين الأصلي والتكميلي والوجود والعدم ليصبح ستين خانة
على أن كل واحدة منها إما بالأصالة وإما بالتتميم، يعني إما أصلية وإما مكملة، فأصبح العمودي ستة. كل واحدة من الثلاثة إما أصلية وإما مكملة، وكل واحدة من هذه الستة إما أن تكون متعلقة بالوجود وإما أن تكون متعلقة بالعدم، فأصبح الستة اثني عشر.
يبقى اثنا عشرة في خمسة أصبح لدي ستون خانة إذا جعلتها كجدول الحصص المعروف المشهور (جدول الخانات)، أصبحت بهذا الشكل ستون خانة. أضرب خمسة في العمودي في ستة، واثني عشر في العمودي في خمسة في الأفقي على الترتيب المذكور. هذا ثلاثة في اثنين في اثنين يصبحون اثني عشر، وهي الثلاث: ضروريات والتكمليات، الضرورياتُ والحاجياتُ والتحسيناتُ، وفي كلِّ واحدةٍ منها أصلياتٌ وتكميلياتٌ، وفي كلِّ واحدةٍ من هذه الستةِ وجودُ جانبِ الوجودِ وجانبِ العدمِ.
مثال سد الرمق كضرورة في جانب الوجود للحفاظ على النفس
فالأكلُ في حدِّ الكفافِ، في حدِّ سدِّ الرمقِ، هو في جانبِ الوجودِ من قبيلِ الضرورياتِ في النفسِ. يعني الخانةُ الأولى سنكتبُ فيها سدَّ الرمقِ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا لم يأكلْ هذا لمات، ولو لم يجد هذا الطعام لأصبح الحرام حلالًا له.
﴿إِلَّا مَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 173]
ويحل له من الحرام ما يسد به الرمق. الرمق هو النفس أو الروح، وسد الرمق كأن الروح هذه ستخرج من الفم وأنا أضع سدادتها لكي أمنعها من الخروج. ما هي هذه السدادة؟ هي قيمة ما آكل، فيقوم به الجسم البشري الذي هو أقل سعرات حرارية يحتاجها الجسم البشري، والتي لو لم يتناولها لهلك الإنسان أو قارب على الهلاك.
جانب العدم في الضروريات: تحريم القتل للحفاظ على النفس
في جانب العدم: القتل. كيف أحافظ على النفس بأن لا أقتلها، أن لا - ها هو العدم - "لا" تفيد العدم. أنا لا بد عليَّ أن أحافظ على عدم القتل، عدم القتل كضرورة من ضرورات المحافظة على النفس.
الحاجيات والتحسينيات في الحفاظ على النفس: المسكن والترويح
لكن هذه النفس حتى تحيا، ألا تحتاج إلى كساء؟ ألا تحتاج إلى مسكن؟ ألا تحتاج إلى راحة؟ نعم، وهذه حاجيات. المسكن، هي لا تموت صحيح إذا نمت في الشارع، لكنها يمكن أن تموت بمرور الوقت، يعني هي لا تموت فورًا، لكنها لو أننا قد جلسنا هكذا مدة طويلة تصاب بالأمراض وما شابه ذلك وتموت.
هذه النفس فلا بد أن هذا صحيح أنها ليست من الضروريات التي إذا حُرِم منها هذا الجسم البشري هلك، لكنها في المرتبة الثانية مباشرة وهي قضية الحاجيات.
لكن أليست هذه النفس البشرية تحتاج إلى ترويح وتحتاج إلى راحة وتحتاج إلى أمور أخرى غير هذا المجال؟ نعم، تحتاج إلى ذلك، وهذه مرتبة التحسينيات. وفي كل واحدة من ذلك إما أن تكون أصلية أو تكون تابعة للأصلية، فتكون هذه التوابع هي عبارة عن تكمليات لهذا الأصل.
التعارض الأفقي بين المقاصد الخمسة ومعنى الدين في هذا الترتيب
ثم يأتي التعارض الأفقي بين النفس والعقل فنفضل النفس، وبين العقل والدين. الدين هنا بمعنى الطقوس والشعائر وليس الدين بمعنى الإسلام؛ لأن الدين بمعنى الإسلام هو هذه الخمسة كلها.
ولذلك تجد بعضهم قد قدم الدين على الجميع باعتبار أنه هو الإسلام. أما الدين هنا فهو الذي يمثل الطقوس والشعائر والعبادات، المقصود بها هنا في هذا الترتيب هذا، وإلا فالإسلام هو كل هذا.
الإسلام يحافظ على المقاصد الخمسة وهي أسس أي حضارة على وجه الأرض
ومن هنا ولأننا نرتب هذا الترتيب فإننا ندعو الناس جميعًا على وجه الأرض إلى أن يكونوا مسلمين؛ لأن الإسلام يحافظ على النفس ويحافظ على العقل ويحافظ على الدين كدين وليس كإسلام، كدين ويحافظ على النسل ويحافظ على المال.
وهذه الخمسة هي أسس أي حضارة على وجه الأرض، فلا بد لأي إنسان متحضر أن يقبل الإسلام ليعيش في ظله حتى ولو كان ليس متدينًا بدين المسلمين.
التفريق بين الاستعمال الشرعي والاصطلاحي للدين في علم الأصول
الإسلام بهذا الترتيب وكأنه في هذا المصطلح يعني، بغض النظر عن المصطلحات الأخرى والاستعمالات الشرعية للكلام؛ لأنه في الاستعمالات الشرعية أن الدين عند الله الإسلام، هذا هو الاستعمال الشرعي.
نحن الآن لسنا في الاستعمال الشرعي، نحن في استعمال صناعي في صناعة الأصول. هنا نحن نصنعه حتى نفهم شيئًا معينًا أو ننقل شيئًا معينًا، وليس هذا هو الاستعمال الشرعي للكلمات.
دعوة البشرية لقبول الإسلام حضارة وقانوناً إن لم يقبلوه ديناً
أريد أن أقول للبشر أنه لا بد عليكم أن تقبلوا أن تندرجوا تحت سلطان ومظلة الإسلام؛ لأنه لا حضارة إلا بالإسلام. والإسلام هو عبارة عن الحفاظ على النفس والعقل والدين والعرض أو النسل والمال.
وأنه ليس هناك أحد من العقلاء يريد عمارة الدنيا ويريد سعادة البشرية ويستطيع أن يقدح في واحدة من هذه المقاصد الخمسة التي هي الإسلام. فينبغي عليكم أن تقبلوا الإسلام، إن لم تقبلوه دينًا فلا بد عليكم أن تقبلوه حضارة، وإن لم تقبلوه شريعة لأنفسكم فلا بد عليكم أن تقبلوه قانونًا يحكم الأرض.
الإسلام يخاطب البشرية كبشرية ويتعامل مع غير المسلمين تحت مظلة المقاصد
يعني هذا مدخل من مداخل الدعوة التي تنتهي بها جميع خرافات ما يُدّعى من أين الأقليات في المجتمع المسلم وأين الأديان الأخرى وأين كذا. هذا ما هذا؟ محلول، لا شيء في هذا وهمٌ؛ لأن الإسلام يخاطب البشرية كبشرية ويخاطبهم ويأمرهم أيضًا أن يدخلوا دينه ولكن بلا إكراه.
وهو يُكفّر من لم يدخل ذلك الدين، لكنه يبقي عليه ويتعامل معه، وهذا تحت ظل المحافظة على النظام العام للبشرية وهو المحافظة على هذه المقاصد الخمسة.
وجوب عرض المجتهد حكمه على المقاصد الشرعية قبل الإفتاء
مقصد الكلام أن المجتهد عندما يذهب إلى الأدلة الشرعية ويستطيع أن يصل إلى حكم يصف فعلًا بشريًا، فإنه يجب عليه أن يعرض ذلك الحكم الذي توصل إليه على تلك المقاصد.
فإن وجدها تعود على تلك المقاصد بالبطلان، ووجد أن الحكم الذي قد توصل إليه سيؤدي إلى فساد لا إلى عمارة، وضياع نفس أو عقل أو عرض أو مال لا إلى حفاظ، فإنه يراجع نفسه ويمتنع عن الفتوى ويعيد الأمر ليصل إلى حكم يتوافق مع تلك المقاصد.
ويكون في ظلها ممنوعًا عليه أن يفتي بشيء يكون خارجًا عن تلك المقاصد، فهذه المقاصد تربطه وتحكمه ولا يستطيع أن يخرج عنها ولا أن يعود إليها بالبطلان أبدًا. فإن فعل ذلك فعليه أن يراجع نفسه.
مثال الشافعي في الزكاة على الأوراق النقدية وكيف كرّ على المقاصد بالبطلان
فمثلًا تأمل شافعي في النصوص فوجد أن الزكاة تخرج على الذهب والفضة، وتأمل في الواقع فوجد أننا لا نتعامل الآن لا بذهب ولا بفضة، إنما هي بمحض أوراق نستطيع أن نمزقها، وقيمتها الاسمية تخالف قيمتها الحقيقية التي نتكلفها.
فورقة المائة جنيه المصرية تتكلف على الحكومة ستة عشر قرشًا، في حين أن جنيه جورج (الجنيه الذهبي الإنجليزي) يتكلف جنيهًا ذهبيًا إنجليزيًا. فهذا الذهب والفضة قيمتهما كامنة فيهما؛ لأن الله جعل الحاجة إليهما كبيرة وقلل وجودهما وجعلهما ذات ندرة نسبية، وخصهما بصفات تتحمل التداول ولا تنقص ولا تصدأ إلا بصعوبة بالغة، إلى آخر ما هنالك من صفات الذهب والفضة والمعادن النفيسة التي تؤهلها لأن تكون وسيطًا جيدًا للتداول والتعامل بين الناس دون حدوث تضخم في داخل النظام الاقتصادي.
خطأ ربط الزكاة بالذهب والفضة فقط وإسقاطها عن الأوراق النقدية
لكن الذهب والفضة قد ذهبا وانقضى عهدهما، ولم يبق معنا إلا وسيط تبادل معين هو الورق (الكاغد)، هذا الورق المعروف الذي بين أيدينا.
قال [ذلك الشافعي]: الزكاة تعلقت بالذهب والفضة، قد ذهبا فالزكاة قد ذهبت، فلا زكاة على الأوراق النقدية التي نعمل بها. القواعد الأصولية تؤدي إلى هذا، ولكن بذلك كرّ على ركن من أركان الدين، كرّ على مقصد من مقاصد الشرع وعلى حفظ المال للناس وعلى التوازن بينهم حتى تُحفظ النفس.
رأيت أنه قد كرّ في الجدول على ثلاثة أو أربعة خانات بالبطلان من الجدول هذا الذي صنعناه والذي فيه ستون خانة، فإنه قد كرّ على ثلاثة أو أربعة من هذه الخانات بالبطلان.
منع المفتي من الإفتاء بما يعود على الشرع بالبطلان ومراجعة الخطأ
نحكم على هذا المفتي أن لا يفتي بهذا وليراجع نفسه ولينظر إلى الخلل الذي وقع فيه، ولابد أنه قد وقع في خلل ما؛ لأنه لا يمكن أن نستنبط من الشرع ما يعود على نفس الشرع بالبطلان.
وهنا فإنه يرجع لنفسه ويقول إن الله سبحانه وتعالى عندما علّق الزكاة لم يعلقها بكونها ذهبًا وفضةً، بل علقها بكونها مالًا؛ لأن المقصود منها هو إغناء الفقير، والمقصود منها هو إحداث التكافل الاجتماعي، والمقصود منها هو حفظ [المال والنفس]. وكذلك إذا، فهذه صفات لا تقتصر على الذهب والفضة، لا تقتصر عليها الذهب والفضة، بل إنها من صفات المال، والذي بين أيدينا الآن من المال وإن لم يكن ذهبًا أو فضة.
تصحيح الخطأ: الزكاة معلقة بالمالية لا بالذهبية والفضية
الخطأ الذي ارتكبته كمجتهد في هذه المسألة أولًا أنني ظننت أن الله قد علق الزكاة بالذهبية والفضية، في حين أن الله قد علق الزكاة بالمالية. الذهبية والفضية ذهبت، لكن المالية لم تذهب، وعلى ذلك فالزكاة مستمرة، اطمئن هكذا، الزكاة مستمرة.
كلام صحيح، قد أستطيع أن أقول: حسنًا، لماذا ربط الشافعي في كتاب الأم الزكاة بالذهب والفضة؟ من أجل التقويم لا من أجل الفرض، من أجل التقويم بمعنى: ما نصاب الزكاة؟ خمسة وثمانين جرامًا من الذهب. حسنًا، دعه اليوم خمسة وثمانون جرامًا من الذهب.
كيفية حساب نصاب الزكاة بالأوراق النقدية مع بقاء الذهب مقياساً
وإذا ما سُئلنا عن نصاب الزكاة نقول هو حوالي ثلاثة آلاف جنيه، من ضرب خمسة وثمانين جرامًا في سعر الجرام في السوق خمسة وثلاثين جنيهًا أو شيء من هذا القبيل، فيكون ألفين وتسعمائة، ألفين وكذا.
كل يوم في اليوم الذي أريد أن أخرج فيه الزكاة انظر في الجريدة وتأكد من سعر الجرام ثم اضربه في خمسة وثمانين، وأرى ما لدي هل هو أكثر من هذا فيكون عليّ الزكاة، أم أقل من هذا فليس عليّ زكاة.
إذن فأنا قد صممت أو أنني استمررت على نصاب الذهب وجعلته هو المقياس؛ لأن الشرع قد جعله مقياسًا، لكنني لم أربط الزكاة به في ذاته حتى إذا ما انتفى نفيت الزكاة فأكرّ على الشرع بالبطلان.
قضية الإفتاء وضرورة إدراك الواقع وعدم توسع الأصوليين فيها
القضية التي بعد هذا هي قضية الإفتاء، بعدما يفك التعارض وبعد ما يحاول أن يلتزم بمقاصد الشريعة، فإنه أيضًا لا بد عليه أن يدرك الواقع.
والأصوليون لم يتعرضوا بتوسع فيما وصل إلينا من كتب الأصول في كيفية إدراك الواقع، ويبدو أن ذلك كان متروكًا للملكة العملية التي لم يرَ الأصولي أن يسجلها في الكتب، وأن هذا - كيفية إدراك الواقع - أمر يتعلمه الناس بعضهم من بعض.
سبب عدم تدوين الأصوليين لكيفية إدراك الواقع: بساطة الواقع القديم
لكن في ظني وفي رأيي أن الذي أثّر عندهم في ذلك أن الواقع الذي عاشه المجتهدون الأوائل والمؤصلون لذلك كان واقعًا رتيبًا لا يتغير، فالخبرات تسير سيرًا حثيثًا بطيئًا.
وظل هذا الحال في ظني إلى سنة ألف وثمانمائة وثلاثين - هذا رأيي الشخصي أنا - ومن سنة ألف وثمانمائة وثلاثين إلى سنة ألف وتسعمائة وثلاثين اكتشف واخترع الإنسان ما لم يكتشفه ولا يخترعه في حياته كلها.
وبعد ألف وتسعمائة وثلاثين كأنه لم يكتشف شيئًا جديدًا مؤثرًا وإلى يومنا هذا، بل هو يركب ويستمر في أبحاث بدأت، ولكن النمط الفكري العلمي والمنهجي الذي حكم الإنسان في هذه الفترة لم يتغير إلى الآن. وقد كثرت وتراكمت وانفجرت المعلومات، فهذه قصة أخرى، لكن المنهج [لم يتغير].
ثورة المواصلات والاتصالات والتكنولوجيا غيرت حياة الإنسان جذرياً
كان هناك قبل ألف وثمانمائة وثلاثين لا توجد مواصلات مثل هذه المواصلات التي توجد اليوم، ولا اتصالات مثل هذه الاتصالات التي نحيا فيها، ولا تكنولوجيا مثل هذه التكنولوجيا التي نقوم ونتعامل بها من حولنا.
هذه الأمور الثلاثة في رأيي لا تُمكِّننا اليوم من أن نحيا حياة الأمس، لا نستطيع أن نُحيي حياة الأمس اليوم؛ وذلك لأن البرنامج اليومي لحياة الإنسان قد اختلف. سرعة الأحداث وكمُّ العلاقات والاتصالات شيء رهيب لا يتصوره العقل؛ مائة وعشرون مليون معلومة تبثها وكالات الأنباء يوميًا وتبثها لمن؟ للعالم كله.
العالم أصبح قرية واحدة وأنماط الاستهلاك والعلاقات تغيرت
ونستطيع عن طريق الدش وعن طريق الطائرة أن تصبح الكرة الأرضية كقرية واحدة. كل المذاهب التي تنشأ في إنجلترا ما كان يمكن أن يطلع عليها المصريون فورًا، بل بعد أجيال وأجيال حتى تنتقل وينتقل منها النزر اليسير، ولكن الآن تنتقل فورًا.
فإذا ما عمَّم الهاتف الشخصي هذا وأصبح في الجيب، في جيب كل شخص مع إمكانية الاتصال الدولي، فإن أنماط الاستهلاك ستختلف. يعني لو تخيلنا شخصًا واقفًا في متجر فندي والآخر واقفًا في سان مايكل مثلًا في لندن في أوكسفورد ويتحدثان مع بعضهما بالهاتف: أشتري أم لا أشتري؟ وبكم عندك؟ وبكم عندي؟
ضرورة وضع ضوابط للتعامل مع الواقع المتغير وإلحاقها بالأصول
المسألة قضية أخرى فيها واقع متغير وفيها علاقات متداخلة وفيها أفكار منقولة. ينبغي علينا أن نضع لها ضوابط للتعامل مع الواقع وإدراكه، ونلحقها بالأصول.
الأصول في الحقيقة أنه يحتاج إلى هذا ومكانه هذا. لماذا؟ لأن المفتي لا يمكن أن يفتي إلا بعد أن يدرك الواقع. والسؤال: كيف يدرك الواقع؟ كيف أتوصل إلى المعلومة؟ هذه المعلومة من أي نوع من الأنواع؟ وما هو المنهج الذي يوصلني إلى معرفة الحقيقة ونفس الأمر؟
الأصوليون اكتفوا بعبارة أن المفتي يعلم الواقعة لبساطة واقعهم
هذا لم يتعرض له الأصوليون، وإن كانوا قد أدرجوه في كلمة واحدة وهو أنه ينبغي على المفتي أن يعلم الواقعة. حسنًا، كيف يعلم الواقعة؟ لم يتعرضوا لها؛ لأن علمه بالواقعة في سنة مائة هجرية هو نفس علمه بالواقعة في سنة ألف ومائتين هجرية، كل الوسائل واحدة ويتعلمها الناس بعضهم من بعض، وهذه من البدهيات التي لا نشغل بالنا الآن فيها.
لكننا الآن على غير هذا المراد، نشأت من هذه الثورة في الاتصالات والمواصلات والتقنيات علاقات معقدة، مما جعل يتوازى معها نشأة العلوم الاجتماعية والإنسانية في صورة مقننة مدونة، مما جعل لهذه العلوم مناهج للإدراك.
مناهج العلوم الاجتماعية الغربية متحيزة وتحتاج إلى رؤية إسلامية
وجعل مناهج العلوم الاجتماعية قادرة على إدراك الواقع بصورة متحيزة لعقيدة الغرب. ونريد أن تنطلق المناهج الاجتماعية والإنسانية من رؤية كلية للإنسان والكون والحياة يحملها المسلم من عقيدته، فيدرك بها الواقع على ما هو عليه كما أراده الله.
فعندما يحكم عليه فإنما يحكم عليه أيضًا بما أراده الله. إن استطعنا أن نصل إلى هذا فقد تحررنا من التبعية، وإن لم نستطع أن نصل إلى هذا فقد كفينا المبشرين عملهم.
التبشير يسير عبر مناهج العلوم في الجامعات وليس فقط عبر الوعظ
فإن التبشير في الجامعة المصرية مثلًا يسير على قدم وساق. نصلي نعم، لكننا بعد ذلك ندرس علم النفس وعلم الاجتماع وعلم التربية وعلم كذا بمناهج كلها ترى رؤية للإنسان والكون والحياة غير ما يراه المسلم.
وبذلك فهم مطمئنون، وأدوات الاستشراق والتبشير قد اختلفت. وتوصلنا إلى ذلك كما أقروا هم وكما أثبتت بحوث كثيرة في مؤتمرات عديدة حول هذه القضية، أن الأمر أمر مناهج للعلوم وأن هذه المناهج التي تكوِّن وتشكل العقل المسلم.
خلل إدراك الواقع برؤية غربية مع إدراك النص برؤية شرعية يسبب التناقض
وعلى ذلك يكون المسلم حائرًا ولا يستطيع أبدًا - بهذا الخلل، خلل إدراك الواقع الذي رآه برؤية غربية مع إدراك النص والوحي الذي رآه برؤية شرعية - أن يتوافق هذا مع ذاك؛ لأنهما من مصدرين مختلفين ومن رؤيتين متضادتين.
فالذي نريد أن نفعله الآن: ندرك الواقع من رؤية إسلامية، من رؤية ربانية، من رؤية ترى أن الإنسان مخلوق لخالق، وأنه هنا ملتزم بشرع، وأنه سيسير في يوم آخر إلى حساب وعقاب، وأن للأشياء عنده حرمة وقداسة، وأن الأمر ليس على نسبية مطلقة كما يظن الغرب، بل فيه قيم ومقاصد شرعية ومبادئ عامة.
الرؤية الكلية الإسلامية تنبثق عنها مناهج العلوم وتلحق بأصول الفقه
وفيها سنن إلهية ربانية، بعضها تاريخي وبعضها كوني وبعضها نفسي متعلق بالمجتمع كنفس واحدة، أو متعلق بالنفس البشرية في ذاتها، إلى آخر هذه الرؤية الكلية التي تنبثق عنها مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية.
يمكن أن نلحق هذا في فصل أخير للأصول يستطيع به المفتي بآلياته أن يدرك به الواقع على ما هو عليه، فيستطيع أيضًا أن يحكم على أفعال البشر في وسط هذا الواقع بحكم يريده الله سبحانه وتعالى.
الانطلاق من الكبوة الحالية والتناقض في فتوى المفتين وحيرة المتحيرين
فننطلق من هذه الكبوة التي نحن فيها وهذا التناقض والنشاز الذي نشعر به في فتوى المفتين، ونشعر به في حيرة المتحيرين عندما تُعرض عليهم مسألة فقهية أو عندما تُعرض عليهم مسألة اجتماعية أو عندما تعرض عليهم مسألة سياسية.
حينئذ سيشعر حكامنا من أنفسهم أن هذا الدين كنز، وسيعرف كل أحد أن كلام الله معجز، وسيسمعونه بطريقة هم لا يسمعونه بها الآن. وكل هذا لأنهم لا يظنون أن ما يفعلون له قواعد ومبادئ في الوحي الشريف.
الإسلام بمعناه التراثي لا يكفي وحده والسلف قاموا بواجب وقتهم
هم لم يروا ولم يسمعوا ولم يبلغهم أحد، ومن هنا فإنهم يستشعرون دائمًا أنهم لو انضووا تحت الإسلام بمعناه التراثي - أي الإسلام بمعنى أنه مجموعة الأصول والفقه الموروثة - فإنه سيكون الدمار، حيث أن هذه الأشياء الموروثة لا تحقق المصلحة ولا تحكم على الأفعال القائمة عند البشر الآن في المجالات المختلفة بأحكام تؤدي إلى التقدم، تؤدي إلى القوة، تؤدي إلى السيطرة، تؤدي إلى كذا وكذا إلى آخره.
فمعنى هذا أن السلف الصالح قد قاموا بواجبهم، بواجب وقتهم على ما كان يقتضيه ذلك الوقت، فصنعوا علومًا وفرّعوا فروعًا تجيب على كل شيء، سعيًا لإيقاع الوحي على الوجود، ونجحوا في ذلك تمامًا.
التمسك بمنهج إيقاع الوحي على الواقع مع استيعاب متغيرات العصر
وينبغي علينا أن نتمسك بذلك المنهج من محاولة إيقاع الوحي على الواقع، ولكن علينا أيضًا أن ندرك أن هذا الواقع له متغيرات ينبغي علينا أن نستوعب آليات التعامل معها.
وأن نكتب في هذا ونضيفه إلى أصول الفقه؛ لأن به كمال الفهم، لأن من أصول الفقه قضية الإفتاء التي من أركانها معرفة الواقع.
والله تعالى أعلى وأعلم، ونريد أن نراكم دائمًا بخير.
مزاح المحاضر حول معرفة ما بين السماء والأرض وأهمية قول لا أدري
ومن أراد منكم أن يسأل شيئًا سواء كان في ما سمعتم الآن أو ما سمعتم من قبل أو في أي شيء ما بين السماء والأرض فلا بأس أن تسألوه.
وأنا أعلم ما بين السماء والأرض، وأنا الآن وبعد البحث والتقصي توصلت إلى أنها هي الواو، فالواو هي التي بين السماء والأرض!
ثم إن من قال لا أدري فقد أفتى، وأنا سأفتي بكل شيء: لا أدري، لا أدري، لا أدري. وبعد ذلك جعل نفسه مفتيًا! حسنًا يا مولانا، السلام عليكم.
سؤال حول ترتيب المقاصد الشرعية الخمسة والخلاف في تقديم الدين أو النفس
بارك الله فيكم. بالنسبة لحضرتك لمقاصد، ما بالنسبة لقضية المقاصد، فحضرتك أنا أعرف ترتيبهم، هم الرقم: الضروريات والحاجيات والتحسينات، ثم تأتي تحت الضروريات الخمسة على الترتيب المعروف.
أي إنكم تقولون في كل كتب أصول الفقه التي تتوفر، التي استطعت الوصول إليها، أن هذا الترتيب هو: الدين والنفس والعقل والعرض والمال على هذا الترتيب. وحتى الأستاذ أحمد الريسوني عندما تعرض في نظرية المقاصد عند الشاطبي حقق نفس المسألة ووصل لنفس الترتيب، إن هذا الترتيب يعني كما قال هو، عليه اتفاق أن الدين والنفس والعقل والعرض والمال. هذا أول سؤال.
سؤال حول إدراك الواقع وتحقيق مناط الحكم الشرعي عند الفقهاء الأوائل
السؤال الثاني الذي هو بالنسبة لقضية إدراك الواقع وأن الفقهاء الأوائل لم يتوسعوا في هذه النقطة بما فيه الكفاية، أنا حقيقة لي رأي مخالف لذلك، أي ولكن هم كانوا يعبرون عن كلمة إدراك الواقع بتحقيق مناط الحكم الشرعي.
يعني الفقه عندما يقول تحقيق مناط الحكم الشرعي، فالمقصود أن الحكم الشرعي المجرد هذا سيُطبق على واقع أو سينزل على واقع معين، وسيؤثر وستؤثر الواقعة في تكييف الحكم الشرعي نفسه. وأظن أن هذا يعني كل إدراك الواقع بالواقع البسيط الخاص بهم.
يعني قد يكون الواقع الخاص بنا معقدًا، فسيكون إدراك أو تحقيق مناط الحكم الشرعي بما يناسبه من تعقيد.
تبرير ترتيب النفس ثم العقل ثم الدين في المقاصد الخمسة بالمنطق
ولم أرَ من فعل مثل ما فعلتُ أنه يقول النفس فالعقل فالدين، والذي جعلني أفعل هذا وإن كان مخالفًا لما عليه كثير من الناس هو أنه ترتيب منطقي؛ لأنني لا بد عليَّ أولًا أن أحافظ على نفسي، لأنه لو ضاعت النفس لما بقي بعد ذلك شيء يُحافظ عليه.
ثم بعد ذلك لا بد أن أحافظ على مناط ما به التكليف، والتكليف قد نيط بالعقل، فلا بد من المحافظة على العقل. ثم بعد ذلك أحافظ على ما به سعادة الإنسان وهو الدين. ثم بعد ذلك أحافظ على ما به كرامة الإنسان ومتعته في هذه الحياة الدنيا وسعادته، وهو النسل أو العرض أو ما عُبر عنه بالنسل والعرض. ثم بعد ذلك يترتب عند غالب من أصحاب الفطر السليمة تأخير المال على العرض.
الخلاف في ترتيب المقاصد لفظي لا حقيقي والدين بمعنى الإسلام يشمل الكل
هذه الخمسة بهذا المنطق أو لها منطقها، وإن كان الوارد في كتب الأصوليين عكس ذلك أنهم يقدمون الدين؛ لأنه خَطَر في بالهم أن الدين هو الإسلام، فلا خلاف في الحقيقة، إنما الخلاف فقط في اللفظ.
لأنني أريد من هذا الترتيب شيئًا آخر أخاطب به العقل المسلم المعاصر والعقل غير المسلم أيضًا. ولا أرى في هذا الترتيب ما يقدح في ترتيب الأوائل. ودعوى الإجماع التي ذهب إليها البوطي ومن بعده الريسوني مقلدًا له، دعوى ليست صحيحة؛ لأن هناك خلافًا، حتى الريسوني أشار إلى أن هناك خلافًا. على كل حال، قد يقدَّم الدين.
الإسلام لم يأمرنا بقتل أنفسنا والجهاد يكون على ظن السلامة لا طلب الموت
هذا وهم لم أرَ مثله في العالمين. لم يأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نقتل أنفسنا كما أمر بني إسرائيل في شريعة الإصر والأغلال.
عندما أذهب للجهاد لا أفضّل الدين على النفس، بل إنني أفضّل بذلك النفس على الدين؛ لأنني أخرج إلى الجهاد باذلًا نفسي لحماية أنفس المجتمع، فهي نفسٌ مع نفس.
ثانيًا، أخرج إلى الجهاد على ظن السلامة، أنا لا أخرج إلى الجهاد وقد أُمرت بأن أقتل نفسي فيه. لو كان هذا لكان هناك فعلًا تعارض بين الدين والنفس.
الجهاد فيه احتمال القتل لا طلبه والله قدم النفس على الدين في الإكراه
إنني سأذهب في عملية انتحارية! معنى الجهاد هكذا يعني أنني سأذهب في عملية انتحارية وينبغي عليَّ ألا أعود، ولو عدت فأنا آثم دينيًا! لو كان قد حدث هذا لكان هناك تعارض ما بين النفس والدين، ولكن الأمر ليس كذلك إطلاقًا، نهائيًا.
فأنا أخرج للجهاد ظانًا السلامة وأرجو النصر وأقاتل، وليس في ذهني أنني سأقتل. فيه احتمال القتل، وليس فيه طلب القتل. ونحن هنا لا نتكلم في الاحتمال، نحن هنا نتكلم في الطلب.
فهل طلب الله سبحانه وتعالى من المسلمين أن يقدموا دينهم على أنفسهم أبدًا؟ فعندما جاء هذا قال:
﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلْإِيمَـٰنِ﴾ [النحل: 106]
فقدم النفس على الدين، وأمرنا وطلب منا أن ننطق بكلمات الكفر درءًا لحد السيف علينا أو من نصل السيف علينا.
الجهاد فضيلة وليس فيه طلب قتل النفس وهذا وهم ووهم
فإن كان هذا كذلك فالحقيقة أن الجهاد ليس فيه طلب قتل للنفس. الجهاد فضيلة، النبي لا يطلب منا أن اقتلوا أنفسكم كما أمر بني إسرائيل.
فهذا وَهَم ووهْم: وهَم كغلط في الوزن والمعنى، والوهْم يعني خيال.
تأكيد أن واقع الفقهاء الأوائل كان بسيطاً وتحقيق المناط كان يسيراً
ما هو السؤال الثاني؟ نعم، حسنًا، لكن هذا ليس السؤال، هذا تقرير واقع موجود فعلًا، أنه كان واقعهم بسيطًا وكان هذا الواقع أو من ضمن تعريف الحكم الشرعي أنه خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، وأفعال المكلفين محصورة معروفة معلومة.
والقاضي ينزل ليعرف أعراف البلد ببساطة هكذا وانتهى الأمر، لكن لم تكن مثل هذه التعقيدات الشديدة في العلاقات، ولم تكن بهذه السرعة الرهيبة في التغيرات قد حدثت.
سرعة النشاط سبقت الفكر وبورصة لندن تتعب القانونيين يومياً
ومن أجل ذلك فإن بورصة لندن تنشئ من العقود كل يوم ما أتعب وأجهد القانونيين في بريطانيا، وليس الشرعيين. فالمحامي والقاضي والمشرع القانوني وأستاذ الجامعة في القانون أصبحوا في دوار مما يفعله رجل المال.
رجل المال يبتدع، ورجال البنوك والبورصات وأسواق الأموال يبتدعون من المعاملات ما يجعل القاضي غير قادر على تكييف هذه المعاملة على أي شيء تحت هذه من القوانين.
إذا كانت هناك سرعة الآن بين قضايا النشاط وبين قضايا الفكر والنشاط، أزمة العصر كما يقول رينيه جينو هي أن النشاط قد سبق الفكر، وكنا في أناة حيث كان يسبق الفكر النشاط.
الواقع يحتاج إلى ضوابط حتى يسبق فكرنا الثابت هذا الواقع المتغير
هذا طبعًا في تفاصيل كثيرة لكنني لا أريد أن أدخل فيها في هذه المساحة الضيقة الآن من الزمان. لكن فعلًا الواقع الآن يحتاج إلى ضوابط حتى يسبق فكرنا هذا - وهو فكر ثابت وليس متغيرًا كفكر الآخرين، ولا يُؤخذ من الواقع كفكر الآخرين، بل يحاول أن يغير الواقع لأن فيه شيئًا من المثالية، لأنه مثالي كما يقولون.
حسنًا، كل هذا صحيح، ولكن لا بد من قواعد لذلك البلاء الذي نعيش فيه، نتعامل بها مع الواقع بصورة أكثر فعالية وأكثر تفعيلًا للتوحيد في واقع الناس وتطبيقًا للوحي في وجودهم مما نفعله الآن.
سؤال حول إفتاء من يدرك الواقع شرعياً لمن إدراكهم غربي
حسنًا، بعد أن أدرك الواقع من منظور شرعي ولدي الحكم الشرعي، الفتوى التي سأعطيها لناس إدراكهم غير شرعي، إدراكهم غربي، فكيف؟
بالطبع هم سيرفضون. الذي نزل عليهم هو الأصل في الشرع. أنت تتكلم الآن عن الأمة، والأمة لا بد علينا أن ندعوها ونربيها، وهذه عملية طويلة. فنحن نغير هذا الفكر ونحاربه ونربي بفكر آخر ونفعل هذا.
المسألة ليست إفتاء فردي بل إنشاء فكر إسلامي يجذب الجيل المعاصر
يعني ليست الصورة بهذه الجزئية البسيطة أن شخصًا يفتي لشخص ذي فكر غربي وأنا ذو فكر مختلف. لا، المسألة ليست كذلك، إنها عملية أننا الآن أمام جيل بأكمله يفكر تفكيرًا غربيًا؛ لأنه قد فقد اللغة نفسها والمنهج نفسه الذي تربى عليه في الفكر الإسلامي.
فينبغي أن نُنشئ هذا الفكر الإسلامي ثم ندعو أولئك إليه، فينجذبون إليه ويقتنعون به، ثم بعد ذلك يكون ما تقول، فلا تكون مشكلة أننا سنفتي هؤلاء فتجدهم مستجيبين.
أما لو أفتينا من غير وجود هذا - وهو الذي يحدث الآن - يحدث هذا التنافر والتنازع والخصام ما بين الفكر المعاصر والتراث الإسلامي. فكلامك صحيح، ولذلك لا بد علينا من تغييره بخطوات متئدة.
سؤال حول الجمع بين المتعارضين في مسألة صلاة المأموم خلف الإمام الجالس
نعم، بسم الله الرحمن الرحيم. بالنسبة لمسألة الجمع بين المتعارضين، محاولة الجمع بين ما يبدو تعارضهم، مثلًا مسألة إذا الإمام صلى جالسًا، كان هناك في الأول حديث: فصلوا جلوسًا، صلى جالسًا فجلوسًا.
وأعتقد أن كان في بعض الصحابة صلوا قيامًا وراء رسول الله وعتب عليهم ذلك، ثم كان آخر العملين منه أن الناس - هو جلس وقاموا، هو جلس وصلوا وهم قائمون.
هل هذا يحمل على جهل بعض الصحابة مثلًا بهذا الحكم، أو هل يمكن أن يُقال مثلًا أنَّ وقوفهم على الإباحة أو على الإطلاق مثلًا، ولكنَّ الأولى الجلوس، بدلًا من أن يُقال النسخ في الأول إنَّ هذا نسخٌ لما قبله؟
لا يمنع أصول الفقه أن نفهم هذا، لا يمنع أن نفهم هذا. أعتقد أنَّ هناك بعض العلماء أفتى بوجوب جلوس المأموم؛ لأنه لم يعتبر آخر الأمرين وفضل عليه الحديث الأول باعتبار أن هذا فعل وقول وهو عنده القول مقدم على الفعل، فمن هذا المدخل قال بالأول.
سؤال حول الأصلي والتكميلي في مراتب المقاصد مع أمثلة تطبيقية
بالنسبة للمقاصد، حضرتك قلت أن كل مستوى من الضروريات والحاجيات والتحسينات لها أصلي ولها تابع أو تكميلي. لم أفهم أن يعني مثلًا: الصلاة هذا أصلي - الظهر، وبعد ذلك تابع له السنة، عندما أخطئ قليلًا في الفرض، فحتى يعني يحدث له تكميلي.
بالنسبة للزكاة التابع لها الصدقة، يعني مثلًا الصيام التابع له سنة الصيام، يوم آخر الإثنين والخميس وهكذا.
سؤال حول الحفاظ على الدين هل يشمل الأديان الأخرى أم الإسلام فقط
فيه سؤال ثانٍ، حضرتك قلت أن الحفاظ على الدين بمعنى الشعائر والطقوس، فهل يدخل فيها الحفاظ على أشياء الأديان الأخرى التي هي، يعني في الآية التي تقول ماذا؟ أنا لست حافظة لنصها، ولكنها:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ﴾ [الحج: 40]
يُذكر فيها اسم الله. فهل يعني ذلك - وقد قرأت في كتاب أن الإسلام كان أيضًا يحافظ على مقدسات الأديان الأخرى كالكنائس - هل هذا داخل في الحفاظ على الدين، أم أن المقصود هو الدين الإسلامي فقط، لا الدين بشكل عام؟
الإسلام يحافظ على كل الدين ولا يكره أحداً على تركه لكنه يبين الحق
كل الدين، كل الدين، كله. نعم، الدين من ناحية، والدين الإسلامي بالخصوص من ناحية أخرى، لكنه يحافظ على الدين كله بمعنى أنه لا يأمر النصراني أن يلحد، ولا يأمر النصراني حتى أن يسلم.
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
إنما لا يكرهه على ذلك، إنما يأمره به بمعنى أنه لا يضغط عليه ولا يُكرهه على ذلك، لكنه يبين له أن ما عليه من عقيدة هو باطل، وما عليه من عقيدة هو خلاف الأولى وليس هو الحق، وأنه في ضلال هكذا.
الإسلام يحافظ على دين الناس ويحارب الإلحاد ولا يقتل إلا من لا دين له
وهذا شأن الأديان، هو نفسه يقول عني هكذا، يعني هو كان يقول عليَّ أنني صالح! ما هو يقول عليَّ هكذا، هذا أمر آخر. لكننا لا نتنازع معهم نزاع القتال والإكراه والإرغام وما إلى ذلك، وإما نقتله وإما لا، يوجد مثل هذا!
فإذن هو يحافظ على دين الناس، يحافظ على دين الناس عندما يكون لهم دين. والذي لا دين له يحاربه حتى يتدين، فإن لم يتدين يقتله؛ لأنه فساد في الأرض ومخالف للنظام العام.
سؤال حول اعتبار المسلمين للهندوس موحدين وأهل ذمة في الهند
نعم، طيب. كان هناك مرة شخص يقول إنه في وقت من عصور المسلمين اعتبروا أن الذين يعبدون - أليسوا هم الذين يقدسون البقر - يعني الهندوس، نعم، اعتبروهم موحدين لأنهم كانوا يعتقدون في إله ولم يكونوا يعبدون البقر ذاتها.
فهل هذا صحيح؟ هل المسلمون اعتبروهم أهل ذمة؟ أنا لست فاهم كيفية الرد على ذلك.
الرد على دعوى توحيد الهندوس: عبادة غير الله شرك وليس توحيداً
يعني الأستاذ المشار إليه ادعى أن المسلمين اجتهدوا في وقت من الأوقات واعتبروا الهندوس - وهو ليس أتعلم ماذا يعني شيء من هذه الديانات التي يقدسون فيها البقر - إنه يقول إنهم لم يكونوا يعبدون البقر، بل كانوا يعتقدون في إله واحد. وكان يقول أن علة ذلك أن المسلمين كانوا أقلية وذهبوا ليحكموا أكثرية في بلادهم، فكان لا بد أن يفعلوا ذلك حتى يتمكنوا من محاربة كل هؤلاء.
الله سبحانه وتعالى، هذا اللفظ ليس بمشتق. الله - بعضهم ظنَّ أنه مشتق من إله، ولكن لا. الإله: الله إله، لكن أيضًا الصنم إله. ولذلك فعبارة التوحيد: لا إله معبود بحق إلا الله. قالوا ولا يجوز أن نقدر: لا إله موجود إلا الله، هذا لا يصح، فهو خطأ لأنه هناك آلهة إلا الله.
من عبد غير الله فقد أشرك ولو عبد واحداً فقط كهبل أو البقرة
فالذي يعبد واحدًا ويجعل هذا الواحد شجرة أو بقرة أو يجعله حجرًا، هذا ليس موحدًا. هذا قد أشرك مع الله الذي لا إله إلا هو إلهًا آخر، وهو الشجر والبقر وما إلى ذلك.
فكيف يُتصور أن يكون توحيد الشرك توحيدًا؟ هذا هو الذي فعله أنه أضاف إلى الله شيئًا واحدًا. فهو بعبادته غير الله سبحانه وتعالى فقد أشرك في ذات هذا. لماذا؟ لأن الله موجود، ومعبود بحق، معبود بحق أراد هذا المشرك أو لم يرد.
ثم إنه قد عبد هبل فقط، هبل فقط، فليس موحدًا؛ لأنه قد أشرك مع الله هبل. الشرك يأتي من هنا، فهو فقط أنه هذا مثنى: الله وهبل. أما الذي يعبد هبل وزحل وغيره فيكون ثلاثة: الله وهبل وزحل، فيكون أشرك أيضًا، وهكذا. هذه واحدة.
الهندوسية محض إلحاد والهندوس عرضوا على المسلمين الدخول فيها دون تغيير
ثانيًا، يبدو أن الأستاذ هذا يتكلم عن حالة المسلمين في الهند. نعم، هو يتكلم عن أيام، يعني عندما فتح المسلمون الهند. آه، طيب، يعني المسلمون كم هنا؟ سبعمائة سنة عندما لم يحولوا هؤلاء الهنود.
وعلى فكرة الهندوس لا يعبدون البقرة بل هم يقدسونها، يحترمونها، ويعتبرونها الأم الرؤوم للبشرية أو شيئًا من هذا. إنما هم ملحدون لا يعبدون أحدًا أصلًا، وعندهم الخلاف في الأصول كالخلاف في الفروع عندنا.
وعلى ذلك فقد عرضوا على المسلمين عندما اشتد عليهم الاضطهاد في العشرينات والثلاثينيات من هذا القرن، عرضوا عليهم أن يدخلوا الهندوكية ولن يخسروا شيئًا. بمجرد أن يقول أحدهم: أنا هندوكي، ويصلي إلى الكعبة ويصوم رمضان ويحج البيت ويؤدي الزكاة ويتخذ أبا حنيفة له إمامًا ويفعل كل شيء يفعله المسلم الآن. فقط متى يكون هندوكيًا؟ عندما يقول: أنا هندوكي!
الهندوسية لا معنى لها وكل العقائد تندرج تحتها ورفض المسلمون ذلك
هذه الهندوسية، ومن هنا يتبين لك أن الهندوسية هذه محض إلحاد، بمعنى أنه لا معنى لها إطلاقًا، فكل العقائد يمكن أن تندرج تحتها بمجرد أن يقول: أنا هندوسي. وهذا أمر لم نره في عقيدة قط، لكنه موجود في الهند.
رفض المسلمون طبعًا هذا؛ لأنه بالكاد يموت الجيل الأول، ثم بعده الجيل الثاني، وسرعان ما تذوب القصة ويبقى الاسم فقط.
ذبح البقر أصبح من شريعة الإسلام في الهند للتمييز عن الهندوس
لذلك قام كثير من الناس كأبي الفيض الفيضي ورزبهان الهندي وغيرهم ليقولوا أن الفرق بيننا وبين الهندوس بسيط، فنحن موحدون وهم موحدون، ولا يوجد فرق؛ لأن الهندوسي مستعد أن يقبل كل ما أقول، المهم أن يكون هندوكيًا.
فقال: نقدس البقر! فقال ولي الله الدهلوي عبارته الشهيرة: ذبح البقر من شريعة الإسلام. أصبحت ذبح البقر في هذا الواقع في ذلك الزمن من شريعة الإسلام؛ لأنه هذا هو الفرق بيني وبين الهندوس. فصاروا يمسكون البقر ويذبحونه ويأكلونه، وفُرِض عليهم أن يأكلوا كل يومٌ لَحْمٌ لكي يخرجوا من هذه القضية.
المسلمون قصروا في الدعوة في الهند ولم ينتشلوا طبقة المنبوذين
على كل حال، هذا الأمر ليس كذلك، ولم يوضحوا لنا لماذا تركوا هؤلاء الهندوس بهذه الصورة إلا نوعًا من أنواع التسامح الشديد، وليس في المواقف الفقهية إطلاقًا، ولا يوجد في الهند من قال بهذا أبدًا.
ولكن هناك طبعًا فِرَقٌ كثيرة ضلت، حتى منهم السيخ، هؤلاء كانوا مسلمين ثم بعد ذلك أرادوا أن يوجدوا دينًا بين الإسلام والهندوسية، فظهر السيخ، فأصبحوا يكرهون المسلمين ويكرهون الهندوس لأنهم لم يتبعوهم على الدين الجديد.
هل أجبت على سؤالك أم ماذا سألت؟ حسنًا، أنا في نقطة أنه في موضوع آخر عندما يذهب المسلمون إلى بلدٍ كما هو الحال، كانوا يقولون إنهم أقلية وأنهم يحكمون شعبًا كبيرًا، ولكن على دين، يعني مثلًا ليسوا مسيحيين ولا يهودًا، ليس لديهم دين، كما تفضلتم، إما ملحدون أو ما شابه ذلك. فكيف ينبغي لهم التصرف؟
تقصير المسلمين في الدعوة والتربية في الهند وضياع فرصة تغيير الديمغرافيا
الدعوة. المسلمون قصّروا في الدعوة. الدعوة والتربية هي التي تنشئ الناس. هم قصَّروا في هذا. طبقة المنبوذين في الهند، لِمَ لَمْ ينتشلوهم؟ لِمَ لَمْ يعلِّموا طبقة لا دين لها أصلًا؟ والبراهمة ترفضهم، وكان البرهمي إذا مسَّه المنبوذ قُتِلَ، ليس له إلا القتل، إلى أن منع هذا الإنجليز عندما دخلوا بناءً على حقوق الإنسان.
أين المسلمون؟ أين كانوا؟ لم تركوا هؤلاء الناس؟ قصّر المسلمون تقصيرًا كبيرًا جدًا في الدعوة. لو أن هؤلاء جميعًا تعلموا وأخرجوهم لأصبحت الديمغرافية السكانية للهند مختلفة تمامًا الآن. فالتربية والدعوة هي التي افتقدها المسلمون في حقيقة الأمر في تلك البلاد.
سؤال حول العمليات الانتحارية في فلسطين وحكمها الشرعي
طيب، آخر سؤال. إذن عندما قلت حضرتك أن ربنا سبحانه لم يأمرنا بأن نقتل أنفسنا، فالمفروض أن الإنسان عندما يذهب للجهاد يكون متوقعًا أو طالبًا النصر، وأن يعود مرة أخرى، فهو يخرج على ظن السلامة.
حسنًا، بالنسبة للعملية الانتحارية التي حدثت قريبًا في فلسطين، ماذا تقول فيها حضرتك؟
هذه لا حُكم لها [مطلق]، هذه فيها إفتاء. يذهب إلى المفتي ويقول له، المفتي يرى: هل الإنسان عندما يقتل نفسه هنا سيحمي نفسًا أخرى، فيكون النزاع بين نفسٍ ونفسٍ لا بين نفسٍ ودين.
العملية الانتحارية نزاع نفس مع نفس وليس نفس مع دين
فهذه فيها إفتاء، يأتي للمفتي ويقول: أنا سأشارك في عملية انتحارية، والواقع كذا وكذا، هؤلاء الناس يقتلون أطفالنا، يقتلون نساءنا، يقتلون شبابنا، يفعلون كذا وكذا، ولا بد أن يقف. فنحن سنقوم بخمس عمليات وأنا أذهب لألغم نفسي هكذا وأرمي نفسي.
يقولون: اذهب حفاظًا للنفس. لكن نفس من هي؟ نفس الجماعة التي قد قدمتها على نفسي. فيبقى هنا النزاع نزاع نفس.
الفتوحات الإسلامية غزو في سبيل الله لا احتلال ولا ظلم
تفضلي. بماذا نرد على غير المسلمين القائلين الفتوحات الإسلامية يعتبرونها غزوًا؟ يعني نحن من وجهة نظرنا هي فتوحات ونصر، لكن من وجهة نظرهم غزو.
وكلمة غزو هذه كلمة جيدة! فالفتوحات الإسلامية غزو، والغزوة جهاد في سبيل الله، لا في سبيل المال ولا في سبيل أرض ولا في سبيل التسلط ولا في سبيل ظلم الشعوب، ولا فتح محاكم التفتيش، ولا إبادة شعب تسمانيا والهنود الحمر وقبائل الزولو ولا كل هذا.
نعم، ها هي غزوة في سبيل الله. هم يريدون أن يُفرغوا كلمة غزو العربية، ثم بعد ذلك يقولون: غزا الإنجليز مصر. لا، هذا احتل الإنجليز مصر. أما المسلمون فقد غزوا وهؤلاء قد احتلوا. والاحتلال إنما هو لا حق لهم فيه وهو باطل، وإنما الغزو لهم حق فيه، حق دولي وحق شرعي.
الحق الشرعي للغزو هو تبليغ كلمة الله وإخراج الناس من ظلم العباد
أما الحق الشرعي فهو تبليغ كلمة الله سبحانه وتعالى وإخراج الناس من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن ظلم العباد إلى عبادة رب العباد. هذه مبادئهم وهذا الذين خرجوا من أجلها.
وخرجوا بمبادئ ألّا يُفسدوا في الأرض وألّا يقطعوا نخلًا ولا لينةً ولا غير ذلك إلى آخره، ولا يقتلون أطفالًا ولا نساءً ولا شيوخًا ولا رهبانًا في الأديرة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111]
هذه وضعوها ديدنهم.
تاريخ المسلمين نظيف ولم يرتكبوا فظائع كغيرهم من الأمم
فتحريف التاريخ والتزوير والقراءة المبتورة - فويل للمصلين ولا تقربوا الصلاة - منهج عفى عليه الزمان ومنهج سخيف؛ لأن الواقع غير ذلك.
أي الشعوب أبدناها؟ ما اسمها؟ ما هي الشعوب التي أبدناها؟ أي الشعوب دخلنا فعذبناها وفتحنا فيها محاكم تفتيش؟ أي الشعوب حرقنا فيها تراثها؟
إن محمد علي بنى هذه مصر. كانت مصر كلها مليئة بالآثار الفرعونية إلى عهد محمد علي، ومحمد علي هو الذي هدم الآثار الفرعونية وبنى بها خزان أسوان وبنى بها القناطر الخيرية وبنى بها المنشآت الأخرى. قال: ما هذه الآثار؟ ماذا نفعل الآن؟ وذهب يهدم إلى آخره.
تاريخ المسلمين نظيف والحضارة الإسلامية قامت على العدل والرحمة
وويليام لين رأى هنا في مصر من أولها إلى آخرها أنها كانت مليئة [بالآثار]. لم يفعلوا شيئًا، لم يسرقوا الشعوب، لم يركزوا الأمر في مكان. وهكذا أبدًا، جاع عمر وبكى عمر ونام عمر تحت الشجرة حتى قال له: عدلت فأمنت فنمت يا عمر.
لم يكونوا في الحقيقة [ظالمين]. هذا تاريخ نظيف وأوضح من أن يُلوث. وكل ما حدث فيه كان نوعًا من أنواع الترف، كان نوعًا من أنواع المبالغة في مساحات اللغو والفنون والآداب وما إلى آخره. نعم كان في شيء من هذا سببًا إلى شياخة الدولة وانهيارها.
لكن الحضارة والإنسان المسلم إنسان نظيف منذ أن أرسله الله إلى يومنا هذا.
المسلمون يسعدون بقدر تحررهم من تقليد الغرب وعودتهم لما أراده الله
وهذا تأملي في المسلمين وفي جماعة المسلمين وفي أخلاق المسلمين، وتأمل في غيرهم، فغيرهم في جحيم، يعيشون في جحيم. لا أحد يحب الآخر، جميعهم يتكبرون على بعضهم ويكرهون بعضهم بطريقة عجيبة الشكل، ولا يعتذر أحدهم لأخيه بأي شيء.
والمسلمون قد يقلدون هذا في بعض الجوانب فيتعسون بقدر ما يقلدون غيرهم، ويسعدون بقدر ما يتحررون من هذا ويعودون إلى ما أراده الله ورسوله.
حكم قتل المرتد فيه خلاف والجماهير على القتل لكنه ليس إجماعاً
حسنًا، يعني يرى البعض أن قتل المرتد إكراه في الدين، قتل المرتد يعني الذي ارتد عن دينه، إنه هذا إكراه في الدين، فلماذا لا نترك له الحرية ليختار الدين؟ يرى بعضهم أن قتل المرتد خطأ، أم أن قتل المرتد صواب؟
أي إن الناس عامة يأخذون هذا الأمر على الإسلام، ويقولون إن الإسلام هذا مخالف للنظام العام؛ لأننا لا نقتل الكافر الأصلي، إنما إننا نقتل من يتلاعب. فالذي دخل الإسلام دخل بعد تفكر وتدبر وروية، فعليه أن يظل في الإسلام. ونحن لا نمنع النفاق ولا نقتل المنافق.
nعم، على كل حال، قتل المرتد وإن كانت عليه جماهير الأمة، ففيه خلاف، يعني ليس أمرًا مجمعًا عليه، يعني نعم، البحث فيه واسع.
سؤال حول تغير تصنيف الضروريات والحاجيات بتغير الواقع وأثره في الفتوى
حسنًا، لا تجلب لنا مشاكل. حسنًا، تفضلي يا بنتي، انتظري لأن هذا الأستاذ يريد أن يسأل.
مع تغير الواقع بشكل جذري في الفترة الأخيرة، أي ربما بعض ما كان يُصنف سابقًا ضمن بند الضروريات قد يدخل في بند الحاجيات أو العكس، باختلاف الأشخاص والأزمان والأماكن. ما أثر ذلك في الفتوى؟
طبعًا، أثر كبير لأن الضرورات تبيح المحظورات. لا، ليست الفكرة هكذا. أثر عندما يكون مثلًا ضرورة لحفظ النفس أو ضرورة مثلًا لحفظ العقل وحاجة ما أو هكذا لحفظ النفس.
حسنًا، يعني هل هناك منهج معين لتقديم [بعضها على بعض]؟ نعم، هناك منهج، هذه نظرية المقاصد وبعضها لم يختم بعد، هناك أناس يكتبون فيها الآن.
قول عمر بن عبد العزيز يحدث للناس من الأمر بقدر ما يحدثون وعلاقته بسد الذريعة
نعم، كثيرا ما نسمع أنه بقدر ما يحدث الناس من قضايا ومسائل تحتاج إلى الفتوى بقدر ما يدل هذا على سوء الحال أو على فجور الناس. فهذا وارد عن عمر بن عبد العزيز: يحدث لكم من الأمر بقدر ما تحدثون.
نعم، يعني هل هذا صحيح؟ وكيف يتوافق مع التطور ومع التكنولوجيا؟ يعني لا أعرف كيف أفهمه، أريد أن أفهم كيف.
القول الوارد عن عمر بن عبد العزيز يتحدث: يُحدَث للناس من الأمر بقدر ما يُحدثون - وقد وردت بعدة صيغ: يُحدَث لكم من الأمر بقدر ما تُحدثون، أو يُحدَث للناس من الأمر بقدر ما يُحدثون من الأقضية، بقدر ما يُحدثون من الفجور إلى آخره.
الفقهاء يسدون على الناس أبواب التفلت كلما ابتدعوا طرقاً جديدة للخروج من الدين
أي على نظام سد الذريعة، فكلما ابتدع الناس شيئًا يتفلتون فيه مما في الدين، يضع الفقهاء حدودًا تواجِه هذا التفلُّت وتضبطهم وتُعيدهم إلى الدين. فيقومون بتفلُّتٍ آخر يحاولون فيه الخروج من الالتزام الكامل أو نحو ذلك.
فالفقهاء يجلسون ويُفتون بفتاوى حتى يسدّوا عليهم هذا الباب وتعود الناس. كلُّ هذا قائمٌ على تصوُّر أن الناس تطيع الفقهاء، لكن النفس ضعيفة وأمَّارة بالسوء وتدفع الإنسان إلى أن يفعل المعصية.
فالفقيه يسد عليه الطرق وهو يطيع الفقيه فينسد من هنا، لكنه يحاول من مكان آخر فيسده، أنه هكذا. فيحدث له من الأقضية بقدر ما يحدث من الفجور.
الفرق بين عقلية الداعية وعقلية العالم وعقلية العابد كفروض كفاية
طيب، في سؤال ثانٍ يا دكتور. هل ثمة اختلاف بين عقلية الداعية وعقلية الفقيه؟ وهناك ثلاث مراتب: الدعوة والعلم والعبادة.
والعقلية هي طريقة التفكير، وعقلية كل مستوى من هذه المستويات وإن كانت دائمًا متداخلة. يعني لا يوجد شخص عالم لا يعبد، بل هناك عالم يعبد ويدعو، وهناك داعية يعبد ويتعلم، وهناك عابد أيضًا يدعو.
ولكن الغالب عليه أنه عابد. يقول الإمام السيوطي: ومثل هؤلاء الناس لا بد من أن يوجدوا في الأمة هكذا. مشهور بالصلاح فأذهب لأقول له ادعُ لي. هذه ليست سهلة، هذه أيضًا من فروض الكفاية، عدَّها السيوطي من فروض الكفاية.
العابد المتخصص في العبادة لا يصلح لغيرها وهو من فروض الكفاية
وهذا الرجل على فكرة الذي تخصص في العبادة هذا وجالس لا يصلح لغير ذلك، يعني نحن نكلفه بما لا يطيق أن نقول له اذهب فادعُ الناس أو اذهب فتخصص لتكون عالمًا من علماء الأزهر. أبدًا ولا عالمًا في أي علم، هو غير قادر على هذا.
لكنه قادر على العبادة، فإذا ما جلس إليه الإنسان شعر بالراحة. هو لا يتكلم ولا شيء، هو ساكت هكذا، لكنه رجل طيب. وبعد ذلك دعونا سيدنا الشيخ، فيدعو فيُستجاب. هذه تقوي الصلة بالله سبحانه وتعالى.
إننا نؤمن بأشياء كثيرة في هذا الكون وأن خلف هذا المنظور عالمًا غير منظور، فهذه الأمور من فروض الكفايات أيضًا.
عقلية العالم تختلف عن العابد وقد يبكي من قراءة كتاب نحو
هناك عقلية أخرى اسمها عقلية العالِم، وهذه مختلفة عن العابد. ليس معنى هذا طبعًا أنه لا يعبد أو نحو ذلك، لا، ولكن المهم من الراجح في عمله أنه عالم.
هذا العالم قد يبكي عندما يقرأ صفحة من كتاب نحو مثلًا، لكنه لا يبكي في الصلاة هكذا. هي تركيبته، هكذا خلقه الله تعالى. يقرأ كلامًا غير مفهوم فيفهمه، فيحدث له وجدان عن كيفية إنشائهم هذه العبارة لحفظ دين الله وما إلى ذلك، فيتذكر الله فيبكي.
وعندما يقول: سبحان الله! سبحان الله! ألن ننتهي بعد؟ سبحان الله! سبحان الله! وهو كان للتو باكيًا من خشية الله أيضًا، لكن ليس دائمًا هكذا. سبحان الله! يجلس يبكي العابد من الذكر.
عقلية الداعية مختلفة عن العالم والعابد وهي من فروض الكفاية أيضاً
الداعية لا هذا ولا ذاك، إنها خصوصية وتركيبة أخرى. يريد أن يخدم الناس ويريد أن يتفاعل معهم ويربيهم ويفتتح جمعيات خيرية ويذهب ليجمع الزكاة من هنا لكي يوزعها هنا، وطوال النهار يا أخي والله هكذا هو: هيا نمضي هكذا يا أخي في سبيل الله، ماذا سنفعل فقط وهكذا.
فعقلية أخرى ونفسية أخرى أيضًا وشخصية أخرى؛ لأن هناك شخصية مكونة من عقلية ونفسية وهذه مختلفة. نعم عنده شيء من العلم، نعم عنده شيء من العبادة، لكن لا يستهلك أغلب وقته إلا في الدعوة للناس والتحبب إليهم وخدمتهم والقيام بمصالحهم. وهذا يؤثر في الناس، وهذا من فروض الكفايات.
لا يصلح الجمع التام بين العلم والدعوة والعبادة وهذه إقامات ربانية
وهكذا يعني، أما وأما فلا يصلح الجمع، يعني إما أن يكون عالمًا وإما أن يكون داعيًا. لا يصلح أن يكون عالمًا وداعية وعابدًا بشكل تام، أي من كل وجه؟ من أين الوقت؟ ماذا سيفعل؟ يعني لا بد أنه ما هو الوقت؟ أين الوقت؟ يعني أغلبه يفعل ماذا؟ ثلث وثلث وثلث، يعني لا يكون لا هذا ولا هذا ولا هذا.
ليس هذا، أظنه لم نجده يعني. هذا لم نجده. إنما نعم، عليه الصلاة والسلام، هذا ليس داعية وليس عالمًا وليس هذا، فوق هذا شيءٌ آخر. عيبٌ أن نسميه داعيةً وعالمًا وعابدًا وكذا. لا، هذا خارج القسمة.
نعم، هل هي دعوة للتخصص يعني؟ ليس تخصصًا، إنما هو نمطٌ وهيئةٌ ومواهبٌ ربانية ومنحٌ صمدانية وإقاماتٌ إلهية. أقامني الله في العلم وأقام فلانًا في الدعوة وأقام آخر في العبادة، وأقام ثالثًا في اللهو! سبحان الله، إقامات ربانية.
هذه استعدادات وإمدادات ربانية وليست تخصصاً بشرياً
وهكذا لا تُعدّ هذه قضية تخصص أو غير تخصص، وإنما قضية استعدادات وإمدادات. الله خلق في الإنسان الاستعداد ثم أمدّه بنفحة من عنده متنوعة؛ فهذا علم وذاك كذا وذاك كذا.
آليات الترجيح عند التعارض أمور فكرية نسبية لا تسبب فوضى بل حرية فكر
نعم يا سيدي، أنت تتحدث عن التعارض حال حدوثه. قلتُ آليات التعارض أي من ضمنها تفضيل من كان فقيهًا على مَن لم يكن فقيهًا، من حُسن اعتقاده. هذه الأمور كلها من قبيل أعمال الفكر، وهي أمور نسبية بين البشر.
وهكذا يمكنني في واقع الأمة هذا والتفرق الذي حدث بينها أن أقول إن لدي عدم انضباط لأنني سأحكم على هذا الفقيه الأكثر انضباطًا أو الأكثر فقهًا؟
فأنا بذلك يكون عندي أن هذا ليس اسمه عدم انضباط، بل هذا اسمه حرية فكر. وحرية الفكر هذه معتبرة، والتنوع الذي سيصدر منها تنوع محترم ولا بأس به، ولا تخافين منه، ولن يؤدي إلى شيء إذا ما أعملنا جميعًا الفكر.
العمل بروح الفريق والتقوى والأخوة يزيل كثيراً من الخلافات
ثم إنه بالعمل بروح الفريق ستزول كثير من الخلافات وسيقتنع بعضنا ببعض. وهنا يأتي دور التقوى ودور الأخوة، وإنني عندما أسمع كلامك لا أستمع متحديًا له عاملًا على هدمه.
فالمسألة ليست خصامًا، المسألة هي أننا نريد أن نتوصل إلى الحق. يقول الإمام الشافعي: والله ما جادلت أحدًا ولا أبالي على لسان من يُنطق الله بالحق، يا لساني يا لسانه. نحن نريد الحق أصلًا؟ هذا في حالة عندما يكون الاختلاف شريفًا في الفتوى مثلًا.
الهوى هو سبب الفوضى لا آليات الترجيح والإجماعات تحمي من الضلال
لكن الآن الأمة متفرقة وهذا التفرق ليس مجرد تفرق في الرأي، بل متفرقة لأن هناك محاولات علمنة وهناك واقع سيء وغير ذلك. فهذا مع الآليات الموجودة هذه يمكن أن تكون فوضى بعد ذلك، أي كيف؟
أي عندما تكون هناك أمور أفترض أن الأمة لا تقوم إلا بها، مثل الجهاد مثلًا. هذا يصبح ضلالًا ويصبح استعمالًا بالهوى، ولا تكون هذه الآليات ولا غيرها ولا شيء هو السبب، فالهوى هو السبب.
لو أننا ألغينا هذه الآليات لضلوا أيضًا؛ لأنه ليست هذه الآليات هي المشكلة هي التي سببت هذا. الهوى هو الذي سبب ما تقولين. هذه الآليات يتفق عليها جميع العقلاء: أن الأكثر عددًا أحسن من الأقل عددًا، وأن الأفقه أحسن من غير الأفقه، وأن صاحب الواقعة مقدم على غير صاحب الواقعة. هذه لم نر فيها خلافًا.
الخلافات في التفضيل بين العلماء أمور صغيرة والإجماعات تحمي الدين
فماذا سيقول؟ أن أبا رافع ليس صاحب الواقعة، فيكون كاذبًا. حينما يقول إن هذا الحديث لم يرد إلا بخمسة أسانيد وهذا ورد بسند واحد، فيكون هناك كذب في المسألة. وحينما يقول إن هذا الإمام مالك ليس بفقيه يكون كاذبًا.
لكن من الممكن أن يقول إن الشافعي أفقه من مالك. هذا أمر صغير جدًا أنه يأتي لشخص ويقول إنه أفضل من شخص. لم يحدث في مثل هذه التصدعات الكبيرة ليس في الدين. هذا وهذا من إعجازه وحلاوته أنه ليس فيه هذا، فأنت ستجد إجماعات تخرجك من هذا ويُكرر الأمر ولا يكون فيه هذا الظلام المتصور.
سؤال حول صعوبة علم الحديث وطول الأمد للوصول إلى درجة الاجتهاد
نقطة أخرى، جملة حضرتك التي ذكرتها كانت مرة أخت أعتقد سألت حضرتك لماذا الأحاديث، الحديث الصحيح بسند لم لا يحقق حتى يكون صحيحًا. قلت لنا أن أصول الفقه هذا بحر، وأنه في الغالب العالِم ليصل إلى درجة الاجتهاد ربما لا يسعفه عمره لذلك.
فأنا غير قادرة على الاستيعاب: كيف يمكن لعلم أن يصل به الأمد لفترة طويلة أن يكون المجتهدون فيه أقل لأنه صعب المنال أو يصعب أن أستخرج منه شيئًا؟ ما معنى أن يكون العلم أصعب من قدرات البشر؟
أي بسبب كثرة المعلومات، ومع ذلك يبقى فيه عقم قليل من العلم.
العلم ينمو بنشاط العالم لا بذاتية الكتب والتكنولوجيا تسهل الأمر
لا يوجد شيء يسهله لحياته أو الفجوة الموجودة بين أجزائه، وهذا ما يقوم به كثير من الناس الآن في علم الحديث. فمثلًا أدخلوا الرواة على الحاسوب وترجموا لكل راوٍ طبقًا للكتب الموجودة تحت أيدينا، وأدخلوا الكتب بأسانيدها.
يعني المشكلة في آليات العصر، أي آليات العصر التكنولوجي هي التي ستُحدث تقدمًا في العلم ولا ذاتيًا. من المفترض أن هذا العلم لا يكون عقيمًا ولا يكون صعبًا.
ما هو ذات العلم؟ العلم ليس له ذات، فالعلم هو ما قام بذهن العالم. والعلم يحتاج إلى العالِم؛ لأن العلم يُطلق ويُراد منه الإدراك، ويُطلق ويُراد منه الملكة، ويُطلق ويُراد منه القواعد. فالإدراك والملكة يحتاجان إلى مُدرك وصاحب ملكة، يعني يحتاجون إلى إنسان. والقواعد لا تحتاج إلى إنسان، فمن الممكن أن تكون موجودة في الكتاب.
العلم ينمو بالعالم والكتاب ثابت والعالم هو الذي يفكر ويطور
العلم الذي في الكتاب ثابت، هذا كتاب ثابت، إنه ثابت اليوم مثلما كان بالأمس ومثلما سيكون غدًا. لكن الذي يُحدث الزيادة والنمو هو العالِم؛ لأن العالِم هو الذي من شأنه أن يفكر، أما الكتاب فليس من شأنه أن يفكر.
فالعلم ينمو بنشاط العالِم وليس بذاتية الكتب، فالعلم لا ذاتية له، بل ذاتيته متصلة بذاتية العالِم.
إذن، فالمُحْدِث هو الذي لا بد عليه أن يتفنن لنا حتى يُحْدِث من الآليات ما يُمكِّن البشر من بعده من عدم إضاعة السنين الطوال التي مضت عليه، ويعطينا خبرة هذه السنين بحيث يوفر علينا ذلك.
آخر من حاول تطوير علم الحديث كان السيوطي والمرتضى الزبيدي
فعل العلماء هذا عبر العصور وجاءوا في وقت وتوقفوا عن العطاء. وآخر من حاول في هذا المجال كان الإمام السيوطي، والإمام السيوطي توفي سنة تسعمائة وإحدى عشرة للهجرة، يعني حوالي ألف وخمسمائة سنة ميلادية، أي منذ خمسة قرون تقريبًا.
ففي سنة تسعمائة وإحدى عشرة، ونحن الآن في ألف وأربعمائة وخمسة عشر، يكون الفارق خمسة قرون. وبعد ذلك حاول المرتضى الزبيدي أن يفعل شيئًا، والمرتضى توفي سنة ألف ومائتين وخمسة.
الجهود الحالية في إدخال كتب الحديث على الحاسوب وتصنيف الأسانيد
ولكن الآن يحاولون أن يفعلوا شيئًا بحيث إنه لو أدركتَ ما هي حزمة البرامج التي على الكمبيوتر المختصة بالسنة وكيفية استرجاعها أو استعادتها، فإنني سريعًا أتعامل مع السنة تصحيحًا وتضعيفًا وفهمًا وما إلى ذلك وربط للموضوعات.
وهكذا نحن نعمل في هذا المجال منذ عشر سنوات، فأدخلنا الكتب السبعة وجعلنا رابطًا بينها حيث يصبح هناك استدعاء واسترجاع لموضوع معين فترجع كل الأحاديث لكل الأسانيد.
ثمَّ بعد ذلك دخلنا في الأسانيد فصنفناها وفككناها: سفيان من سفيان من سفيان. هذا استغرق وقتًا طويلًا حتى عرفنا مَن هو سفيان، ومَن هو إبراهيم الذي حدَّث عنه إبراهيم. وفي الشروح أن هذا هو إبراهيم بن إسحاق بن راهويه، أو إبراهيم الحنظلي، أو غيره.
مراكز البحوث تعمل منذ عشر سنوات وفي ثلاثين سنة ستتكون علوم جديدة
إسحاق بن راهويه، لكن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه. لكن ما أمامي في السند ليس موجودًا ولا أستطيع أن أُدخل فأحرف أو أغير أو نحو ذلك وإلا تصبح مصيبة أخرى. فلا بد من الحفاظ عليه كما هو، ولا بد عند فكه من أن أحذف مرجعًا آخر له.
كل هذه الأمور في السنوات العشر الماضية قامت عليها مراكز بحوث ضخمة، كل مركز سار في اتجاه وفي جانب، وتوصلوا إلى أشياء هي أفضل بكثير مما كانت عليه منذ عشر سنوات.
لو استمر هذا الاتجاه فإنني أرى أنه في غضون ثلاثين سنة ستتكون علوم جديدة حتى للحديث.
تصميم البرامج لتتحمل ستمائة كتاب حديث رغم إدخال سبعة فقط في عشر سنوات
وأن المروي تحت أيدينا، أنا مثلًا عندما أعددت هذه البرامج صممتها على أن لدينا مليون سنة ولدينا ستمائة كتاب في الحديث، لكننا أدخلنا سبعة فقط في عشر سنوات.
يعني أنا مصمم البرامج على أنها تتحمل ستمائة كتاب، في حين أننا في عشر سنوات ما استطعنا أن ندخل أكثر من سبعة كتب من الستمائة.
طبعًا في هذه الستمائة في كراسة تعني عنوان كتاب، لكنها مجرد كراسة، ويوجد منها عشرة مجلدات وعشرون مجلدًا. فهذه ستمائة عنوان، أي أن الأمر واسع وطويل.
ينبغي الاستمرار في التطوير وعدم التوقف وهذا لا يكون إلا بالعلماء
لكن ينبغي علينا أن لا نقف، وينبغي علينا أن نطور ما تقولين هكذا، وهذا لا يكون إلا بالعلماء وليس بمجهودكم فقط.
سؤال حول كيفية إيصال التطورات الحديثة في علم الحديث إلى عموم الأمة
حسنًا، انتهينا الأستاذة. أريد أن أسأل عن الخط الواصل بين المستفيدين من هذه التطورات الحديثة في الحديث وغيره وبين عموم الأمة، يعني كيف ستوصل لهم هذه الفائدة إن لم يكن هناك فكر في كيفية التوصيل بشكل منظم؟
فهذه أمور إجرائية، لكن على كل حال، يعني بعدما تُكمل مثل هذه الأشياء وهذه المراكز تعمل ما يُسمى بالاتحاد الذي يستطيعون من خلاله أن تشترك فيه عدة جامعات تهتم بتدريس الحديث.
اتحادات علمية لتعليم البرامج وتوزيعها على الجامعات والبيوت
وكذلك تعليم هذه البرامج في مراكز لعموم الناس، وتوزيعها مع الحواسيب الشخصية في البيوت حتى يستفيدوا منها، وتحميلها على بنوك المعلومات عن طريق المودم، وكذلك بالهاتف يسألون فيها إلى آخر ما هنالك من كيف تصل هذه إلى الأمة على مستوياتها المختلفة.
فهذه هي فكرة الاتحاد الذي يقومون بتشكيله، وهو الاتحاد الذي تم تأسيسه في دبي وحصل على موافقة من رئاسة الجمهورية في مصر ليكون مقره الأزهر.
اتحادان: أحدهما للبرامج والخطط والآخر للتنفيذ والتطبيق
وهناك أيضًا اتحاد آخر عملي، وهو اتحاد مراكز قد تكون أقرب إلى وضع البرامج والخطط، والثاني اتحاد أقرب ما يكون إلى التنفيذ والتطبيق وما إلى ذلك.
فكل هذه مجهودات ما زالت في الطريق، ما زالت في الطريق. والله سبحانه وتعالى يوفق.
شكر الله لكم، والسلام عليكم ورحمة الله.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما هي مقاصد الشريعة الخمسة التي يجب على المجتهد مراعاتها عند الإفتاء؟
النفس والعقل والدين والنسل والمال
كم خانة يتكون منها جدول المقاصد الشرعية الكامل بعد إضافة أبعاد الأصلي والتكميلي والوجود والعدم؟
ستون خانة
ما الخطأ الذي وقع فيه من قال إن الزكاة لا تجب على الأوراق النقدية؟
ظن أن الزكاة معلقة بالذهبية والفضية لا بالمالية
لماذا يُرجَّح الراوي الفقيه على غير الفقيه عند تعارض الروايات؟
لأن الفقيه أوعى وأضبط في فهم ما يحمله وروايته
ما الذي يُميّز الجمع بين الأدلة المتعارضة عن الترجيح؟
الجمع يُعمل الدليلين معًا بينما الترجيح يأخذ بأحدهما ويترك الآخر
في مثال حديثي مدح وذم الشهادة قبل الاستشهاد، على ماذا يُحمل حديث الذم؟
على الشهادة في حقوق الله حيث الواجب الستر
لماذا يُقدَّم حديث أبي رافع على حديث ابن عباس في مسألة زواج النبي بميمونة؟
لأن أبا رافع كان الوسيط في الزواج وصاحب الواقعة
ما الفرق بين العلة الوصفية والحكمة المجردة في الأقيسة؟
العلة الوصفية ظاهرة منضبطة بخلاف الحكمة التي قد لا تكون ظاهرة ولا منضبطة
ما ناقض الوضوء عند الحنفية وما نوع علته؟
الشيء النجس الخارج من الجسم وعلته مركبة من صفتين
لماذا يُقدَّم الخبر المؤرخ بآخر حياة النبي على الخبر المطلق عن التاريخ؟
لأنه أقرب إلى الحكم الأخير ولم يلحق أن يُنسخ
ما الذي يجب على المجتهد فعله إذا وجد أن حكمه يعود على المقاصد الشرعية بالبطلان؟
يراجع نفسه ويمتنع عن الفتوى ويعيد الاجتهاد
ما المبرر المنطقي لتقديم النفس على العقل في ترتيب المقاصد الخمسة؟
لأنه لو ضاعت النفس لما بقي شيء يُحافظ عليه
ما الذي يعنيه قول ولي الله الدهلوي ذبح البقر من شريعة الإسلام في الهند؟
أن ذبح البقر أصبح فارقًا جوهريًا بين المسلم والهندوسي في ذلك الواقع
ما الذي يُميّز الغزو الإسلامي عن الاحتلال الغربي وفق المنظور الشرعي؟
الغزو له حق شرعي ودولي وهدفه تبليغ كلمة الله، والاحتلال باطل لا حق فيه
ما الذي يُسبب الفوضى في الفتوى وفق ما ذُكر في هذا المحتوى؟
الهوى لا آليات الترجيح
ما المراتب الثلاث لكل مقصد من مقاصد الشريعة الخمسة؟
الضروريات وهي ما يهلك الإنسان بفقدانه، والحاجيات وهي ما يضر بمرور الوقت، والتحسينيات وهي ما يرفع جودة الحياة.
ما معنى سد الرمق وما حكمه عند الضرورة؟
سد الرمق هو أقل ما يحتاجه الجسم من الغذاء للبقاء حيًا، ويحل عنده من الحرام ما يبقي الحياة لأن الضرورات تبيح المحظورات.
ما الفرق بين الجمع بين الأدلة المتعارضة وبين الترجيح؟
الجمع يُعمل الدليلين معًا بحمل كل منهما على جهة مختلفة، أما الترجيح فيأخذ بأحد الدليلين ويترك الآخر.
ما الجهات التي يمكن فك التعارض بينها عند الجمع بين الأدلة؟
الزمان أو المكان أو الأشخاص أو النسبة بين شيئين أو غير ذلك من الجهات، فإذا انفكت الجهة زال التعارض.
لماذا لا يقع تعارض حقيقي بين دليلين قطعيَّي الثبوت والدلالة؟
لأن الأصوليين لم يجدوا في الواقع مثالًا على ذلك، والتعارض بين قطعيين مستحيل عقلًا وواقعًا.
ما نصاب الزكاة بالأوراق النقدية وكيف يُحسب؟
يُحسب بضرب خمسة وثمانين جرامًا من الذهب في سعر الجرام في السوق يوم إخراج الزكاة، فإن بلغ المال هذا المقدار وجبت الزكاة.
ما الفرق بين الضروريات والحاجيات في مجال حفظ النفس؟
الضروريات ما يهلك الإنسان بفقدانه فورًا كالطعام الكافي للبقاء، والحاجيات ما لا يهلك بفقدانه فورًا لكنه يضر بمرور الوقت كالمسكن.
ما معنى الدين في ترتيب المقاصد الخمسة وكيف يختلف عن الإسلام؟
الدين في ترتيب المقاصد يعني الشعائر والطقوس والعبادات، أما الإسلام فهو هذه الخمسة كلها مجتمعةً.
ما الذي يُميّز العلة البسيطة عن العلة المركبة في الأقيسة؟
العلة البسيطة علة واحدة كالإسكار، والعلة المركبة مكونة من صفتين أو أكثر كناقض الوضوء عند الحنفية الذي يشترط الخروج والنجاسة معًا.
لماذا لم يُدوّن الأصوليون الأوائل كيفية إدراك الواقع في كتب الأصول؟
لأن واقعهم كان رتيبًا بطيء التغير وكيفية إدراكه كانت بدهية يتعلمها الناس بعضهم من بعض، فلم يروا حاجة لتدوينها.
ما الثلاثة التي غيّرت حياة الإنسان جذريًا وجعلت حياة الأمس مستحيلة اليوم؟
المواصلات والاتصالات والتكنولوجيا، إذ جعلت سرعة الأحداث وكم العلاقات والمعلومات شيئًا رهيبًا لا يتصوره العقل.
ما خطر مناهج العلوم الاجتماعية الغربية على المسلم؟
أنها تُدرك الواقع بصورة متحيزة لعقيدة الغرب، فيُصاب المسلم بتناقض بين إدراكه للواقع برؤية غربية وإدراكه للنص برؤية شرعية.
ما الفرق بين الجهاد واحتمال القتل وبين طلب القتل؟
المجاهد يخرج على ظن السلامة وفيه احتمال القتل لا طلبه، والإسلام لم يأمر بطلب القتل كما أُمر بنو إسرائيل.
ما الذي يُثبت أن الإسلام قدّم النفس على الدين في حالة الإكراه؟
آية الإكراه التي أجازت للمكره النطق بكلمات الكفر درءًا للسيف عنه مع اطمئنان القلب بالإيمان، وهذا تقديم صريح للنفس على الدين.
ما الذي يُميّز الهندوسية عن سائر الأديان وفق ما ذُكر؟
الهندوسية لا معنى لها لأن كل العقائد يمكن أن تندرج تحتها بمجرد قول أنا هندوسي، وهذا ما لا يُوجد في أي عقيدة أخرى.
ما الفرق بين عقلية العالم وعقلية العابد في التعبير عن خشية الله؟
العالم يبكي من قراءة كتب العلم إدراكًا لعظمة الله، والعابد يبكي في الصلاة والذكر، وكلاهما يخشى الله من طريق يناسب تركيبته.
ما الذي يعنيه قول عمر بن عبد العزيز يحدث للناس من الأمر بقدر ما يحدثون؟
يعني أن الفقهاء يضعون فتاوى تسد على الناس أبواب التفلت من الدين كلما ابتدعوا طرقًا جديدة للخروج من الالتزام.
ما الذي يجعل الخلاف في ترتيب المقاصد الخمسة خلافًا لفظيًا لا حقيقيًا؟
لأن من يقدم الدين يقصد به الإسلام الشامل الذي هو هذه الخمسة كلها، فلا خلاف في الحقيقة بل في اللفظ والمصطلح.
ما الذي يُميّز الغزو الإسلامي عن الاحتلال الغربي من الناحية الأخلاقية؟
المسلمون خرجوا بمبادئ ألا يُفسدوا في الأرض ولا يقتلوا أطفالًا ولا نساءً ولا رهبانًا، بينما الاحتلال الغربي أباد شعوبًا وفتح محاكم تفتيش.
ما الشرط الأساسي لنمو العلم وتطوره وفق ما ذُكر؟
العالم المفكر لا الكتاب الثابت، لأن العلم ينمو بنشاط العالم وتفكيره، والكتاب ثابت لا يتغير بينما العالم يُحدث الزيادة والنمو.
