الإيمان صفة من صفات المؤمنين | المبشرات | حـ 11 | أ.د علي جمعة
- •الإيمان هو التصديق الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل، وهو اعتقاد قلبي يتجلى في القول والعمل.
- •التصديق يمر بمراحل تبدأ بالتلقي ثم الفهم ثم الاقتناع، ليصبح إدراكاً جازماً يرفض نقيضه.
- •المسلم يعتقد أن الإسلام هو الدين الحق المطابق للواقع، دون إكراه للآخرين عليه، ولكن أيضاً دون الاعتراف بتكافؤ الأديان.
- •الإيمان يزيد بكثرة الأعمال الصالحة وينقص بقلتها، ولا يقبل إلا مقترناً بالعمل الصالح.
- •من بشارات المؤمن أن الله يدافع عنه حين تنقطع حيلته، ويُلقي محبته في قلوب الناس.
- •الإيمان يكون باللسان والقلب والعمل، ومن ارتضاه قولاً ولم يصدقه عملاً فهو منافق.
- •المؤمن الحقيقي يرفض تلبيس الحق بالباطل ويصر على الحق والصدق في أقواله وأفعاله.
- •شروط التكليف هي الإسلام والعقل والبلوغ.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن صفات مستحقي النصر
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامج المبشرات مع فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بك.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: كنا فضيلتك قد تحدثنا في آخر الحلقة العاشرة عن بعض صفات مستحقي النصر، وقلنا سنفرد لهم في الحلقة القادمة. نبدأ أول صفة: صفة المؤمنين:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا﴾ [الحج: 38]
بشرى الله للمؤمنين بالدفاع عنهم وصفات تعرض النفس للبشرى
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هناك صفات يتصف بها الإنسان فيعرض نفسه للبُشرى؛ فالله سبحانه وتعالى كما في هذه الآية بشَّر المؤمنين بأنه يدافع عنهم.
إذن فلا بد أن أعرض نفسي بموجب الإيمان لهذه البشرى. سنرى بعد ذلك صفات كثيرة تكلم عنها الله سبحانه وتعالى، نفرد إن شاء الله لكل صفة من هذه الصفات حلقة مستقلة.
ما هو الإيمان وما حقيقته وكيف يدخل المؤمن دائرة البشرى
[المذيع]: إن شاء الله يا مولانا، ربنا يفتح عليك. ولكن المعنى الإجمالي لهذا كله هو أنني يجب أن أتصف بهذه الصفات، فأول صفة هي الإيمان، فيجب عليّ أن أؤمن.
ولكن ما هو الإيمان؟ وما حقيقة الإيمان؟ ومتى يكون الإنسان مؤمنًا؟ وما فائدة أن يكون الإنسان مؤمنًا؟ وكيف يصير المؤمن قد أدخل نفسه في دائرة البشرى؟
فالإيمان هو التصديق، والتصديق هو نوع من أنواع الإدراك. حقيقة التصديق أنه إدراك، لكنه إدراك جازم مطابق للواقع، ناشئ عن دليل.
مراحل الإدراك في الإيمان من التلقي إلى الفهم إلى التسليم
[المذيع]: ناشئ عن دليل. إذن انظر، القضية مرت بعدة مراحل: الإيمان هو التصديق، نعم، والتصديق هو الإدراك الجازم.
النقطة الأولى: إدراك. ماذا يعني إدراك؟ يعني أنني انتقلت صورة الشيء في ذهني، انتقل معنى الجملة المفيدة في ذهني. فعندما يأتي ويقول لي أن الله هو الخالق، فهذه جملة مفيدة: المحيي المميت، الذي بدأ الخليقة فهو بديع من غير مثال سابق، يقول للشيء كن فيكون. هذه جمل كلها مفيدة.
أنا أريد أن أفهم ماذا تعني لا إله إلا الله، ماذا يعني أن الله هو الخالق؟ ماذا يعني أن الله هو المحيي المميت؟ فهمتها، فهمتها بناءً على فهمي للغة، أي فهمتها بناءً على شرح الكتاب والسنة والعلماء لها. ما معنى لا إله إلا الله هذه بالنسبة لي؟
فأول مراحل الإدراك هو التلقي، وثاني مراحل الإدراك هو الفهم.
مرحلة التسليم والتصديق الجازم الذي لا يقبل التردد
[المذيع]: التلقي ثم الفهم. ثالث مراحل الإدراك هي أن أسلِّم لهذا الفهم، أي أقتنع به، يعني أقول فعلًا إنني مصدِّق. انظر، التصديق جاء وهو يعني الموافقة، أي أنني أقول كذلك أيضًا أنه لا إله إلا الله وأنه هو الخالق والمحيي والمميت.
بعد ذلك يتحول هذا التصديق ليس إلى مجرد تصديق، بل إلى تصديق جازم، إدراك جازم. والجازم هنا معناه أنه لو عُرض عليّ نقيضه لرفضته، والجازم معناه أنني لست مترددًا ولم أكن في مرحلة عدم اتخاذ القرار بعد. فأنا مصدق أنه لا إله إلا الله، وتصديقي جازم.
أمثلة على رفض نقيض الإيمان والتمسك بالتصديق الجازم المطابق للواقع
[المذيع]: موقن مائة في المائة، مائة في المائة، نعم. فيقول لي: على فكرة، يوجد شريك مع الله! قلت له: أعوذ بالله، أبدًا، إنني أرفض. ها أنا أرفض النقيض.
نعم، محمد صلى الله عليه وسلم ليس خاتمًا للنبيين؟ أقول له: أبدًا، هو خاتم النبيين وسيد المرسلين عليه الصلاة والسلام.
دين الإسلام لم يأتِ لنا بتكليف؟ أقول له: أبدًا، جاء بالتكليف فأمرنا بالصلاة وبالصيام وبالزكاة وبالحج وبالذكر وبالدعاء، وأمرنا بحلال وحرام في الزواج والطلاق والبيع والشراء والهبة، وأمرنا بأن نوزع الميراث، وأمرنا بأن نستر العورات وبأن نحرم على أنفسنا الخمر والفحشاء.
وهذا هو الإيمان: تصديق جازم مطابق للواقع.
الإيمان بأن الإسلام هو الحق مع احترام حرية الاعتقاد دون إكراه
نعم، أنا أرى أن هذا هو الحق وأن هذا هو الواقع، وأرى أن أي انحراف عن هذا الإيمان هو خارج عن نطاق الحق وخارج عن نطاق الواقع.
صحيح:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ [البقرة: 256]
وصحيح:
﴿قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
وصحيح:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
وصحيح:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
لكن هذا أنا أقول يؤمن ويكفر [أي أن الاختيار بيد الإنسان]، ليس معنى أنني أتمسك وأصدق بهذا أن أرغم الآخرين عليه بالعنف والقوة؛ لأنه في حرية في هذا المجال من رأفة الله بنا. لكن أيضًا ليس معنى الحرية أن كل الدنيا حلوة وأنه كلنا...
رفض القول بتكافؤ الأديان مع عدم فرض المعتقد بالقوة على الآخرين
[المذيع]: وأن الكفرة مثل المؤمنين، وأنه يوجد تكافؤ بين الأديان.
أنا لا أعتقد هذا من عقيدتي. هذا عندما يأتي أحدهم ويطالبني بالقول بتكافؤ الأديان، هذا يتدخل في حقي أنا. حسنًا، أنا لم أتدخل عندك، أنا لم أقل لك أنت تعتقد هذا وأنا أمنعك من هذا أو أسخر منه أو أستهزئ به، أبدًا.
إنني أقول:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
إنني أقول:
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [سبإ: 24]
فكثير من الناس الآن في عصرنا الحاضر يدعون إلى تكافؤ الأديان، وأن الدين الإسلامي مثل الدين البوذي مثل الدين الهندوسي مثل المسيحي مثل اليهودي. وأنا أقول له: لا، دين الإسلام عندي هو الحق وما سواه قد انحرف عن دين الإسلام في شيء أو أشياء، وعلى ذلك فهذا هو الحق الذي أعتقد أنه هو الواقع ومطابق للواقع.
العلاقة مع أصحاب الأديان الأخرى دون تغيير المعتقد أو فرضه بالقوة
عندما يأتي أي دين آخر، فالعلاقة التي بيني وبينه هي علاقة أنني لا أفرض كلامي عليه بالقوة، لكن هذا لا يعني أنني أغير معتقدي من أجل الناس الآخرين وأقول إننا جميعًا متكافئون وأننا جميعًا سندخل الجنة مثلًا.
[المذيع]: على فكرة، كلنا على الحق وكلنا سندخل الجنة!
على فكرة، ما أحد منهم يقول هكذا. ما أحد من أي فرق كانت، وأي مذاهب كانت، وأي أديان كانت يقول أن غيره هو سيدخل الجنة.
[المذيع]: حتى بعض الفرق في نفس الديانة، كما حدث مؤخرًا، يكفّر الآخرين.
[الشيخ]: يكفرون بعضهم البعض.
[المذيع]: ويقول: أنا فقط الذي على حق وأنا الذي سأدخل الجنة وأنت لا.
[الشيخ]: وأنا الذي سأدخل الجنة.
احترام معتقد الآخر دون إكراه مع التمسك بأن الإسلام هو الحق
[المذيع]: ونحن في نفس الديانة.
[الشيخ]: وهذا جزء من عقيدته، وأنا لا أعترض عليه في معتقده، بمعنى أنني لا أُكرهه على ترك معتقده ولا أطلب منه أن يخفيه. ولكنني أقول له: أنا أرى، كما ترى أنت أنني كافر، أنا أرى أنك كافر.
[المذيع]: نعم، وأنني أنا الذي على الحق. لكن كافر بماذا؟ فالكفر نسبي؛ هناك كفر بالطاغوت، وهذا يعني أنه مؤمن. وهناك كفر بالله أو بإحدى صفاته أو بأمر من أوامره أو بقرار من قراراته سبحانه وتعالى، نعم، هذا كفر. أو كفر بنعمته أو كفر وهكذا.
دين الإسلام هو الحق والتصديق الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل
إذن أنا هنا أمام قضية كبيرة جدًا لا بد أن يفهمها الناس، وهي أن دين الإسلام هو دين الحق الذي يعتقد فيه المسلم أنه مطابق للواقع. ولذلك يتبعه التصديق الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل.
[المذيع]: الناشئ عن دليل. أنا لست مقلدًا في إيماني، إنَّ أول فرض على المؤمن المسلم هو النظر والتفكر وإقامة الدليل والبرهان على معتقده.
ولذلك المسلم دائمًا يعرف وجدانًا وعقلًا وروحًا وبالأدلة. قد لا يستطيع أن يصوغ الأدلة بطريقة علمية منطقية، لكنه يعلم أن البعرة تدل على البعير، وأن الأثر يدل على المسير. فنهار ساجٍ وليل داجٍ وبحار ذات أمواج وصحراء ذات فجاج، ألا تدل على اللطيف الخبير؟ ونعم بالله. هذا الكلام اللطيف هو دليل.
دليل الأعرابي البدوي على وجود الله وأن الحادث يدل على المحدث
[المذيع]: البدوي الأعرابي الذي مازال على الفطرة.
[الشيخ]: هذا دليل صحيح، دليل لكنه دليل مصوغ بلغته وبطريقته في الأداء. لكن هذا دليل برهاني قوي جدًا: أن الحادث يدل على المحدث، أن كل حادث له محدِث، وأن هذا الكون حادث، فهذا الكون له محدِث.
هذا ترتيب منطقي بأسلوب فلسفي، لكن المهم أن الإيمان هو التصديق.
[المذيع]: نذهب بعد إذنك مولانا إلى فاصل، نقف عند أن الحادث له محدِث والصنعة لها صانع، ونرجع نستكمل مع فضيلتك بعد الفاصل.
[الشيخ]: نعم، فاصل ونعود إليكم، فابقوا معنا.
تعريف الإيمان بالاعتقاد والعلم والفرق بين الأمور العلمية والعملية
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عُدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة. تفضل يا مولانا، كنا توقفنا في آخر الفاصل الأول أن الصنعة تدل على الصانع.
[الشيخ]: هذا في سياق تعريف الإيمان، والإيمان قلنا أنه التصديق الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل. ولذلك سميناه الاعتقاد، سميناه العلم.
الأمور العلمية في العقيدة معناها الإيمان، والأمور العملية هي الصلاة والصوم وما إلى ذلك. الأمور العلمية هي أن أؤمن بالإله، وأن أؤمن بالرسل، وأن أؤمن باليوم الآخر، وأن أؤمن بمثل هذا.
الإيمان شرط لقبول العمل والإسلام أول شروط وجوب الصلاة
ولذلك فالإيمان لما حصلته فصدقت جازمًا مطابقًا للواقع والحق في اعتقادي، وناشئ هذا عن دليل وليس عن تقليد، فأنا أدخلتُ نفسي في دائرة الإيمان.
الإيمان هذا هو أول الشروط التي بها قبول العمل. يعني مثلًا عندنا شروط وجوب الصلاة وشروط صحة الصلاة. شروط وجوب الصلاة هي الإسلام. قال: لماذا؟ قال: لأن من أركان الصلاة النية، والنية لا تصلح ولا تُقبل عند الله إلا بشرط الإسلام.
يكون إذن الإسلام لا بد منه حتى يتم الخطاب وأقول لك صلِّ وصُم وكذا إلى آخره.
شروط التكليف الثلاثة الإسلام والعقل والبلوغ
والثانية العقل، ولذلك الذي غائب عقله مثل الطفل الصغير ابن شهر وشهرين ليس لديه عقل؛ لأن العقل لم يتكون بعد من المعلومات السابقة والإدراكات المتلاحقة. المجنون ليس لديه عقل، النائم ليس لديه عقل. ولذلك العقل مناط التكليف، فيجب أن يكون أيضًا عاقلًا.
كذلك حدَّ الله لنا حدًا يكون فيه الإنسان قد استكمل معرفته كاملة وهو قضية البلوغ؛ فالفتاة أو الصبي إذا بلغوا سن البلوغ وأدركوا معنى الشهوة فإنهم قد دخلوا في التكليف.
ولذلك المكلف لا يكون مكلفًا إلا إذا كان قد دخل الإسلام، إلا إذا كان قد كان عاقلًا، إلا إذا كان قد بلغ مبلغ الرجال رجال والنساء نساء حتى يتم الخطاب.
[المذيع]: هم يقولونها: مسلم بالغ عاقل.
[الشيخ]: مسلم بالغ عاقل.
هل الإيمان يزيد وينقص في ذاته أم في جلائه وأثره
حسنًا، الإيمان الذي عندي هذا عندما صنعته وصدقت به، يقول لك إن الإيمان يزيد وينقص.
[المذيع]: يزيد وينقص، في ذاته أو في جلائه؟
قالوا: لا، في جلائه؛ لأنه في ذاته تصديق جازم.
[المذيع]: لن يزيد ولن ينقص، لا ينقص ولا يزيد.
[المذيع]: أنا مئة في المئة وتوقفت عند هذا الحد. إنما يزيد بكثرة الأعمال الصالحة، بكثرة الذكر والتفكر والتدبر والتأمل. وينقص ويخبو عندما ينسى الإنسان، يعني هو ليس مركزًا جدًا، هو مؤمن ولو أحيينا فيه الإيمان وذكرناه بالإيمان يتذكر؛ فذكِّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
لكن الإيمان ليس مستحضرًا الآن ومستحضر مستلزماته ومستحضر آثاره. ولذلك فإن الإيمان يزيد بكثرة الأعمال الصالحة وينقص بقلة الأعمال الصالحة.
الإيمان قول باللسان وفعل بالأركان واعتقاد في الجنان
يبقى إذن الإيمان قول وفعل أيضًا بالإضافة إلى التصديق. هذا التصديق في القلب وأنا مؤمن تمامًا بالله وبرسوله وما إلى ذلك، لكن لا بُدَّ أن أُقِرَّ باللسان أني أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله.
فكانت الشهادتان جزءًا لا يتجزأ من أركان الإسلام؛ لأنها هي الكاشفة عما قد وقر في القلب. ومصيبتهم سوداء، أن أحدهم يقول الشهادتين وهو غير مؤمن بهما في قلبه، هذا يكون منافقًا لا يكون مؤمنًا.
لكن المؤمن الذي عبر عما في قلبه بلسانه، فهذا أيضًا من الإيمان، نسميه إيمانًا مجازًا؛ لأن الإيمان هو ما استقر في القلب.
[المذيع]: وصدقه العمل.
التفريق بين الإيمان والعمل الصالح في القرآن وارتباطهما الوثيق
انظر كيف أصبح هذا هو الثالث: وصدقه العمل، القول والفعل. ولذلك قالوا هو قول باللسان وفعل بالأركان واعتقاد في الجنان. فالاعتقاد الذي في القلب هو حقيقته.
لكن هل هو صادق أم لا؟ فهنا سندخل في قضية العمل. ولذلك نجد الله سبحانه وتعالى قد فصل بين الإيمان والعمل الصالح، فصل بينهما، يعني سمى هذا الإيمان وهذا العمل الصالح:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
وجاء حرف العطف (الواو) للمغايرة؛ لأن التصديق القلبي هو حقيقة الإيمان. لكن هذا الإيمان لا يُعتبر ولا يُعتد به ولا يُقبل إلا مقترنًا بالعمل الصالح، وإلا وقد أنتج العمل الصالح.
لا يوجد في القرآن الذين آمنوا فقط بل لا بد من وعملوا الصالحات
فإن كان الإيمان في القلب، فإن العمل الصالح هو الناتج عن الإيمان. يبقى عندما آتي وأرى "الذين آمنوا وعملوا الصالحات"، ليس الذين آمنوا فقط، لا بد أن نكون معه وعملوا الصالحات.
ولا يوجد في القرآن "الذين آمنوا" فقط، بل لا بد من "وعملوا الصالحات". وإن أناسًا قد غرهم بالله الغرور يقولون: نحن نحسن الظن بالله.
قال رسول الله ﷺ: «لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل»
إذن هناك ارتباط بين ما وقر في القلب وبين العمل الذي يجب أن يصدقه.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]
فقد آمنت ألسنتهم ولم تؤمن أعمالهم، وهذه مصيبة كبرى يكرهها الله سبحانه وتعالى، وكفى بهذا كي يدفعنا إلى الفرار من هذه الحالة لله رب العالمين.
بشرى المؤمن الذي استقر الإيمان في قلبه وصدقه عمله بأن الله يدافع عنه
لقد أصبحت مؤمنًا، أصبح الإيمان الذي استقر في القلب وصدّقه العمل وأقرّه اللسان وشهد به، قد أدخلني في البشرى:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا﴾ [الحج: 38]
فيكون ربنا سبحانه وتعالى يدافع عني.
أمثلة على تلبيس الحق بالباطل وانقطاع موارد الجدال في عصرنا
في بعض الأحيان تنقطع موارد الجدال التي نعيشها في عصرنا بالليل والنهار؛ أرى شخصًا يكذب عليّ فأرشده وأقول له: على فكرة أنك هكذا تكذب عليّ، فيصر على ما يقول وعلى الكذب الذي يكذبه عليّ.
انظر كيف؟ وهذه كانت حالة الأقوام مع أنبيائها والأقوام مع المصلحين والعلماء وما إلى آخره. وماذا أفعل في هذا؟ ماذا أفعل فيه إذا كان هذا مصرًا على الكذب؟ إذا كان هو مصرًا على تلبيس الحق بالباطل.
يقول لك: "لا تقربوا الصلاة" ولا يكمل، ويقول لك: "فويل للمصلين" ولا يكمل، و"أنتم سُكارى" ولا يكمل: "الذين هم عن صلاتهم ساهون". فنبَّهنا ربنا لهذا النوع من الناس وقال:
﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]
هو يقول "لا تقربوا الصلاة" وبعد ذلك يذهب ويقول لك: ما قال ربك ويل للذين... ولكن قال: "ويل للمصلين". هذا تلبيس قبيح، تلبيس إبليس.
الله يدافع عن المؤمن عندما تنقطع حيلته ويلقي محبته في قلوب الناس
ماذا تفعل معه؟
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا﴾ [الحج: 38]
الله سبحانه وتعالى يدافع عنك عندما تنقطع حيلتك. أنت نبهت وأنكرت واستعذت وقلت: يا إخواننا هذا كذاب وهذا ضال.
[المذيع]: وأعلنت وقلت: لم يحدث هكذا، لم أقل هكذا، أو ليس هذا هو الواقع، وهو مُصِرٌّ على الكذب والاستمرار، كالمثل الألماني هذا الذي يقول لك: استمر في الكذب حتى يصدقك الناس. أعوذ بالله!
النبي يقول:
قال رسول الله ﷺ: «ولا يزال الرجل يصدق ويصدق حتى يُكتب عند الله صديقًا، ولا يزال الرجل يكذب ويكذب حتى يُكتَب عند الله كذابًا، وإن الكذب ليهدي إلى الفجور، وإن الفجور ليهدي إلى النار»
ما هذا؟ الحمد لله الذي جعلنا مسلمين.
نصر الله للمؤمن بإلقاء محبته في قلوب الناس من غير حول منه ولا قوة
عندما تنقطع بك الحيلة تجد أن الله هو الذي يدافع عنك، وتجد أن الله سبحانه وتعالى يعني أرسل لك أو نادى في الملأ الأعلى: إني أحب فلانًا فأحبوه، فينزل مسلسلًا بجبريل ثم من بعده إلى الأرض حتى يُلقي الله محبتك في قلوب الناس من غير حول منك ولا قوة.
لا تستطيع أن تجمع الناس على حبك ولا على تصديقك، لا تستطيع، ليس بيدك هذا، إنما هو بيد الله.
وتجد كلما كذب عليك الكاذبون، ولأنهم يكذبون، نصرك الله نصرًا عزيزًا مؤزرًا، ولا يقع هذا الكذب في قلوب الناس موقعه. وترى أنك من غير حولٍ منك ولا قوة قد نصرك الله عليهم، وأحبَّب فيك خلقه. شيء غريب!
خاتمة الحلقة والتبشير بأن الله يدافع عن المؤمنين الآمرين بالمعروف
يعني من المبشرات:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا﴾ [الحج: 38]
جميل، الله سبحانه وتعالى أيضًا يدافع عن الذين آمنوا، الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقفون أمام الطغيان.
[المذيع]: دعنا نؤجل الحديث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى حلقة قادمة يا مولانا، فقد انتهى وقت الحلقة. أسأل الله أن يزيدك محبة في قلوبنا وأن يحبب فيك خلقه يا مولانا، ونلتقي في الحلقة القادمة إن شاء الله.
إلى ذلك الحين، نستودع الله دينكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
