الربط بين الإيمان والبشرى | المبشرات | حـ 2 | أ.د علي جمعة - المبشرات

الربط بين الإيمان والبشرى | المبشرات | حـ 2 | أ.د علي جمعة

23 دقيقة
  • البشرى هي نقل خبر سار من شخص لآخر يتضمن السرور والفرح، ومبشرات الإيمان هي ما يبشر الله به المؤمنين من دخول الجنة والرضا والنظر إلى وجهه الكريم.
  • علاقة البشرى بالإيمان أن المؤمن لا يتمتع بالبشرى إلا بإيمانه بالله ورسله والوحي والتزامه بأوامره دون حرج في نفسه.
  • القرآن معجزة رسالة الإسلام الباقية، محفوظ في ألفاظه وتشكيله وأدائه الصوتي ورسمه، يحفظه الملايين حول العالم.
  • معجزات الأنبياء كانت زمنية قومية يراها معاصروهم فقط، بينما القرآن معجزة خالدة للناس كافة.
  • الإيمان يتطلب الرضا بالواقع والتسليم للمستقبل، فالرضا عدم التضجر من الحال، والتسليم الإعداد للمستقبل مع الثقة بالله.
  • المبشرات تجعل المؤمن يتجاوز واقع الأمة المؤلم عندما يرى الصورة الكبرى للأمة المؤيدة بوعد الله.
محتويات الفيديو(31 أقسام)

افتتاح الحلقة الثانية من برنامج المبشرات والربط بين الإيمان والبشرى

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

الحلقة الثانية من برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: استمتعنا بفضيلتك في الحلقة التي كانت بالأمس في أول حلقة من برنامج المبشرات، ونريد أن نستكمل الحوار. نريد أن نربط بين المبشرات يا مولانا وبين الإيمان، أو نربط بين الإيمان والبشرى؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. كلمة بشرى معناها أن شخصًا ينقل الخبر السار لشخص آخر، فالبشرى إذن تكون على أمر فيه سرور وفرح جميل.

تعريف البشرى وأركانها من مُخبِر ومُخبَر وخبر سار

والبشرى إذن خبر لا بد فيه من مُخبِر، ولا بد فيه من مُخبَر، ومن كلام ينتقل من هنا إلى هناك مضمونه هو السرور والفرح. فالبشرى إذن تتم بين البشر، واحد يأتي ليقول لي: أبشرك زوجتك وضعت وقامت بالسلامة، أبشرك أن زوجتك أنجبت بنتًا فافرح، أبشرك أن زوجتك أنجبت ولدًا، وأنا كنت أريد أن تنجب ولدًا لأن عندنا بنات فافرح.

وهكذا يعني البشرى إذن هي خبر سار.

ارتباط المبشرات بالإيمان بالله وبشرى دخول الجنة والنظر إلى وجهه الكريم

المبشرات التي نتكلم عنها هي مبشرات متعلقة بالإيمان، والإيمان يكون الإيمان بالله، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يبشرنا. والله سبحانه وتعالى بشرنا فعلًا وربط هذه البشرى وهي دخول الجنة وهي الرضا من الله سبحانه وتعالى.

وأعلى من ذلك كله النظر إلى وجهه الكريم:

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]

والنظر إلى وجهه الكريم لا يعلوه شيء ولا تعلوه لذة ولا يعلوه سرور ولا فرح؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس كالكائنات، فالرب ربٌّ والعبد عبدٌ وهناك فارقٌ بين المخلوق والخالق.

قمة سعادة أهل الجنة هي النظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى.

علاقة البشرى بالإيمان وضرورة الإيمان بالله لتقبل البشرى

الخبر السار الذي يعطي الجزاء الأوفى للمؤمنين مرتبط بالإيمان إذن. علاقة البشرى بالإيمان هي أنه لا بد عليَّ أولًا أن أؤمن بالله الذي سوف أتقبل منه البشرى.

الله لا يكلم كل أحد:

﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾ [الشورى: 51]

فالله لا يكلمنا مواجهةً، إنما عن طريق من اختارهم واصطفاهم للرسالة. ولا بد إذن لي أن أؤمن بذلك الرسول.

المعجزات دليل صدق الأنبياء وخرقها لسنن الكون الإلهية

ولذلك كلما أرسل الله رسولًا أرسل معه آيات ومعجزات على مثلها يؤمن الناس؛ لأن الله قد خلق هذا الكون على سنن كونية إلهية لا تتخلف عادةً.

فعندما يأتي شخص من عند الله تتخلف على يده سنن الكائنات، نسمي هذه معجزة؛ لأنه يؤديها وتجري على يديه تحديًا لنبوته وتصديقًا لرسالته.

فيصدق الناس أن هذا الإنسان وهو مثلهم لا يستطيع أن يفعل هذا من عنده، إنما يفعل هذا بإذن الله وأمره، فهو الذي خلق قوانين الدنيا وهو الذي خلق سنن هذا الكون وهو الذي يكون قادرًا على خرقها. ولذلك فالمعجزة خارقة للعادة، خارقة للعادة، شيء غير مألوف وغير مقدور أن أكرره.

أمثلة على المعجزات وكون معجزة كل نبي اقتصرت على قومه

نعم، ولكنه معقول المعنى يمكن رؤيته، نعم، كالطير في الهواء، كالمشي على الماء، كقلب الأعيان. سيدنا موسى كان معه عصا يلقيها فتتحول إلى ثعبان.

صحيح، فالمعجزات كل معجزة نبي اقتصرت لقومه الذين رأوا وصدقوا، وبعد ذلك يكون الناس يصدقون آباءهم أنهم قد رأوا هذا وأجدادهم في الجيل الثاني، فأجداد أجدادهم في الجيل الرابع وهكذا.

إنما يأتي النبي ويرسل لقومه، ولذلك كان الله يرسل الأنبياء تترى، أي وراء بعضهم هكذا متتابعين.

إرسال الأنبياء متتابعين ومعاصرين ومعجزة كل نبي لقومه

ويرسل النبي والثاني والثالث معًا، يعني سيدنا إبراهيم ويرسل في نفس الوقت سيدنا إسحاق ويرسل في نفس الوقت سيدنا إسماعيل ويرسل في نفس الوقت وهكذا. فمجموعة من الأنبياء موجودة أيضًا، سيدنا داود وسيدنا سليمان مع بعض، مثل زكريا ويحيى وهكذا، وعيسى معهم في نفس الوقت.

فإذا كانت هناك الأنبياء تترى وكذلك إلى آخره، وكلٌّ كان له معجزة، وهذه نسميها معجزة الرسول.

خصوصية النبي محمد ﷺ بالرسالة للعالمين وختم النبوة

وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم له معجزة هي معجزة الرسول التي رآها الناس فآمنوا أيضًا بمثل ما آمن الخَلْق بهم. لكن لأن سيدنا محمد جاء للعالمين، لم يأتِ للعرب فقط، ولم يأتِ لزمانه فقط، ولم يأتِ وكان في حسابنا أن هناك نبيًا سيأتي بعده.

فكان من مزايا النبي صلى الله عليه وسلم وخصائصه أنه قد أُرسل للعالمين وأنه خاتم النبيين. والله، ليس هناك نبوة ثانية ستأتي.

المبشرات بديل النبوة بعد ختمها والرؤيا الصالحة من بقايا النبوة

حسنًا، وبعد ذلك، هذه مشكلة، هذه ورطة، ولذلك شقَّ ذلك على الصحابة أنه لا نبي بعدي ولا رسول.

فقال [النبي ﷺ]:

«إلا الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو تُرى له، إلا المبشرات، ذهبت النبوة ولم يبق إلا المبشرات»

فالمبشرات هذه نسميها ماذا؟ معجزة رسالة. معجزة الرسول زمنية، شخصية، قومية؛ قومه فقط الذين يرونها، والأشخاص المحيطون به فقط الذين يرونها، والناس الذين حضروا.

معجزات النبي ﷺ الحسية كنبع الماء وبركته محدودة بالزمان والمكان

حتى الناس الذين لم يحضروا في نفس عصره لم يروها. فنبع الماء من بين يديه وسقى الجيش، فالجيش الذي رأى هذه الحادثة، ولو كان ألف منهم رأوها، لكن الذين في اليمن لم يروها وهو كان في الصحراء، والذين في المدينة لم يروها. رأوا هذه الحكاية وأخذوها خبرًا صحيحًا جميلًا.

فمعجزة الرسول زمنية محدودة يراها الأشخاص، ولذلك قال لهم: كيف تكفرون وأنا فيكم؟ طوال الوقت شاهدين ليلًا نهارًا، ما هذه الحكاية؟ هذا شيء عجيب! كانوا يرونها بأعينهم عليه الصلاة والسلام.

بركة النبي ﷺ في عرقه وجسده الشريف وشهادة أم سليم

عليه الصلاة والسلام، فهو دائمًا يخبر بالغيب ويصلي عليه وسلم وبركة. هذه بركة في كل شيء، هذه في كل شيء.

كان نائمًا فأم سليم أحضرت قارورة لأجل العرق لتضعه فيها، فقالت: إني أضعه في عطري لأضمِّخه فيه، يعني لكي يفوح. فكانوا هم يرونه كذلك.

هل يوجد أحد هكذا؟ هل يوجد أحد عرقه الذي يُفرز الأملاح من الدم وما وفاحت رائحته الطيبة أفضل من رائحة المسك؟ سبحان الله عليه الصلاة والسلام. يرونها طبعًا.

الرد على من ينكر معجزات النبي ﷺ الحسية وشهادة الصحابة عليها

الآن قد يأتيني أحدهم ويقول لي: لا، أنا لست مصدقًا. حسنًا، أنت حر، صدق أو لا تصدق. هذه مسألة أنا لا أتخيل ذلك، كان بشرًا، أنت حر.

هذه رواية صحيحة، إن لم تصدقها فهذا لا تعتبرني هكذا، فالبعيد جاهل؛ لأنك تنكر شيئًا من غير مقتضى عقلي ينكره، لا يوجد مقتضى يرفض هذا.

ولذلك فقط حسنًا، وأم سليم لا أحد يستطيع أن يقول لها: لا، أنا أنكر هذا؛ لأنها هي التي شمت، وهي التي فعلت، وهي التي كذا إلى آخره.

بركة مصافحة النبي ﷺ ومعجزة الرسول شخصية زمنية قومية

يصافح النبي صلى الله عليه وسلم يجد في يده رائحة مسك مثلًا تظل يوم ويومان، ويده كانت ألين من الحرير. حسنًا، والذي سلّم عليه هذا ما هو إلا الخبر المسموع إذن.

فمعجزة الرسول شخصية قومية وهكذا.

[المذيع]: طيب، فماذا عن الذي بعد الرسول؟

[الشيخ]: الذي بعد الرسول هذا معجزة رسالة، أي معجزة تؤكد الرسالة، فهي كالنبي القائم في قومه مكان النبي القائم. الذي هو ماذا؟ الذي هو القرآن.

القرآن معجزة الرسالة الباقية وحفظه في الأداء الصوتي والرسم

جميل، القرآن محفوظ، وحفظه معجزة؛ لأنه محفوظ بطريقة أغاظت الكافرين، أغاظتهم يعني أغاظتهم بطريقة غيظ.

صحيح، ما من حرف وقع منه ولا كذلك طريقة للأداء. صحيح، هذا أداؤه، هذا ليس التشكيل فقط، هو النطق الجميل.

عندما يقول لك "وَالضَحَى"، لا، حاء هذه مُرَقَّقَة فتُصبح "وَالضَحَى". سبحان الله إلى هذا الحد! هذا هو الأداء الصوتي.

إعجاز الأداء الصوتي للقرآن في النبر والتلقي من الشيوخ مشافهة

غلامٌ اسمه يحيى، غلامٌ اسمه، لكن غلامِ ماذا الذي جعلها تُكسَر هكذا؟ التقاء الساكنين. طيب، مفتاحها أم غلامًا اسمه يحيى مثلًا أم لا.

هذا الأداء الصوتي أوصلت كأننا نستمع إليها كما أُنزلت على سيدنا محمد، كما أُنزلت.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: "يَعِظُكُم" وليس "يَعِظُكُم".

[المذيع]: نعم، ما الفرق يعني؟

[الشيخ]: لا يوجد فرق. جميل، هذا النبر هو الفرق، الذي هو الضغط على مكان الحرف في الكلمة. "يَعِظُكُم" غير "يَعِظُكُم".

أمثلة على اختلاف المعنى باختلاف النبر والأداء الصوتي في القرآن

نعم طبعًا يوجد فرق، أنا أسمعه الآن: "يَعِظُكُم". أتتصور أنه لا، والشيخ يأتي ليقول لي: لا، خطأ، قُل "يَعِظُكُم" وليس "يَعِظُكُم".

"فَسَقَى لَهُمَا" وليس "فَسَقَالَهُمَا"؟ حسنًا، الحروف هي نفسها والتشكيل هو نفسه، لكن هذا اختلف المعنى.

"أَفَلَ" و"أَفَلَا"، يكون اثنين حصل لهم أفول، لكن "أَفَلَا" هذا استفهام. وهذا يدخل على الذي أنا فيه.

كيف يمكن لهذا الكلام أن يفعل ذلك؟ نعم؛ لأنه نقل بأدائه الصوتي.

العودة من الفاصل واستكمال الحديث عن حفظ القرآن بالأداء الصوتي والرسم

[المذيع]: نعم، على ما يعرف يا مولانا، كيف نقل بأدائه الصوتي؟ ولكن بعد الفاصل إن شاء الله. فاصل، نعود إليكم فابقوا معنا. فاصل ثم نواصل.

السلام عليكم ورحمة الله، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم، الحلقة من برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية المصرية. تفضل يا مولانا، كنا نتحدث عن نقل القرآن بالصوت.

[الشيخ]: نعم، فالقرآن حُفِظ كمعجزة رسالة، نعم، ليس فقط في آياته ولا في سوره، في آياته، في ألفاظه، في تشكيله، بل في أدائه الصوتي أيضًا.

إعجاز الرسم العثماني للقرآن وحفظه كما كُتب في عهد الصحابة

وهذا الأداء الصوتي جعله محفوظًا في شيء آخر، محفوظ في رسمه. الرسم المضبوط ضبطًا عجيبًا غريبًا.

"إبراهيم" ليس فيها ياء في سورة البقرة، وفيها ياء في كل القرآن. لماذا هو هكذا؟ هو وجدناها هكذا وتركناها هكذا، لا أحد يعدل.

فإذا كان هذا كما يقول الشيخ خلف الحسيني أبو بكر خلف الحسيني، يقول في [الآيات البينات]: فهو معجز في رسمه كما أنه معجز في لفظه. معجز في رسمه كما أنه معجز في لفظه. ما شاء الله جميل.

إن ابن البنا المراكشي نفسه ألف كتابًا حتى يستنكه ويتتبع إعجاز هذا الرسم.

الفرق بين الخط العثماني والإملاء العثماني ورسم الحرف ورسم الكلمة

فنحن لم نحافظ على الأداء الصوتي فحسب، بل حافظنا أيضًا على الرسم.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: على النمط نفسه الذي سُمِّي بالخط العثماني أو الإملاء العثماني.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فأصل هذا الخط هو رسم الحرف.

[المذيع]: نعم، رسم الحرف.

[الشيخ]: لكن الإملاء هو رسم الكلمة.

[المذيع]: الإملاء رسم الكلمة، جميل.

[الشيخ]: والثاني رسم الحرف، الخط تفرع منه إلى الرقعة والنسخ والثلث والفارسي والديواني وهكذا، لكن الكوفي أكثر من أربعين نوعًا من أنواع الخطوط الذي هو رسم الحرف. لكن الإملاء هذا رسم الكلمة.

الفرق بين رسم الكلمة في المصحف وخارجه وتلقي القرآن سماعاً من الشيخ

[المذيع]: نعم، جميل.

[الشيخ]: فأما خارج القرآن في الرسم الخاص بي، أكتب السماوات: ميم، ألف، واو، ألف. لكن في داخل المصحف، أكتبها: ألف، سين، ميم، واو، تاء. فإذا نطقتها بالطريقة الإفريقية، أنطقها "السموت".

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: لكن هي السماوات.

[المذيع]: نعم، حسنًا، هذه مكتوبة أمامي "الَسَموت" بالطريقة المعتادة.

[الشيخ]: نعم؛ لأنك في الأصل لا تتلقاه من المصحف، أنت تتلقاه من الشيخ سماعًا.

[المذيع]: جميل.

[الشيخ]: كتابهم لا يبلله الماء.

[المذيع]: نعم، لماذا لا يبلله الماء؟

[الشيخ]: لأنه في صدورهم.

[المذيع]: جميل، الله، هذا كتاب يُحفظ.

[الشيخ]: نعم، كتاب يُحفظ.

قصة عزير وحفظ التوراة وملايين حفاظ القرآن حول العالم

حسنًا، عندنا التوراة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: هناك شخص حفظها، وهو عزير.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: اعتبروه نبيًا.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فأماته الله مائة عام ثم بعثه. عندما حفظ التوراة اعتبروا أنه نبي، اعتبروه نبيًا.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: وبعضهم اعتبره ابن الله والعياذ بالله. يعني لا بأس، هذه قضية قد انتهت وذهبت.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: لكن الله، حسنًا وماذا بعد؟ ملايين محفوظ في ذاكرتهم. إننا ملايين، وما زال هناك على سبيل المثال في الجمهورية الليبية الجماهيرية الشعبية الليبية أكثر من عشرين إلى ثلاثين في المائة من الشعب يحفظون القرآن. ما شاء الله، يحفظون القرآن كله بشكل جميل.

انتشار حفظ القرآن في مصر والعالم كدليل على إعجاز حفظه

الشعب كله، أي من الشعب بأكمله. وهناك أشياء في مصر، التي يوجد بها حافظ ما شاء الله ثلاثة ملايين حافظ، ليس مختبرينهم مرة واثنتين وثلاثًا، بل نحن نختبرهم كل ستة أشهر مرة. يعني أشياء عجيبة غريبة.

وبعد ذلك، دع مصر أو ليبيا فهؤلاء عرب، لكن اذهب إلى ماليزيا، اذهب إلى إندونيسيا، اذهب إلى الهند، اذهب إلى الفلبين، اذهب إلى أمريكا، ما هذا!

البشرى تحتاج إلى إيمان والإيمان يستلزم البشرى لدخول الجنة

فإذا أنت تقول لي ما العلاقة بين البشرى وبين الإيمان؟ البشرى تحتاج إلى إيمان، جميل، والإيمان قد استلزم البشرى.

فأنا لن أستطيع أن أتمتع بالبشرى إلا إذا آمنت. كيف أتمتع بالخبر السار أنني عندما ألتزم بأمر الله أدخل الجنة إلا إذا آمنت بالله وآمنت بالرسول وآمنت بالوحي وآمنت بأن هذا الوحي ينفذ.

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]

التحاكم إلى الله والرضا بقضائه والتسليم للمستقبل من لوازم الإيمان

انظر ماذا يقول: يعني أول شيء نتحاكم إليه، وثاني شيء نرضى بقضائه فينا. هل نرضى بقضائه فينا مع تبرم أو نقول حسنًا هذه المرة وانتهى الأمر ونجعلها تمضي هذه المرة؟

لا، نحن نرضى بها بفرح وبشارة، لا نجد حرجًا، لا نجد حرجًا في قلوبنا. حسنًا، هذه المرة إذن، وفي المرة القادمة قلنا له: والمرة القادمة التي لم نأتِ بها بعد، التي لم نعرضها عليك بعد، نحن موافقون على ما ستقضي به فينا.

هل أنت منتبه كيف في أي حدث تشجر بيننا وبقلب راضٍ؟

﴿رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: 119]

مفهوم البشرى مع الإيمان وشرط التمتع بالبشرى هو الإيمان الصحيح

إذن هذا هو مفهوم البشرى مع مفهوم الإيمان الذي هو السؤال الأول الذي كان في أول الحلقة، أنه ما علاقة الإيمان بالبشرى؟

الحقيقة أنني لن أتمتع بالبشرى إلا إذا كنت مؤمنًا صحيحًا، مؤمنًا بالله ومؤمنًا بأنه يوحي ومؤمنًا بالرسول الذي قد أوحي إليه وبلّغ فصدّق ربه وآمن بذلك الالتزام وفعل هذا الالتزام من غير حرج في قلبي ومن غير تردد وبرضا.

الفرق بين الرضا بالواقع والتسليم بالمستقبل ومقتضياتهما

يصل بعد ذلك إلى التسليم.

[المذيع]: ما الفرق بين الرضا والتسليم؟

[الشيخ]: قال: الرضا بالواقع والتسليم بالمستقبل. الرضا بالواقع والتسليم بالمستقبل.

[المذيع]: جميل.

[الشيخ]: يعني أنا في هذه الحال أقامني الله، ما هذا الحال؟ المشركون في مكة أتعبوني، والمشركون في المدينة يهاجمونني. هذا هو الحال، ماذا أفعل؟ رضيت، أنا راضٍ بهذا الأمر، راضٍ بهذا الأمر على أساس أنه يكفي هذه المرة؟ لا، بل أنا راضٍ به اليوم وراضٍ بما سيكون غدًا.

[المذيع]: جميل.

[الشيخ]: هذا هو التسليم، هذا هو التسليم. أنا راضٍ بالذي اليوم يكون هذا الرضا، أي الرضا بالواقع الذي أنا فيه الذي أقامني الله فيه.

مقتضيات الرضا والتسليم من عدم التضجر والإعداد للمستقبل

حسنًا، ماذا أفعل إذن؟ مقتضيات هذا الرضا والتسليم: مقتضيات الرضا أنني لا أتضجر ولا أعترض على ما أنا فيه.

ومقتضيات التسليم الإعداد:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ﴾ [الأنفال: 60]

أعدكم أنني لست مفتريًا ولا بلطجيًا ولا معتديًا.

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 190]

هذا هو الرضا.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: الذي يقاتلك قاتله، لكن هذا الآن.

[المذيع]: نعم، وماذا عن المستقبل؟

النهي عن الاعتداء والانتقام والقتال في سبيل الله لا في سبيل الهوى

[الشيخ]: ماذا سيفعل غدًا؟

﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

حسنًا، "ولا تعتدوا" هذه خاصة بالغد، خاصة بالغد.

[المذيع]: صحيح.

[الشيخ]: "ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين". لن أتحدث عن الانتقام، ولن أقول لا بد من جعلها دماءً.

"ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين. يا أبا هند، فلا تعجل علينا واتركنا ننبئوك باليقين. فإنا نورد الرايات بيضًا ونصدرها حمرًا قد روينا."

انظر، الدم أحمر، ولكن انتبه لما يعنيه ذلك.

الفرق بين كلام الجاهلية والقتال في سبيل الله وضوابطه

إنه يعني أن العلم هذا يكون على سارية طويلة هكذا أبيض، وبعد ذلك جعل الدم ليس إلى الركب، بل إلى هذا العلم، إلى أن وصل العلم فوق نهر وبحر من الدم، بحر دم حيثما يصل إلى الأعلى، سيبلل العلم وسيجعله دمًا.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: هذا كلام الجاهلين حقًا. لكن هنا يقول:

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 190]

ليس في سبيل هواك ولا في سبيل الانتقام ولا في سبيل شيء، بل في سبيل الله.

"الذين يقاتلونكم" هذا هو الواقع، والمستقبل "ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين".

المبشرات علاج للاكتئاب والنظر إلى الأمة بعين الإيمان والأمل

[المذيع]: جميل، إذن فمن المبشرات قلت لي في الحلقة الماضية تقول لي: الله، واقعنا في أفغانستان وفي العراق وفي كذا شيء يجلب الاكتئاب.

[الشيخ]: نعم، يجلب الاكتئاب مع عدم الإيمان. جميل، يجلب الاكتئاب إذا أغرقت نفسي في المشكلة.

لكن إذا أخرجت نفسي من المشكلة لأرى أمة تُضرب عبر القرون، أمة أقامها الله سبحانه وتعالى لتبليغ دينه، أمة صدق الله معها وعده، أمة بشّرها في الدنيا وبشّرها في الآخرة، أمة رزقها بسيد المرسلين وبكتاب محفوظ وبقبلة واضحة وبآية.

هذه مبشرات كثيرة جميلة إذن.

خاتمة الحلقة وأهمية الإيمان والصبر للشعور بالبشرى

حتى نشعر بالبشرى لا بد علينا من الإيمان، ولذلك كانت فلسفتك جميلة جدًا عندما سألتني وقلت لي: ما العلاقة بين البشرى وبين الإيمان؟

فالأصل أننا لن نشعر بالبشرى إلا إذا كنا مؤمنين، وإلا إذا أخرجنا أنفسنا وفهمنا لا حول ولا قوة إلا بالله، رضينا بالله ربًّا، ورضينا بما أقامنا فيه، وسنصبر إذا أنزل البلاء علينا فلا بد من الصبر.

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]

[المذيع]: الله يفتح عليك يا مولانا، بالحوار الذي قاله مولانا نختم حلقة اليوم، الحلقة الثانية، ونستكمل غدًا إن شاء الله. إلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظكم الله.