بقاء الأمة المحمدية | المبشرات | حـ 9 | أ.د علي جمعة
- •من مبشرات هذه الأمة بقاؤها وعدم فنائها، وكونها أمة علم وحضارة على مر العصور.
- •النموذج المعرفي الإسلامي والمبادئ العامة القرآنية والسنن الإلهية تحتاجها البشرية التي تعيش أزمة حقيقية.
- •دعاة ما بعد الحداثة المتطرفون يسعون لإلغاء القيود عن الإنسان، ويدعون لإلغاء الأسرة والدولة واللغة والثقافة.
- •وصلت هذه الدعوات إلى مرحلة خطيرة حيث أصبح الشذوذ وغيره من الانحرافات يُعتبر من حقوق الإنسان.
- •القرارات الصادرة عن مؤتمرات الأمم المتحدة تتعارض مع الفطرة السليمة والسنن الإلهية.
- •الإسلام ينقذ البشرية بمنهجه الوسطي الذي يوافق الفطرة السليمة ويمثل طوق نجاة من الترهات المعاصرة.
- •المسلمون مكلفون بحماية دور العبادة لليهود والمسيحيين، كما أكد التاريخ الإسلامي.
- •من المبشرات أن الإسلام دين يوافق الفطرة ويحمي الإنسان من الانحرافات المعاصرة.
مقدمة الحلقة التاسعة من برنامج المبشرات في رمضان
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامج المبشرات، البرنامج اليومي في رمضان مع فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. اليوم إن شاء الله الحلقة التاسعة، أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: كنا في ختام الحلقة السابقة ونحن نتحدث عن سنن الله في الكون، ووصلنا إلى أصول الفقه وسيدنا الإمام الشافعي والكتب التي كان يؤلفها، عليه رضوان الله.
بشرى بقاء الأمة الإسلامية أمة علم وحضارة عبر العصور
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. من مبشرات هذه الأمة أنها أمة باقية؛ كان من الممكن أن تفنى كما فنيت كثير من الأمم، كان من الممكن أن تنحصر ولا يؤمن بهذا الدين أحد من الناس إلا قلة.
لكن من المبشرات التي فرّح الله بها قلوبنا أن هذه الأمة الإسلامية أمة علم وأنها ما زالت أمة عَلَم، أنها أمة حضارة وأنها ما زالت أمة حضارة. صحيح أن نسبة العلو والانخفاض في تاريخ هذه القيادة والريادة والحضارة والعلم تختلف من عصر إلى عصر، لكنه باقٍ موجود.
وهذه هي البشرى، بشرى أن الله سبحانه وتعالى لم يُفنِ هذه الأمة ولم يُجهِلها ولم يجعلها عدمًا.
العالم لا يزال بحاجة إلى النموذج المعرفي الإسلامي
بالعكس، أنا في رأيي، وقد أختلف في ذلك مع كثير من المفكرين أو الراصدين أو غيرهم، أن العالم ما زال يحتاج إلينا، ما زال يحتاج إلينا معشر المسلمين، معشر المسلمين.
جميلٌ النموذج المعرفي الإسلامي، ما تكلم القرآن عن السنن الإلهية، المبادئ العامة القرآنية تحتاجها البشرية. البشرية الآن في أزمة، وهذه الأزمة تحاول البشرية أن تعالجها بالتي كانت هي الداء.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: يعني «وداوني بالتي كانت هي الداء».
مثال الخمر في مداواة الداء بالداء وإدمان الإنسان
الخمر عندما يشربها الإنسان يُقال إنه يُصاب بصداع وألم في الرأس، هذا الألم يسميه أهل اللغة الخُمار؛ لأنه آتٍ من الخمر، أي صداع ناتج من الخمر. ثم يقول لك: هذا الخمار كيف يزول؟ بالشرب مزيد، تشرب مزيدًا من الخمر.
أي عندما تشرب المزيد من الخمر -والعياذ بالله تعالى- لا تشعر بخمار الخمر.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: حتى يأتيك صداع آخر فتشرب ثانية، وبعد ذلك يدمن الإنسان، ويتلف كبده، ويذهل ويفقد عقله، ويزول مناط التكليف، يعني مصائب! لكن بلا شك هذا الخمر يُذهب الخمار.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فهو يعني، وهذا معنى قول الشاعر عندما تكلم بهذا الشعر: السكير «وداوني بالتي كانت هي الداء».
البشرية تداوي أزمتها بالداء نفسه كمثل شارب الخمر
هذا ليس دواءً أبدًا، هذا ليس دواءً، إنه بلاءٌ وليس دواءً. «بالتي كانت هي الداء» - فهو يعلم أن هذا داءٌ وأنه ليس دواءً، لكن لأن هذا الداء قد تمكّن منه وسبّب له الخمار فإنه استزاد من الداء ابتغاء أن ينهي هذا الداء نفسه.
وهذا هو الذي يعني أن هذا الفكر ليس جديدًا على البشرية. إن البشرية تطلب كما يقول فرويد: لكي لا تكون معقدًا اترك نفسك للشهوات، افعل ما شئت في الشهوات، حرية مطلقة.
مدارس ما بعد الحداثة والمفهوم الخاطئ للحرية والتفلت
كما أن هناك مدارس ما بعد الحداثة تقول لك: تعال، نحن جربنا الحرية قليلًا هكذا. الحرية في ماذا؟ الحرية في العلاقة بين الرجل والمرأة. لا، نحن نريد الآن أن نجرب الحرية في كل شيء.
هذه الحرية في الحقيقة هي ترجمة خاطئة للكلمات الأجنبية مثل الفريدوم أو الليبراليزم أو غيرها. ليست هذه حرية، بل هي تفلّت. ليست الحرية في لغة العرب معناها [التفلت من القيود]، الرجل الحر أو الإنسان الحر أي الكامل في الشهامة والنبل والفروسية وما إلى ذلك.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: وضد العبودية التي في رقٍّ وذلٍّ ومهانة.
الفرق بين نفسية العبيد وصفات الحر في العزة والمسؤولية
تكون نفسية تسمى نفسية العبيد، يشير إليها الجاحظ في كتبه ويتحدث عن نفسية العبيد. نفسية العبيد هذه فيها ذلٌّ، فيها مهانة، فيها تبعيةٌ، فيها استكانةٌ، فيها قبولٌ بالأدنى والدنية، وكل هذه ليست هي صفات الحُرِّ.
[المذيع]: نعم، جميل.
[الشيخ]: فيها عزةٌ وشموخ، فيها معاني المسؤولية، معاني العزة، معاني الكرامة، معاني أن يفعل الإنسان ما يشاء في حدود الالتزام. ولذلك قلنا إن الحرية والمسؤولية وجهان لعملةٍ واحدة، ولا أجور على حرية الآخرين، تقف حريتي عند حرية الآخرين. قالوا: حريتك حيثما ينتهي، حيث تنتهي أنفي.
قصة شكسبير عن حدود الحرية عند طرف أنف الآخرين
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: هذا الكلام قاله شكسبير.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: كان شكسبير جالسًا في الحديقة، وبعد ذلك جاء شخص وأشار بيده هكذا، فأدخل إصبعه في أنفه. فقال له: ما هذا؟ ماذا تفعل؟ لقد ضربت أنفي هكذا! فردّ عليه: أنا حر، أنا حر أتحرك. قال له: لا، حريتك تنتهي عند طرف أنفي، لا تأتِ هنا وتقول لي وتدخلها وتقول لي أنا حر، بعد ذلك لن تكون حرًّا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: هذا انفلات.
[المذيع]: صحيح، هذا انفلات.
دعوة أصحاب ما بعد الحداثة المتطرفة لإلغاء الأسرة والدولة والدين واللغة
فنحن الآن في حالة الانفلات التي يدعو إليها أصحاب ما بعد الحداثة، يقولون، يقول لك: ماذا يا سيدي؟ أنا أريد أن أطلق سراحي وأخرج من القيود. في صورها المتطرفة طبعًا؛ لأن بعد هذه الحداثة توجد مدارس كثيرة جدًّا، لكننا نتحدث عن مدرسة متطرفة قليلًا.
ما هي القيود؟ قال: أنا أريد أن ألغي الأسرة، وأريد أن ألغي اللغة، وأريد أن ألغي الثقافة، وأريد أن ألغي الدولة، وأريد أن ألغي الدين من حياة الإنسان. لا يريد أن يُبقي شيئًا، يعني يريد أن يُلغي كل شيء.
طيب، وما ينتج نتيجة ذلك؟ نصبح مثل الكائنات الحية الأخرى، البهائم يعني.
الإنسان المنفلت أضل من الأنعام ودعوة إلغاء الدولة والأسرة
حتى البهائم لها نظام.
[المذيع]: صحيح، نعم.
[الشيخ]:
﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَٱلْأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان: 44]
يعني هو أضل حتى من الأنعام. قلت له: كيف هذا؟ مهلًا، واحدة واحدة هكذا. أنت تريد أن... ما معنى أن تلغي الدولة؟ قالوا: إن الجمعيات غير الحكومية والمجتمع المدني يقوم بواجبه ويسيطر ويفعل ما تقوم به الدولة والحكومة، فلا تكون هناك حكومة، وإنما يكون هناك مجتمع مدني يسيطر على البلد ويسيّر شؤونها.
هذا يطعن في طاعة ولي الأمر، يعني يطعن في:
﴿أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ وَأُولِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]
فكرته أنه لا توجد دولة؛ لأن الدولة هذه ماذا تفعل؟ إنها شيء من السلطة، وهذه السلطة تحدّ من الإبداع، ونحن نريد الإنسان أن يكون مبدعًا.
إلغاء مفهوم الأسرة عبر تبديل مفهوم الجنس وإباحة الشذوذ
حسنًا، وماذا عن الأسرة؟ قال: إن فيها سلطة للأب والأم. قلنا له: حسنًا، وكيف ستنهيها؟ بأن نبدّل مفهوم الجنس والعلاقة الجنسية - جنس ذكر وأنثى، ذكر وأنثى - نجعله نوعًا اجتماعيًّا (جندر).
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فندخل فيه الشذوذ، والشذوذ حيث كل واحد يختار ما يريد؛ فيمكن لرجل أن يتزوج رجلًا، وامرأة أن تتزوج امرأة، ورجل يتزوج امرأة، ورجل يتزوج اثنتين، وامرأة تتزوج رجلين. يطلقون القيود.
يعني حسنًا، ماذا بعد؟ قالوا: لا نريد الثقافة والدين، لا يكونوا عبئًا علينا. وهؤلاء يعني نجحوا في القرن العشرين والتاسع عشر أن يزعزعوهم بشدة عند الناس.
جنون إلغاء اللغة وتبديل مفاهيم الزوج والزوجة
أما الأغرب فهو أنه يريد إلغاء اللغة، إلغاء اللغة! وكيف ستتفاهم الناس مع بعضها؟
[المذيع]: نعم، كيف؟
[الشيخ]: قلت: الله! يا أخي، كيف تلغي اللغة؟ قال: مَن الذي قال أن هذه زوجة وهذا زوج؟ أنتم، يعني أنتم من جئتم بها.
حسنًا، ولنفترض أننا لم نسمِّها الزوجة، فماذا سنسميها؟ ما الذي تريده هي؟ لنفترض أنها امرأة وتريد أن تقوم بدور رجل، أو رجل ويريد أن يقوم بدور امرأة، أو رجل ورجل ويريد كل واحد منهما أن يقوم بدور ماذا؟ ما هذا؟!
إنهم يهذون! مكانهم أساسًا في مستشفى الأمراض العقلية.
وصول الأمراض العقلية إلى قرارات الأمم المتحدة والحمد لله على نعمة الإسلام
لقد أصبحت هذه الأمراض العقلية لها صوت، وأصبحت لها أيضًا وجود في مسودات مؤتمرات الأمم المتحدة. وأصبح هذا الجنون الذي يجعلنا نرجع إلى أنفسنا ونقول: الحمد لله الذي جعلنا مسلمين، الحمد لله.
يعني عندما تطّلع على هذه الآراء طبعًا أنت قلت ماذا؟ هذا الجنون.
[المذيع]: صحيح، حتى وصلنا للغة.
[الشيخ]: دعنا لا نتحدث عن هذا، دعنا لا نتحدث عن هذا عندما لا تصل الأمور إلى قرارات. والقرارات اتُّخذت في مؤتمرات للأمم المتحدة. لا نتحدث في هذا ونهمله عندما يصدر من شخص منغلق.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: دعه يندثر هو وفكره، لكننا وصلنا إلى جوهر الأمم في العالم وقرارات خاطئة، وأصبحت الآن دعوة الشذوذ الجنسي تُعتبر من حقوق الإنسان، لا حول ولا قوة إلا بالله.
رد الشيخ على الوفود التي تعتبر الشذوذ من حقوق الإنسان
وتأتيني الوفود من أولئك المتحدثين عن حرية الأديان وما شابه ذلك، يأتون إليّ ويقولون: إن هذا الشذوذ من حقوق الإنسان.
[المذيع]: نعم، حسنًا سنرى يا مولانا، المختصون بحقوق الإنسان، بعد أن ننهي هذا الفاصل ونعود للحديث في هذا الأمر. فاصل، ونعود إليكم فابقوا معنا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل. برنامج المبشرات، البرنامج اليومي مع فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.
وصلنا يا مولانا في نهاية الفاصل الماضي إلى أن هذه الخزعبلات وهذا الهراء أو هذا الجنون وصل إلى أنه تُتخذ فيه قرارات في الأمم المتحدة، وتقول جملة لفضيلتك: الوفود عندما تأتي وتقول لي: والله إننا نريد أن نجعل الشذوذ من حقوق الإنسان؟
حقوق الإنسان المتفق عليها وليست الحقوق الوهمية المصطنعة
[الشيخ]: قلت لهم: لا، انتبهوا، حقوق الإنسان هي الحقوق المتفق عليها.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: أما الحقوق الوهمية التي تصنعونها هذه فليست حقوق إنسان أبدًا. ولابد عليكم أنكم ثلة قليلة أو مجموعة قليلة - الثلة كثر نسبةً إليكم - مجموعة قليلة.
قلة لا تتجاوز عدة مئات تتحكم في ستة مليارات.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: ستة مليارات يرفضون الشذوذ، وخمسمائة أو ستمائة يريدون [الشذوذ]. تُحكِّمون هذا في هذا؟ أيُّ عقلٍ هذا؟ ولا أيُّ منطقٍ؟ ولا أيُّ إنسانيةٍ؟ ولا أيُّ دينٍ؟ ولا أيُّ تاريخٍ؟ ولا أيُّ طبعٍ؟ ولا أيُّ شرعٍ؟ ولا أيُّ وضعٍ؟
تراث سدوم وقوم لوط ودعوة العصر الجديد بلا إيمان بالله
تعلمون أن في تراثهم سدوم، وعندنا نحن قوم لوط. لا، هم خلاص تركوا كل هذا، تركوا كل هذا. لا، بل أصبح هذا تراثهم ولا هم يريدون أن يفعلوا هذا.
إنهم يُنشئون «نيو إيج» (عصرًا جديدًا) ويريدون إنسانًا جديدًا؛ لأنه لا يوجد إيمان بالله. وما دامت قضية الألوهية والإله قد نُحّيت في أذهانهم، فانتظر منهم السواد وانتظر منهم كل مصيبة.
محاولة استغلال رفض الشذوذ ضد الإسلام والرد عليها
فهؤلاء الناس، واحد منهم قال لي: على فكرة، أنت كلما تجلس في مكان تقول إن الشذوذ ليس من حقوق الإنسان، وهذا يُؤخذ على الإسلام.
قلت له: ماذا تعني بـ«يُؤخذ على الإسلام»؟ قال لي: يعني ابحث لك عن شيء آخر غير الشذوذ تعترض به عليهم؛ لأنهم يستغلون حربك ضد الشذوذ ضدك، يستغلونها ضد الإسلام، أي ضدك أنت وضد الإسلام وضد كل الناس. يقول: انظر، انظر، هكذا المسلمون يريدون أن يقيّدوا حرية الإنسان، ظَلَمة نحن، أناس ظالمون.
[المذيع]: نعم.
وجوب التبشير بالإسلام وعدم السكوت عن الباطل والإجهاض والموت الرحيم
[الشيخ]: فإذا لم تُعدّ هذه الأمور، يجب ألا نسكت عليها أبدًا، بل يجب أن نبشّر بالمبشرات ونقول: الحمد لله الذي جعلنا مسلمين. انظر لك شيئًا آخر.
قلت له شيئًا آخر: أنا لن أرى شيئًا آخر وإن كانت موجودة. قال: ما هي؟ قلت له: الإجهاض، فهم ما زالوا مختلفين حول ما إذا كان الإجهاض من حقوق الإنسان أم لا. وكذلك الموت الرحيم، ما زالوا مختلفين في كونه من حقوق الإنسان أم لا، أن يطلب المرء من ممرضه أو طبيبه أن يميته.
واقعة الاتفاق على القتل وتسجيله في الشهر العقاري
أو الاتفاق على القتل، حدثت واقعة في [بعض البلدان] على القتل، أن يقتل شخص الآخر، وكتبوا عقدًا، فقتله. فقبضوا عليه وقالوا: أنت قتلت؟ قال: نعم، ولكن بموجب العقد، فنحن متفقان مع بعض ومسجّل في الشهر العقاري.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: صارت الأمور مهزلة وثقيلة على النفس. ولذلك عندما يتأمل المرء هذه الأمور ويرجع إلى نفسه، يقول: الحمد لله الذي جعلنا مسلمين.
بشرى التمسك بالعقل والفطرة السليمة والطهارة في مواجهة البلاء
هذه مبشرات فعلًا أنني ما زلت متمسكًا بميزة العقل الذي وهبني الله إياه، متمسك بـالفطرة السليمة، متمسك بالجمال والحلاوة والطهر والطهارة.
الحمد لله يا أخي الذي جعلنا مسلمين. فهذه بشرى لنا أننا ونحن ندرس هذه الأشياء وندرس هذا البلاء، وكنا نتحدث في السنن الإلهية.
ولماذا أنا ضد هذا البلاء؟ لأنه ليس من سنن الله. الله سبحانه وتعالى جعل من سننه في الكون الذكر والأنثى للإنجاب، والبثّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، وهذه المسائل لا جدال فيها.
الإيمان بالله والوحي وسنن الكون يمنع الانحراف عن الفطرة
فإذا كان هذا ضد سنة الله في كونه، فهل يوجد إله؟
[المذيع]: نعم، يوجد إله.
[الشيخ]: وهل يوجد وحي؟
[المذيع]: نعم، يوجد وحي.
[الشيخ]: وهل توجد سنة للإله في هذا الكون؟ نعم. أنا يعني لست مالك الكون، أنا عبد لله في هذا الكون.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: فهذه مبشرات، كلها تبشرني بأنني على الحق، تبشرني بأن ديني وفكري وعقلي وإيماني منعني من أن أكون بهذه الدناءة والسفالة التي فيها هذا الفكر المنحلّ الفوضوي العبثي الذي وصل إلى مرحلة لا يمكن السكوت عليها؛ إنقاذًا للبشرية وإنقاذًا للإنسان ممن أراد أن يقتل الإنسان أمام الله، ثم أراد أن يقتل الإنسان أمام الإنسان.
إباحة المخدرات والدعارة والقتل والشذوذ تحت دعوة العصر الجديد
[المذيع]: صحيح، إذن فلا توجد عبادة ولا عمارة ولا تزكية تحت دعوة العصر الجديد.
[الشيخ]: في أجزاء من الأرض أباحت المخدرات، في أجزاء من الأرض أباحت الدعارة، في أجزاء من الأرض أباحت القتل الرحيم أيضًا، حتى في بعض الدول الآن أباحوا القتل الرحيم. في أجزاء من الأرض أباحت الانتحار، في أجزاء من الأرض أباحت الشذوذ، في أجزاء من الأرض أباحت الإجهاض، في أجزاء من الأرض ما هذا؟
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: لقد أباحوها في القوانين نفسها.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: أباحوها في البنية الخاصة بمجتمعهم.
نعمة الدين الموافق للفطرة كطوق نجاة من الترهات والبلاء
إذن هذه من هذا من فضل الله عليّ ومما بشّرني الله به أن يعطيني دينًا يوافق الفطرة، دينًا سليمًا ينقذني، كمركب أركب فيه، طوق نجاة أتمسك به، ينقذني من هذه الترهات، من هذا البلاء وإن كثر، وإن أخذ شرعية عند بعضهم، وإن أخذ [قبولًا عند آخرين].
ومن قبل سيدنا رسول الله ﷺ قال:
قال رسول الله ﷺ: «أرأيت لو أن المنكر أصبح معروفًا والمعروف أصبح منكرًا؟» قال: «أو ذلك يكون يا رسول الله؟» قال: «وأشدّ منه يكون»
[المذيع]: صحيح، يا الله.
[الشيخ]: هذا أشدّ منه. وصحيح، ويأتي زمان نأمر بالمنكر وننهى عن المعروف، وننهى عن المعروف ونستحقر هذا المعروف وكذا.
الدين الإسلامي يبشر بالنجاة والصراط المستقيم ولا تكن إمّعة
فيأتي الدين الإسلامي ليبشرني بالنجاة.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: بأنه لا تخف، ها هو الصراط المستقيم أمامك، ها هو، ولا تخف.
[المذيع]: جميل. سيدنا النبي ﷺ أعطانا - بعد إذن فضيلتك -:
قال رسول الله ﷺ: «لا يكون أحدكم إمّعة يقول: إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت، ولكن وطّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا أن تجتنبوا إساءتهم»
هذا الحديث نحن نحتاجه في زماننا المعاصر.
حاجة البشرية إلى النموذج المعرفي الإسلامي لإنقاذها من الضياع
[الشيخ]: هذا الحديث يُشعرك بنفسك.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وبما قلته في هذه الحلقة أنّ الناس في حاجة إلينا.
[المذيع]: جميلٌ.
[الشيخ]: البلاء الذي هم فيه، لو أننا شرحنا لهم من نحن، وشرحنا لهم نموذجنا المعرفي، لكانت في هذه بشرى للبشرية، ولكان في هذا تسلية لهم، ولكان لهذا منجى، ملجأ، طريق ينفتح لهم؛ لأنهم قد أصبحوا في غاية الضياع عندما يعتقدون أنهم أصبحوا الآن في فوضى وأصبحوا في شتات.
ولذلك أنا أحب أن نعمل حلقة عن كل واحدة من هذه الأمور التي تكلمنا فيها. لقد عملنا حلقة عن السنن الإلهية، فلنعمل شيئًا عن المبادئ العامة، نعمل شيئًا عن منظومة القيم، ونعمل شيئًا عن المقاصد الكلية، ونعمل شيئًا عن القواعد الفقهية إن شاء الله.
ما معنى النموذج المعرفي الإسلامي وكيف يفكر المسلم
هذه الأمور حلقات، ونعمل حلقة عن النموذج المعرفي. ماذا يعني النموذج المعرفي؟ وماذا يعني أن الإسلام عندما يأتي ليشرحه لنا هكذا، من هو المسلم وكيف يفكر؟
[المذيع]: جميل، حسنًا هنا يا مولانا، وقت الحلقة تقريبًا قارب على الانتهاء، لكننا نريد أن نرجع لأن هذا السؤال مهم جدًّا في الفتن التي حدثت في بعض الدول، الفتنة التي يسمونها الفتنة الطائفية.
عندما تحدثنا عن سنة التدافع مع فضيلتكم يا مولانا في الآية التي تقول:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40]
هل هذه الآية معناها أنني كمسلم مكلف بحماية المعابد اليهودية والكنائس المسيحية أم أنني أهدمها؟ هل هذه مثل ما قال سيدنا الإمام الضحاك أن كلها أماكن يُذكر الله فيها؟
الواقع التاريخي لحفاظ المسلمين على دور العبادة وحادثة الكنيسة
[الشيخ]: أن كل [هذه الأماكن يُذكر فيها اسم] الله كثيرًا. الواقع التاريخي الذي نفّذه المسلمون أنهم حافظوا على كل هذا، حافظوا على كل هذا.
وفي حادثة في التاريخ تسمى حادثة الكنيسة، حادثة الكنيسة، وحادثة الكنيسة هي أن بعض اليهود بنوا معبدًا لليهود وكانوا يسمونه في ذلك الوقت كنيسة. فاعترض بعض المسلمين وحدثت فتنة وهجموا على هذا المبنى وهدموه.
فالحاكم وقف مع اليهود، والقاضي وقف مع اليهود.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وضرب المسلمين المعتدين على هذا المكان، وأصبحت معروفة في التاريخ بحادثة الكنيسة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وهرب فيها أقوام كثيرون من العلماء الذين اشتركوا في الفتنة، اشتركوا في الفتنة، اشتركوا في الفتنة ظانين أن هذه الأرض ليست ملكًا لليهود وأنهم اغتصبوها من المسلمين. قاضي الموضوع قال: لا، هذا ملك اليهود ولهم الحق فيها.
تعايش المسلمين والمسيحيين واليهود عبر التاريخ وحماية دور العبادة
كثير جدًّا من الأحداث كانت تتم هكذا. فما الذي نتج؟ الذي نتج أنه بعد كل هذه السنين الطويلة نجد أن المسيحيين واليهود والمسلمين يعيشون في مصر وفي المغرب وفي اليمن وكذا إلى آخره.
نجد معابد الهندوك ولا البوذيين ولا المجوس ولا شيء من هذا، وقال [النبي ﷺ]: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب»؛ لأنهم عندهم كتاب.
فإذن القضية هنا في منتهى الخطورة، ولكنها في منتهى الوضوح عندنا. سيدنا عمر أعطى مواثيق لبيت المقدس أنهم سيحافظون على صلبانهم وكنائسهم.
المواطنة ومراحلها وحرمة الهجوم على الكنائس شرعًا وفقهًا
الواقع الذي عشنا فيه حتى وصلنا إلى هذا الحال الذي نحن فيه من المواطنة، يعني أن الناس موجودة. والمواطنة هذه مرت طبعًا بمراحل، مرت بمراحل الرعاية، أي أنه دور رعاية.
[المذيع]: الحلقة نفذ [وقتها]، نحن يمكننا أن نتحدث في الحلقة القادمة يا مولانا، لكننا نستنبط من حلقة اليوم من كلام فضيلتكم أن الهجوم على الكنائس مثلما يحدث في بعض الأماكن ومحاولة حرقها، وهذا منهيٌّ عنه شرعًا.
[الشيخ]: طبعًا، ليس قانونًا فقط، هذا شرعًا. ويؤيد الحاكم هذا، وفعل الحاكم المسلم هذا، ودافع عن هذا الوجود شرعًا وفقهًا.
ختام الحلقة وشكر فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة
[المذيع]: اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة على هذا العلم وعلى هذا الجهد.
على وعد باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله، وإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، نلتقي غدًا إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
