مراد الله من الخلق | المبشرات | حـ 6 | أ.د علي جمعة - المبشرات

مراد الله من الخلق | المبشرات | حـ 6 | أ.د علي جمعة

24 دقيقة
  • يتحدث النص عن أسس الشريعة الإسلامية الثلاثة: العبادة والعمارة والتزكية.
  • العبادة تنظم العلاقة بين الإنسان وربه، فالله تعالى عرّف نفسه بأسمائه الحسنى وبيّن كيفية عبادته من خلال الصلاة والزكاة والصيام والحج والذكر.
  • العمارة تمثل علاقة الإنسان بالكون، حيث طلب الله من الإنسان تعمير الأرض بقوله: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها"، ونهاه عن الإفساد.
  • التزكية تمثل علاقة الإنسان بنفسه، وتعني تطهير النفس وتخليتها من القبيح وتحليتها بالصحيح.
  • هذه الأسس الثلاثة تتوافق مع الفطرة البشرية وتجيب عن الأسئلة الفلسفية الكبرى عن الإله والكون والإنسان.
  • الإسلام يجمع بين الوحي والوجود، ويقدم منظومة فكرية متكاملة تراعي مصادر المعرفة المختلفة: العقل والنقل والحس والشرع.
  • الإسلام ينتج العقلية العلمية المنفتحة ويرفض العقلية الخرافية دون إنكار للغيب.
محتويات الفيديو(26 أقسام)

مقدمة الحلقة السادسة من برنامج المبشرات وسؤال عن أسس الشريعة الإسلامية

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

حلقة جديدة من حلقات المبشرات، الحلقة السادسة، البرنامج اليومي مع فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: كنا في نهاية الحلقة الماضية، الحلقة الخامسة يا مولانا، كانت فضيلتك قد قلت لنا أن ننظر للتاريخ من منظور متكامل، وضربت لنا مثال أبي نعيم الأصفهاني وأبي الفرج الأصفهاني. كنا نريد أن نصل يا مولانا إلى سؤال حلقة اليوم، وهو: ما الأساسيات والأسس للشريعة الإسلامية التي هي عبادة الإله وتعمير الأرض وتزكية النفس، وعلاقة ذلك بالبشر؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بشرى لنا معشر الإسلام أن ربنا سبحانه وتعالى قد أمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، قد أمرنا بالإيمان ونهانا عن الكفر، قد أمرنا بالتزكية ونهانا عن الدنس. أمرنا ربنا سبحانه وتعالى بالمقدس ونهانا عن المدنس في كل شيء.

بشرى اتفاق دين الإسلام مع فطرة الإنسان وعدم التكليف بما لا يُطاق

فهذه بشرى؛ لأن هذا هو الذي يتفق مع فطرة الإنسان. فلما رأينا دين الإسلام قد اتفق مع فطرة الإنسان، عرفنا أن هذا بشرى من الله؛ حيث إنه لم يكلفنا إلا بما يتفق مع الفطرة، ولم يكلفنا بما لا نطيق، ولم يكلفنا إلا بالجمال والحلاوة.

فعندما يأمرنا بالإيمان فهذه بشرى. الحمد لله الذي جعل ديننا يجعلنا من المؤمنين لا من الملحدين ولا من الكافرين.

الأساس الأول للدين: العبادة وعلاقة الإنسان بربه وسورة الإخلاص ثلث القرآن

ربنا يقول:

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

ولذلك كانت العبادة والعلاقة بين الإنسان وربه أساسًا من أسس الدين. النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«إن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن»

وفي تفسير هذا: كيف تعدل سورة [الإخلاص] ثلث القرآن؟ أي أنها تعدل المحاور الثلاثة الأساسية التي نزل عليها القرآن.

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

هذا أول أساس وهو العبادة.

الأساس الثاني للدين: عمارة الأرض والاستخلاف والنهي عن الإفساد والتدمير

الأساس الثاني: العمارة. يقول ربنا:

﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]

فهو خليفة الله في أرضه من أجل أن يُعَمِّرها بالأمر. يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

وكلمة استعمركم تعني طلب منكم عمارة الأرض، أن تُعَمِّروها. جميل! فطلب العمارة أساس من أسس الاستخلاف، هو أمرنا بأن نُعَمِّر فيها، ونهانا عن الإفساد والفساد.

﴿وَلَا تَعْثَوْا فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60]

جميل! عمارة. فنستطيع أن نقول إنه أمرنا بالتعمير ونهانا عن التدمير.

تسمية الإنسان بنيان الرب وتحريم القتل وقصة ابني آدم

[المذيع]: نعم، ما هذا؟

[الشيخ]: ولذلك سُمي الإنسان بنيان الرب. هذا فيما أخرجه أبو الشيخ الأصفهاني أنه: لا تهدم بنيان الرب، يعني لا تقتل.

جميل؛ لأن هذا الجسم الله هو الذي خلقه، والله الذي خلقه مثل ماذا؟ مثل العمارة هكذا، مثل البنيان. ولذلك ممنوع أن تفسد في الأرض وذلك بالقتل.

جميل، قال الله تعالى:

﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْـَٔاخَرِ﴾ [المائدة: 27]

وقصّ لنا قصة القتل الأول الذي تجرأ فيه الإنسان على أن يقتل أخاه. قال الله وجعلها مصيبة من المصائب وكبيرة من الكبائر، وحمّل قابيل كل دم يجري بعد ذلك على حد قول النبي صلى الله عليه وسلم:

«من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من اتبعها إلى يوم القيامة»

﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]

الأساس الثالث للدين: تزكية النفس بالتطهير لا بالمدح

التزكية:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]

جميل، إذن:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾ [الأعلى: 14-15]

التزكية هي تزكية النفس، وهذا أمر جميل. تزكية النفس تعني تزكّى، أي طلب أن يزكي نفسه بأن يطهرها، لا بأن يمدحها.

﴿فَلَا تُزَكُّوٓا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: 32]

بمعنى لا تمدحوا أنفسكم، لكن هنا "قد أفلح من زكاها" يعني من طهّرها. جميل.

سورة الإخلاص ثلث القرآن والتوحيد وأسماء الله الحسنى وتفاصيل العبادة

وبذلك تكون هذه الثلاثة هي أسس القرآن، وبذلك تكون سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلث القرآن، وهي التوحيد أو عبادة الإله الذي هو تنظيم العلاقة بين العبد وبين ربه.

أما الرب فقد وصف نفسه بأسمائه الحسنى:

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]

وصف نفسه بحيث إنك تعلم من تعبد، وأمرك بأن تعبده، وبيّن لك كيف تعبده. فتكلم عن الطهارة، وتكلم عن الصلاة، وتكلم عن الزكاة، وتكلم عن الصيام، وتكلم عن الحج، وتكلم عن الذكر، وتكلم عن الدعاء، وتكلم عن النذر، وتكلم عن الكفارات التي يؤديها الإنسان حتى يكفر عن ذنبه.

تكلم عن العبادة وتكلم عن الأيمان وتكلم عن النذور إلى كل العبادة بالتفصيل التي تكلم عنها ربنا سبحانه وتعالى.

تحرير الإنسان من الشرك والرياء وتفصيل العمارة والتزكية

جميل، وقد حرر [الإسلام] الإنسان من الشرك ونهاه عنه بكل صوره الظاهرة والباطنة، حتى الرياء حرره منه، والنفاق وسوء الأخلاق، وكل ذلك من العبادة.

تكلم عن العمارة وكيف تُعمَر، فأمر ونهى. وتكلم عن التزكية فتحدث عن التخلية من كل قبيح والتحلية بكل صحيح.

إذا أصبح الأمر واضحًا: عبادة وعمارة وتزكية.

البشرى في علاقات الإنسان الثلاث مع ربه وكونه ونفسه وموافقتها للفطرة

فهذه بشرى لنا؛ لأن كل ذلك من ناحية العبادة في علاقة الإنسان مع ربه، ومن ناحية العمارة في علاقة الإنسان مع كونه، ومن ناحية التزكية في علاقة الإنسان مع نفسه.

وجعل [الله] القواعد والأسس والمبادئ والمناهج والأوامر والنواهي والقواعد ضابطة لكل هذا. هذا أمر موافق لفطرة البشر.

وهنا تأتي البشرى: بشرى أن أمرني [الله] بعلاقة بيني وبينه توافق الفطرة، وأن أمرني بعلاقة بيني وبين الكون توافق الفطرة، وأن أمرني بعلاقة بيني وبين نفسي توافق الفطرة.

بشرى أنه حتى هذه العلاقات الثلاثة هي العلاقات الواقعية، فالإنسان يرى بينه وبين نفسه، بينه وبين كونه، بينه وبين ربه.

الإسلام يجيب عن الأسئلة الفلسفية الكبرى: الإله والكون والإنسان

بشرى أن هذه هي الإجابة على الأسئلة الفلسفية الكبرى التي شغلت البشر. عندما نذهب لدراسة الفلسفة ونتعلم كيف يعظمون الفلاسفة والمفكرين، وأنه لا يوجد ما هو أبعد من ذلك.

ونسأل الفلاسفة والمفكرين: ما هي مشكلاتكم؟ يقولون: والله لدينا مشكلة كبرى تسمى مشكلة الإنسان، ومشكلة كبرى تسمى مشكلة الأكوان، ومشكلة ثالثة تسمى مشكلة الرحمن: الإله والكون والإنسان.

وأن هذه ثلاث مشاكل كبرى يجب على الفيلسوف أن يضع حلًا لها. سبحان الله، والحل موجود عندنا في الإسلام! حسنًا، الحل موجود عندي، فالحمد لله رب العالمين.

المسلم فيلسوف حقيقي والرد على من ينفي وجود فلاسفة عند المسلمين

إذن أنا فيلسوف حقيقي، فيلسوف لم ينتبهوا إلى هذه النقطة. يقولون لك: إنه لا يوجد فلاسفة عند العرب، لا يوجد فلاسفة عند المسلمين، إذ لا يوجد فلاسفة في العصر الحديث في عصر الفلسفة.

ماذا تريدون من هذه الفلسفة؟ هي عبارة عن تفكير في مشكلات. فما هي مشكلاتكم؟ الإله والأكوان والعالم - سموه العالم، حسنًا - والإنسان.

المشكلات الفلسفية الست: المنطق والأخلاق والجمال وتكوين المذهب الفلسفي

وهناك ثلاث مشكلات أخرى، ما هي؟ قالوا: طريقة التفكير المسماة بالمنطق، وقضية الخير والشر أو الحق والباطل، وقضية الجمال.

وبهذه الثلاثة مع تلك الثلاثة يتكون المذهب الفلسفي.

أقسام حكم العقل الثلاثة: الوجوب والاستحالة والجواز عند الشيخ الدردير

نقول لهم: حسنًا، لدي منطق أستطيع أن أضعه أمامكم، لدي قواعد للتفكير.

[المذيع]: أولًا، أقسام العقل عندي هي الوجوب والإمكان والاستحالة؟

[الشيخ]: حسنًا.

[المذيع]: لننتقل إلى الفاصل يا مولانا لكي نكمل، هؤلاء الثلاثة. فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا، فاصل ثم نواصل.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم، الحلقة السادسة من برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. تفضل يا مولانا، كنا توقفنا عند الفرق بين الفلاسفة وبين الإسلام؟

[الشيخ]: إننا نقول إن الدين الإسلامي أجاب على الأسئلة الكبرى عند الفلاسفة: الفلاسفة يتحدثون عن الإله، ويتحدثون عن العالم، ويتحدثون عن الإنسان.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: الإله تحدث عنه الإسلام بما لا مزيد عليه من الكلام، بأسمائه الحسنى، وبكيفية العبادة، وبالأوامر والنواهي الجزئية التي ترسم العلاقة بين العبد وربه.

إجابة الإسلام عن قضية العالم والتعمير وعلاقة الإنسان الفلسفية بالكون

تحدث [الإسلام] عن العالم وعن قضية التعمير، وعن أننا في هذا الكون قد أُمرنا بالتعمير لا بالتدمير، وكيف عن طريق الأوامر والنواهي وتحديد السقف المعرفي لنا مع هذا العالم.

فإننا قد حددنا علاقتنا الفلسفية مع العالم: أنه حادث، أنه ليس بقديم، أنه فانٍ، أنه مطية للآخرة، أنه فيه المقدس وفيه المدنس، وهكذا.

[المذيع]: نعم، جميل.

[الشيخ]: قضية ثالثة وهي قضية التزكية، علاقة الإنسان مع نفسه: التخلية من القبيح، والتحلية بالصحيح، والتجلي بكل الأسرار والأنوار التي منّ الله على فطرة الإنسان بها.

الفرق بين المذهب الفلسفي والاتجاه الفلسفي وإجابة الإسلام على الأسئلة الستة

إذن، هذه القضايا لنا فيها كلام في منطقة الحق أو الخير والجمال، وأيضًا لنا فيها كلام واسع وبكل تفاصيله.

جميل، يقول أصحاب الفلسفة: إنك إذا أجبت على هذه الستة تصبح مذهبًا فلسفيًا. يكون مذهبًا فلسفيًا إذا أجاب على بعض الأسئلة وترك بعضها؛ لأنك لا تريد الخوض فيها أو لأنك لا تعتني بها أو همّشت حالة، فيصبح اتجاهًا فلسفيًا.

هذا هو الفرق بين الاتجاه الفلسفي والمذهب الفلسفي: فالمذهب الفلسفي يكون قد أجاب عن الأسئلة الستة، بينما الاتجاه الفلسفي يكون قد أجاب عن بعضها وترك بعضها. نحن أجبنا عنها كلها، يمكنني أن أكوّن مذهبًا فلسفيًا، أي مذهب فلسفي إسلامي.

ميزة الإسلام في الجمع بين الوحي والوجود كمصدرين للمعرفة

مذهبي أصله قادم من عقلي. لكن مذهبك هذا قادم من الوحي. قلت له: لا، أنا عندي قراءتان، أنا أقرأ:

﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]

وأقرأ:

﴿وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [العلق: 3-4]

جميل، الوحي والوجود معًا. أنت معك الوجود فقط وجلست تلعب فيه، لكنني عندي الوحي والوجود معًا.

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ * عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1-4]

جميل، إذن أنا معي وحي ومعي وجود. هذا الوحي من عالم الأمر، وهذا الوجود من عالم الخلق:

﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]

فأنا معي في الإسلام لما أمرني بالعبادة والعمارة والتزكية وما إلى آخره، أنا أعرف أين تسكن هذه الأشياء.

بشرى موافقة الإسلام للعلم ولترتيبات ذهن الباحثين عن الحقيقة

وهذه بشرى جميلة. بشرى في أي شيء؟ بشرى أنها توافق العلم، توافق ترتيبات ذهن البشر وهم يبحثون عن الحقيقة.

فهؤلاء الفلاسفة يقولون لك: نحن نبحث عن الحقيقة. فأنا عندما آتي لأخاطبهم أقول لهم: وأنا معكم أبحث عن الحقيقة، لكنني أملك وحيًا يرشدني وأنتم لا تملكونه.

لدي شيء أريد عرضه عليكم: ما رأيكم في العلاقة بيني وبين ربي؟ ما رأيكم في العلاقة بيني وبين نفسي؟ ما رأيكم في العلاقة بيني وبين الكون؟ ما رأيكم في كلامي حول المنطق أو حول الجمال أو حول الأخلاق؟ الحق، الجمال، الخير، وهكذا.

فكل هذه القضايا أنا لي فيها رأي. رأيي موافق للفطرة، رأيي أيضًا موافق لترتيب الباحثين عن الحق. جميل، إذن أنا في بشرى جميلة.

أقسام حكم العقل الثلاثة: الوجوب والاستحالة والجواز في منظومة الخريدة للدردير

[المذيع]: كنت فضيلتك قلت لنا ونحن خارجون من الفاصل أن هناك شيئًا يسمى في العقل المدرك والممكن أو الإدراك والإمكان، وإلا فأقسام حكم العقل؟

[الشيخ]: لا محالة هي الوجوب ثم الاستحالة ثم الجواز ثالث الأقسام، فافهم مُنحت لذة الإفهام.

جميل، يعني هذا الشيخ من الذي يقول هكذا؟ الشيخ الدردير في الخريدة الخاصة بالتوحيد، التي كان الأطفال يحفظونها مثل الأغاني في وقتنا الحاضر.

[المذيع]: صحيح.

[الشيخ]: العقل لدينا ثلاثة أقسام في أحكامه: إما أن تكون الأشياء واجبة الوجود مثل الله سبحانه وتعالى، أو تكون مستحيلة الوجود مثل اجتماع النقيضين، أو تكون ممكنة الوجود مثل الخلق.

الإمكانية بين الوجود والعدم وتطبيقها على الأشياء في الكون

فالله قادر على أن يخلق وقادر على ألا يخلق، وبإمكانه أن يهدي من يشاء وأن يُضل من يشاء. هذه الإمكانية تتعلق بالوجود والعدم.

فالشيء قد يكون واجب الوجود، وقد يكون مستحيل الوجود، وقد يكون ممكن الوجود. عقلي يفهم هكذا بشكل صحيح، فهذا جميل.

إذن، ها هو الكلام موجود في الكون، موجود في الوجود والأشياء. الأشياء لا تخرج عن هذه الأمور الثلاثة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: وفي علل الأشياء وهكذا. وقد بُنيت على هذه الأمور علوم عديدة، فبُني على ذلك علم الكلام، وبُني على ذلك علم المنطق، وبُنيت على ذلك الحكمة العالية والمتعالية تبحث عن الوجود والعدم.

انفتاح المسلمين المعرفي ودراسة البيروني لحضارة الهند ومقارنتها بالوحي

بنى المسلمون علومًا من هذا ولم يقصروا أنفسهم على شيء واحد ولا كذا، فتحوا نسقًا مفتوحًا.

دخلوا الهند فألّف البيروني كتاب [تحقيق ما للهند من مقولة مرذولة في العقل أو ممدوحة في العقل أو مرذولة] لكي يوازن مع تحقيق ما للهند من مقولة. دخل ودرس، سمع ولخص وفهم وعرض وقوّى، وقال: هذا ممدوح وذاك مرذول.

جميل، دخلنا يقارن الآراء البشرية بالوحي الإلهي، بالوحي الإلهي، ويأخذ هذا مسموح به نقبله، وذاك مرذول لا نريده.

تعامل المسلمين مع منطق أرسطو بالتنقيح والإضافة وجعله آلة قانونية لضبط الفكر

دخلنا على أرسطو في الأرغانون الكبير وترجمناه وأخذنا المنطق الخاص به، ورأينا أنه مقسم إلى تسعة أقسام، فحذفنا منه وأضفنا إليه دلالات الألفاظ والموجهات، وقدَّمنا وأخَّرنا، وأخذنا منه الخلاصة التي يتفق معها ضبط تفكير البشر، ورفضنا الباقي.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: وجعلناه آلة قانونية تضبط مراعاتها الذهن عن الخطأ. ونسبة المنطق للجنان كنسبة النحو إلى اللسان.

جميل! عملنا علم النحو لكي يضبط اللسان ونعرف الفاعل من المفعول والمرفوع من المنصوب، وعملنا علم المنطق ولم ننفِ أنه قادم من أرسطو، لكي نجعله آلة قانونية تضبط مراعاتها الذهن عن الخطأ.

نسبة المنطق للتفكير كنسبة النحو للسان والرد على من حرّم المنطق

جميل! وقال هذا الكلام في بيت من السُّلَّم: "ونسبة المنطق للجنان [للتفكير] كنسبة النحو إلى اللسان". فهو جميل؛ إذ إن هذا يضبط الفكر وذاك يضبط المفاصل [اللغوية].

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: وعندما أتى شخص واطلع على كلام أرسطو الواسع في الأرجانون، قال: ما هذا الكلام الفارغ؟ هذا كلام فارغ، إنه كلام مخالف للواقع.

[المذيع]: نعم، وفيه خيالات كثيرة.

[الشيخ]: فذهب وقال: إنه حرام أن نفعل [أي ندرس المنطق]. فقالوا له: لا، انتبه، الحرام هو الكلام الفارغ الذي تتحدث عنه، لكن الثاني هذا [المنطق المنقّح]... وابن الصلاح والنووي حرّمه.

القولة الصحيحة في جواز المنطق لكامل القريحة الموافق للسنة والكتاب

وقال غيرهم: يجب أن يُعلَم. والقولة الصحيحة الشهيرة: "جوازه لكامل القريحة، موافق السنة والكتاب، ليهتدي به إلى الصواب".

يعني انظر هؤلاء العلماء، لم يُلقوه [المنطق]، أخذوه ونقحوه. ما حدث [أن ابن الصلاح] اطّلع على مشكلات فيه وصوريته وإغراقه في هذه الصورية ومنعه للبحث العلمي ومنهاجه، قال: هذا حرام.

قالوا له: لا، كلمة حرام ستُغلق كل شيء وسترمي كل شيء. لا، لن نرمي كل شيء. القولة الشهيرة الصحيحة: "جوازه لكامل القريحة"، للذكي الذي لن يأخذ الشيء العبثي هكذا، "موافقًا للسنة ليهتدي بها إلى الصواب".

يعني إذا أنا وضعتُ معيارًا لي وهو السنة والكتاب، أخذتُ وزدتُ، نقصتُ قدّمتُ وأخّرتُ وأضفتُ بما يوافق اللغة العربية، وجعلتُ هناك منطقًا فعليًا يُهتدى به إلى الصواب، وهو المتفق عليه بين العقلاء، بحيث ألا نصل إلى الشغب ولا إلى الصورية ولا إلى هذا الكلام.

بشرى إنتاج الإسلام للعقل المنفتح ونفي العقلية الخرافية التي تنكر الغيب

هذه بشرى أن ينتج الإسلام العقل المنفتح، ينتج الإسلام العقلية العلمية وينفي العقلية الخرافية.

ومن ضمن العقلية الخرافية أن تنكر الغيب؛ لأن الغيب هذا واقع لكنني لا أدركه. هناك ملائكة وجن، فإنكارك للملائكة وللجن ولكل غيب بدعوى العقلية العلمية - وهو ما حدث بعد ذلك عندما اقتصروا على مصدر واحد من مصادر المعرفة وهو الوجود - عندما أنكروا ذلك فقد وقعوا من حيث لا يدرون في العقلية الخرافية.

[المذيع]: نعم، أنكروا أشياء موجودة وإن كانت لا أراها بعيني مثلًا.

[الشيخ]: نعم، فهذا ليس عقلًا.

تعدد مصادر المعرفة بين الحس والعقل والشرع والنقل وعدم التضييق على الفكر

لا، هذا فيه جملة علمية. هذه الجملة العلمية قد يكون مردها إلى الحس، وقد يكون مردها إلى العقل، قد يكون مردُّها إلى علوم أخرى مثل الرياضيات، وقد يكون مردُّها إلى الشرع، وقد يكون مردُّها إلى النقل مثل علوم اللغة.

إذن، الجملة المفيدة ليست من جنس واحد، بل بعضها مردُّه إلى العقل، وبعضها مردُّه إلى النقل، وبعضها مردُّه إلى الحس، وبعضها مردُّه إلى الشرع، وبعضها مردُّه إلى [مصادر أخرى] وهكذا.

جميلٌ، فهذا دينٌ لم يُضيِّق عليَّ كما ضيَّق العلمُ التجريبيُّ على أهله بأن جعلهم ينكرون غير المحسوس. هذه مصيبةٌ سوداء.

[المذيع]: صحيح.

[الشيخ]: فلماذا يُنكِر المرءُ معقولًا كثيرًا ويُهدِر نقلًا كثيرًا، ويُهدِر تجربةً إنسانيةً واسعةً منقولة؟

خاتمة الحلقة السادسة والحمد لله على نعمة الإسلام والانتماء لهذه الحضارة

ولذلك فالحمدُ لله الذي جعلنا مسلمين، والحمدُ لله الذي جعلنا ننتمي إلى هذه الحضارة، والحمدُ لله، الحمد لله الذي بشرنا بكل هذا، الحمد لله رب العالمين.

وبهذا الحمد لله سبحانه وتعالى أن جعلنا مسلمين ومؤمنين ومنتمين لهذه الحضارة.

[المذيع]: نختم هذه الحلقة السادسة ونواصل إن شاء الله في الحلقات القادمة مع مولانا الدكتور علي جمعة، نواصل الحديث عن المبشرات وعن سنن الله مثل سنة التدافع في الكون، ثم نتحدث عن صفات الموعودين بنص الله سبحانه وتعالى إن شاء الله.

إلى لقاء في الحلقات القادمة، نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.