التقوى | المبشرات | حـ 15 | أ.د علي جمعة - المبشرات

التقوى | المبشرات | حـ 15 | أ.د علي جمعة

23 دقيقة
  • التقوى مشتقة من الوقاية وتعني حماية النفس من محارم الله والمخالفات الشرعية.
  • عرّف سيدنا علي التقوى بأنها: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
  • شبّه أُبَيّ بن كعب التقوى بمن يسير في طريق ذي شوك، فيشمر ثوبه ويحذر مواضع الشوك، فلا يستصغر ذنباً.
  • الصيام يعين على التقوى لأنه يساعد على ضبط النفس من الطعام والشراب والشهوات واللسان والغضب.
  • رمضان فرصة عظيمة لاكتساب التقوى بما فيه من عبادات كالصيام والقرآن والتراويح والاعتكاف.
  • هناك ارتباط وثيق بين القرآن والليل، وذلك أن القرآن نزل ليلاً وأمر بقراءته ليلاً.
  • تتجلى التقوى في السلوك اليومي للمؤمن بمحاسبته لنفسه عند كل فعل.
  • المتقون لهم البشرى والكرامة عند الله، فالله مع الذين اتقوا، وأكرم الناس عند الله أتقاهم.
  • التقوى سبيل للوحدة، فالمتقون يضع بعضهم أيديهم في أيدي بعض ويكونون مع الصادقين.
محتويات الفيديو(26 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن التقوى

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.

[المذيع]: في الحلقة الماضية يا مولانا استمتعنا بعلم حضرتك، فضيلتك أوضحت لنا الفرق بين الخشية والرجاء، وكنا نريد أن نتطرق منها إلى التقوى، ونحن نعلم أن رب العزة تبارك وتعالى يقول:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]

في شهر رمضان، شهر التقوى، نريد أن نتحدث عن التقوى بعد أن أكملنا الخشية والرجاء. تفضل يا مولانا.

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. لدينا تراث كبير من كلام السلف الصالح من الصحابة الكرام ومن بعدهم في قضية التقوى.

الاشتقاق اللغوي لكلمة التقوى من الوقاية ومعناها

والتاء هنا هي بدل عن واو، بدل عن واو، نعم، مثل وراث أصبحت تراث، ووراث أصبحت تراث، مثل وجه فأصبح وجاه، أصبح اتجاه. وهنا وقى يعني حمى وحفظ، أصبحت تقاة:

﴿إِلَّآ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَىٰةً﴾ [آل عمران: 28]

فالتقوى في الحقيقة آتية من الوقاية، آتية من الوقاية. فتقي ماذا؟ اتقِ محارم الله، واتقِ ماذا؟ اتقِ المخالفة.

تعريف سيدنا علي بن أبي طالب للتقوى بأربعة أركان

طيب، لنذهب هكذا لسيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه رضي الله عنه، وهو يقول في إحدى خُطَبِه: التقوى هي الخوف من الجليل سبحانه وتعالى، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.

ما شاء الله، فانظر كيف أن الخوف من الجليل يكون إيمانًا بالله، والعمل بالتنزيل يكون إيمانًا برسوله وكتابه والتكليف والالتزام وطبّق بالعمل الصالح.

الرضا بالقليل وتخلية القلب من الدنيا كركن من أركان التقوى

والرضا بالقليل، وهنا يعني خلّى قلبه من الدنيا وطلقها ثلاثًا لا رجعة فيها، أو لعله لاعنها؛ لأن المطلق الثلاث يرجع لها بعد أن تنكح زوجًا غيره، لكن الملاعنة لا يرجع إليها أبدًا ولو تابوا. صحيح، ولو اعترفوا لا توجد فائدة، خلاص لا يوجد رجوع أبدًا، مثل المؤبد هكذا.

نعم، والاستعداد ليوم الرحيل يعني أنه مؤمن باليوم الآخر، يؤمن بالحساب والعقاب وما إلى ذلك. الإيمان بالله وبرسوله وكتابه وتكليفه، والإيمان باليوم الآخر.

أركان التقوى الثلاثة تجيب عن الأسئلة الكبرى التي حيرت البشرية

هذه الأركان الثلاثة تجيب للمؤمن في الدنيا عن الأسئلة الثلاثة الكبرى التي حيرت البشرية: من أين نحن؟ وماذا نفعل هنا؟ وماذا سيكون غدًا؟ الماضي والحاضر والمستقبل.

واضح، الماضي: ربنا خلقنا. الحاضر: نحن مكلفون وها هو الرسول وها هو الكتاب وها هو التكليف بشكله. والمستقبل: بعد الموت سنرجع فيه إلى يوم للمحاكمة، للدينونة، يوم الدين، حساب، عقاب أو ثواب.

وهذه الثلاثة تؤثر في سلوك المؤمن، نعم، وليست في معزل عن سلوكه اليومي.

أثر التقوى في السلوك اليومي والمبادرة بالتوبة عند المعصية

فكلما أردت أن أفعل شيئًا أسأل: هل هي حلال أم حرام؟ أأحجم أم أقدم؟ أأهجم عليها وأفعلها أم أتراجع؟ أحيانًا تدفعني شهوتي أو خجلي أو مصلحتي إلى فعل شيء، ثم أعرف أنه حرام، أو كنت أعرف أنه حرام فأبادر بالتوبة.

قال النبي ﷺ: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون»

﴿وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]

ويحدث لي نوع من أنواع السؤال عن الأحكام الشرعية اختصت به أمة الإسلام.

تميز أمة الإسلام بالسؤال عن الأحكام الشرعية دون سائر الأمم

السؤال عن الأحكام الشرعية، لا توجد أمة في الأرض تسأل عن الأحكام الشرعية على فكرة. قد تسأل عن بعض الأحكام النفسية، وتسأل عن بعض النصائح الاجتماعية، لكن عن الأحكام الشرعية للأفعال البشرية، ليس هناك أمة في الأرض الآن تسأل عن الأحكام سوى المسلم.

ولذلك اهتم ربنا جدًا بهذا، وأنزل لنا سورة تعلمنا كيف نسأل ومن نسأل ومتى نسأل، وهي سورة البقرة، وسماها البقرة حتى لا نسأل كما سألوا في قصة البقرة، وإنما نمتثل للأمر بدرجاته وتدرجاته.

ثم صرح لنا تصريحًا وقال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 101]

التقوى شرط لانتفاع المؤمن بهداية القرآن الكريم

إذن فأنا الآن أمام هذه الصفة وهي التقوى التي يجب على كل مؤمن أن يتصف بها حتى يدخل في البشرى، أي بشرى؟ بشرى أن:

﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]

فإذا لم أُدخل نفسي في دائرة التقوى فلن يكون القرآن هدى لي. وأنا أريد القرآن أن يكون هدًى لي، نعم؛ لأنه بيان للناس وهدى. فأنا أريد أن أتبين مراد الله سبحانه وتعالى من غير عناء ومن غير تشقيق أسئلة وما إلى ذلك، كما حدث في قصة البقرة، وإنما بسهولة ويسر.

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]

التقوى سبيل التعلم وانفتاح البصيرة على القرآن بيسر

كيف أصل إلى هذه النقطة؟ نعم، بالتقوى. كُن تقيًا:

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]

ما شاء الله، انظر كيف أن التقوى ستجعلني أتعلم، والعلم سيفتح بصيرتي على القرآن، والقرآن سيجعل الأمور متزنة وواضحة وسهلة وميسرة، ليس فيها ضيق.

﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: 78]

حسنًا، هذه التقوى عند سيدنا علي واضحة المعالم وأجابت لنا عن الأسئلة الثلاثة الكبرى التي حيرت البشرية.

حوار سيدنا عمر مع أُبَيّ بن كعب في تعريف التقوى بمثال الشوك

سيدنا عمر كلّم سيدنا أُبَيّ بن كعب، وكان قارئًا للقرآن، وكان سيدنا رسول الله يخصه ويُعلي مرتبته في الإمامة في قضية القراءة. فكان سيدنا عمر يحبه. يا أُبَيّ، ما التقوى؟

قال له: أسرت في طريق فيه شوك؟ قال له: سرت. فقال له: ماذا فعلت؟ هذا الشوك طبعًا يمكن أن يكون مثل الإبرة، ويمكن أن يكون تكوينة كبيرة مثل الصبار، مثل الأشواك التي توجد في البادية.

فماذا فعلت؟ قال له: شمرت عن ثيابي حتى لا تمسك كرة من هذا الحسك أو تشتبك في الثوب من الأسفل وتصبح مشكلة تمزق الثياب وتجرح الجسم.

التقوى هي الانتباه والحذر من المعاصي كالسائر في طريق الشوك

حقًا، قال: شمرت عن ثيابي وحذرت ما أرى، فأصبح يضع قدمه في المكان الخالي من الشوك؛ لأنه يراقب موضع الشوك. أين هي الشوكة؟ ها هي، حتى لا تصيب قدمي فأبتعد عنها. حقًا، وحذرت مما أرى.

نعم، قال: هذه هي التقوى. ما شاء الله، وأنت سائر في طريق الله سبحانه، معنى الكلام أنه وأنت سائر في طريق الله سبحانه وتعالى، انتبه جيدًا:

﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: 71]

﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: 28]

انتبه، أي تقوى.

التقوى انتباه من المعصية والمحافظة على الطاعة وعدم استصغار الذنوب

فالتقوى بمنتهى البساطة هي أن تنتبه، الإنسان ينتبه. حسنًا، أنتبه من ماذا؟ انتبه أن لا تقع في المعصية، انتبه أنك لا تستصغر ذنبًا صغيرًا، انتبه أن تحافظ دائمًا على الطاعة، انتبه بأن المعاصي كلها من شُعَب الكفر والطاعات كلها من شُعَب الإيمان.

ما شاء الله، وأخذ ابن المعتز هذا المعنى، ابن المعتز هذا شاعر، نعم، قال:

خلِّ الذنوب كبيرها وصغيرها، ذاك التقى

أبيات ابن المعتز في التقوى والتحذير من استصغار الذنوب الصغيرة

سيدنا أُبَيّ بعد أن قال له [عمر: ما التقوى؟ وأجابه بمثال الشوك]، يعني هكذا: خلِّ الذنوب كبيرة وأنت في طريق الله، خلِّ الذنوب كبيرها وصغيرها ذاك التقى.

واصنع كماشيٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرنّ صغيرة، إن الجبال من الحصى

الحصاة تصنع جبلًا، ستصنع جبلًا. وابن المعتز في بيته الأخير صار مثلًا: لا تحقرنّ صغيرة، إن الجبال من الحصى. صحيح، فمستصغر النار، معظم النار من مستصغر الشرر، يقولون هكذا في الأمثال.

فلا تقل هذه صغيرة وهذه صغيرة وهذه صغيرة وهذه ماذا تعني وهذه، هذه ليست تقوى. لا، بل يجب أن تكون حريصًا على نفسك، أي مثل الشوك لا أقوم بتنقية الكبيرة منها وأبعدها عني وأدع الصغيرة تدخل في قدمي.

عودة من الفاصل واستكمال الحديث عن التقوى وعلاقتها بالصيام

[المذيع]: حسنًا، سنذهب إلى الفاصل يا مولانا ونعود لنستكمل هذا الحوار الممتع. فاصل، نعود إليكم فابقوا معنا.

بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من حلقات المبشرات مع فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. نتحدث عن التقوى.

كنا يا مولانا في نهاية الجزء الأول نتحدث عن التقوى، أن أتقي الأشواك الكبيرة والصغيرة، لا أقول أتجنب الأشواك الكبيرة وأترك الصغيرة تدخل في قدمي، بل سأبتعد عن الصغيرة وعن الكبيرة. هذه الحالة هي: لا تحقرنّ صغيرة، إن الجبال من الحصى.

هذه الحالة التي فيها محاولة لأن أتغلب على الصغير والكبير من الذنوب والمعاصي، ما علاقتها بالصيام؟ لأننا في أول الحلقة تحدثنا عن الآية:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]

فما علاقة التقوى هنا بكتابة الصيام؟

[الشيخ]: الصيام في الحقيقة ماذا يفعل؟ يساعدني في السيطرة على نفسي.

الصيام يساعد على السيطرة على النفس بضبط اللسان والشهوة والغضب

تعني أنني امتنعت عن الطعام وكففت عن شهوة الفرج وأمسكت لساني عن اللغو والغيبة والنميمة والكذب، ومن باب أولى شهادة الزور التي هي من الكبائر.

فقد ضبطت لساني وتحكمت في طعامي وشرابي وقيدت شهوتي، وأيضًا سيطرت على النفس السبعية التي تتصرف مثل السبع [الأسد]، تلك التي تغضب؛ لأنه قال:

قال النبي ﷺ: «لا تغضب ولك الجنة»

ما شاء الله عليه الصلاة والسلام. أمسكت لساني أن أسب أحدًا، فهذا هو الصيام هكذا.

الصيام لجام النفس يمنعها من الجموح ويساعد على التقوى بشروطه

ولذلك فهذا الصيام هو اللجام الذي أمسك به فرس نفسي، الفرس التي أنا راكبها هي نفسي، أنا عاملٌ لها لجامًا لكي لا تجمح به، لا تجمح بي ولا تجري بي ولا تسقطني من على ظهرها وأكون أنا الخاسر.

فهذا يساعد على التقوى، فالصيام يساعد على التقوى. متى يساعد على التقوى؟ إذا استوفى شروطه وأركانه. ما شاء الله.

ما هي الأركان؟ أن يكون خالصًا لله، فتكون هناك نية، وأن يكون هناك إمساك لشهوتي البطن والفرج، هذه هي الأركان.

شروط الصيام المقبول ومراعاة اللسان والغضب مع الأركان

أما شروطه فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم، إني صائم.

قال النبي ﷺ: «رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش»

نعم، إذا أنا أُمرت أن أكون من الصائمين الذين يراعون لا أركان الصيام فقط، بل أيضًا أراعي لساني وأراعي غضبي وأراعي مع ذلك شهوتي، وكلامي كله يُضاف إلى هذا.

العبادات المصاحبة لرمضان من التراويح والقرآن والذكر والدعاء

العبادات التي هي مع رمضان: التراويح، هذه التراويح فيها قيام لليل، وفيها قراءة للقرآن وتدبر له، وفيها ذكر. وما يحدث بين كل ترويحة وترويحة من درس علم، من ذكر لله سبحانه وتعالى، أو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، من طواف إذا كان بجوار الكعبة المشرفة، من دعاء.

كل هذه عبادات. التمتع، ليس معنى التقوى هو الحرمان، بل إن هناك تمتعًا بنعم الله علينا. فنرى ذلك في تعجيل الإفطار، ونرى ذلك في أنه لا بد وينبغي على الإنسان المسلم أن يتسحر في السحور ولو أن يتجرع جرعة ماء، ولو أن يتجرع جرعة ماء، وأن هذا السحور هو الذي يعينه. كل هذا إعلان للتمتع بنعم الله سبحانه وتعالى.

العلاقة العجيبة بين القرآن والليل في آيات متعددة

هذا شهر القرآن، والقرآن يحب الليل، القرآن يحب الليل، يحب الليل في السكون هكذا والهدوء أبدًا. لقد ربط الله بين القرآن وبين الليل لسرّ:

﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 3-4]

﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ * وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ [القدر: 1-2]

﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]

ما شاء الله، ما هي القصة؟ هناك ارتباط، نعم:

﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ۝ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ۝ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ۝ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المزمل: 1-4]

ما هذا؟ ما علاقة الليل بالقرآن؟

اكتشاف سر العلاقة بين القرآن والليل بالتجربة والتهجد

هذه العلاقة العجيبة الغريبة التي تنتهي بقرآن الفجر الذي هو مشهود من الملائكة الذين ينزلون بالليل والنهار معًا. صحيح:

﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: 79]

نعم، ومن الليل فتهجد. إذا كان القرآن قد نزل ليلًا، وقُرئ ليلًا، وأُمِرَ بقراءته ليلًا، فهناك علاقة بين القرآن والليل.

وإذا سألني أحدهم: قل لي ما هذه العلاقة بالضبط؟ فأقول: هذه العلاقة يكتشفها كل شخص بنفسه، يكتشفها عندما يمارس هذا الأمر ويتهجد بالقرآن بالليل، ويتهجد ويقرأ القرآن بالنهار ويرى الفرق، ثم يرى كيف هو الفرق، ثم يرى أثر هذا. هو عمل إذن.

نعم صحيح، هذه لا نستطيع أن نحصرها، الأسرار مرتبطة بالأنوار. ما شاء الله.

تجربة قراءة القرآن بالليل تثبت الإيمان وتكره الكفر والعصيان

ما دام هناك شيء هكذا في القرآن ما بين الليل وبين القرآن، فإننا نجرب هذا وكلٌّ منا يفتح الله عليه من عنده ما يثبت به الإيمان في قلبه، وما يحبب به الإيمان في قلبه، وما يكره به الكفر والفسوق والعصيان، وهذا يجعله من الراشدين.

هناك علاقة بين القرآن وبين الليل، هذه العلاقة تظهر في رمضان. فرمضان الحقيقة في صيامه وفي قرآنه وفي عباداته وفي ذكره، وهو الزمان الذي تُصفد فيه الشياطين فيُترك الإنسان مع نفسه.

رمضان يشتمل على ليلة القدر والاعتكاف الذي يشبه خلوة غار حراء

وهو الزمان الذي اشتمل على ليلة هي خير من ألف شهر في العشر الأواخر من رمضان أو في الوتر منها. وهو الزمان الذي اشتمل على سُنّية الاعتكاف.

والاعتكاف هذا مثل الخلوة التي كان يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حراء، ولكن بطريقة تتسق مع وضعية صلاة الجماعة، نعم، وصلاة الجمعة. يعني الاعتكاف لم يقل له اذهب وابحث لك عن غار وكهف واجلس فيه؛ حتى لا يُحرم من ثواب الجماعة ولا يُحرم من فريضة الجمعة.

فضل العمرة في رمضان كحجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

فالاعتكاف والتراويح والقرآن وخاصة بالليل، وشهر القرآن والصيام الخاص به، مع ما في ذلك كله من ذكر، مع ما في هذا الفضل من زمن، يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة التي جاءت تبكي حالها وفوات الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال النبي ﷺ: «عمرة في رمضان كحجة»

وفي رواية للنسائي:

«كحجة معي» عليه الصلاة والسلام

كأنك حججت مع الرسول عليه الصلاة والسلام، كأنها حجت مع سيدنا رسول الله، وما أدراك ما الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

خلاصة العلاقة المتينة بين التقوى وشهر رمضان بعباداته المتنوعة

نخلص من هذا كله بحقائق وهي أن هناك علاقة ما بين التقوى وما بين شهر الصيام جميلة، وأن هذه العلاقة علاقة متينة تتمثل في ذات الصيام وفي القرآن وفي الليل [التراويح] وفي الاعتكاف وفي العمرة وفي كل هذا.

فهو شهر خير صُفِّدت فيه الشياطين. من صفات المؤمن الذي يريد أن يعرض نفسه للتقوى حتى يعرض نفسه لنصر الله وللدفاع عنه باعتباره من المؤمنين للبشرى، من هذه الصفات أن يعرض نفسه للتقوى، وشهر رمضان أحسن وقت يبدأ فيه هذا القرار في إدخال نفسه في المتقين.

التقوى سبيل المعية الإلهية والكرامة والوحدة بين المؤمنين

[المذيع]: ولدينا يا مولانا آيات كثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]

وأن ربنا سبحانه وتعالى قال لنا:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ [الحجرات: 13]

يعني المعية والكرم والجنة أُعدت للمتقين. فإذن التقوى يا مولانا هي من أعظم الصفات التي تخص الجيل المستحق لنصر الله.

الذي هو: ربنا يقول:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَكُونُوا مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119]

وكونوا مع الصادقين، لم يقل من الصادقين.

[الشيخ]: نعم، فالتقوى هي السبيل للوحدة؛ لأن الإنسان عندما يكون تقيًا، ثم بعد ذلك يضع يده في يد إخوانه من الأتقياء، وكما قالوا: الطيور على أشكالها تقع، فإنه يكون مع الصادقين.

والوحدة هي أساس القوة:

﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]

فالاعتصام بحبل الله والوحدة من شأن وعلامات قبول التقوى، ومن علامات استقرار التقوى في النفوس.

ختام الحلقة والشكر لفضيلة الشيخ علي جمعة والوداع

[المذيع]: اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، ونشكر العاملين في البرنامج. على وعد باللقاء إن شاء الله في حلقات قادمة من برنامج البشارات.

إلى ذلك الحين، نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله.