قضية التعددية والحرية والدعوة | المبشرات | حـ 10 | أ.د علي جمعة
- •الإسلام يتميز بنموذج معرفي واضح يقوم على التعددية والحرية والدعوة، فلا إكراه في الدين.
- •العلاقة الأساسية بين المسلمين وغيرهم هي الدعوة، وليست الحرب أو السلم، والحرب قد تنشأ لتأمين حرية الدعوة.
- •المسلم يؤمن بأمتين: أمة الدعوة وتشمل البشرية جمعاء، وأمة الاستجابة وهم المسلمون.
- •يمكن للمسلم أن يرى غير المسلم إما أخاً له في الدين أو مساوياً له في الإنسانية.
- •الدعوة تكون بالقول (بالكلام) وبالحال (بالسلوك والقدوة)، وقد انتشر الإسلام في أفريقيا وجنوب آسيا بفضل أخلاق التجار المسلمين وأمانتهم.
- •من صفات جيل النصر المنشود: الرحمة والكرم والقوة والعلم.
- •الرحمة أساس وأشمل من الحب، فهي تُمنح دون انتظار مقابل وتشمل جميع المخلوقات.
- •على المسلم التخلق بأخلاق الله، وأول أمر إلهي كان "اقرأ".
مقدمة الحلقة واستكمال الحديث عن سنن الله الكونية والاجتماعية
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على مبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة، أهلًا بحضرتك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا، أهلًا.
[المذيع]: كنا لا زلنا نتحدث مع فضيلتكم عن المبشرات وعن سنن الله في الكون، سنن كونية وسنن لها علاقة بالاجتماع والنفس، وكنا وصلنا في نهاية الحلقة الماضية إلى أن الإسلام يأمرنا بحماية أماكن عبادات أهل الكتاب، نستكمل مع فضيلتكم الحوار عن سنن الله.
وضوح الإسلام في قضية التعددية والحرية والدعوة إلى الله بالحكمة
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الإسلام واضح في قضية التعددية والحرية والدعوة.
الإسلام يدعو إلى نموذج معرفي واضح: أن هناك إلهًا هو الخالق، هو المحيي، هو المميت، ووصفه بصفاته الحسنى وأسمائه الحسنى وصفاته العُلى.
والمسلم يدعو:
﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]
جميل، يجهر بالحق ولا يمالئ فيه، ويقول:
﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: 24]
جميل، وآداب الحوار تعني أنني مقتنع ومؤمن ومتيقن مما أنا عليه، والأمر لله.
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
وأيضًا:
﴿لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَآ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: 2-3]
بالشكل الذي تتبعونه:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
حرية الاعتقاد في الإسلام مع بيان عاقبة الكفر يوم القيامة
وبالرغم من ذلك فهو يترك للآخر حرية الاعتقاد:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
لكن بعدما قال له: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، قال:
﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]
أي أنه ليس معنى ذلك أن تكفر هكذا دون عاقبة، لا، من يكفر فسيعاقب. أنا أقول لك الآن: نعم أنت حر، لكن هناك عقوبة. أنا أترك لك الحرية، ولكن ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، لكن هذه هي عاقبة الكفر. إنه كلام شديد وكلام فيه قوة وفيه وضوح.
لا إكراه في الدين وهداية التوفيق بيد الله وحده سبحانه وتعالى
جميل، لكن لا يوجد إكراه:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
هذا من هذا؟ هذا سيد الخلق، هذا المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم، يُنفى عنه هداية التوفيق ويُثبت له هداية الدلالة.
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
فيخلق التوفيق سبحانه وتعالى في من يشاء ولمن يشاء.
لماذا لا إكراه في الدين وخطورة النفاق على المسلمين
[المذيع]: بالله، طيب، إذا كان هناك دعوة وهناك حرية ولا إكراه في الدين كما قلنا، لماذا لا إكراه في الدين؟
[الشيخ]: لأن المنافق هذا ضرره أبلغ من فائدته. صحيح أن الفائدة التي تأتي منه هي تكثير عدد المسلمين، لكن ما هو الضرر الناتج عنه؟ إنه ينخر في إيمان المسلمين.
وأنه الذي يقول "أنا كافر" نبيل فارس، هذا يقول ما يعتقده، صادق، يعني صادق مع نفسه. صحيح، أما الثاني فهو صادق مع نفسه وأنا سأتجنبه، سأكون عارفًا أنه كافر وسأحذر منه، كما تقول "أنا حر"، نعم.
لكن المنافق هذا يكذب، نعم:
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]
كيف إذن أقول له: تعال لكي تدخل النار وتكون في الدرك الأسفل؟ صحيح، أي كيف يعني؟ فأنا لا أريد أن أكون مع مجموعة من المنافقين، ولذلك ففي الإسلام حرية في المعتقد، ليس هناك إكراه أبدًا.
الإسلام لم ينتشر بحد السيف بل دافع المسلمون عن أنفسهم
[المذيع]: ودليل آخر يا فضيلتك على أن الإسلام لم ينتشر بحد السيف كما وضحت لنا في الحلقات السابقة.
[الشيخ]: لم يحدث أن نكوّن منافقين، أي لم يحدث أن انتشر [الإسلام بالإكراه]. هذا [النبي ﷺ] دافع عن نفسه في بدر، ودافع عن نفسه في أُحد، ودافع عن نفسه في الخندق، دافع عن نفسه.
كل هذه الأمور موجودة في البديهة، يدافع عن نفسه حتى الآن. صحيح، وما زال يدافع عن نفسه إلى هكذا. أي دولة إسلامية محتلة؟ أي قطر؟ صحيح.
نحن لا نحتل، لم يحدث أننا احتللنا أو أبدنا شعوبًا أو مارسنا استعمارًا أو أي شيء من هذا القبيل عبر التاريخ. نحن دخلنا البلاد فتزوجنا من أهلها واستوطناها ولم نُكره أحدًا على شيء إلا أن يسمحوا لنا بتبليغ الدعوة.
العلاقة بين المسلم وغيره أساسها تبليغ الدعوة لا الحرب ولا السلم
العلاقة بين المسلم والآخرين هي تبليغ الدعوة، لا الحرب ولا السلم. العلاقة هي الدعوة، ثم من أجل هذه الدعوة قد تحدث حرب، قد تحدث حرب، ومن أجل هذه الدعوة قد يحدث سلم.
فعندما يأتي ويقول لي: والله التلفزيون أمامك، والراديو أمامك، والمطابع أمامك، والكتب أمامك، أقول له: خلاص، لا توجد حرب بيني وبينك الآن.
المصحف يُطبع في بلاد العالم كله. لم يكن هكذا قديمًا، كنّا عندما أذهب، المصحف يقول لك: لا تذهب بالمصحف إلى أرض الكفر. لماذا؟ قال: إنهم سيمسكونه ويعبثون به ويقطعونه ويحرقونه ويحرقون قلبك عليه ويهينونه أمامك.
تعاون غير المسلمين في طباعة المصحف وإتاحة فرصة الدعوة
حسنًا، لم يعد الأمر كذلك، الأمر نعم. حسنًا، فلماذا أحاربهم إذن؟ إنهم لم يهينوني بل يقولون لي: تعال، سنعطيك أفضل ورق، والورق إذا أمسكته هكذا تجد أنه ذو ثقل للكتاب لا ينقطع، سأصنع لك منه المصحف وبأفضل ما يكون وبأجمل الألوان.
أهلًا وسهلًا، نعم، الحمد لله، فأستفيد وأتعاون لأنه أعطاني فرصة للدعوة ولأنه أتاح لي أن أفعل هذا.
إذن هذا هو وضع المسلمين مع غير المسلمين في داخل الديار وفي خارج الديار. المسلم أصلًا صاحب أمة الدعوة.
الفرق بين أمة الدعوة وأمة الاستجابة في الإسلام
وأمة الدعوة هذه من هي؟ إنها الدعوة للستة مليارات الذين على وجه الأرض الآن. نعم، ومن أمته [أمة الاستجابة]؟ الإجابة: المسلمون الذين هم مليار وثلاثمائة مليون.
[المذيع]: جميل، أمة الدعوة وأمة الاستجابة.
[الشيخ]: نعم، جميل. أمة الدعوة هم كل الناس، وأمة الإجابة هم الذين أجابوا النبي فآمنوا به، وهم مجموعة المسلمين.
حسنًا، إذن كل واحد في البشرية هو من أمتي. جميل، إذن كيف أعمل الآن؟ لأن:
قال رسول الله ﷺ: «أن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس وما غربت»
هذا الرجل أصلًا من أمتي ومن إخوتي لآدم.
وصية سيدنا علي لمالك الأشتر في التعامل مع غير المسلمين
حين أرسل سيدنا علي [بن أبي طالب رضي الله عنه] تابعه الذي هو مالك الأشتر إلى مصر ونصحه فقال له:
«فإما أن تجد أخًا لك في الدين أو مساويًا لك في الإنسانية»
جميل، يعني أنت ستجد من؟ إما أخ مسلم من أمة [الاستجابة]، أو يا إنسان واحد من أمة الدعوة، من أمة الدعوة. جميلة.
وابتدأ [سيدنا علي] يفصّل لله تفصيلًا في كتاب كبير أعطاه له، لكنه [مالك الأشتر] لم يتمكن من الوصول إلى مصر لأنه قُتل قبل الوصول إليها.
هذا الكتاب كتاب بديع يمكن أن يُدرس من خلاله ما علاقة المسلم بغير المسلم.
رؤية سيدنا علي لعلاقة المسلم بغير المسلم قائمة على التعددية والحرية
كيف يرى سيدنا علي وهو باب العلم ومدينة العلم وباب العلم وحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف يراه وهو الخليفة الراشد، هذه العلاقة؟
فإذن نستطيع أن نتكلم ونقول إن علاقة المسلم بغير المسلم في داخل الأوطان الإسلامية عبر التاريخ كانت هي علاقة التعددية والدعوة والحرية.
والتعددية كانت هي مزايا الإسلام والمسلمين. جميلة.
الأسوة الصالحة والدعوة بالحال ودورها في نشر الإسلام
بعد ذلك يمكن أن نقول إن من الأمور التي أيضًا ساعدت على نشر الإسلام الأسوة الصالحة.
[المذيع]: نعم، دعوة هذه، دعوة بماذا؟
[الشيخ]: فهناك دعوة بالقول ودعوة بالحال.
[المذيع]: جميل، دعوة بالقول ودعوة بالحال.
[الشيخ]: دعوة بالقول أن نمسك بالشخص ونقول له: انتبه، هناك إله وربنا موجود، هو أرسل رسوله وهو سيدنا محمد نبي، والدليل على نبوته واحد اثنان ثلاثة. هذه دعوة بالقول، أي بالكلام.
إنما هناك دعوة بالحال: دخل التجار إفريقيا فتعاملوا مع الإنسان بأمانة وشرف وصدق.
صفات التجار المسلمين التي جذبت الناس إلى الإسلام بالقدوة الحسنة
جميل، نعم، وجدوهم يفعلون أشياءً غريبة: يذهبون ليتوضؤوا، ما هذا؟ طهارة. وبعد ذلك يذهبون ليصلوا، وهو يصلي لا يتحدث إلى أحد.
بعد أن يصلي، وجهه مملوء بالنور، ونفسه مملوءة بالهدوء، وكذلك لا يكذب أبدًا، وحين يقع في موقف حرج لا يكذب. صحيح أنه يسكت ولا يبيع بضائع مغشوشة، لا يكذب أبدًا.
فوجدوه صادقًا، وجدوه أمينًا، وجدوه لا يدلس ولا يغش، وجدوه هادئ النفس، وجدوه ملتزمًا بالمواعيد.
ويحكون في حكاية الالتزام بالمواعيد هذه قصص وروايات وحكايات لمن يلتزم بكلمته ووعده، بكلمته ووعده. وتوجد قصص قد تُعتبر إذا ذُكرت ربما يقول الناس عنها أنها قصص خرافية، لكنها حدثت بالفعل.
استئناف الحديث عن الدعوة بالحال وانتشارها في أفريقيا وجنوب آسيا
[المذيع]: من ضمن هذه القصص، حسنًا، سنتعرف على هذه القصة يا مولانا بعد الفاصل، بعد الفاصل سنعرفها، بعد الفاصل نعود إليكم فابقوا معنا، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من حلقات المبشرات مع فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة. كنا في نهاية الفاصل، مولانا قال لنا: الدعوة بالمقال أو بالقال والدعوة بالحال، تفضل يا مولانا.
[الشيخ]: فالدعوة بالحال هذه أخذت إطارًا واسعًا جدًا في أفريقيا وفي جنوب آسيا. وكذلك جنوب آسيا لم تصلها لا جيوش ولا أي شيء: الملايو والصين والفلبين وإندونيسيا.
إندونيسيا أكبر دولة إسلامية. صحيح، من ناحية ما في حروب وجماعة هناك، في إندونيسيا لم يعد [أثر للحروب]. أفريقيا كلها دخلت الإسلام بالذكر بالسبحة، دخلت الإسلام ونعم بالله.
قصة التاجر المسلم الذي رهن شعرة من لحيته ضماناً لدينه
يُحكى أن واحدًا من التجار ذهب ببضاعته وحسب سعرها، إذا كانت قيمتها عشرة آلاف درهم وهو معه ثمانية آلاف. قال له: معي ثمانية آلاف درهم، والألفان الباقيان سأحضرهما لك في المرة القادمة عندما أعود بعد شهر.
فقال له: حسنًا، ولكن من الذي يضمن لي ذلك؟ أليس هناك شيء إيصال كضمان؟ فقال، قال له ماذا؟ وذهب ونزع شعرة من لحيته ووضعها في قماط - كانوا يسمونه القماط، أي قطعة قماش - وقال له: اكتب عليها أن هذه ألفا درهم وموعد السداد هو كذا واحفظها عنده.
حسنًا، ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني الآن لو أن أحدًا في الأسواق استهزأ بي، أعطاني شعرة ويطلب مني ألفين ضمان الألفين درهم هؤلاء هكذا، سيحلق له لحيته كلها ويضعها له في كيس، وبعدها يبقيها في كيس والآخر يرفض أخذها قائلًا له: لا، لست أريدها، فما هذا؟
الدعوة إلى الله بالحال والتصرفات الصادقة دون وعظ أو فلسفة
فهؤلاء الناس دعوا إلى الله بحالهم وبتصرفاتهم، لم يجلس ليقول للتاجر هذا أنه يعني موعظة ولا فلسفة ولا أدلة قائمة ولا أي شيء.
وفي الوقت المناسب جاء وأعطى له الألفين فأخذهما وقال له: أين القماش؟ لا بد أن تحضر لي هذا القماش. فرد عليه: لا، خلاص، لقد سددت.
فأجاب: لا، وإلا قد يترسخ في ذهن ابنه أنه لم يسدد بعد، أو قد يترسخ في ذهن أحد ما أو نحو ذلك آخره. وصمم على أنه يأخذ القماط.
كانت حياتهم هكذا، كانت حياتهم فيها صدق وشفافية وأمانة، كانت حياتهم فيها هذا النوع من أنواع المبشرات. أنا أعتبر أن هذا كله من المبشرات. طبعًا.
صفات جيل النصر المنشود الصدق مع النفس والرب والناس
[المذيع]: وأنت تقول لي يعني ما صفة هذا الداعية؟
[الشيخ]: جيل النصر، نعم، جيل النصر هذه صفته: أن يكون صادقًا مع نفسه، صادقًا مع ربه، صادقًا مع الناس، وأن يكون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
وفي رواية: "يرحمكم" بالضم، معناه يدعو لهم، أي يا رب ارحمهم يا ربّ. "يرحمكم" بالسكون معناها ليس أنه سيرحمك عندما ترحم الناس، أي أن فيها سببية أو شرطية: ارحمهم لكي يرحمك ربنا، إذا رحمتهم سيرحمك، وإذا لم ترحمهم فلن يرحمك.
نعم، والأولى "يرحمك" تعني أن الرسول يدعو لهم بالرحمة، يدعو له يا رب ارحمهم لكي يوفقهم ويرحمهم وهكذا.
الرحمة أساس صفات جيل النصر وشمولها للنبات والحيوان والإنسان
الرحمة هي أساس. يقول: ما هي صفات جيل النصر الموعود؟ نعم، أن يكون رحيمًا. نعم، من صفاته أن يكون رحيمًا لأن هذه الرحمة.
نعم، مرة سأل شخص قائلًا: هل الرحمة هي الأساس أم الحب هو الأساس؟ جميل! الرحمة أم الحب؟
الرحمة عامة، نعم. الرحمة تكون بغض النظر عن الطرف الآخر. نعم، ارحم النبات وارحم الجماد لأنه يسبح، نعم:
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]
وارحم الحيوان الأعجم، فقد دخلت امرأة الجنة بسبب كلب وجدته عطشانًا فسقته، فغفر الله لها وأدخلها الجنة. صحيح، جميل.
ودخلت امرأة النار بسبب هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.
شمول الرحمة لجميع البشر دون تفريق بين مسلم وغير مسلم
الرحمة بالإنسان، من هو هذا الإنسان؟
قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض»
حسنًا، إذن هذه الرحمة تشمل حتى غير المسلمين أيضًا، كل من في الأرض. لكن الجميع إنسان بصفة عامة، لم أسأله أأنت مسلم أم غير مسلم، فهو إنسان يمشي على رجلين، وهذا يكفي خلاصًا.
يصبح الإنسان رأسه فوق وقدماه تحت، يصبح إنسانًا حقيقيًا. حسنًا، من الرحمة كمسلم، لا، وخذ هذه: أنا أرحم من؟ لا أعرف.
نعم، إذا كانت الرحمة، فأنا رحمت الناس جميعًا ورحمته دون انتظار أو بحث هل سيرحمني أم لا؟ جميل، إذن الرحمة قد صدرت دون بحث في المقابل والعوض.
الفرق بين الرحمة والحب وأن الرحمة أعم وأشمل من الحب
نعم، إنما الحب أني أحب من يحبني، نعم، وأحبه لكي يحبني. نعم، هناك ما يشبه العقد الشفوي في الاتفاقية، مثل تبادل المحبة.
إذن، كيف أحب شخصًا يبغضني؟ هذا غير مطلوب، ليست مطلوبة. لن يحدث أن أحب شخصًا وهو جالس يبغضني وبعد ذلك أنا أحبه، أي تكون هذه ليست حبًا فقط، بل رحمة، نعم أيضًا، أو دفع بالتي هي أحسن، أو دفع بالتي هي أحسن.
فالرحمة هي الأساس، ومن هنا رأينا "بسم الله الرحمن الرحيم" جميلًا.
اسم الله الحبيب مشتق من أفعاله وليس من الأسماء الحسنى المعروفة
فهو من أسماء الله سبحانه وتعالى المشتق: الحبيب. نعم:
ولي حبيب عظيم لا أبوح به ... أخشى فضيحة وجهي يوم ألقى الحبيب
من أسمائه سبحانه مشتق:
﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُٓ﴾ [المائدة: 54]
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
فالله يحب ويُحب فهو حبيب. مشتقة يعني أخذتها من آية واستخرجتها من اسم. نعم، لكنها ليست موجودة في الأسماء التسعة والتسعين، ليست موجودة ولا في المائة والخمسين، يعني ليست موجودة في الأسماء الحسنى موجودة لا في القرآن ولا كذلك، لكنني اشتقيتها.
جميل، اشتقيتها. فاشتقيتها من ماذا؟ من فعل منسوب إلى الله. فالأسماء المشتقة يعني جائز أن نشتق من الأفعال المنسوبة إلى الله سبحانه وتعالى:
﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7]
فسميته الناصر. حسنًا، لا يحدث شيء جميل أبدًا.
لماذا قال الله بسم الله الرحمن الرحيم ولم يقل بسم الله الحبيب
ففي الحبيب: بسم الله الحبيب، أو بسم الله الرحمن الرحيم الذي هو موجود، الرحمن الرحيم، إلا بالله.
حسنًا، لماذا لم يقل "بسم الله الحبيب"؟ قال: لأن الرحمة هي أصل الحب، هي أصل الحب وهي أشمل منه لأنها أشمل منه، ولأنها تُقدَّم دون مقابل، دون [انتظار عوض]. جميل.
ولكن الحب تابع للرحمة، فلأنني أرحم الإنسان أقوم بحبه لأنه يحبني فأحبه، وهكذا.
فإذا كان الحب يأتي كنتيجة للرحمة، فكيف أكون أنا في صفات الشخص؟ أن يكون عندي أصول المعاني، وما هو أول أصل من هذه الأصول؟ الرحمة.
أصول الأخلاق الكرم والعطاء والانتصار على النفس لتحقيق جيل النصر
جميل، وأصول الأخلاق الكرم. عطاء، الحب عطاء يستمر إذا استطعت أن أنتصر على نفسي وعلى شيطاني، وأنتصر وأتمكن في الأرض، وأنتصر وأكون نافعًا للناس، فيكون ذلك نصرًا.
وبذلك يصبح الجيل هو جيل النصر المنشود الذي تعبر عنه بهذا التعبير اللطيف. لذلك لا بد أن أكون رحيمًا، فبداية الصفات أن تكون في الرحمة، أن يكون رحمة، أن يكون المرء كريمًا.
والكرم هذا قد يكون في المال، وقد يكون بالدفع بالتي هي أحسن، وقد يكون بالصبر، ولكن الكرم هو أساس الحب. نعم، فالحب عطاء، وما هو الكرم إلا عطاء، فيبدأ ذلك بأن أكون كريمًا.
صفات جيل النصر الرحمة والكرم والقوة والعلم والتخلق بأخلاق الله
جميل، وأمضي مع الصفات بهذا الشكل. نعم، أن أكون رحيمًا، أن أكون كريمًا، أن أكون قويًا، أن أكون فارسًا نبيلًا، أن أكون عالمًا.
لأنه لا بد أن نتخلق بأخلاق الله، ولا بد أن نأتمر بأمر الله. فإذا تخلقت بأخلاقه، فلا بد أن أكون رحيمًا، ولا بد أن أكون كريمًا، ولا بد أن أكون قويًا، ولا بد أن أكون عالمًا.
وأيضًا بأمره أأتمر، بأمره. حسنًا، أول شيء يقول لي:
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]
جميل.
خاتمة الحلقة والوعد باستكمال صفات جيل النصر في الحلقات القادمة
[المذيع]: حسنًا، انتهى وقت الحلقة يا مولانا، سنكمل في الحلقات القادمة إن شاء الله، واحدة تلو الأخرى هكذا، صفات الجيل المنشود بالنصر أو جيل الموعود بالنصر الإلهي في الحلقات القادمة إن شاء الله.
[الشيخ]: إن شاء الله.
[المذيع]: بارك الله فيك يا مولانا وجزاك الله خيرًا. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة، ونشكر القائمين على هذا البرنامج، على وعدٍ باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله. نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
