دعاء الرسول | حـ #20 | دعاء الرسول لحارثة بن النعمان | أ.د علي جمعة - دعاء الرسول, سيدنا محمد

دعاء الرسول | حـ #20 | دعاء الرسول لحارثة بن النعمان | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • روى أنس بن مالك قصة حارثة بن النعمان الذي استقبله النبي صلى الله عليه وسلم فسأله: "كيف أصبحت؟" فأجاب: "أصبحت مؤمناً بالله حقاً".
  • استوضح النبي عن حقيقة قوله، فأوضح حارثة: "عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري".
  • أخبر حارثة النبي أنه كأنه يرى عرش ربه بارزاً، ويشاهد أهل الجنة يتزاورون، وأهل النار يتعذبون.
  • قال له النبي: "عرفت فالزم"، أي الزم هذه الحالة الروحية العالية التي وصلت إليها.
  • طلب حارثة من النبي أن يدعو له بالشهادة، فدعا له بها.
  • خرج حارثة للقتال عندما هوجمت المدينة فاستشهد كما دعا له النبي.
  • جاءت أمه تسأل النبي: "أحارثة في الجنة فأطمئن أم في النار فأبكيه؟"
  • طمأنها النبي أنه في جنان عديدة يتقلب فيها كيف شاء، فانصرفت ضاحكة مسرورة.
  • في القصة دلالة على استجابة دعاء النبي وفضل الإيمان الحقيقي والشهادة في سبيل الله.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الحلقة والتعريف بقصة حارثة بن النعمان رضي الله عنه

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في لقاء متجدد مع دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

كان هناك شاب، هذا الشاب اسمه حارثة بن النعمان، وحارثة بن النعمان رضي الله تعالى عنه يقصّ قصته أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

سؤال النبي لحارثة عن حاله ورده بأنه أصبح مؤمناً بالله حقاً

يقول أنس [بن مالك]: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمشي استقبله شاب من الأنصار، فقال له رسول الله: كيف أصبحت يا حارثة؟ فردّ عليه هذا الشاب يتحدث بكلام لا يتفق مع رعونة الشباب ومحاولة الشباب اللعب أو الفرح وما إلى ذلك، كلام نسميه كلام المسنين، لكنه شاب.

فقال: أصبحت مؤمنًا بالله حقًا. حارثة يقول لسيد الخلق [صلى الله عليه وسلم]: أصبحت مؤمنًا بالله حقًا.

تنبيه النبي لحارثة على خطورة كلمة الإيمان الحقيقي ومعناها العميق

فقال رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: انظر يا حارثة ماذا تقول، يعني أنت هل هذه الكلمة انتبه إليها أم لست منتبهًا إليها، انظر يا حارثة ماذا تقول فإن لكل قولٍ حقيقة، فلا يعني ألا تتكلم بزيادة هكذا، أصبحت مؤمنًا بالله حقًا؟

كلمات بسيطة، أهي مؤمن بالله حقًا، نعم، ولكن كلمة «حقًا» هذه تعني إيمانًا ثابتًا، إيمانًا مستقرًا، إيمانًا عميقًا، إيمانًا لا يتزعزع. أأنت هكذا فعلًا؟ ولا تقول هذا يعني على سبيل الظاهرة الصوتية، لا، لم تكن ظاهرة صوتية والحمد لله.

حارثة يصف عزوفه عن الدنيا وقيامه الليل وصيامه النهار

قال [حارثة]: يا رسول الله، عزفت نفسي عن الدنيا، ليس لدي رغبة في أن آخذ شيئًا من الدنيا. اللهم اجعل الدنيا في أيدينا — من دعاء الصالحين — ولا تجعلها في قلوبنا.

الإنسان يجري والدنيا هي التي وراءه، ما هو لازم الجري، إما أن الدنيا تجري وأنت تجري وراءها فتقطع نفسك ولا تصل إلى شيء، وإما أنت تجري وهي تجري وراءك. فأنا عزفت عن الدنيا فأسهرت ليلي.

هذه نقطة واحدة: أن يقوم بالليل.

﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 2-4]

﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]

قيام الليل وصيام النهار من أعمال حارثة التي أوصلته إلى اليقين

إذن في قيام الليل الذي يعبّر عنه العلماء بقلة المنام. حسنًا، ماذا نفعل؟ العبادة، الذكر، الصلاة، قراءة القرآن، قلة المنام.

أسهرت ليلي، هذه، وأظمأت نهاري [أي صمت نهاري]، الصبح طلع وأنا صائم، فأكون بالليل قائمًا وفي الصباح صائمًا. إذن فهو شغله في العبادة، ليس بالأماني.

حارثة يصف رؤيته لعرش الرحمن وأهل الجنة وأهل النار

وكأني [أنظر] وكان بعرش ربي بارزًا، يرى العرش، فهو إذن يرى الحقائق، ليس غافلًا، يعرف أن هناك موتًا، وأن هناك جنة ونارًا، وأن هناك عرشًا، مصدّق لربنا سبحانه وتعالى فيما يقول.

وكأني أنظر إلى أهل الجنة، أنا أرى الجنة وشيء كنا نراه في المستقبل، أي إنه متأكد إلى حدٍّ كأنه يرى أهل الجنة يتزاورون فيها.

وكأني أنظر إلى أهل النار يتعذبون فيها، يصرخون هكذا مثل — أكرمكم الله — الكلاب.

إقرار النبي لحارثة وأمره بلزوم ما هو عليه من العبادات الأربع

قال [رسول الله صلى الله عليه وسلم]: انصرف فالزم. وفي رواية: عرفت فالزم. الزم ما أنت عليه.

هذا من السهر، من العبادة، المنام، النوم، قلة الكلام، قلة التعامل مع الناس، أي الاعتكاف. هذه الأربعة التي توصل الإنسان إلى حالة روحية وتُشبع الإنسان في هذا الجانب:

  1. الصيام
  2. الصمت
  3. الخلوة أو الاعتكاف
  4. قيام الليل وقلة النوم

فقال له [صلى الله عليه وسلم]: انصرف فالزم.

حارثة يطلب الشهادة من النبي فيدعو له فيُستشهد في سبيل الله

عبدٌ نوّر الله الإيمان في قلبه، جعل الإيمان هكذا منيرًا. فقال: يا رسول الله، ادعُ الله لي بالشهادة. كان شابًا حديث العهد بالبلوغ، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة.

وفي يوم من الأيام نُودي للخيل بأن أحدًا [جيش العدو] يهاجم المدينة، واستُدعي الاحتياط، فكان أول من خرج، ركب فرسه وسلّ سيفه، فقاتل فاستُشهد في سبيل الله.

دعاء النبي لحارثة بالشهادة بعد التأكد من صدق إيمانه وعمله

فجاءت أمه [أم حارثة]. انظر إلى دعاء الرسول [صلى الله عليه وسلم]، دعا له بأن يلزم [ما هو عليه]، معرفة بعد ما تأكد من فهمه العميق لكلمة «آمنت بالله حقًا»: بأنه يسهر ليله، أظمأ نهاره، وقام بواجباته، ورأى العرش، ورأى الجنة، ورأى النار كأنها حاضرة، يرجو نعمة الله ويخاف عقاب الله.

ولكنه سأله الشهادة، إذن فهو صادق، فدعا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] له بالشهادة فنالها فورًا.

المقارنة بين شهادة حارثة ووفاة خالد بن الوليد على فراشه

خالد بن الوليد رضي الله عنه مات في فراشه وكان يقول: لا نامت أعين الجبناء، يعني أنني كنت أقاتل في سبيل الله حتى سُمّي بسيف الله المسلول لأنال الشهادة، وها أنا أموت كما تموت العجائز في الفراش.

قدر رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، لم يدعُ لخالد أن يموت شهيدًا، لكن دعا لحارثة بن النعمان أن يموت شهيدًا [فنال الشهادة].

سؤال أم حارثة للنبي عن مصير ابنها وبشارته لها بالجنان

فجاءت أمه [أم حارثة] بعد ذلك إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بعد ما استُشهد وقالت: يا رسول الله، أحارثة في الجنة فأطمئن، أم أنه في النار فأبكيه؟ بعد كل الذي رأيته، ولا يزال الأمر بيد الله، الجنة والنار ليست بأيدينا، الجنة والنار بيد الله.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم — له ولها ويحكيه —: ليست جنة واحدة بل هي جنان يتقلب فيها كيف شاء. أتظن أنه دخل جنة واحدة؟ إنها جنان فوق بعضها، ففيها جنة عدن، وفيها جنة الرضوان، وفيها جنة الخلد، وفيها جنان كثيرة.

﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 62]

فرح أم حارثة بالبشارة النبوية وخاتمة الحلقة بالتوديع

فضحكت، ضحكت يعني — كما نقول في اللهجة المصرية — ماتت على نفسها [من شدة] الضحك فرحًا وسرورًا وثقةً بكلام النبي صلى الله عليه وسلم وإيمانًا بالغيب، فضحكت وانصرفت مسرورةً؛ لأن أم الشهيد يأخذ بيدها الشهيد يوم القيامة إلى الجنة.

فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين. إلى لقاءٍ آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.