دعاء الرسول | حلقة #2 | دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته جـ1 | أ.د علي جمعة - دعاء الرسول, سيدنا محمد

دعاء الرسول | حلقة #2 | دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته جـ1 | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "الدعاء هو العبادة"، مستشهداً بالآية الكريمة: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين".
  • روى أبو هريرة أيضاً أن النبي قال: "الدعاء مخ العبادة".
  • خرج النبي إلى حَرّة بني معاوية وتبعه حذيفة بن اليمان، فصلى ثماني ركعات وقت الضحى.
  • أخبر النبي حذيفة أنه سأل الله ثلاثة أمور لأمته: ألا يسلط عليها أحداً من غيرها، وألا يهلكها بالسنين، وألا يجعل بأسها بينها شديداً.
  • استجاب الله للدعوتين الأوليين، فلم تُقهر الأمة رغم هجمات الروم والفرس والتتار والصليبيين والاستعمار.
  • لم تُهلك الأمة بالكوارث الطبيعية رغم انتشار الطاعون الأسود الذي أهلك الملايين.
  • بقيت الأمة وستبقى بدعاء النبي إلى يوم القيامة.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

حديث الدعاء هو العبادة وأهميته في حياة المسلم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

وبعد، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا فيقول فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة»

وهذا حديث عظيم؛ لأن ربنا سبحانه وتعالى خلقنا من أجل أن نعبده، فكان هذا الحديث يرشدنا إلى أن ندعو الله سبحانه وتعالى حتى نكتمل في عبادتنا ونكمِّل عباداتنا.

استشهاد أبي هريرة بالقرآن الكريم على أن الدعاء هو العبادة

كان أبو هريرة رضي الله عنه عندما يروي هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا لم تصدقوني، يعني إذا لم تصدقوني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذا، فاقرأوا قوله تعالى. يرشدنا [أبو هريرة] إلى القرآن، إلى الرجوع إلى القرآن، وأن هذا الكلام هو عين ما في كتاب ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]

وقال ربكم: ادعوني، وسمى هذا الدعاء عبادة؛ إن الذين يستكبرون لم يقل "عن دعائي" بل قال "عن عبادتي" سيدخلون جهنم داخرين.

حديث الدعاء مخ العبادة وخروج النبي إلى حرة بني معاوية

وحديث آخر يرويه أيضًا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وإن كان أقل جودة في إسناده، يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «الدعاء مخ العبادة»

مرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج إلى مكانٍ في المدينة يُسمى بحَرّة بني معاوية، والحَرّة هي المرتفع من الأرض، مثلما نقول هضبة المقطم، يعني مكان مرتفع في المقطم: الهضبة الوسطى، الصغرى، الكبرى وهكذا. فالحَرّة هي هذا المكان المرتفع.

صلاة النبي ثماني ركعات ودعاؤه لأمته بثلاث مسائل

فرآه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وكانوا متعلقين جدًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فسار معه إلى هذه الحَرّة. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، وكان الوقت وقت ضحى.

انتظره حذيفة وهو ينظر إليه في صلاته، رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ثماني ركعات، وبعد أن انتهى من هذه الثمانية وأطال في الصلاة، قال: أطلتُ عليك يا حذيفة؟ فقال حذيفة وقد خجل من الجواب: الله ورسوله أعلم.

فقال [رسول الله ﷺ]: في هذه الصلاة سألت الله لأمتي ثلاثة أشياء فأعطاني منها شيئين ومنعني الثالثة.

الدعوات الثلاث التي سألها النبي لأمته واستجابة الله لاثنتين منها

سألته [الله] سبحانه وتعالى ألا يسلط على هذه الأمة أحدًا من غيرها فأعطانيه، وسألته ألا يهلك هذه الأمة بالسنين [أي بالقحط والكوارث] فاستجاب لي، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم شديدًا فلم يستجب لي.

إذا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم مسائل ثلاث، استجاب الله اثنتين منها وأوضح له أنه استجاب له قائلًا: استجبت لك يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. لكنه جاء في الثالثة وكان فيها نوع تكليف لأمته؛ فلا بد أن تُترك الأمة مع نفسها لتمام الاختبار والابتلاء؛ لأن الله أمرهم ألا يكون بأسهم بينهم شديدًا.

استجابة الله للدعوة الأولى وعدم قدرة الأعداء على إبادة الأمة

فاستجاب الله سبحانه وتعالى للأولى والثانية. وقد كنا نرى الروم ونرى الفرس ونرى في الهند قديمًا ونرى في البربر في المغرب قديمًا، قبل دخول هذه البلاد الإسلام، تسلطوا على المسلمين ولم يستطيعوا أن يقهروهم.

بعد ذلك جاءت الحملات الصليبية تحت نزعة دينية وعصبية دينية شديدة، وكان الغرض منها القضاء على هذه الأمة، لكنهم لم يستطيعوا. جاء بعدهم وفي أطرافهم، يعني هذا سلَّم لهذا، التتار، حتى أن هناك وثائق كثيرة تثبت تعاون التتار مع الصليبيين لإبادة هذه الأمة، والفظائع التي ارتكبها المغول فظائع شديدة، ولكن الله سلَّم وبقيت الأمة.

تحرر الأمة من الاستعمار واستجابة الله لدعاء النبي بحفظها

جاء بعد ذلك الاستعمار بكل صنوفه من طنجة إلى جاكرتا ومن غانا إلى فرغانة، احتلتنا القوات والجيوش وما إلى ذلك، ولم يستطيعوا أن يبيدوا هذه الأمة. على العكس من ذلك، نفضت الأمة عن نفسها الجهالة ونهضت بحالها ضد هذا العدوان.

وتحررت الأمة بعد ما لا يزيد عن ثمانين عامًا في بعض البلاد وعن مائة وعشرين عامًا في بعض الآخر، ولكنها استردت أرضها وكرامتها وبقيت كينونتها. فاستجاب الله سبحانه وتعالى لنبينا الذي أخبر حذيفة أنه كان معه أثناء هذا الدعاء ألّا يسلط الله على هذه الأمة أحدًا من خارجها.

حفظ الله الأمة من الهلاك بالكوارث وبقاؤها إلى يوم القيامة

كذلك فإن الله سبحانه وتعالى لم يهلكنا بالكوارث ولم يهلكنا بالسنين. حدث في سنة سبعمائة وتسعة وأربعين ما يسمى بالوباء الأعظم والطاعون الأكبر الأسود في حوض البحر المتوسط.

كانت مصر عدة ملايين، عندما أجرى محمد علي الإحصاء كنا مليونين ونصف. أين ذهب المصريون الذين دلت الأرقام أنهم كانوا نحو العشرين مليونًا أيام عمرو بن العاص؟ ذهبوا في هذا الوباء، وباء الطاعون الذي أخذ كثيرًا من الناس، حتى قال ابن حجر [في كتابه بذل الماعون]: كان الميراث ينتقل في تسعة بيوت في يوم واحد.

وأبى الله سبحانه وتعالى أن تهلك هذه الأمة بالسنين وأن تكون عبرة من عبر التاريخ وحدثًا من أحداث التاريخ أبدًا. بقيت الأمة وستبقى بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها إلى يوم القيامة.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.