سلسلة فـَتبيّنوا | أكذوبة جواز الخمر | أ.د علي جمعة
- •يناقش النص مسألة تعامل المسلمين بالعقود الفاسدة في البلاد غير الإسلامية وفق رأي أبي حنيفة وأصحابه.
- •يستعرض حالة مسلم يملك بقالة في فرنسا، حيث انخفضت مبيعاته من مائة ألف فرنك إلى ثلاثين ألفاً عندما امتنع عن بيع الخمر.
- •استدل أبو حنيفة بعدة أدلة منها بقاء العباس في مكة قبل الفتح وهو يتعامل بالربا، ولم يبطل النبي تلك العقود إلا بعد تحول مكة إلى دار إسلام.
- •استشهد أيضاً بمصارعة النبي صلى الله عليه وسلم لركانة على ثلث ماله في مكة.
- •ذكر قصة رهان أبي بكر على انتصار الروم كدليل ثالث.
- •يرى أبو حنيفة أن العقود الفاسدة حلال مع غير المسلمين في بلادهم، لكن هذا لا يشمل الكذب والسرقة والزنا.
- •يقابل هذا الرأي حديث لعن بائع الخمر وشاريها، لكن محدثُ النص يميل لرأي أبي حنيفة لتيسير أمور المسلمين في الغربة.
سؤال عن حكم عمل الشاب المسلم في محلات الخمور في أوروبا
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوٓا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَـٰلَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]
شابٌّ اضطُرَّ للعمل في محلات خمور في الخارج، ما حكم الشرع في ذلك في أوروبا؟
نعم، هو الحقيقة أن من أقام في تلك البلاد [بلاد أوروبا] اصطدم بما قرره أبو حنيفة وأصحابه من أن العقود الفاسدة حلالٌ مع غير المسلمين في بلاد غير المسلمين.
قصة المسلم صاحب البقالة في فرنسا وبيعه الخمر مع البضائع
لا، افهم، الإنسان وهو جالس في فرنسا ويملك بقالة، يأتي إليه الفرنسي ليشتري بضاعته من جبنٍ ولانشون وخمر. نعم، فأنا مسلم، وأصبحتُ أبيع الخمر، والناس تأتي إليَّ وهي مسرورة مني ومن أمانتي ودقتي وكل شيء.
وقد مرَّت عليَّ أيام، وكانت هذه الحالة عُرِضَت عليَّ فعلًا منذ سنة أربعة وسبعين [1974م]؛ يدخل لي مائة ألف فرنك في الشهر. هذه المائة ألف فرنك أنا أربح منها عشرة آلاف فرنك فقط، أما المبيعات فهي مائة ألف.
تفاصيل التعامل مع مسؤول الضرائب الفرنسي وحساب الأرباح
يأتي إليَّ مسؤول الضرائب كل شهر مثل محصِّل الكهرباء ويقول لي: أرني حساباتك، فأُريه إياها على شاشة الكاشير وأقول له: أنا أبيع مائة وكسبتُ طبعًا عشرة؛ لأن الربح معروف.
فيقول لي: حسنًا، والله أنت ستدفع ألفًا من العشرة التي كسبتها، فأقول له: حسنًا، وأدفع له الألف، وآخذ الإيصال في أمانة الله.
قرار صاحب البقالة التوقف عن بيع الخمر وانخفاض مبيعاته
فالرجل [صاحب البقالة] جاء وقال: أنا لن أبيع خمرًا. فعندما لم يبع خمرًا، أصبح الرجل [الزبون] يأتي ويقول له: أريد زجاجة خمر وقطعة جبن وما شابه، فيقول له: الأمر أنه لا توجد خمر، فيذهب إلى البقالة المجاورة له.
نعم، فانخفضت المبيعات من مائة ألف إلى ثلاثين ألف. ثلاثين ألفًا يربح فيها ثلاثة آلاف وليس عشرة آلاف، وتكلفة البضاعة عليهم ثلاثمائة وليس ألفًا.
مطالبة مسؤول الضرائب بالمستحقات بعد انخفاض المبيعات بسبب ترك بيع الخمر
فجاء الرجل [مسؤول الضرائب] وقال له: ماذا فعلنا؟ هات الألف التي في ذمتك، التي آخذهم كل شهر: ألف وألف ومائة وألف ومائتي ألف وخمسة كذا. قالوا [صاحب البقالة]: لا، أصلًا أنا لم أبِع إلا بثلاثين.
قالوا: لماذا؟ خير، لم تبع إلا بثلاثين لماذا؟ قال له: لأنني لم أبع خمرًا. قال له: لماذا لم تبع خمرًا؟ ما شأني؟ أنا أريد إيراد الدولة.
استدلال أبي حنيفة بجواز العقود الفاسدة في دار غير المسلمين
هكذا أبو حنيفة أدرك هذا وقال إن كل العقود التي هي بيع الخمر والشراء وما شابه إلى آخره حلالٌ في دار غير المسلمين؛ لأن هذه بلادٌ ليست محلًا لإقامة الإسلام، فالناس لا يعرفونه ولا يريدونه، أو حتى إن عرفوه فهم لا يريدونه.
فقلنا له: حسنًا، ومن أين جئتَ بالدليل يا أبا حنيفة؟ قال: ثمانية أدلة.
الدليل الأول للإمام أبي حنيفة من تعامل العباس بالربا في مكة قبل الفتح
قال [أبو حنيفة]: كان العباس [بن عبد المطلب] في مكة وأسلم يوم بدر، وبقي في مكة حتى الفتح وهو يتعامل بالربا ويُقرض ويمارس هذا الربا الذي هو باطلٌ وحرامٌ عندنا مثل - والعياذ بالله تعالى - الفاحشة.
نعم، فعندما دخل النبي ﷺ في الفتح [فتح مكة] وتحولت مكة إلى دار إسلام قال:
قال النبي ﷺ: «ألا إني أضع ربا الجاهلية تحت قدمي هذه، وأول ما أضع ربا العباس عمي»
فقد كان يعلم أن العباس لديه عقود فاسدة، لكن من ذلك الحين وقد تحولت مكة إلى دار إسلام، بطلت تلك العقود، وقبل ذلك لم تبطل أي شيء.
الدليل الثاني من مصارعة النبي ﷺ لركانة على ثلث ماله في مكة
استدل أبو حنيفة على مصارعة النبي صلى الله عليه وسلم مع ركانة وهو في مكة، إذ قال له ركانة: يا محمد، أنا مصارع روماني، هل هذا جيد؟ هل تأتي لتصارعني؟ قال له: نعم، سأصارعك. فصارعه على ثلث ماله، والمقامرة حرام، هذه المراهنة حرامٌ في الشريعة.
ولكن عندما كان ركانة في دار غير المسلمين التي هي مكة، أصبح الأمر حلالًا. فمن الفائز؟ النبي عليه الصلاة والسلام أسقطه في المرة الأولى. قال له [ركانة]: لا، أنتَ أخذتَني على حين غِرَّة. قال له [النبي ﷺ]: عن ثالث مَلِكٍ آخر، فأسقطه مرة ثانية.
وفي المرة الثالثة قال له [ركانة]: انظر، أنت لستَ بشرًا عاديًا، أنا طوال عمري لم يُسقطني أحد. الرسول عليه الصلاة والسلام كان قوي البنية، رياضيًا جدًا، ولذلك أشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله. قال له [النبي ﷺ]: حسنًا ولك مالك، وما رضي أن يأخذ منه المال.
الدليل الثالث من مناحبة أبي بكر مع المشركين في قصة غلبة الروم
﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ﴾ [الروم: 2]
في القضية التي تخص الروم، مناحبة أبي بكر [الصديق رضي الله عنه] يسمونها هكذا. جاء المشركون وقالوا له - يعني يقول [أبو بكر] إن الروم ستنتصر في بضع سنين - قال لهم: نعم، أنا سأدفع عشرة رهانًا. هكذا رهانٌ مثل الرهان الذي نقوم به على السباق - والعياذ بالله - رهان عشرة من الإبل في أنه فعلًا خلال ثلاث أو أربع سنوات ستغلب الروم.
وذهب [أبو بكر] إلى النبي ﷺ وقال له: زِد في المدة؛ لأن بضع السنين هذه - في بضع سنين من واحد إلى تسعة، من ثلاثة إلى تسعة - يبقى البضع هنا اجعلهم تسعة، واجعل العشرة هؤلاء مائة؛ لأننا هكذا متأكدون. يعني أقرَّ [النبي ﷺ] الرهان، فأقرَّ هكذا الرهان فقط في مكة ومع غير المسلمين.
خلاصة مذهب أبي حنيفة في العقود الفاسدة وضوابطها في بلاد غير المسلمين
فأخذ أبو حنيفة من هذا وغيره - لكي لا نطيل على المشاهد - أنه العقود التي هي العقود، ليس أن يذهب ليزني، ليس أن يذهب ليكذب، ليس أن يذهب ليسرق، لا، الغدر حرام، هذا هنا وهناك. [المقصود هو] العقود [التجارية فقط].
ولذلك هذا الولد [الشاب السائل] يذهب ليعمل في محل خمر. طيب، أين نذهب من الحديث الصحيح:
قال النبي ﷺ: «لعن الله شاربها وشاريها وبائعها وحاملها» إلى آخر ذلك
في المدينة؟ نعم، في بلاد المسلمين. نعم.
نتيجة ترك بيع الخمر وإباحة التعاملات على مذهب أبي حنيفة لتقوية المسلمين
عندما فعل الرجل [صاحب البقالة] هكذا [ترك بيع الخمر]، وأخذ الرجل [مسؤول الضرائب] منه الألف، هو بالطبع ربح كم؟ ثلاثة آلاف، فأصبح بدلًا من أن يكون عشرة في المائة، أصبح قد أخذ منه ألفًا وأغلق المحل وذهب للعمل عند بقال آخر، فباع الخمر والخنزير، فقد خَرِبَ بيته.
هؤلاء الناس الذين يعملون في العقارات وما شابه ذلك، يجب أن نبيح تعاملاتهم على مذهب أبي حنيفة؛ لأن الشافعي يقول إن كل هذا حرام. حسنًا، ولكنني أيضًا أختار من الفقه ما يقيم أَوَدَ المسلمين في العالم، وما يحقق فكرة النماذج الأربعة، وما يجعل المسلم قويًا يده العليا لا يده السفلى، ولذلك نحن نقول إنه يجوز العمل في الخمور [في بلاد غير المسلمين على مذهب أبي حنيفة].
