اكتمل ✓
تفسير سورة المائدة وأحكام التوبة والحدود وابتغاء الوسيلة - تفسير, سورة المائدة

ما تفسير آيات سورة المائدة في عقوبة المحاربين وشروط التوبة وابتغاء الوسيلة إلى الله؟

تتناول آيات سورة المائدة عقوبة من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا، مع فتح باب التوبة لمن تاب قبل القدرة عليه. وللتوبة ثلاثة شروط إن كان الذنب متعلقًا بالله: الندم والإقلاع والعزم على عدم العودة، ويُضاف رابع إن تعلق الذنب بحق العبد وهو رد الحق. كما تأمر الآيات المؤمنين بالتقوى وابتغاء الوسيلة إلى الله والجهاد في سبيله.

3 دقائق قراءة
  • هل يسقط الحد عمن تاب قبل القبض عليه، وما الفرق بين قبول التوبة عند الله وإقامة الحد في الدنيا؟

  • عقوبة المحاربين لله ورسوله مقررة على من أصرّ حتى الموت، أما من تاب فقد فتح الله له باب الرحمة.

  • للتوبة ثلاثة شروط إن تعلق الذنب بالله: الندم والإقلاع والعزم، ويُضاف رد الحق إن تعلق بالعبد.

  • قصة الإمام علي مع السارق تكشف أن تكرار المعصية من موجبات تطبيق العقوبة، وأن الله يستر مرات قبل الكشف.

  • النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن فضح النفس أمام الناس، والستر على النفس وعلى الأخ المسلم من أعظم الأخلاق الإسلامية.

  • تختتم الآيات بدعوة المؤمنين إلى التقوى وابتغاء الوسيلة إلى الله والجهاد في سبيله لعلهم يفلحون.

مقدمة الدرس وعقوبة المحاربين لله ورسوله في سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى بعد ما قرَّر العقوبة على من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا، وقال سبحانه وتعالى في شأنهم:

﴿لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33]

ولمَّا أنْ أقرَّ الله لهم العذاب العظيم، فتح لهم فرصة التوبة وباب التوبة، فاستثنى وقال:

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: 34]

يعني أنَّ العذاب العظيم إنما هو مقرَّر على من كرَّر الفعل حتى مات، وكأنه قد استحلَّه ولو عمليًّا.

الاستحلال العملي للمعصية وشروط التوبة الأربعة

والاستحلال العملي [للمعصية] هو أنه لا يبالي ولا يريد أن ينتهي عن الفعل، وأنه سادرٌ في غيِّه وفي فعله حتى يموت.

أما الذين غيَّروا حياتهم وأوقفوا هذا التزييف من المعصية حيث ما كانوا يؤمنون وأعلنوا التوبة، فالتوبة لها ثلاثة شروط أو أربعة:

  • إذا كان الذنب متعلقًا بالله فلا بد من الندم والإقلاع عن الذنب والعزم على ألَّا يعود إليه مرة أخرى.

  • أما الفعل المتعلق بالعبد فيُضاف إليه رابع، وهو أن يرجع الحق إلى العبد [صاحب الحق].

حكم التوبة قبل القدرة على المحارب وإقامة الحد بعدها

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34]

أما إذا ما تمكَّن منه [القاضي] فقال: تبتُ إلى الله، وكان صادقًا من قلبه، قُبلت توبته عند الله، ولا يمنع ذلك من إقامة الحد عليه؛ لأنه حقُّ مجتمعه.

والذي عرفنا أنه حقُّ المجتمع وأنه لا نُفرِّط فيه، أنَّ الله قد كشفه وأمكن منه، ولو أراده الله في الستر لَمَا كشفه ولَمَا أمكن منه.

قصة الإمام علي مع السارق وفقه تكرار المعصية وتطبيق الحد

وهنا يُروى عن الإمام علي رضي الله تعالى عنه أنه وهو خليفةٌ أُتِيَ له بسارق، فوقع الحكم بقطع اليد، وسيأتي معنا في [سورة] المائدة:

﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]

فجاءت أمُّه تبكي وتقول: اقبل شفاعتي فيه سيدي. فقال [الإمام علي]: لا، وصل إلى الحاكم، انتهى الأمر، خلاص، لا بدَّ أن يُقام الحد. فأقام الحد عليه.

ثم سأله أمام أمه: كم مرة سرقتَ فيها؟ قال: هي السابعة عشرة. قال له: ما كان الله ليكشف من أول [مرة]، ربٌّ رحيم لا يكشف من أول مرة، ولكن يُمهله مرة وثانية وثالثة.

بفقه الإمام علي ونور بصيرته عرف أنَّ هذا قد تكرَّر منه الفعل، وتكرار الفعل من موجبات تطبيق العقوبة عند القضاء، وأنَّ الله ستَّارٌ حليم ستره مرات، لكنه لم يتب.

وجوب التوبة في كل حال قبل الحد وعنده وبعده

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 34]

فإذا تاب الإنسان فإنَّ واجبًا عليه أن يتوب قبل الحد، وعند الحد، وبعد الحد، قبل أن يُكتشف وبعد أن يُكتشف.

وإذا أراد الإنسان أن يتوب فإنَّ الشريعة عندما رأت أنه يجب عليه أن يستر على نفسه من الرحمة، لا أن يُبلِّغ عن نفسه عند القاضي ويقول له: إنني زللتُ. فلا تفعل مثل ذلك، هذا بينك وبين الله، فتُب في السر.

التوبة بين الستر والشفافية ونهي النبي عن فضح النفس

وكثير من الناس تعتقد أنَّ التوبة من شروطها الشفافية، فيفضح نفسه. والنبي صلى الله عليه وسلم نهانا عنه وأمرنا بعكسه، وأنَّ الإنسان يتوب بينه وبين ربه، من غير أن يُسيء سمعته عند الآخرين.

وهو أجدر بأن ينسى الذنب، وهو نوع من أنواع قبول التوبة أن ينسى الإنسان ذنبه ويقول: أنا لم أُذنب قط. هو أذنب لكنه يشعر أنَّ صفحته أصبحت بيضاء، والله عفوٌّ غفور رحيم حليم سبحانه وتعالى.

خطورة الاعتراف بالذنب أمام الناس وأثره على شيوع الفاحشة

ولذلك يعتقد الكثير من الناس خطأً أنَّ من قبيل التوبة الحسنة أن يعترف بذنبه أمام الناس. أبدًا! هناك مردود اجتماعي أحسن، وهو أنَّ الفاحشة لا تشيع في وسط المؤمنين، وأنَّ هذا الأمر خطير، وأنه لا يتحول إلى شيء عادي.

الناس يقولون له: ألم تقل يا أخي، اصدق واهتدِ؟ على العكس، يقول لي: لا، كل الناس ترتكب الذنوب وأنا سأفعل مثلهم بك؟ فيتجرَّأ الإنسان على المعصية، فتظهر المعصية بدعوى الشفافية.

أمر النبي بالستر على النفس وعلى الأخ المسلم

بعضهم يعرف الشفافية من أصحاب عصرنا هذا، يكون إنسانًا يُبيِّن من أين يسرق، ويُبيِّن ما هي الفواحش التي يرتكبها. هكذا! بئس الشفافية تلك الشفافية!

فقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن يستر الإنسان على نفسه وأن يستر الإنسان على أخيه.

قال رسول الله ﷺ: «من ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا، ستر الله عليه في الدنيا والآخرة»

فالستر جميل، والشفافية الفاضحة قبيحة.

تأكيد النبي على الستر والنهي عن التفتيش على الناس

والنبي صلى الله عليه وسلم يؤكد ذلك في الحديث:

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 34]

التفتيش على الناس ممنوع، الستر جميل. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

قال رسول الله ﷺ: «ولو أن تستر أخاك بهُدبة ثوبك»

حتى لو رأيته يفعل المعصية، استر عليه وقل: يا رب استر، فيسترها الله معك في الدنيا والآخرة.

دعوة المؤمنين إلى التقوى وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَـٰهِدُوا فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 35]

بعد هذا الذي ذكرناه [من أحكام الحدود والتوبة] يقتضي من المؤمنين التقوى؛ يقتضي منهم أن يتذكروا الله سبحانه وتعالى في كل حين، وتذكُّر الله في كل حين من التقوى.

يقتضي منهم أن يعملوا بالقرآن الكريم، والعمل بالقرآن الكريم من التقوى. يقتضي منهم أن يلتزموا بالشرع الشريف، وأن تتعلق قلوبهم بالآخرة، وكل هذا جزء من التقوى.

أما الوسيلة فكلامها كثير، نؤجله إلى حلقة قادمة إن شاء الله حتى نستفيض فيها بإذن الله تعالى على وجهها الأكمل.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

على من يقع العذاب العظيم المذكور في سورة المائدة لمن حارب الله ورسوله؟

على من كرّر الفعل وأصرّ عليه حتى مات

كم عدد شروط التوبة إذا كان الذنب متعلقًا بحق العبد؟

أربعة شروط

ما الشرط الرابع الذي يُضاف للتوبة حين يتعلق الذنب بحق العبد؟

رد الحق إلى صاحبه

ماذا قال الإمام علي لأم السارق حين طلبت منه الشفاعة في ابنها؟

رفض الشفاعة وأقام الحد

كم مرة سرق السارق الذي أُتي به إلى الإمام علي رضي الله عنه؟

المرة السابعة عشرة

ما الموقف الشرعي من الاعتراف بالذنب أمام الناس بدعوى الشفافية؟

منهي عنه لأنه يُشيع الفاحشة

ما مضمون الحديث النبوي الوارد في فضل الستر على المسلم؟

من ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة

ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولو أن تستر أخاك بهدبة ثوبك»؟

أن تستر عليه معصيته حتى لو رأيته يفعلها

هل تسقط التوبة الحدَّ عن المذنب إذا تاب بعد القبض عليه؟

لا، الحد حق المجتمع ولا يسقط بالتوبة

ما الذي تشمله التقوى المأمور بها في آية المائدة 35؟

تذكر الله والعمل بالقرآن والالتزام بالشرع وتعلق القلب بالآخرة

ما الأثر الاجتماعي السلبي للاعتراف العلني بالذنب؟

يُشيع الفاحشة ويُجرئ الآخرين على المعصية

ما الذي يدل عليه كشف الله للمذنب وتمكين القاضي منه وفق تفسير الآية؟

أن الله أراد تطبيق العدل وإقامة الحد

ما المقصود بالاستحلال العملي للمعصية؟

هو أن يسترسل الإنسان في المعصية دون مبالاة ودون إرادة الانتهاء عنها حتى يموت، كأنه استحلها بفعله وإن لم يُصرّح بذلك.

ما الشروط الثلاثة للتوبة من الذنب المتعلق بالله؟

الندم على الذنب، والإقلاع عنه فورًا، والعزم الصادق على عدم العودة إليه مرة أخرى.

لماذا لا تسقط التوبة الحدَّ بعد القبض على المذنب؟

لأن الحد حق المجتمع لا حق الله وحده، وكون الله كشف المذنب وأمكن منه دليل على إرادة تطبيق العدل.

ما الفقه الذي استنبطه الإمام علي من سؤاله للسارق عن عدد مرات السرقة؟

أن تكرار المعصية من موجبات تطبيق العقوبة عند القضاء، وأن الله ستّار حليم يُمهل المذنب مرات قبل أن يكشفه.

متى تجب التوبة على الإنسان؟

التوبة واجبة في كل حال: قبل الحد وعنده وبعده، وقبل الاكتشاف وبعده، ولا يُشترط لها الإفصاح أمام الناس.

لماذا أمرت الشريعة الإسلامية بالستر على النفس وعدم التبليغ عنها؟

من الرحمة بالإنسان حتى لا يُسيء سمعته عند الآخرين، والتوبة بينه وبين الله كافية دون الحاجة إلى الإفصاح.

ما علامة قبول التوبة المذكورة في هذا التفسير؟

أن ينسى الإنسان ذنبه ويشعر أن صفحته أصبحت بيضاء نقية، وهو نوع من أنواع قبول التوبة.

كيف تُشيع الشفافية الفاضحة الفاحشة في المجتمع؟

حين يعترف الإنسان بذنبه علنًا يتجرأ الآخرون على المعصية بحجة أن الجميع يرتكبها، فتتحول المعصية إلى أمر عادي.

ما نص الحديث النبوي الوارد في فضل الستر على المسلم؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة».

ما معنى حديث «ولو أن تستر أخاك بهدبة ثوبك»؟

يعني أن الإنسان يجب أن يستر على أخيه المسلم حتى لو رأى معصيته بعينه، ويدعو الله أن يستره.

ما حكم التفتيش على معاصي الناس في الإسلام؟

التفتيش على الناس ومعاصيهم ممنوع شرعًا، والستر عليهم واجب، والنبي أمر بالستر حتى بهدبة الثوب.

ما مقتضيات التقوى المذكورة في آية المائدة 35؟

تذكر الله في كل حين، والعمل بالقرآن الكريم، والالتزام بالشرع الشريف، وتعلق القلب بالآخرة.

ما الفرق بين الستر الجميل والشفافية الفاضحة؟

الستر الجميل هو إخفاء المعاصي وعدم إشاعتها حفاظًا على المجتمع، أما الشفافية الفاضحة فهي كشف العورات والذنوب أمام الناس وهي قبيحة مذمومة.

ما الغاية من الأمر بالجهاد في سبيل الله في ختام آية المائدة 35؟

الجهاد في سبيل الله مع التقوى وابتغاء الوسيلة هو الطريق إلى الفلاح، وهو ثمرة الالتزام بأحكام الشريعة.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!