اكتمل ✓
تفسير سورة المائدة وعبرة العمى والصمم عن شرع الله وسعة مغفرته - تفسير, سورة المائدة

ما تفسير سورة المائدة في قوله تعالى فعموا وصموا وما العبرة من قصة بني إسرائيل وتوبة الله عليهم؟

تفسير سورة المائدة في الآية 71 يكشف أن بني إسرائيل ظنوا أن ترك شرع الله لا يترتب عليه عقوبة، فعموا وصموا عن الشريعة ومصالحهم وما يحدث حولهم. ثم تاب الله عليهم بفضله الواسع، غير أن كثيرًا منهم عادوا إلى العمى والصمم مرة ثانية بمحض الشهوة. والعبرة أن الله توّاب يقبل التوبة مهما عظمت الذنوب، وأن الإعراض عن شرع الله يُفسد أدوات التلقي والإدراك.

3 دقائق قراءة
  • هل يمكن أن يرتكب الإنسان من الذنوب ما يعادل تراب الأرض كلها، وماذا يحدث لو تاب بعدها؟

  • سورة المائدة تحكي قصص الأمم السابقة لنأخذ منها العبرة ونعرف ما يغضب الله وما يُرضيه.

  • بنو إسرائيل ظنوا أن التفريط في شرع الله لا يترتب عليه فتنة ولا ضياع مصالح، فكانت نتيجة حسابهم خاطئة.

  • العمى والصمم عن شرع الله يُفسد أدوات التلقي، فيعمى الإنسان عن الشريعة ومصلحته وما يجري حوله.

  • تفسير سورة المائدة يُبرز أن الله توّاب يقبل التوبة حتى لو كانت الذنوب بقراب الأرض، كما في الحديث القدسي العظيم.

  • بعد توبة الله على بني إسرائيل عاد كثير منهم إلى العمى والصمم بالشهوة لا بالتأويل، وهو درس للمؤمنين في كل زمان.

مقدمة في سورة المائدة والعبرة من قصص الأمم السابقة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يحكي لنا ربنا سبحانه وتعالى ما الذي حدث في الأمم السابقة، ما الذي حدث في أمم غيرنا وفي ملل سوانا، من أجل أن نأخذ العبرة؛ فنرى ما الذي يغضب الله سبحانه وتعالى فنبتعد عنه، ونرى ما الذي يحبه فيهم ويمدحه فيهم فنفعله؛ لأن ذلك يقربنا إلى الله سبحانه وتعالى.

أهداف قصص القرآن الكريم وضرورة التدبر في كل آية

قصص القرآن الكريم وجداله مع الآخرين له أهداف، منها أنه ينبههم إلى أنفسهم لعلهم يرجعون، ومنها أن هذا القرآن هدى للمتقين؛ فيجب عليك وأنت تقرأ ألا تحصر نفسك في شيء دون شيء، بل عليك أن تقف أمام كل آية، وأن تعرف العبرة منها، وأن تجعلها موجهة إليك.

ولذلك بالإضافة إلى المعلومة التي سوف يحكيها لك، خذ منها لنفسك، وهو أنك لا تفعل هذا [المحرّم]، وأنك تفعل هذا [الخير] من أجل رضوان الله سبحانه وتعالى.

ظنهم أن ترك شرع الله لا يترتب عليه فتنة ولا عقوبة

يحكي [الله سبحانه وتعالى] عنهم [عن بني إسرائيل] فيقول:

﴿وَحَسِبُوٓا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: 71]

اعتقدوا أن التفريط في أمر الله وترك شرع الله وكتاب الله لا يترتب عليه شيء من ضياع مصالح الدنيا، وأن الأمور سوف تسير كما هي، وأنه لا بأس علينا من أن نسير في هذه الدنيا نؤمن في الظاهر ونترك شرع الله في الحقيقة.

ظنوا هكذا، عقولهم ذهبت بهم هذا المذهب. وحسبوا، وكلمة "حسبوا" أي ظنوا وتوهموا وفكروا بالحساب؛ فأدى لهم هذا الحساب الظاهر إلى نتيجة خاطئة.

العمى والصمم عن شرع الله وبداية خراب أدوات التلقي

ألا تكون فتنة؟ بالحساب هكذا سيحدث ماذا؟ لا شيء! أنترك شرع الله ولا تكون فتنة ولا شيء؟

﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: 71]

بدأت أدوات التلقي في الخراب؛ لا هم يبصرون، ولا هم يسمعون.

ما هو أول شيء [حدث لهم]؟ أنهم عَمُوا وصمُّوا عن شرع الله؛ فأصبح شرع الله في معزل عنهم وهم في معزل عن شرع الله. عَمُوا وصمُّوا.

توبة الله عليهم رغم جفائهم وهروبهم من شرعه سبحانه

حسنًا، وماذا حدث بعد ذلك؟ انظر إلى ما سيأتي:

﴿ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 71]

انظر إلى الفضل الآن! الله سبحانه وتعالى مع هذا الجفاء، مع هذا الهروب مِن الله وليس إلى الله، تاب الله عليهم. ومعنى هذا أن الله توّاب، يعني كثير قبول التوبة من عباده.

حديث قدسي عظيم في سعة مغفرة الله لعباده التائبين

والنبي صلى الله عليه وسلم يروي [في الحديث القدسي]:

«يا ابن آدم لو جئتني بقُراب الأرض ذنوبًا ثم جئتني تائبًا لغفرت لك»

وهذه صورة عجيبة غريبة، كلام يُكتب بالذهب؛ لأن الإنسان لا يستطيع في حياته المعتادة أن يرتكب ذنوبًا بعدد ذرات تراب متر مكعب واحد من الأرض الفسيحة.

يعني أحضر مترًا مكعبًا من التراب، هذا المتر يعادل حمولة خُمْس شاحنة؛ فالشاحنة الواحدة تحمل خمسة أمتار، أي أحضر خُمْس شاحنة من التراب واجلس لتعد ذرات التراب فيه. حسنًا، سيكون رقمًا كبيرًا!

استحالة أن يرتكب الإنسان ذنوبًا بقدر تراب الأرض كلها

فأحضر لي معاصٍ بعدده، افعل معاصٍ بالرقم الذي ظهر أمامك. حسنًا، ستقترف معصية كل كم من الوقت؟ كل ثانية! سترتكب معصية كل ثانية، احسب ثواني حياتك حتى مئة سنة، ستصل إلى رقم عُشْر متر من التراب.

هذا حسنًا، أنت الآن من العيار الثقيل، لقد ارتكبت مصائب كثيرة! انتبه، أنت حتى الآن لم تعرف أن تأتي بمعاصٍ بمقدار عُشْر متر تراب! لو قلنا أنك جئت بتراب الأرض كلها فهذا مستحيل؛ لأنه لا يوجد وقت، لا يوجد وقت للمعصية.

ثم جئت تائبًا فغفر لك. أفلا يُحب سبحانه وتعالى؟ بلى إنه يُحب!

الحث على عدم التأخر في العبادة والإنفاق في سبيل الله

أتتأخر في عبادته؟ والله أبدًا، نحن الخاسرون! أتتأخر في صلاتك؟ أتتأخر في الدعاء؟ أتتأخر في الذكر؟

لا تخرج هكذا من مالك للفقراء من أجله وهو الذي رزقك المال! والله لو تأملت جيدًا وآمنت به يحصل لك حال مع الله سبحانه وتعالى.

عودتهم إلى العمى والصمم بعد توبة الله عليهم مرة أخرى

﴿وَحَسِبُوٓا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 71]

طيب، تاب الله عليهم فكان ينبغي أن يلتفتوا إلى الله.

﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: 71]

الأول كلهم عَمُوا وصمّوا بناءً على تأويل عقل، بعد ذلك اتضح لهم أن هذا انحراف؛ فاستغفروا ربهم وتابوا وتاب الله عليهم. وبعد ذلك ومن غير حسبان وبمحض الشهوة ومن غير تدبّر، عَمُوا وصمّوا مرة ثانية.

ثلاثة أشياء عَمُوا وصمُّوا عنها وعلامات العمى الحقيقي

حسنًا، سيعمون عن أي شيء إذن ويصمّون عن أي شيء؟

  1. عن الشريعة.

  2. عن مصلحتهم.

  3. عن الذي يحدث حولهم.

إذ أن الذي لا يرى من الغربال يكون أعمى. فعندما يجلس الإنسان ويتدبر مع نفسه هكذا ويرى أن الأمور في تدهور وليست في تقدم، ويرى أن الإنسان من المعصية وصل إلى اللامعقول، ويرى أنه:

﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]

ومن لا يرى شيئًا أمامه فهو أعمى، ومن لا يرى من الغربال فهو أعمى، ومن لا يسمع ضجيج القطار وهو قادم نحوه ليصدمهم فهو أصم.

﴿وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 71]

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ماذا ظن بنو إسرائيل حين تركوا شرع الله وفق الآية 71 من سورة المائدة؟

أن ترك شرع الله لا يترتب عليه فتنة ولا ضياع مصالح

ما معنى كلمة «حسبوا» في قوله تعالى ﴿وحسبوا ألا تكون فتنة﴾؟

ظنوا وتوهموا وفكروا بالحساب

ما أول ما حدث لبني إسرائيل حين تركوا شرع الله؟

بدأت أدوات التلقي في الخراب فعموا وصموا

ما الذي يدل عليه قوله تعالى ﴿ثم تاب الله عليهم﴾ في سورة المائدة؟

أن الله توّاب كثير قبول التوبة من عباده رغم جفائهم

ما نص الحديث القدسي الوارد في تفسير سورة المائدة عن سعة مغفرة الله؟

يا ابن آدم لو جئتني بقراب الأرض ذنوبًا ثم جئتني تائبًا لغفرت لك

لماذا يستحيل على الإنسان أن يرتكب ذنوبًا بمقدار تراب الأرض كلها؟

لأنه لا يوجد وقت كافٍ لارتكاب هذا العدد من المعاصي

ما الفرق الجوهري بين العمى والصمم الأول والثاني لبني إسرائيل في سورة المائدة؟

الأول كان بتأويل عقلي خاطئ والثاني كان بمحض الشهوة دون تدبر

ما الأشياء الثلاثة التي عمي عنها بنو إسرائيل وصموا عنها؟

الشريعة ومصلحتهم وما يحدث حولهم

بماذا تختم الآية 71 من سورة المائدة؟

﴿والله بصير بما يعملون﴾

ما الآية التي ضربها الله مثلًا للقرية التي كفرت بأنعمه فأذاقها لباس الجوع والخوف؟

من سورة النحل

ما الهدف الرئيسي من قصص القرآن الكريم عن الأمم السابقة؟

تنبيه الناس إلى أنفسهم وأخذ العبرة لتقريبهم من الله

ما الذي يحدث للإنسان حين يتأمل ويؤمن بفضل الله وسعة مغفرته؟

يحصل له حال مع الله سبحانه وتعالى

ما الغرض من حكاية الله عن الأمم السابقة في القرآن الكريم؟

الغرض أخذ العبرة؛ لنرى ما يغضب الله فنبتعد عنه، وما يُحبه فنفعله، لأن ذلك يُقرّبنا إلى الله.

ما الموقف الصحيح للمسلم حين يقرأ آيات القرآن الكريم؟

ألا يحصر نفسه في المعلومة فحسب، بل يقف أمام كل آية ليعرف عبرتها ويجعلها موجّهة إليه شخصيًا.

ما الخطأ الذي وقع فيه بنو إسرائيل حين تركوا شرع الله؟

ظنوا أن ترك شرع الله لا يترتب عليه فتنة ولا ضياع مصالح الدنيا، وهو حساب أدى إلى نتيجة خاطئة.

ما أثر ترك شرع الله على أدوات الإدراك عند الإنسان؟

يُفسد أدوات التلقي فيعمى الإنسان ويصمّ، فيصبح شرع الله في معزل عنه وهو في معزل عن شرع الله.

ما معنى أن الله «توّاب»؟

أي كثير قبول التوبة من عباده، يقبل توبتهم مهما أذنبوا وإن كانوا قد هربوا من شرعه.

ما المقصود بـ«قراب الأرض» في الحديث القدسي؟

يعني ما يقارب ملء الأرض من الذنوب، وهو عدد هائل يستحيل على الإنسان بلوغه في حياته.

كم يعادل المتر المكعب من التراب من حمولة الشاحنة؟

يعادل خُمس شاحنة، إذ الشاحنة الواحدة تحمل خمسة أمتار مكعبة.

لو ارتكب الإنسان معصية كل ثانية طوال مئة سنة فكم يبلغ مجموع ذنوبه؟

لن يتجاوز عُشر متر من التراب، وهو رقم ضئيل جدًا مقارنة بتراب الأرض كلها.

ما الذي ينبغي أن يدفع المسلم إليه إدراكُه لسعة مغفرة الله؟

المبادرة بالعبادة من صلاة ودعاء وذكر، والإنفاق للفقراء دون تأخير أو تقصير.

لماذا كان العمى والصمم الثاني لبني إسرائيل أشد خطورة من الأول؟

لأنه جاء بمحض الشهوة ومن غير تدبر بعد أن تاب الله عليهم، لا بتأويل عقلي يمكن تصحيحه.

هل شمل العمى والصمم الثاني جميع بني إسرائيل؟

لا، بل شمل «كثير منهم» فقط، مما يدل على أن بعضهم ثبت على التوبة ولم ينتكس.

ما الأشياء الثلاثة التي يعمى عنها من يترك شرع الله؟

يعمى عن الشريعة، وعن مصلحته، وعما يحدث حوله من تدهور وأحداث.

ما مثل الأعمى الحقيقي الذي ضُرب في تفسير الآية؟

من لا يرى شيئًا أمامه، ومن لا يرى من الغربال، ومن لا يسمع ضجيج القطار القادم نحوه ليصدمه.

ما الآية القرآنية التي تصف القرية التي كفرت بأنعم الله فعوقبت بالجوع والخوف؟

﴿وضرب الله مثلًا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون﴾ من سورة النحل.

بم تختم الآية 71 من سورة المائدة وما دلالة هذه الخاتمة؟

تختم بقوله تعالى ﴿والله بصير بما يعملون﴾، وهو تحذير بأن الله مطّلع على كل أعمال العباد ظاهرها وباطنها.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!