ما هي أنواع القياس في أصول الفقه وما الفرق بين العلة والحكمة في استنباط الأحكام؟
القياس في أصول الفقه ثلاثة أنواع: قياس الأولى حين تكون العلة في الفرع أظهر من الأصل، وقياس المساواة حين تتساوى العلتان، وقياس الأدنى حين تكون العلة في الفرع أقل. وأركانه أربعة: الأصل وحكمه والعلة والفرع. أما الفرق بين العلة والحكمة فهو أن العلة وصف ظاهر منضبط يدور معه الحكم وجوداً وعدماً، بينما الحكمة هي الغاية الباطنة غير المنضبطة التي لا يدور معها الحكم.
- •
هل يمكن أن تكون جميع أفعال الإنسان مباحة بالأصل قبل ورود النهي الشرعي، بما فيها القتل والسرقة؟
- •
النصوص الشرعية محصورة ومحدودة بينما الحوادث متجددة، مما يستوجب منهجاً للإلحاق يُعرف بالقياس.
- •
القياس له أربعة أركان: الأصل وحكمه والعلة والفرع، وثمرته هي حكم الفرع المستنبط.
- •
أنواع القياس ثلاثة: قياس الأولى وقياس المساواة وقياس الأدنى، وتتفاوت بحسب قوة العلة في الفرع.
- •
الحكم يدور وجوداً وعدماً مع علته الظاهرة المنضبطة لا مع حكمته الباطنة كالمشقة في السفر أو الرضا في العقود.
- •
العمل بالقياس واجب شرعاً لأنه يُولّد ظناً راجحاً، واتباع الراجح لازم عقلاً لاستحالة الجمع بين النقيضين أو اتباع المرجوح.
- 0:00
النظريات الأصولية الخمس تسلسلت منطقياً من الحجية إلى الثبوت إلى الدلالة، لتشكّل منهجاً علمياً متكاملاً في استخراج الأحكام الشرعية.
- 1:48
نظرية القطعية والظنية حددت هيكل الدين الأساسي عبر الإجماع، وميّزت بين المساحة القطعية التي لا خلاف فيها والمساحة الظنية القابلة للاجتهاد.
- 3:19
أحاديث الأحكام لا تتجاوز ثلاثة آلاف من ستين ألفاً، وهذه المحدودية في مقابل تجدد الحوادث هي الدافع الأساسي لنظرية الإلحاق والقياس.
- 4:42
الفقيه بين استصحاب الأصل في الإباحة وبين الإلحاق بالقياس، وكلاهما يهدف إلى الحفاظ على المنهاج الرباني في مواجهة تجدد الحوادث.
- 5:59
الأصل في أفعال الإنسان الإباحة قبل ورود النهي الشرعي، والشريعة جاءت لتحديد المحرمات وما سكتت عنه يبقى مباحاً بأصل الشرع.
- 7:33
القرآن نهى عن أفعال محددة كالزنا والقتل وأكل مال اليتيم، وما سكت عنه بعد ذلك يبقى على أصل الإباحة الشرعية.
- 8:28
غياب النص الصريح في مسألة التنازع على الإيجار رغم وجوده في البيع والخطبة هو المثال الذي أطلق التفكير في نظرية القياس عند الأصوليين.
- 9:47
التربية الإسلامية المستمدة من النصوص الآمرة بالأخوة والناهية عن التنازع جعلت الفقيه يشعر بأن التنازع على الإيجار يخالف مقاصد الشريعة.
- 10:56
استصحاب الأصل أفضى إلى إباحة التنازع على الشقق وهو ما رفضه قلب الفقيه، فبحث عن الجامع بين المسألتين وهو النهي عن النزاع والخصام.
- 12:20
نشأة القياس جاءت من إدراك الأصولي أن الإيجار يشارك البيع في علة التحريم وهي الإفضاء إلى التنازع، فألحق الفرع بالأصل.
- 13:48
العلة وصف قائم بالأصل شُرع الحكم من أجله، وإذا تحقق هذا الوصف في الفرع جاز إلحاقه بالأصل لاشتراكهما في الجامع.
- 15:11
أركان القياس الأربعة الأصل وحكمه والعلة والفرع تطبق على مسألة الإيجار فيُحكم بحرمة التنازع عليه قياساً على البيع لاشتراكهما في علة التنازع.
- 16:26
القياس لغةً المساواة والتقدير، واصطلاحاً تشبيه فرع بأصله لعلة جامعة بينهما بهدف نقل حكم الأصل المنصوص إلى الفرع غير المنصوص.
- 17:59
حكم الفرع ثمرة القياس لا ركن فيه، وأركانه الأربعة هي الأصل وحكمه والعلة والفرع، وتوافرها يُمكّن المجتهد من عملية الإلحاق.
- 19:26
المجتهد يشعر بالرضا عند القياس لأنه يتفهم مراد الشارع ويطبق المنهج الرباني، بدلاً من الوقوف الجامد عند ظاهر النصوص المفضي إلى نتائج تعارض الأصول الكلية.
- 20:57
القياس واجب شرعاً عند جمهور الأصوليين لأنه يُولّد ظناً راجحاً بحكم الله، والمجتهد الذي يستقرئ الشرع ويدرك مقاصده يلزمه اتباع هذا الظن.
- 22:07
المجتهد يقوم بثلاث عمليات: استقراء الشرع وإدراك مقاصده، ثم استيعاب الواقع الجديد، ثم مقارنة العلة في الفرع بالأصل للاطمئنان إلى الاشتراك.
- 23:14
أنواع القياس ثلاثة تبعاً لقوة العلة في الفرع مقارنةً بالأصل: قياس الأولى حين تكون أقوى، وقياس المساواة حين تتساوى، وقياس الأدنى حين تكون أضعف.
- 24:06
القسمة العقلية تُثبت أن المجتهد أمام احتمالين فقط بعد استحالة الجمع بين النقيضين، والقياس يرجّح أحدهما فيجب اتباع الراجح.
- 25:32
استحالة الجمع بين النقيضين عقلاً تُقلّص احتمالات الحكم الشرعي إلى اثنين فقط: الإباحة أو الحرمة، وهو ما يُمهّد لوجوب اتباع الراجح.
- 26:41
القياس يُطمئن المجتهد ويُرجّح أحد الاحتمالين في ذهنه، فيصبح اتباع هذا الراجح واجباً لأن اتباع المرجوح والتناقض كلاهما ممنوعان عقلاً.
- 28:14
وجوب اتباع الظن الراجح مبني على استحالة البديلين: الجمع بين النقيضين واتباع المرجوح، فلا يبقى إلا اتباع الراجح وهو الواجب.
- 29:16
الأصوليون توسعوا في دراسة أركان القياس وضبطوا كيفية استنباط العلة وتحقيقها في الفرع، وحددوا مسالك العلل بين المنصوص والمستنبط.
- 30:24
قياس الأولى يظهر في تحريم ضرب الوالدين قياساً على تحريم التأفف، لأن علة الإيذاء في الضرب أعظم بكثير منها في التأفف.
- 31:40
الضحك من المثال جاء لأن العلة وهي الإيذاء متحققة في الضرب بدرجة أعظم بكثير من التأفف، فمن حُرّم عليه الأقل يُحرّم عليه الأكثر بداهةً.
- 32:57
قياس الأولى يُسمى أحياناً قياساً في معنى النص لأن العلة في الفرع أقوى بكثير من الأصل، كتحريم ضرب الوالدين الذي هو في معنى النهي عن التأفف.
- 34:21
قياس المساواة يظهر في قياس إحراق مال اليتيم على أكله في التحريم، لأن العلة وهي ضياع المال على اليتيم متساوية في الصورتين.
- 35:35
إحراق مال اليتيم وأكله متساويان في التحريم لأن النتيجة على اليتيم واحدة في الحالتين وهي ضياع المال، وهذا هو قياس المساواة بالعلة المتساوية.
- 37:01
قياس الأدنى يظهر في مسألة الربا حيث اختلف الأئمة في علة تحريم الأصناف الستة بين القوت والطعم والمماثلة، مما يجعل العلة أقل وضوحاً من قياس الأولى والمساواة.
- 38:17
اختلف الأئمة الثلاثة في علة تحريم الربا: مالك يرى القوت، والشافعي يرى الطعم، وأبو حنيفة يرى المماثلة في الجنس والقدر.
- 39:18
قوت البلد عند مالك هو الطعام الأساسي اليومي كالقمح والأرز، وعلى هذا يُطبّق حكم الربا على الأقوات دون الكماليات.
- 40:30
مالك يُفرّق بين الكماليات التي لا تُحدث أزمة بزوالها والأقوات الأساسية التي تُحدث أزمة حقيقية، وعلى هذا يُطبّق حكم الربا.
- 41:48
الشافعي جعل علة الربا الطعم فيشمل كل مأكول، وأبو حنيفة جعلها المماثلة في الجنس والقدر، وهذا الاختلاف يُفضي إلى اختلاف في تطبيق القياس.
- 43:07
اختلاف الأئمة في علة الربا يُفضي إلى اختلاف أقيستهم: فمالك يُجيز التفاضل في الأمتار لأنها ليست قوتاً، والشافعي يُحرّمه في الكمثرى لأنها مطعومة.
- 44:17
اختلاف الأئمة في علة الربا دليل على أن العلة المستنبطة ظنية لا قطعية، وهم متفقون على منهج القياس لكن يختلفون في تحديد العلة وتطبيقها.
- 45:47
الخلاف في القياس نوعان: خلاف في تحديد علة الأصل، وخلاف في تحقيق هذه العلة في الفرع، وكلاهما يُفضي إلى اختلاف الأحكام.
- 47:15
العرف يؤثر في تحديد ما يدخل في علة الطعم، فالبرسيم الذي يُعدّ طعام البهائم عرفاً قد لا يجري فيه الربا عند من يُحكّم العرف في تحقيق العلة.
- 48:34
الفول المدمس طعام بشر في مصر وطعام بهائم في إيطاليا، وهذا يُبيّن أن تحقيق علة الطعم في الفرع يختلف باختلاف الأعراف والبلدان.
- 49:29
شافعيان يتفقان على علة الطعم لكن يختلفان في البرسيم: أحدهما يُدخله في الطعم والآخر يُخرجه بحكم العرف، وهذا خلاف في تحقيق العلة في الفرع.
- 50:41
القياس ظني في مجمله لأن استنباط العلة وتحقيقها في الفرع كلاهما ظن، لكن الأصوليين ضبطوه بشروط دقيقة لكل ركن من أركانه.
- 51:50
منكرو القياس يحتجون بأن الخمر لغةً هي عصير العنب فقط، وأن قياس المسكرات الأخرى عليها تشريع لما سكت عنه النص.
- 53:37
للخمر تسعون اسماً في العربية، وقد جمع الفيروزابادي في كتابه الروض المألوف الأشياء التي لها أسماء متعددة في لغة العرب.
- 54:36
حديث كل مسكر خمر أغنى منكري القياس عن قياس المسكرات على الخمر، لأن الشرع وسّع معنى الخمر ليشمل كل مسكر.
- 55:38
أحاديث ما أسكر كثيره فقليله حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف حرام تُغني عن القياس في تحريم المسكرات عند منكريه.
- 56:47
منكرو القياس يردون على مثال الإيجار بأن النصوص العامة الناهية عن التنازع والآمرة بالأخوة تشمله مباشرةً دون حاجة للقياس.
- 57:46
نفي الأقل يستلزم نفي الأكثر في بلاغة العرب، وهو ما يُسمى مفهوم الموافقة، ويستخدمه منكرو القياس لإدراج الأشد في النهي دون حاجة للقياس.
- 58:57
الجمهور يرى أن خلافه مع منكري القياس لفظي في أغلب المسائل لأنهم يصلون إلى نفس الأحكام، لكن منهج القياس أشد ضبطاً وأقدر على التوصيل.
- 60:05
الخلاف الحقيقي بين الجمهور والظاهرية يظهر في الربا: الظاهرية تقتصر على الأصناف الستة، والجمهور يُجري الربا في كل ما تحققت فيه العلة.
- 61:18
العلة وصف ظاهر منضبط يُجيب على لماذا شُرع الحكم، والحكمة هي الغاية التي قد تكون خفية أو مضطربة، والفرق بينهما أساسي في تطبيق القياس.
- 63:10
الرضا حكمة لا علة في عقود البيع لأنه باطن في القلب لا يُرى ولا يُدرك، والعلة يجب أن تكون ظاهرة محسوسة كالألفاظ.
- 64:45
اضطراب الرضا بين الإرادة وعدمها يجعله غير منضبط فلا يصلح علةً، بينما الألفاظ محسوسة منضبطة تصلح علةً للعقود.
- 65:59
الألفاظ علة العقد لأنها ظاهرة منضبطة محسوسة، والرضا حكمته لأنه باطن مضطرب، والحكم يدور مع الألفاظ لا مع الرضا.
- 67:10
بيع الإكراه لا يجوز لانعدام الرضا الذي هو حكمة العقد، لكن الرضا ليس مناط الحكم في كل تفاصيله لأنه خفي مضطرب والألفاظ هي العلة.
- 68:24
قاعدة الحكم يدور مع علته لا مع حكمته تعني أن الحكم يثبت بوجود العلة الظاهرة المنضبطة حتى لو تخلفت الحكمة الباطنة.
- 69:38
شرب الخمر حرام حتى لو لم يُفقد العقل لأن فقدان العقل حكمة والإسكار هو العلة، والحكم يدور مع الإسكار لا مع فقدان العقل.
- 70:32
الخلط بين العلل والحكم مدخل شيطاني يُتيح التحايل على الأحكام بادعاء انتفاء الحكمة، والصحيح أن الحكم يدور مع العلة الظاهرة المنضبطة.
- 71:30
علة قصر الصلاة هي المسافة الظاهرة المنضبطة، وحكمته هي المشقة الباطنة المضطربة، والحكم يدور مع المسافة لا مع المشقة.
- 72:35
المشقة لا تصلح علةً لقصر الصلاة لأنها تختلف من شخص لآخر ومن سفر لآخر، وهذا الاضطراب يجعلها حكمةً لا علةً.
- 73:36
حديث السفر قطعة من العذاب يُثبت وجود المشقة في السفر، لكن المشقة تختلف من مسافر لآخر مما يجعلها غير منضبطة ولا تصلح علةً.
- 74:45
المسافة تصلح علةً لقصر الصلاة لأنها ظاهرة محسوسة منضبطة محسوبة بدقة، بخلاف المشقة التي تختلف من شخص لآخر.
- 75:55
مسافة القصر تسعة وثمانون كيلومتراً تُجسّد قاعدة الأحكام تدور مع علتها المسافة لا مع حكمتها المشقة، وبها تكتمل نظرية الإلحاق.
- 76:46
النظريات الأصولية الخمس اكتملت بنظرية الإلحاق، وتبقى نظريتا الاستدلال والإفتاء لاستكمال المنظومة الأصولية.
- 77:35
نظرية الإلحاق أشمل من القياس الضيق وتضم ثلاثة أساليب: القياس وجريان النص وتطبيق المبدأ العام، وكلها تصب في هدف إلحاق الفروع بالأصول.
- 78:59
تسمية النظرية بالإلحاق لا بالقياس جاءت لتشمل جميع الأصوليين الذين يُلحقون الفروع بالأصول بأساليب مختلفة: القياس وجريان النص والمبدأ العام.
- 80:13
الخلط بين التعبدي والعبادات أوقع بعض الباحثين في تعارض وهمي، فالتعبدي هو ما لا يُدرك له معنى معقول وليس العبادات بالضرورة.
- 81:16
التعبدي هو ما لا يُدرك له معنى معقول بالعقل، وهو يختلف عن العبادات التي كثير منها معلّل وفيها أقيسة كثيرة في كتب الفقهاء.
- 82:24
الخلط بين التعبدي والعبادات يُوقع في تعارض وهمي، والحل في فهم أن التعبدي هو ما لا يُدرك له معنى معقول وليس العبادات بالضرورة.
- 83:31
الخلط في المصطلحات الأصولية شائع عند بعض المحدثين كقضية الإكراه عند الحنفية، وهو ناتج عن حمل الألفاظ على غير معناها الاصطلاحي.
- 84:18
الظن في الآية يُراد به الوهم لا الإدراك الراجح، والظن الواجب العمل به في الفقه هو الإدراك الراجح، والفرق بينهما استعمال لغوي مقابل اصطلاحي.
- 85:15
درجات الإدراك من اليقين إلى الوهم أربع، والظن الراجح في الاصطلاح الأصولي هو الإدراك من واحد وخمسين إلى تسعة وتسعين بالمائة.
- 86:21
الظن في القرآن استعمال لغوي يشمل اليقين والوهم والشك، والظن عند الأصوليين استعمال اصطلاحي فني يُحدده بالإدراك الراجح فقط.
- 86:45
إنكار ابن حزم للقياس يُفسَّر بالعوارض البشرية والتغير في المواقف العلمية، فالعلماء الكبار يخطئون لأنهم بشر وليسوا على حالة واحدة دائماً.
- 87:49
القرطبي أحال إلى تفصيل لم يذكره، وابن حزم أخطأ في مسائل الحج لعدم حجه، وكلاهما دليل على أن العوارض البشرية تصيب العلماء الكبار.
- 88:56
عدم الحج يُفضي إلى أخطاء في مسائله لغياب التصور الحسي للمناسك، والحل الاحتكام إلى العلم والدليل لا إلى شخصية العالم.
- 89:52
قصة الجاحظ الذي نسي كنيته رغم حفظه الرهيب تُثبت أن الله يُظهر النواقص البشرية حتى في أعظم العلماء حفظاً وذكاءً.
- 91:04
الموقف المنسوب لابن مسعود في المعوذتين يُثبت بشرية العلماء وأن التسبيح تنزيه لله من النقص، والمعيار هو الدليل لا شخصية العالم.
- 91:33
علة القصر هي المسافة المنضبطة وحكمته المشقة المضطربة، والحكم يدور مع المسافة لا مع المشقة.
- 92:22
قاعدة الحكم يدور مع علته تعني أن القصر يثبت بالمسافة لا بالمشقة، فمن سافر المسافة المحددة جاز له القصر بصرف النظر عن مشقته.
- 93:09
كون العلة هي المسافة قضية مستقلة عن تحديد مقدارها، ولذلك اتفق الفقهاء على أن العلة هي المسافة واختلفوا في تحديد كمّها.
- 93:55
ابن حزم يُحدد بداية السفر بالخروج من المدينة المعرّفة بأسوارها وبواباتها، وفي عصرنا تُعرف بالمواصلات والمرافق ومفاتيح الهواتف.
- 96:02
بوابات المدن الحديثة تُجسّد انضباط المسافة كعلة واضحة محددة، بخلاف المشقة التي تختلف من مسافر لآخر وهي الحكمة لا العلة.
- 96:57
القياس من عمل المجتهد حصراً لأنه يستلزم استقراء النصوص وإدراك العلل وتحقيقها في الفرع، وهذه من خصائص الاجتهاد.
- 97:40
أنواع المجتهدين أربعة: المطلق القادر على الإفتاء في كل المسائل، والجزئي المتخصص في جانب، ومجتهد المذهب المقيد بإمام، والمستقل صاحب المذهب.
- 99:10
الحد الأدنى للمجتهد ستة علوم: الكتاب والسنة والإجماع والقياس واللغة والمنطق، والعلم فتوحات ربانية لا آلية جامدة.
- 100:23
أحوال العلماء في العلم والفهم تتغير بالفتح الرباني والإغلاق، وهذا يُثبت أن العلم فتوحات ربانية لا آلية جامدة يملكها الإنسان دائماً.
- 101:21
قصة الشيخ الذي أخطأ في موعد الأضحية تُثبت أن العلماء الكبار يخطئون في البديهيات، والدرس هو التواضع وعدم العجب بالنفس عند الصواب.
- 103:06
وقوع الطالب في نفس خطأ شيخه بعد أسبوع كان درساً ربانياً في التواضع وعدم العجب بالنفس، فالإنسان مهما أصاب فهو عرضة للخطأ.
- 104:26
الاجتهاد يرتبط بالتقوى لا بالعلم الآلي فقط، لأن الفتح الرباني في الفهم والاستنباط يأتي بالإخلاص والتقوى لا بمجرد تحصيل المعلومات.
- 105:37
الأئمة كانوا يصلون ركعتين لكل حديث يضعونه في كتبهم، مما يُثبت أن الاجتهاد عندهم كان مقروناً بالتقوى والاتصال بالله.
- 106:26
المعاريض استخدام اللفظ المشترك بحمله على معنى صحيح، وهي ليست كذباً كما في قول أبي بكر هذا يهديني الطريق وقول النبي أنا ابن ماء.
- 107:34
قضية العلة والحكمة مختلفة عن قضية المعاريض والكذب وعن قضية مفهوم الموافقة، وكل منها له مجاله وأحكامه المستقلة.
- 108:35
الأمور المحسوسة المنضبطة كالمسافة والألفاظ والإسكار تصلح علةً، والأمور الباطنة كالمشقة والرضا وذهاب العقل هي حِكَم لا علل.
- 110:04
مفهوم الموافقة هو أن نفي الأقل يستلزم نفي الأكثر، والاشتراك اللغوي هو استخدام لفظ يحتمل معنيين، وكلاهما مختلف عن قضية العلة والحكمة.
- 111:17
الكذب حرام لذاته لمخالفته الواقع، والتدليس مستهجن لكنه ليس حراماً لذاته، والنبي كان يمزح بما يوافق الواقع دون كذب.
- 112:18
قضية العلة والحكمة تتعلق بانضباط الوصف وظهوره، وقضية التدليس والمعاريض تتعلق باستخدام المشترك اللغوي، وهما قضيتان مختلفتان تماماً.
- 113:17
التدليس حرام لغيره لا لذاته: يحرم إذا أنشأ ضرراً، ويباح إذا لم يُنشئه، ويجب إذا أنقذ مصلحة كبيرة كإنقاذ النفس من العدو.
- 114:11
الكذب حرام لذاته مطلقاً، والتدليس حرام لغيره فيدور بين الحرمة والإباحة والوجوب تبعاً لما يترتب عليه من ضرر أو مصلحة.
ما هي النظريات الأصولية التي حكمت الفكر الأصولي وكيف تسلسلت منطقياً؟
اهتم الأصوليون بخمس نظريات متسلسلة: أولاً نظرية الحجية لتحديد مصادر الاستدلال، ثم نظرية الثبوت لمعرفة كيفية وصول الأدلة سليمةً، ثم نظرية الدلالة لفهم النصوص بمكوناتها الدقيقة. هذا التسلسل المنطقي يعكس منهجاً علمياً مرتباً في استخراج حكم الله من الأدلة.
ما دور نظرية القطعية والظنية في تحديد هيكل الدين الأساسي؟
نظرية القطعية والظنية مكّنت الأصولي من تمييز المساحة التي يمكن الاتفاق عليها ومنع الخلاف فيها، وذلك عبر مدخل الإجماع. وبهذه النظرية استقر هيكل الدين الأساسي الذي يكون به الإنسان مسلماً، وهو الجانب القطعي اليقيني الذي يُعاب على كل مسلم مخالفته.
كم عدد الأحاديث المتعلقة بأحكام الفقه الإسلامي وما دلالة محدوديتها؟
النصوص الشرعية محصورة ومحدودة؛ إذ لا تتجاوز الأحاديث الكلية ستين ألف حديث، ولا يختص بأحكام الفقه منها إلا نحو ألفين إلى ثلاثة آلاف حديث فقط، والباقي في العقائد والأخلاق. هذه المحدودية تستوجب منهجاً للإلحاق يُعالج الحوادث المتجددة التي لا نص فيها.
كيف يواجه الفقيه تعارض محدودية النصوص مع تجدد الحوادث اليومية؟
الفقيه أمام خيارين: إما استصحاب الأصل بالقول بإباحة ما سكتت عنه النصوص، وإما الإلحاق بإلحاق الفرع الجديد بأصل منصوص عليه عبر القياس. والهدف من كلا الأسلوبين هو عدم الخروج عن المنهاج الإلهي في الحكم على الأفعال.
ما معنى أن الأصل في أفعال الإنسان الإباحة وكيف تغيّر ذلك بالشريعة؟
الأصل في جميع أفعال الإنسان الإباحة لأن الله أذن له بالوجود في هذا الكون، فكل حركاته وأفعاله مباحة بالأصل حتى القتل والسرقة. ثم جاءت الشريعة على لسان الرسل فنهت عن مساحة من هذه الأفعال وحرّمتها، وما سكتت عنه بقي على أصل الإباحة.
ما الأفعال التي نهى عنها القرآن الكريم وما حكم ما سكت عنه؟
القرآن الكريم نهى عن مساحة محددة من الأفعال كقتل الأولاد والزنا وقتل النفس بغير حق وأكل مال اليتيم واتباع ما ليس للإنسان به علم والمشي مرحاً. وما سكتت عنه الشريعة بعد هذه النواهي يبقى مباحاً بأصل الشرع.
ما حكم التنازع على استئجار بيت سبق لأخيك المسلم أن ذهب يستأجره؟
النص الشرعي نهى عن البيع على بيع الأخ وعن الخطبة على خطبته، لكنه لم يرد فيه نص صريح على التنازع في الإيجار. هذا الغياب أوقع الأصولي في حيرة حين جاءه من يستفتيه في هذه المسألة، وهو ما دفعه إلى التفكير في منهج الإلحاق.
كيف أدركت التربية الإسلامية أن التنازع على الإيجار يخالف روح الشريعة؟
شعر الفقيه أن التنازع على الإيجار يخالف روح الشريعة لأن الدين جاء لرفع النزاع والخصام بين الناس وتحقيق الأخوة والمودة. هذا الشعور نبع من التربية الإسلامية المستمدة من النصوص الآمرة بالأخوة والناهية عن التنازع.
لماذا لم يكتفِ الفقيه بتطبيق استصحاب الأصل في مسألة التنازع على الشقق؟
تطبيق استصحاب الأصل يقتضي القول بإباحة التنازع على الشقق لأنه لم يرد فيه نهي صريح، لكن هذه النتيجة لم يرضَها قلب الفقيه. فتساءل عن الفارق بين النزاع على شقة والنزاع على سلعة في البيع، فوجد أن الجامع بينهما هو النهي عن النزاع والخصام لا مشابهة الشقة للسلعة.
كيف نشأت فكرة القياس في ذهن الأصولي من خلال مسألة الإيجار والبيع؟
أدرك الأصولي أن مسألة الإيجار الفرع تشبه مسألة البيع الأصل في الوصف الذي من أجله أخذ الأصل حكم الحرمة وهو النزاع. فالبيع على البيع حرام لأنه يفضي إلى التنازع، ورأى نفس العلة متحققة في الإيجار، فبدأت عملية الإلحاق الصحيحة في ذهنه.
ما تعريف العلة في القياس الأصولي وكيف يتم إلحاق الفرع بالأصل؟
العلة هي الوصف القائم بالأصل الذي من أجله شُرع الحكم. فإذا رأى الفقيه هذا الوصف متحققاً في الفرع أيضاً، ألحق الفرع بالأصل واطمأن إلى ذلك لوجود جامع بينهما. هذا الجامع هو السبب أو العلة التي تربط الأصل بالفرع وتجيز نقل الحكم.
ما أركان القياس الأربعة وكيف تطبق على مسألة التنازع على الإيجار؟
أركان القياس أربعة: الأصل وهو البيع، وحكم الأصل وهو الحرمة، والعلة وهي الإفضاء إلى التنازع، والفرع وهو الإيجار. فلما وُجدت هذه الأركان الأربعة تعدّى الحكم من الأصل إلى الفرع، فحُكم بأن التنازع على الإيجار حرام لنفس العلة.
ما تعريف القياس لغةً واصطلاحاً في علم أصول الفقه؟
القياس لغةً من قاس يقيس أي ساوى وقدّر، كقياس النعل بالنعل وقياس المتر بالذراع. واصطلاحاً هو تشبيه فرع بأصله لعلة جامعة بينهما، أي إلحاق حادثة جديدة غير منصوص عليها بحادثة منصوص على حكمها لاشتراكهما في الوصف الذي شُرع الحكم من أجله.
لماذا لا يُعدّ حكم الفرع ركناً من أركان القياس بل ثمرةً له؟
أركان القياس أربعة هي: الأصل وحكم الأصل والعلة والفرع، وهي الداخلة في حقيقة القياس. أما حكم الفرع فهو ثمرة القياس وليس ركناً فيه، كما أن ثمرة الشجرة ليست الشجرة نفسها. فإذا توفرت الأركان الأربعة أمكن للمجتهد إجراء عملية الإلحاق وإصدار حكم الفرع.
لماذا يشعر المجتهد بالرضا عند تطبيق القياس بدلاً من الوقوف عند ظاهر النصوص؟
يشعر المجتهد بالرضا لأنه يسير مع المنهج الرباني في رفع النزاع والخصام بدلاً من الوقوف عند النصوص جامداً. فهو يتفهم مراد الشارع ويحاول تطبيقه بين الناس، وعدم فعل ذلك يُفضي إلى نتائج ساذجة تعارض المبادئ والأصول الكلية للشريعة.
لماذا قال جمهور الأصوليين إن القياس واجب شرعاً وليس مجرد جائز عقلاً؟
جمهور الأصوليين قالوا إن القياس واجب شرعاً لأنه يُحدث عند المجتهد ظناً راجحاً بأن هذا هو حكم الله في المسألة. وذلك لأن المجتهد يستقرئ الشرع ويتتبعه ويدرك حِكَمه ومقاصده، فيطمئن إلى أن حكمه صواب، والعمل بالظن الراجح واجب.
ما العمليات الذهنية التي يقوم بها المجتهد لتحقيق الاطمئنان في القياس؟
يقوم المجتهد بثلاث عمليات: أولاً استقراء الشرع وفهم نصوصه وإدراك حِكَمه ومقاصده، ثانياً إدراك الواقع والفرع الجديد واستيعابه تماماً، ثالثاً مقارنة العلة في الفرع بالعلة في الأصل والاطمئنان إلى وجود اشتراك بينهما. وهذا الاشتراك قد يكون تاماً أو أقل أو أكثر.
ما أنواع القياس الثلاثة وما الفرق بينها؟
أنواع القياس ثلاثة: قياس الأولى وهو ما كانت فيه العلة في الفرع أظهر وأبين منها في الأصل، وقياس المساواة وهو ما تساوت فيه العلة في الفرع والأصل، وقياس الأدنى وهو ما كانت فيه العلة في الفرع أقل وأدنى من العلة في الأصل. وهذا التقسيم مبني على مقارنة قوة العلة في الفرع بقوتها في الأصل.
ما القسمة العقلية التي تثبت وجوب العمل بالظن الراجح في القياس؟
المجتهد أمام أربعة احتمالات في حكم أي مسألة: نعم، أو لا، أو لا نعم ولا لا، أو نعم ولا معاً. الاحتمالان الأخيران مستحيلان لأنهما جمع بين النقيضين وهو محال عقلاً. فيبقى احتمالان فقط: نعم أو لا، ويأتي القياس ليرجّح أحدهما، فيجب اتباع الراجح.
لماذا يستحيل أن يأمر الشرع بفعل وينهى عنه في نفس الوقت؟
يستحيل ذلك لأنه جمع بين النقيضين وهو من أنواع المحالات العقلية التي يرفضها كل عاقل مسلماً كان أو غير مسلم. فلا يمكن للشرع أن يقول صلِّ ولا تصلِّ في نفس الوقت والجهة، وبذلك يتبقى للمجتهد احتمالان فقط: نعم أو لا.
كيف يُرجّح القياس أحد الاحتمالين ويجعل اتباعه واجباً؟
القياس يُطمئن قلب المجتهد ويجعله يميل إلى أحد الاحتمالين، فيصبح عنده احتمال راجح واحد. وحين يُسأل هل سمع هذا الحكم من الكتاب أو السنة يقول لا، لكن تربيته على أوامر الله ورسوله وتشابه المسائل يجعل قلبه مائلاً إلى الحكم، وهذا الميل هو الظن الراجح الواجب اتباعه.
لماذا يجب اتباع الظن الراجح ويُمنع اتباع المرجوح في الأحكام الشرعية؟
المجتهد دائر بين ثلاثة خيارات: الجمع بين النقيضين وهو ممنوع، واتباع المرجوح وهو ممنوع، واتباع الراجح. فلما امتنع الأولان وجب الثالث. وهذا هو معنى أن العمل بالظن واجب: لأنه لا خيار آخر معقول أمام المجتهد.
كيف توسع الأصوليون في دراسة أركان القياس وكيفية استنباط العلة؟
توسع الأصوليون في دراسة كل ركن من أركان القياس ووضعوا له ضوابط وكيفيات عمل. واهتموا خاصةً بكيفية استنباط العلة وتحقيقها في الفرع، والأمور التي تُشوّش الاستنباط، وأنواع العلل بين المنصوص والمستنبط، والمسالك التي تُوصل إلى إدراك العلل.
ما مثال قياس الأولى في تحريم ضرب الوالدين قياساً على تحريم التأفف؟
الله حرّم قول أف للوالدين في قوله تعالى فلا تقل لهما أف، وهذا أدنى درجات الإيذاء. فمن لم يقل أف لكنه ضرب والديه بعصا، فهذا حرام من باب أولى لأن العلة وهي إيذاء الوالدين متحققة في الضرب بدرجة أعظم بكثير من التأفف.
لماذا يضحك الناس من مثال من يضرب والديه ويقول لم أقل لهما أف؟
يضحكون لأن العلة وهي إيذاء الوالدين التي من أجلها حُرّم التأفف هي إيذاء بسيط يكاد لا يُذكر، بينما الضرب إيذاء أشد بمراحل. فالمنطق يقتضي أن من حُرّم عليه الأقل يُحرّم عليه الأكثر من باب أولى، وهذا ما يجعل المثال مضحكاً لوضوح بطلانه.
ما الفرق بين قياس الأولى وما يسميه بعض العلماء قياساً في معنى النص؟
قياس الأولى هو ما كانت العلة في الفرع أظهر وأقوى منها في الأصل. وبعض العلماء يسمونه قياساً في معنى النص لأن العلة في الفرع متوفرة بدرجة كبيرة جداً تجعله كأنه منصوص عليه. فضرب الوالدين محرم بمعنى النص الناهي عن التأفف لأن الإيذاء فيه أشد بمراحل.
ما مثال قياس المساواة في مسألة إحراق مال اليتيم؟
الله حرّم أكل مال اليتيم لأنه يُضيّع المال عليه. فلو أن وليّ اليتيم أحرق ماله بدلاً من أكله، فالنتيجة على اليتيم واحدة في الحالتين: لم يستلم ماله. لذلك قاس الأصوليون إحراق مال اليتيم على أكله في التحريم لأن العلة وهي ضياع المال على اليتيم متساوية في كلتا الصورتين.
كيف يُثبت الأصوليون أن إحراق مال اليتيم وأكله متساويان في التحريم؟
الأصوليون يقارنون بين الصورتين من حيث العائد على اليتيم: في الأكل لم يستلم ماله، وفي الإحراق لم يستلم ماله. النتيجة واحدة وضياع المال في كلتا الصورتين متساوٍ. لذلك هذا مثال للقياس بالعلة المتساوية حيث لا تزيد العلة في الفرع ولا تنقص عن الأصل.
ما مثال قياس الأدنى وكيف يظهر في مسألة تحريم الربا في الأصناف الستة؟
النبي صلى الله عليه وسلم حرّم الربا في ستة أصناف: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح. واختلف العلماء في علة هذا التحريم: هل هي القوت أم الطعم أم المماثلة في الجنس والقدر؟ هذا الاختلاف في العلة يجعل القياس على هذه الأصناف من قبيل قياس الأدنى حيث العلة أقل وضوحاً.
كيف اختلف الأئمة الثلاثة في علة تحريم الربا في الأصناف الستة؟
اختلف الأئمة في علة تحريم الربا: فقال الإمام مالك إن العلة هي القوت أي أن الشريعة تريد حفظ أقوات الناس. وقال الإمام الشافعي إن العلة هي الطعم أي كون الشيء مطعوماً. وقال أبو حنيفة إن العلة هي المماثلة في الجنس والقدر لتحقيق العدل في المعاملات.
ما المقصود بقوت البلد عند الإمام مالك وكيف يؤثر في تطبيق القياس في الربا؟
قوت البلد عند مالك هو الطعام الأساسي الذي يعتمد عليه الناس يومياً كالفول والأرز والقمح في مصر. وعلى هذا الأساس يرى مالك أن النبي أراد حفظ هذه الأقوات من المضاربة والاضطراب. فما كان من قوت البلد يجري فيه الربا عنده، وما لم يكن قوتاً كالكماليات فلا يجري فيه.
كيف يُفرّق الإمام مالك بين إزالة الكماليات وإزالة الأقوات الأساسية في تطبيق حكم الربا؟
مالك يرى أن إزالة الكماليات كالحلويات لا تُحدث أزمة حقيقية لأن الناس لم تعتد عليها اعتماداً أساسياً. أما إزالة الأقوات كالقمح والأرز والفول فتُحدث أزمة حقيقية لأن الجسم اعتاد عليها في كل وجباته. لذلك يريد رسول الله حفظ هذه الأقوات من اللعب والمضاربة.
كيف اختلف الشافعي وأبو حنيفة في علة الربا وما أثر ذلك على تطبيق القياس؟
الشافعي وسّع العلة فجعلها الطعم أي كون الشيء مطعوماً بالفم، فيشمل ذلك كل مأكول حتى الكماليات. أما أبو حنيفة فجعل العلة المماثلة في الجنس والقدر لتحقيق العدل في المعاملات. هذا الاختلاف في العلة يُفضي إلى اختلاف في تطبيق القياس على الأصناف الأخرى.
كيف تختلف أقيسة الأئمة في مسألة مبادلة الأمتار بأمتار أخرى بناءً على اختلافهم في علة الربا؟
مالك يقول يجوز بيع الأمتار بأمتار متفاوتة لأن العلة هي القوت والأمتار ليست قوتاً. والشافعي يقول لا يجوز التفاضل في الكمثرى لأن العلة هي الطعم وهي مطعومة. وهكذا يختلف تطبيق القياس تبعاً لاختلاف العلة المستنبطة.
لماذا تكون العلة المستنبطة ظنية وليست قطعية وما دلالة اختلاف الأئمة على ذلك؟
العلة المستنبطة ظنية لأنه لو كانت قطعية لاتفق عليها الأئمة ولم يختلفوا. واختلاف المالكية والشافعية والحنفية في علة الربا دليل على أن هذه العلة ظنية مستنبطة. والأئمة متفقون على آلية القياس ومنهجه لكنهم اختلفوا في تحديد العلة وتطبيقها.
ما الفرق بين الخلاف في علة الأصل والخلاف في تحقيق العلة في الفرع؟
الخلاف في علة الأصل هو الاختلاف في تحديد الوصف الذي شُرع الحكم من أجله كالخلاف بين القوت والطعم والمماثلة. أما الخلاف في تحقيق العلة في الفرع فهو الاتفاق على العلة لكن الاختلاف في هل هذه العلة موجودة في الفرع المعين أم لا، كمسألة البرسيم هل يدخل في الطعم أم لا.
كيف يؤثر العرف في تحديد ما يدخل في علة الطعم عند الشافعية في مسألة البرسيم؟
البرسيم مادة خضراء صالحة للأكل لكنها شاعت في استعمال البهائم لا البشر. فمن يرى أن العرف حاكم يقول إن البرسيم ليس من طعوم البشر فلا يجري فيه الربا. ومن يرى أنه صالح للأكل بصرف النظر عن العرف يقول يجري فيه الربا. وهذا خلاف في تحقيق علة الطعم في الفرع لا في أصل العلة.
كيف يختلف حكم الفول المدمس في مصر وإيطاليا من حيث تطبيق علة الطعم في الربا؟
الفول المدمس في مصر طعام بشر أساسي يأكله الناس يومياً، فيجري فيه الربا عند من يقول بعلة الطعم. أما في إيطاليا فهو طعام بهائم لا يأكله البشر ويتقززون منه. وهذا يُبيّن أن العرف يختلف من بلد لآخر وأن تحقيق العلة في الفرع قد يختلف تبعاً لاختلاف الأعراف.
كيف يختلف شافعيان في مسألة البرسيم رغم اتفاقهما على أن علة الربا هي الطعم؟
يتفق الشافعيان على أن علة الربا هي الطعم، لكن يختلفان في تحقيق هذه العلة في البرسيم. فأحدهما يرى أن البرسيم طعام ويجري فيه الربا، والآخر يرى أن العرف حاكم وأن البرسيم ليس من طعوم البشر عرفاً فلا يجري فيه الربا. وهذا خلاف في تحقيق العلة في الفرع لا في أصل العلة.
لماذا يكون القياس في مجمله ظنياً وكيف ضبط الأصوليون هذه الظنية؟
القياس ظني لأن كل خطواته تقوم على الظن: هل هذا الحكم بإزاء هذه العلة فعلاً؟ وهل هذه العلة متحققة في الفرع؟ كلاهما ظن. لكن الأصوليون وضعوا شروطاً دقيقة للأصل وحكمه والعلة والفرع لضبط عملية القياس وإبعادها عن الغموض والتكلف.
ما حجة منكري القياس في مسألة قياس النبيذ على الخمر؟
منكرو القياس يقولون إن الخمر في اللغة هي عصير العنب المتخمر فقط، وأن الويسكي والشامبانيا والعرقي لا تُسمى خمراً في اللغة. فمن يقيسها على الخمر يكون قد شرّع حكماً لشيء مسكوت عنه. وابن حزم الظاهري من أبرز من أنكر القياس.
كم اسماً للخمر في لغة العرب وما الكتاب الذي جمع الأسماء المتعددة للأشياء؟
للخمر تسعون اسماً في لغة العرب لأن العرب كانت تُكثر من أسماء ما تحبه أو تخافه. وقد جمع الفيروزابادي كتاباً سماه الروض المألوف في جمع ما له اثنان أو ثلاثة إلى ألوف من الأسماء. والخمر بحروف الخاء والميم والراء كانت تُطلق على عصير العنب المتخمر تحديداً.
كيف استغنى منكرو القياس عن قياس المسكرات على الخمر بحديث كل مسكر خمر؟
منكرو القياس يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل مسكر خمر، فأصبح للخمر معنى في الشرع أوسع من معناه في اللغة. وبهذا تندرج الويسكي والشامبانيا والعرقي وسائر المسكرات تحت مسمى الخمر الشرعي دون حاجة للقياس.
ما الأحاديث النبوية التي تُحرّم قليل المسكر وكثيره دون حاجة للقياس؟
النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أسكر كثيره فقليله حرام، وقال ما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام. وهذه النصوص تندرج تحتها جميع أفراد المسكرات من غير حاجة للقياس، فكل ما يُسكر بكثيره يحرم قليله.
كيف يرد منكرو القياس على مثال الإيجار بأن النصوص العامة تُغني عنه؟
منكرو القياس يقولون إن الله نهى عن التنازع والتخاصم وأمر بالأخوة في نصوص عامة، فالتنازع على الإيجار يندرج تحت هذه الكليات مباشرةً دون حاجة للقياس. كما أن قوله تعالى ولا تنهرهما يشمل الضرب لأن نفي الأقل يستلزم نفي الأكثر في بلاغة العرب.
كيف يستدل منكرو القياس بقاعدة نفي الأقل يستلزم نفي الأكثر في بلاغة العرب؟
في بلاغة العرب إذا قلت ليس في جيبي قرش فهذا يعني ليس في جيبي شيء، فنفي الأقل يستلزم نفي الأكثر. وكذلك قوله تعالى فلا تقل لهما أف يعني لا تؤذهما بأي أذى، فالضرب مندرج في النهي لأنه أشد من التأفف. وهذا ما يُسمى مفهوم الموافقة.
كيف يرد الجمهور على منكري القياس بأن الخلاف بينهم لفظي لا حقيقي؟
الجمهور يقول إن الخلاف مع منكري القياس لفظي في أغلب المسائل لأن كلا الفريقين يصل إلى نفس الأحكام. فإحراق مال اليتيم حرام وضرب الوالدين حرام والربا في المعاملات حرام عند الجميع. لكن منهج الجمهور أشد ضبطاً وانضباطاً لأنه يُحدد العلل والمقاصد بوضوح.
أين يظهر الخلاف الحقيقي بين الجمهور والظاهرية في مسألة الربا؟
الخلاف الحقيقي يظهر في مسألة الربا حيث يقتصر ابن حزم الظاهري على الأصناف الستة المنصوص عليها فقط ولا يُجري الربا في غيرها. بينما الجمهور يُجري الربا في كل ما تحققت فيه العلة من قوت أو طعم أو مماثلة. وهنا يتبيّن أن منهج القياس أكثر تمنهجاً مع مقاصد الشريعة.
ما الفرق بين العلة والحكمة في أصول الفقه وما صفتا العلة؟
كلٌّ من العلة والحكمة يُجيب على سؤال لماذا شُرع الحكم، لكن الفرق أن العلة لها صفتان: أنها ظاهرة أي يمكن رؤيتها وإدراكها، ومنضبطة أي محددة واضحة لا اختلاف فيها. أما الحكمة فقد تكون ظاهرة غير منضبطة أو منضبطة غير ظاهرة، وليست بالوضوح والانضباط الذي للعلة.
لماذا يُعدّ الرضا حكمةً لا علةً في عقود البيع والزواج والإيجار؟
الرضا هو السبب الحقيقي الذي من أجله شرع الله العقود، لكنه ليس علةً لأنه ليس ظاهراً إذ يقع في القلب ولا يُرى. فالعلة يجب أن تكون ظاهرة يمكن إدراكها، والرضا خفي لا يطّلع عليه أحد. لذلك الرضا حكمة والألفاظ المحسوسة هي العلة.
كيف يُثبت اضطراب الرضا أنه لا يصلح علةً للعقود؟
الرضا مضطرب لأن البائع قد يريد البيع ولا يريده في نفس الوقت، فهو يبيع لحاجته للمال لكنه يحب ما يبيعه. هذا الاضطراب يجعل الرضا غير منضبط فلا يصلح علةً. في حين أن الألفاظ محسوسة منضبطة يمكن سماعها وشهادتها، فهي الأصلح لأن تكون علةً.
ما الفرق بين الألفاظ كعلة للعقد والرضا كحكمة له؟
الألفاظ هي العلة لأنها ظاهرة محسوسة منضبطة يمكن سماعها وشهادتها. والرضا هو الحكمة لأنه باطن في القلب خفي مضطرب. فالحكم يدور مع الألفاظ لا مع الرضا، ولذلك يصح العقد بالألفاظ حتى لو كان البائع غير راضٍ تماماً في قلبه.
إذا كان الرضا حكمةً لا علةً فلماذا لا يجوز بيع الإكراه؟
الرضا هو السبب الحقيقي الأساسي الذي من أجله شرع الله البيع، ولذلك بيع الإكراه لا يجوز لانعدام الرضا. لكن الرضا ليس مناط الحكم في كل تفاصيله لأنه خفي مضطرب، فالحكم يدور مع الألفاظ الظاهرة المنضبطة. والرضا حكمة لها آثار خارجية تظهر في قضايا القياس والعلة.
ما قاعدة الحكم يدور وجوداً وعدماً مع علته لا مع حكمته وكيف تطبق على الخمر؟
القاعدة تقول إن الحكم يثبت بوجود العلة ويزول بزوالها، ولا يتبع الحكمة التي قد تتخلف. وتطبيقها على الخمر: علة تحريمها هي الإسكار، وحكمتها هي تغييب العقل. فالحكم يدور مع الإسكار لا مع تغييب العقل، ولذلك يحرم الشرب حتى لو لم يُغيَّب العقل.
هل يحل شرب الخمر إذا لم يُفقد العقل وما الفرق بين الإسكار كعلة وفقدان العقل كحكمة؟
لا يحل شرب الخمر حتى لو لم يُفقد العقل، لأن فقدان العقل حكمة لا علة. والعلة هي الإسكار أي كون المشروب مسكراً، والحكم يدور مع العلة لا مع الحكمة. فمن شرب كأسين من الشامبانيا ولم يسكر سكراً بيّناً فهو حرام لأن المشروب مسكر بطبيعته.
لماذا يُعدّ الخلط بين العلل والحكم مدخلاً شيطانياً في الأحكام الشرعية؟
الخلط بين العلل والحكم مدخل شيطاني لأنه يُتيح للشيطان أن يقول إن الحكم متعلق بحكمته، فإذا انتفت الحكمة انتفى الحكم. فمن يقول سأشرب رشفة ولن يذهب عقلي يكون قد ربط الحكم بالحكمة لا بالعلة. والصحيح أن الحكم يدور مع الإسكار علةً لا مع فقدان العقل حكمةً.
ما علة قصر الصلاة في السفر وما حكمته وكيف يختلفان؟
علة قصر الصلاة في السفر هي المسافة لأنها ظاهرة منضبطة محسوسة يمكن قياسها. وحكمته هي المشقة لأن الله أراد التخفيف على المسافر. والفرق أن المشقة تختلف من شخص لآخر ومن سفر لآخر فهي غير منضبطة، بينما المسافة ثابتة محددة لا تتغير.
لماذا لا تصلح المشقة علةً لقصر الصلاة رغم أنها سبب التخفيف؟
المشقة لا تصلح علةً لأنها غير منضبطة: فسفر الملوك يختلف عن سفر الفقراء، وسفر الشتاء يختلف عن سفر الصيف، وسفر الكبير يختلف عن الصغير. فما يكون مشقةً لشخص قد يكون متعةً لآخر. وهذا الاضطراب يجعلها حكمةً لا علةً.
كيف يُثبت حديث السفر قطعة من العذاب أن المشقة تختلف من مسافر لآخر؟
السيدة عائشة قالت لولا أني سمعت رسول الله يقول السفر قطعة من العذاب لقلت العذاب قطعة من السفر. وحتى السفر بالطائرات يُحدث تغييراً في الساعة البيولوجية. لكن المشقة تختلف: فقد يكون السفر متعةً لشخص مرح وعذاباً لآخر متعب نفسياً، مما يُثبت عدم انضباطها.
لماذا تصلح المسافة علةً لقصر الصلاة دون المشقة؟
المسافة تصلح علةً لأنها ظاهرة محسوسة منضبطة: فهي محسوبة بالكيلومترات من مركز بريد إلى مركز بريد، ويمكن التحقق منها بعداد السيارة وعلامات الطرق. فهي لا تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمنة، وهذا الانضباط هو ما يجعلها علةً صالحة.
ما مسافة القصر المحددة وكيف تُجسّد قاعدة الأحكام تدور مع علتها لا مع حكمتها؟
تقصر الصلاة وتُفطر عند قطع تسعة وثمانين كيلومتراً بالضبط، وهذا تطبيق لقاعدة الأحكام تدور مع علتها لا مع حكمتها. فالعلة هي المسافة المنضبطة وليست المشقة المضطربة. وبهذا تكتمل نظرية الإلحاق التي أدّت وظيفتها في إلحاق الفروع بالأصول.
ما النظريات الأصولية السبع وما النظريتان المتبقيتان بعد نظرية الإلحاق؟
النظريات الأصولية الخمس المكتملة هي: الحجية والثبوت والدلالة والقطعية والظنية والإلحاق. وتبقى نظريتان: نظرية الاستدلال التي تتناول الأدلة المختلف فيها، ونظرية الإفتاء التي تتناول كيفية تطبيق المعلومات وفك التعارض وإدراك المقاصد والواقع.
ما العلاقة بين نظرية الإلحاق والقياس بمعناه الضيق وما الأساليب الأخرى للإلحاق؟
نظرية الإلحاق أشمل من القياس بمعناه الضيق، إذ تشمل ثلاثة أساليب: القياس وجريان النص على أفراده وتطبيق المبدأ العام. والقياس بالمعنى الضيق هو أسلوب واحد من هذه الثلاثة. ونظرية القياس أقوى وأكثر خدمةً مما يواجهها من اعتراضات.
لماذا سُمّيت النظرية الخامسة نظرية الإلحاق لا نظرية القياس؟
سُمّيت نظرية الإلحاق لتشمل جميع من يقولون بإلحاق الفروع بالأصول سواء باستخدام القياس أو بجريان النص على أفراده أو بتطبيق المبدأ العام. فمن يقول بجريان النص ومن يقول بالمبدأ العام هم أصوليون أيضاً، وكلهم يقومون في النهاية بعملية الإلحاق وإن اختلفت أدواتهم.
هل الأحكام التعبدية لا علة لها وما الخلط الذي وقع فيه بعض الباحثين؟
الخلط وقع بين كلمة تعبدي وبين العبادات، فظن بعضهم أن الأحكام التعبدية تعني العبادات. والصحيح أن التعبدي يعني ما لا يُدرك له معنى معقول بالعقل، وهو قد يكون في العبادات أو المعاملات أو الجهاد. أما العبادات فكثير منها معلّل وفيها أقيسة كثيرة.
ما المقصود بالتعبدي في أصول الفقه وكيف يختلف عن العبادات؟
التعبدي في أصول الفقه هو ما لا يُدرك له معنى معقول بالعقل، أي ما لا يستطيع العقل أن يستنبط علته ويجيب على سؤال لماذا. وهو يختلف عن العبادات لأن العبادات كثير منها معلّل وفيها أقيسة كثيرة، وباب الصلاة وحده في كتب الشافعية ثلاثة أرباعه قياس.
كيف يقع الخلط بين المسائل التعبدية والعبادات وما أثره على فهم القياس؟
الخلط يقع حين يحمل الباحث لفظة التعبدي على معنى العبادات، فيظن أن العبادات لا علة لها. ثم يجد الفقهاء يُعلّلون العبادات فيقع في تعارض وهمي. والحقيقة أن التعبدي هو الوصف الذي لا يُدرك له معنى معقول، والعلة هي الوصف الظاهر المنضبط المشتمل على ما يناسب شرع الحكم.
ما أمثلة الخلط في المصطلحات الأصولية عند بعض المحدثين؟
من أمثلة الخلط قضية الإكراه واختلاف الحنفية مع الجمهور فيها، وهو خلط كبير بين المسائل التعبدية ومعناها الاصطلاحي. كما أن كلمة أيضاً في اللغة مصدر من آض يئيض أي صار وتكرر، وهذا مثال على أهمية فهم المصطلحات في سياقها الصحيح.
كيف يُوفَّق بين وجوب العمل بالظن في الفقه وبين قوله تعالى إن الظن لا يغني من الحق شيئاً؟
الظن في الآية يُراد به الوهم أو الشك أي الإدراك الضعيف الذي لا يبلغ الرجحان. أما الظن الواجب العمل به في الفقه فهو الإدراك الراجح من واحد وخمسين إلى تسعة وتسعين بالمائة. فالظن يُطلق في القرآن على معانٍ متعددة منها اليقين ومنها الوهم، والمصطلح الأصولي يُحدد المراد.
ما درجات الإدراك من اليقين إلى الوهم وكيف يُحدد الأصوليون الظن الراجح؟
درجات الإدراك أربع: اليقين مائة بالمائة، والظن من واحد وخمسين إلى تسعة وتسعين، والشك خمسون بالمائة، والوهم من صفر إلى تسعة وأربعين. والظن الراجح في الاصطلاح الأصولي هو الإدراك من واحد وخمسين إلى تسعة وتسعين، وهو الواجب العمل به.
ما الفرق بين الاستعمال القرآني اللغوي للظن والاستعمال الاصطلاحي الفني عند الأصوليين؟
الاستعمال القرآني للظن لغوي يشمل معاني متعددة: اليقين كما في الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم، والوهم والشك. أما الاستعمال الأصولي فهو اصطلاحي فني يُحدد الظن بالإدراك الراجح فقط. وهذا التحول من الاستعمال اللغوي إلى الاصطلاحي الخاص بأهل الفن شائع في العلوم الشرعية.
كيف يُفسَّر إنكار ابن حزم للقياس رغم سعة علمه وقوة حجته؟
ابن حزم رجل واسع الإدراك قوي الحجة بليغ العبارة، لكن الإنسان يتغير ولا يكون على حالة واحدة دائماً. فقد يكون استُدرج إلى هذا الرأي في شبابه قبل أن يكمل مسيرته العلمية، أو أثّر فيه الخلاف مع فقهاء عصره. والعلماء الكبار يخطئون لأنهم بشر.
ما أمثلة أخطاء العلماء الكبار التي تُثبت أن العوارض البشرية تصيب الجميع؟
القرطبي في تفسيره يُحيل إلى تفصيل في سورة معينة ثم لا يذكره لا هنا ولا هناك لأنه ألّف التفسير في عشرين سنة. وابن حزم أخطأ في مسائل الحج لأنه لم يحج فلم يتصور المناسك، فقال أشياء في الحج خطأ محض كقوله إن الشوط بين الصفا والمروة يُحسب واحداً.
كيف يؤثر عدم الحج على فتاوى العلماء في مسائل الحج؟
من لم يحج لا يتصور المناسك تصوراً كاملاً: أين الكعبة وأين مقام إبراهيم وأين زمزم وكيف يسير الحاج. وهذا يُفضي إلى أخطاء في الفتاوى كما حدث مع ابن حزم. والحل هو الاحتكام إلى العلم والبرهان والدليل لا إلى شخصية العالم مهما كانت مكانته.
ما قصة الجاحظ الذي نسي كنيته وما الدرس المستفاد منها؟
الجاحظ كان من أشد من عرفه التاريخ حفظاً، ومع ذلك نسي كنيته عدة أيام وظل يطوف في داره يسأل ما كنيتي. وهذا من آيات الله التي تُثبت البشرية بإظهار النواقص: أن الإنسان مهما بلغ من الحفظ والعلم فهو عرضة للنسيان والضعف.
ما الموقف المنسوب لابن مسعود في المعوذتين وما دلالته؟
يُقال إن ابن مسعود رضي الله عنه كان من القراء المعتمدين لكنه كان يتأمل في المعوذتين. وهذا يُثبت أن العلماء الكبار بشر تصيبهم العوارض، وأن التسبيح معناه تنزيه الله من النقص. والمسلم يأخذ من أقوال العلماء ما وافق الدليل ويرد ما خالفه.
ما العلة وما الحكمة في قصر الصلاة في السفر وكيف يختلفان؟
علة قصر الصلاة هي المسافة لأنها ظاهرة منضبطة محسوسة، وحكمته هي المشقة لأن الله أراد التخفيف على المسافر. والفرق أن المسافة ثابتة لا تتغير بتغير الأشخاص والأحوال، بينما المشقة تختلف من مسافر لآخر ومن سفر لآخر فهي غير منضبطة.
كيف تُطبّق قاعدة الحكم يدور وجوداً وعدماً مع علته على مسألة قصر الصلاة؟
تطبيق القاعدة على القصر: الحكم وهو القصر يثبت بوجود العلة وهي المسافة ويزول بزوالها، ولا يتبع الحكمة وهي المشقة. فمن سافر المسافة المحددة جاز له القصر سواء شعر بمشقة أم لا. وهذا هو معنى أن الحكم يدور مع علته لا مع حكمته.
ما الفرق بين كون العلة هي المسافة وبين تحديد مقدار هذه المسافة؟
كون العلة هي المسافة قضية مستقلة عن تحديد مقدار هذه المسافة. فالأولى تتعلق بطبيعة العلة وأنها ظاهرة منضبطة، والثانية تتعلق بالاجتهاد في تحديد الكم. ولذلك اختلف الفقهاء في مقدار مسافة القصر بين تسعة وثمانين وتسعين ومائة كيلومتر وغيرها.
كيف يُحدد ابن حزم بداية السفر الموجب للقصر وكيف يُطبَّق في عصرنا؟
ابن حزم يرى أن السفر يبدأ بالخروج من المدينة، والمدينة تُعرف بأسوارها وبواباتها. وفي عصرنا تُعرف المدينة بالمواصلات الداخلية والمرافق ومفاتيح الهواتف. فحلوان وشبرا الخيمة من القاهرة لأن هاتفهم واحد، وما خرج عن هذا الرقم خرج من المدينة.
كيف تُجسّد بوابات المدن الحديثة الفرق بين المسافة كعلة منضبطة والمشقة كحكمة غير منضبطة؟
بوابات المدن الحديثة التي تقف عليها الشرطة العسكرية تُجسّد انضباط المسافة كعلة: فالخروج من البوابة حد واضح محدد لا يختلف باختلاف الأشخاص. بينما المشقة تختلف من مسافر لآخر. وهذا يُثبت أن المسافة هي العلة المنضبطة والمشقة هي الحكمة غير المنضبطة.
هل يشترط أن يكون الفقيه مجتهداً حتى يقوم بعملية القياس؟
نعم، القياس من عمل المجتهد وليس من عمل غيره. فالقياس يستلزم استقراء النصوص وإدراك العلل والمقاصد وتحقيق العلة في الفرع، وهذه كلها من خصائص الاجتهاد. ومن لا يبلغ درجة الاجتهاد لا يستطيع القيام بعملية القياس الصحيحة.
ما أنواع المجتهدين وما الفرق بين المجتهد المطلق والجزئي ومجتهد المذهب؟
المجتهد المطلق قادر على الإفتاء في جميع المسائل. والمجتهد الجزئي متخصص في جانب معين كالمعاملات المالية. ومجتهد المذهب مقيد بأصول إمام معين ومستوعب لها لكنه غير مستوعب لباقي المذاهب. والمجتهد المستقل له مذهب مستقل في الأصول.
ما الحد الأدنى من العلوم التي يحتاجها المجتهد وما طبيعة العلم الفقهي؟
الحد الأدنى للمجتهد أن يكون عالماً بالكتاب والسنة ومواطن الإجماع وكيفيات القياس واللغة العربية وطرق التفكير المنطقي. ولا يشترط التبحر في كل جانب بل يكفي الإلمام بأصوله. والعلم فتوحات ربانية وليس آلية جامدة يتعلمها كل أحد.
كيف تتغير أحوال العلماء في العلم والفهم وما دلالة ذلك؟
أحوال العلماء تتغير: فقد يفسح الله على العالم بما لم يفسح عليه من قبل ثم يُغلق عليه. وقد شهد بعضهم علماء لم يعرفوا ما كتبوه بأيديهم وأملوه بألسنتهم. وهذا يُثبت أن العلم فتوحات ربانية تأتي وتذهب، وأن المجتهد ليس على حالة واحدة دائماً.
ما قصة الشيخ الذي أخطأ في موعد الأضحية وما الدرس المستفاد منها؟
سأل شيخ كبير عن موعد الأضحية فأجاب الطالب بأنها جائزة إلى عصر اليوم الثالث من أيام التشريق، فرد الشيخ بأنها إلى مغرب يوم العيد. وكان الطالب على صواب. والدرس أن العلماء الكبار يخطئون في البديهيات أحياناً، وأن الإنسان لا ينبغي أن يُعجب بنفسه عند الصواب.
ما الدرس الذي تعلمه الطالب حين وقع في نفس خطأ شيخه بعد أسبوع؟
الطالب شعر بالفخر حين أصاب وأخطأ شيخه، ثم بعد أسبوع وقع في نفس الخطأ وقال إلى مغرب يوم العيد. فأدرك أن الله أراد أن يُعلمه التواضع وعدم العجب بالنفس، وأن الإنسان مهما أصاب فهو عرضة للخطأ في أي وقت.
لماذا يرتبط الاجتهاد بالتقوى وليس فقط بالعلم الآلي؟
المجتهد ليس على حالة واحدة دائماً لأن البشر صفتها التقصير والقصور. والاجتهاد متعلق بجانب كبير منه بالتقوى وليس فقط بالعلوم الآلية التي يتعلمها كل أحد. فالفتح الرباني في الاجتهاد يأتي بالتقوى والإخلاص، وليس مجرد تحصيل معلومات.
كيف كان الأئمة يجمعون بين العلم والتقوى في عملية الاجتهاد؟
كان الأئمة يصلون ركعتين لكل حديث يضعونه في كتبهم، وكانت المسألة فيها اتصال بين العلم والتقوى. فالاجتهاد عندهم لم يكن عملاً ذهنياً بحتاً بل كان مقروناً بالدعاء والاستعانة بالله وطلب التوفيق والتسديد.
ما الفرق بين المعاريض والكذب وما مثالا النبي وأبي بكر في الهجرة؟
المعاريض هي استخدام اللفظ المشترك بحمله على معنى صحيح وإن فهم السامع معنى آخر. فأبو بكر قال عن النبي هذا يهديني الطريق وقصد هداية الله، والنبي قال أنا ابن ماء وقصد الآية الكريمة وجعلنا من الماء كل شيء حي. وهذا ليس كذباً لأنه موافق للواقع.
ما الفرق بين قضية العلة والحكمة وقضية المعاريض والكذب؟
قضية العلة والحكمة تتعلق بالتفريق بين الوصف الظاهر المنضبط الذي يدور معه الحكم وبين الغاية الباطنة المضطربة. أما قضية المعاريض فتتعلق باستخدام المشترك اللغوي. وقضية نفي الأقل يستلزم نفي الأكثر هي قضية مفهوم الموافقة. وهذه قضايا مختلفة لا ينبغي الخلط بينها.
ما الفوارق بين الأمور المحسوسة المنضبطة والأمور الباطنة غير المنضبطة في أصول الفقه؟
الأمور المحسوسة المنضبطة كالمسافة والألفاظ والإسكار تصلح علةً لأنها ظاهرة يمكن إدراكها وقياسها. أما الأمور الباطنة غير المنضبطة كالمشقة والرضا وذهاب العقل فهي حِكَم لا علل. والمعاريض قضية مشترك لغوي، ومفهوم الموافقة قضية نفي الأقل يستلزم نفي الأكثر.
ما الفرق بين مفهوم الموافقة والاشتراك اللغوي في الاستدلال الشرعي؟
مفهوم الموافقة هو أن نفي الأقل يستلزم نفي الأكثر، كقوله تعالى فلا تقل لهما أف الذي يستلزم النهي عن الضرب. أما الاشتراك اللغوي فهو استخدام لفظ له معنيان فيُحمل على أحدهما، كقول أنا ابن ماء الذي يحتمل معنيين. وإنكار مفهوم الموافقة قد يكون تدليساً.
ما الفرق بين التدليس والكذب وما مثال النبي في المزاح بلا كذب؟
الكذب هو ما خالف الواقع وهو حرام لذاته. أما التدليس فهو استخدام لفظ يُفهم منه معنى غير المقصود دون مخالفة الواقع، وهو مستهجن لكنه ليس حراماً لذاته. والنبي كان يمزح ولا يقول إلا حقاً، كقوله لا يدخل الجنة عجوز وقصد أنها ستدخل شابة.
ما الفرق الجوهري بين قضية العلة والحكمة وقضية التدليس والمعاريض؟
قضية العلة والحكمة تتعلق بالتحديد وعدمه: الصفة المحددة الظاهرة المنضبطة هي العلة، والصفة غير المحددة هي الحكمة. أما قضية التدليس والمعاريض فتتعلق باستخدام المشترك اللغوي في غير ما وُضع له. وهما قضيتان مختلفتان تماماً لا ينبغي الخلط بينهما.
متى يكون التدليس حراماً ومتى يكون مباحاً أو واجباً؟
التدليس حرام لغيره لا لذاته: فهو حرام إذا وقع في الشهادة أو أنشأ ضرراً. وإذا لم يتحقق الضرر أصبح مباحاً. وقد يصل إلى الوجوب إذا أنقذ مصلحة كبيرة كإنقاذ النفس من العدو كما فعل النبي وأبو بكر في الهجرة. وعمر بن الخطاب قال إن المعاريض لمندوحة عن الكذب.
ما الفرق بين الكذب والتدليس من حيث الحكم الشرعي؟
الكذب حرام لذاته سواء نشأ عنه ضرر أم لا، لأنه مخالفة للواقع. أما التدليس فحرام لغيره: يحرم إذا نشأ عنه ضرر، ويباح إذا لم ينشأ عنه ضرر، وقد يصل إلى الوجوب إذا أنقذ مصلحة. وقال عمر بن الخطاب إن المعاريض لمندوحة عن الكذب.
أنواع القياس ثلاثة تبعاً لقوة العلة في الفرع، والحكم يدور وجوداً وعدماً مع علته الظاهرة المنضبطة لا مع حكمته.
أنواع القياس في أصول الفقه ثلاثة: قياس الأولى حين تكون العلة في الفرع أظهر وأقوى منها في الأصل كقياس تحريم ضرب الوالدين على تحريم التأفف، وقياس المساواة حين تتساوى العلتان كقياس إحراق مال اليتيم على أكله، وقياس الأدنى حين تكون العلة في الفرع أضعف كاختلاف الأئمة في علة تحريم الربا بين القوت والطعم والمماثلة.
الفرق الجوهري بين العلة والحكمة أن العلة وصف ظاهر منضبط يمكن إدراكه وقياسه كالمسافة في السفر والإسكار في الخمر والألفاظ في العقود، بينما الحكمة هي الغاية الباطنة غير المنضبطة كالمشقة والرضا وذهاب العقل. والقاعدة الأصولية الكبرى أن الحكم يدور وجوداً وعدماً مع علته لا مع حكمته، وهذا يسد المداخل الشيطانية التي تتذرع بانتفاء الحكمة لإسقاط الحكم.
أبرز ما تستفيد منه
- أنواع القياس ثلاثة: قياس الأولى وقياس المساواة وقياس الأدنى.
- أركان القياس أربعة: الأصل وحكمه والعلة والفرع، وحكم الفرع ثمرته.
- العلة وصف ظاهر منضبط والحكمة غاية باطنة مضطربة.
- الحكم يدور مع علته لا مع حكمته، والعمل بالظن الراجح واجب شرعاً.
مراجعة النظريات الأصولية الخمس التي حكمت الفكر الأصولي وتسلسلها المنطقي
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
لقد رأينا ما أسميناه بالنظريات التي حكمت في الفكر الأصولي، وكيف تسلسلت عند الأصوليين بطريقة منطقية مرتبة. فاهتموا أولًا بنظرية الحجية: ما هي الحجة التي يستطيع [الأصولي] أن يتعامل معها كمصدر من مصادر بحثه؟ المصادر التي يستطيع أن يثق بها، ومنها يستخرج حكم الله سبحانه وتعالى في الواقعة.
ثم في نظرية الثبوت: كيف تثبت تلك الأدلة والحجج والبراهين؟ وكيف تصل إلينا من غير تحريف ولا تصحيف ولا تبديل ولا تغيير؟ كيف نطمئن إلى هذا الثبوت؟
ثم بعد ذلك، إذا ما اعتبرنا الحجية واطمأننا إلى الثبوت، كيف نفهم هذه الأدلة؟ وهي مرحلة [الفهم]، فبنى بذلك نظرية الدلالة بمكوناتها الدقيقة التي استطاع بموجبها أن يفهم النص الذي أمامه.
نظرية القطعية والظنية ودورها في تحديد هيكل الدين الأساسي
ثم بعد ذلك رأى [الأصولي] أن هناك اختلافًا كبيرًا سيحدث، وأن هناك تعارضًا كائنًا في الظاهر بين تلك الفهوم بتلك القواعد. فابتنى لنفسه نظرية القطعية والظنية التي استطاع بها - خاصة من مدخل الإجماع - أن يتبين طريقه في مساحة كبيرة من الظني الثبوت الظني الدلالة، أو القطعي الثبوت ظني الدلالة، يُستطاع أن يُتفق عليها وأن يُمنع الخلاف فيها.
ثم بعد ذلك، وبعد أن استقر ما يمكن أن نسميه بهيكل الدين، بأساس الدين، بذلك الذي يكون به الإنسان مسلمًا، ويُعاب عليه من كل المسلمين إذا ما هو خالف من هذا الهيكل الأساس، وذلك عن طريق الإجماع. وذلك هو المقدار اليقيني من الدين، أو هذا هو الجانب القطعي فيه.
محدودية النصوص الشرعية وتجدد الحوادث والحاجة إلى منهج الإلحاق
فإنه [الأصولي] أراد ألا يخرج عن منهج الله سبحانه وتعالى في التشريع. وحيث أن النصوص الشرعية محددة ومعدودة - ودعونا أن نطلق عليها محصورة كما أطلق عليها الأصوليون، وإن كان معناها بالكلمة عندهم هي أنها محدودة - فمعي كتاب فيه عدد محدد من الآيات، ومعي أيضًا عدد محدد من الأحاديث التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والتي لا تزيد عن الستين ألف حديث بأي حال، والتي يختص نحو الألفين منها فقط بجميع أحكام الشريعة الإسلامية أو بالفقه، في أحاديث لا تتجاوز بأي حال من الأحوال ثلاثة آلاف حديث من مجموعة ستين ألفًا، والباقي يقعون في الكلام على العقائد وعلى الأخلاق.
النصوص محصورة والحوادث متجددة والحاجة إلى معرفة حكم الله في كل فعل
هذا الكمّ الذي نعيه - سواء الستين ألفًا كلها أو سواء الستة آلاف كلها - كل هذا كان محدّدًا معدودًا له عدد وحصر. وهذا معنى أنها محصورة عند الأصوليين.
في حين أن الأحداث والحوادث متجددة دائمة التغير في كل يوم وكل ساعة. فإن فعل الإنسان يحتاج منا إلى أن ننظر إليه ونعرف حكم الله فيه أو في مثله، حتى لا نخرج عن المنهاج الإلهي، المنهاج الرباني، في الحكم على الأفعال.
فأنا بين أمرين: الأمر الأول هو القول بأصحاب الأصل [أي استصحاب الأصل في الإباحة]، والأمر الثاني هو الإلحاق [أي إلحاق الفرع بالأصل عن طريق القياس].
الأصل في الأفعال الإباحة ثم تأتي الشريعة بالنواهي والمحرمات
فلو فرضنا أن الله سبحانه وتعالى بأصل الخلقة - ولأنه خلقنا - فإن جميع أفعالنا مباحة؛ لأنه هو الذي أذن لنا أن نكون في هذا الكون. فكل حركاتنا وسكناتنا وأفعالنا الصادرة منا - سواء كانت متعلقة بأنفسنا أو بالآخرين - تكون الأصل فيها الإباحة، حتى القتل، حتى السرقة، كل هذا مباح! إنه فعل من الأفعال الكائنة في هذا الكون، وهو فعل قد صدر منه بناءً على أنه مخلوق لله سبحانه وتعالى.
فلا بد أن هذه الأشياء مباحة، ولا أفرق بين ذبح إنسان وذبح دجاجة! فهذا ذبح وهذا ذبح، وتكون أفعال الإنسان كلها مباحة.
ثم تأتيني الشريعة على لسان الكرام [الرسل] فتقول لي: لا تفعل كذا، وتمنعني من فعل مساحة من هذه الأفعال.
النواهي الشرعية في القرآن الكريم وبقاء ما سكت عنه على أصل الإباحة
فعندما فكَّكتُ الشريعة وجدت أنها نهتني عن مساحة من الأفعال ثم سكتت عن الباقي؛ لأنني معي ستة آلاف آية وألفا حديث. فأذهب لأرى متى قال الله لي فيها: لا تفعل، وأمتنع. فقال:
﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ﴾ [الإسراء: 31]
﴿وَلَا تَقْرَبُوا ٱلزِّنَىٰٓ﴾ [الإسراء: 32]
﴿وَلَا تَقْتُلُوا ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33]
﴿وَلَا تَأْكُلُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّذِي هُوَ أَحْسَنُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الإسراء: 34]
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]
﴿وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: 37]
وهكذا: امتنعوا عن هذه الأشياء، ثم باقي الأفعال تكون مباحة بأصل الشرع.
مثال النهي عن البيع على بيع الأخ والخطبة على خطبته وغياب النص في الإيجار
فمثلًا لو جاء [النص] وقال:
قال رسول الله ﷺ: «لا يَسْعَى أحدكم إلى البيع على بيع أخيه، ولا يَتَقَدَّم لخطبة امرأة خُطِبَت من قبل، حتى يتركها الخاطب الأول، حتى يتنازل، حتى يترك، حتى يأذن له»
وفي الروايات المختلفة: حتى يدع، حتى يذر، حتى يأذن. فلقد قال: لا تَبِعْ على بيع أخيك، وأيضًا لا تتقدم لخطبة مخطوبة.
لكنه لم يقل: فإن كلمة "تستأجر" هذه ليست من المنهيات، لم ترد لا في القرآن ولا في السنة. وهنا اصطدم الأصولي بوضع عجيب، وهو أنه جالس وأتاه أحد المسلمين يستفتيه ويقول له: لي أخ مسلم ذهب يستأجر بيتًا، فذهبت أنازعه على استئجار هذا البيت.
شعور الفقيه بأن التنازع على الإيجار يخالف روح الشريعة في رفع النزاع
خطر في بال الفقيه أن هذا شيء لا يدوم، حاكَ في قلبه هذا. ما الذي جعله يشعر ويميل [إلى عدم جواز ذلك]؟ التربية الإسلامية التي نهته عن أن يبيع على بيع أخيه، وأن يخطب على خطبته، وأن ينازع الناس.
وكأن الدين قد أتى لرفع النزاع والخصام والقتال بين الناس، يريدنا أن يحترم بعضنا بعضًا وأن نكون إخوانًا، لا تحدث ضغينة في القلوب من أثر أفعالنا. إلى آخر هذا التصور الذي يستشعره في الكتاب وفي السنة:
﴿وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحجرات: 10]
﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]
﴿وَلَا تَنَـٰزَعُوا﴾ [الأنفال: 46]
وكذا، هكذا فهموه، هذا من الدين.
تطبيق استصحاب الأصل على التنازع على الشقق ونتيجته غير المرضية
لكنه إن طبق هذا - وهو قضية استصحاب الأصل - أن الأصل في هذه الأفعال أنها لم ترد ولم يُنهَ عنها في كتاب ربنا ولا في سنة نبينا، إذن فهي من المسكوت عنه، والمسكوت الأصل فيه الإباحة، إذن فالتنازع على الشقق جائز!
هو لمّا طبق هذا وجد نفسه أمام نتيجة لا يرضاها قلبه. فاستفكر وفكر: ما الفرق بين النزاع على شقة والنزاع على سلعة في البيع؟
الفرق هو الجامع الذي يجمع النزاع على سلعة والنزاع على امرأة يتزوجها. القضية هنا ليست هي مشابهة الشقة للسلعة أو للمرأة، بل القضية هنا هي النهي عن النزاع والخصام وإقرار المودة بين الناس، وإقرار صورة معينة للمجتمع المسلم من التواد والتراحم والأخوة وما إلى ذلك.
نشأة فكرة القياس في ذهن الأصولي بإلحاق الإيجار بالبيع لاشتراكهما في العلة
هكذا يبدو لي الرأي، وهكذا قضية القياس في ذهن الأصولي: أن ذلك الفرع غير المنصوص عليه بذاته بنفسه هكذا - وهي قضية الإيجار - شبيهة. وهنا ابتدأت قضية الإلحاق الصحيحة في ذهنه بقضية البيع.
شبيهة في ماذا؟ شبيهة في ذلك الوصف الذي من أجله أخذ هذا الأصل ذلك الحكم. الأصل هو البيع، الأصل هو الذي ورد في الشريعة وحكمها الحرمة، وسبب هذه الحرمة النزاع.
فالبيع على البيع حرام، وسبب ذلك هو أنه يفضي إلى التنازع والخصام بين الناس. لو تأملنا في ذلك الفرع - والفرع هو هذه الحادثة الجديدة التي لا أراها موجودة بذاتها وبنصها في الكتاب والسنة وفي النص الوارد تحت يدي - ومعي أرى نفس العلة هذه.
العلة هي الوصف القائم بالأصل الذي من أجله شُرع الحكم وإلحاق الفرع به
والعلة هو ذلك الوصف القائم بالأصل الذي من أجله قد شُرع الحكم. فأصبح لدى الفقيه رؤية أن هذا الوصف موجود أيضًا في الفرع.
إذن ما دام الله حكم على النزاع على بيع بأنه حرام، وعرفت أنا بظني وعقلي وتدبري في المسائل أن ذلك إنما هو من أجل النزاع، من أجل أن ذلك يفضي ويؤدي إلى النزاع، ورأيت النزاع متحققًا في فرع من الأصل، فإنني وباطمئنان ألحق وأشبه هذا الفرع بذلك الأصل؛ لأن هناك جامعًا بينهما وهو ذلك الوصف الذي يمكن أن أسميه السبب أو العلة في ذلك، والسبب في ذلك هو هذا الوصف.
أركان القياس الأربعة وتطبيقها على مسألة التنازع على الإيجار
ومن هنا تراءت للأصوليين أربعة أركان استطاع بها أن يصف ذلك الحادث الجديد بأنه حرام. فقالوا له: يا بني أو يا أخي أو نحو ذلك: إن النزاع على الإدارة [الإيجار] حرام، وذلك لأنه يؤدي إلى التنازع.
ها هنا تشبيه، كأنه يشبه شيئًا ممسكًا هو به في يده اليسرى بشيء آخر ممسك به في يده اليمنى، كالنزاع على البيع. فالنزاع على البيع إنه حرام لأنه يثير التنازع.
فلما رأينا أن هذا الحادث الجديد فيه ما في هذا المنصوص عليه القديم، أعطينا وجعلنا هذا يتعدى - مثل الفعل المتعدي هكذا - تعدينا ذلك الحكم إلى ذلك الفرع، فحكمنا على أنه حرام.
تعريف القياس لغة واصطلاحاً وحقيقته في المساواة والتقدير
ما للأصولي وما الذي يفعله؟ ما هذه الآلية التي يقوم بها؟ أنت الآن تقوم بآلية معينة، في ميكانيزم معين أنت تقوم به، فما تسميه؟ قال: أسميه القياس.
لأن "قاس يقيس قياسًا وقياسًا" أي: قاس النعل بالنعل أي ساواه به، وقاس المتر بذراع أي قدّره به. ويبدو أن ما أفعله فيه نوع مساواة وتقدير، كما أُقدّر الثوب بالمتر، وكما أُساوي بين أمرين، فيقال في اللغة أنني قد قِستُ بينهما.
ما حقيقة القياس إذن؟ قال: هو تشبيه فرع - وعرفنا الآن ماذا يعني هذا [الفرع وهو الحادث الجديد] - بأصله - وعرفنا أنه هو المنصوص عليه فيه حكم.
أين التشبيه؟ فيه حكم لعلة جامعة بينهما، يعني بين الأصل والفرع.
أركان القياس الأربعة وثمرته وحقيقة عملية الإلحاق
قلت له: إذن فأركان القياس أربعة: الأصل، وحكم الأصل، والعلة، والفرع.
إذن فما بال حكم الفرع؟ فقال لي: حكم الفرع هذا ثمرة القياس، وثمرة الشيء ليست هي الشيء. فعندنا الشجرة وعندنا الثمرة، فالمانجو مثلًا: ثمرة المانجو غير شجرة المانجو.
فنحن عندما نعرّف إنما نعرّف القياس، وتعريف القياس بهذا الشأن يجعلني في إطار الأركان الداخلة في حقيقة الشيء، وهي: الأصل، والفرع، وحكم الأصل، والعلة الجامعة بين ذلك الأصل والفرع.
لو توفرت لدى المجتهد هذه الأربعة فإنه يستطيع أن يقوم بعملية تسمى عملية القياس، وحقيقتها أنه يلحق أو يشبه فرعًا بأصل لاشتراكهما في العلة. هذا الإلحاق والتشبيه يتم للحكم، وبذلك تتم عملية القياس.
شعور المجتهد بالرضا لسيره مع المنهج الرباني في رفع النزاع
أنا أشعر الآن بالرضا لأنني أسير مع المنهج الرباني في رفع النزاع والخصام؛ لأنني لا أقف عند النصوص الجامدة جامدًا بطريقة حادة صلبة، بل إنني أتفهم مراد الشارع سبحانه وتعالى وأحاول أن أطبقه بيننا، بين الناس.
وأنا إذا لم أفعل ذلك فأتوصل إلى نتائج، هذه النتائج ساذجة أو غير محترمة أو أنها تعارض مبادئ وأصولًا كلية. ومن هنا يحدث عندي وفي قلبي عدم رضا عما أقول به.
أنا لم أكن راضيًا تمامًا أن أفتي لهذا الذي يسألني عن النزاع على شقة أن أقول له: ولا يهم، لم يرد في الشرع، ليس هناك ما يتعلق بالشقق أو البيوت أو الإيجار، اذهب فافعل ما شئت!
وجوب العمل بالقياس شرعاً لأنه يولّد ظناً راجحاً بحكم الله في المسألة
ومن هنا فإن جماهير الأصوليين قد قالوا: إن هذه العملية - وهي من درجة تحت الجواز العقلي - هي جائزة. أهي لأننا فكرنا فيها فهي جائزة عقلًا؟ هي واجبة شرعًا.
ولماذا هي واجبة؟ قالوا: لأنها تُحدث عند المجتهد ظنًا راجحًا أن هذا هو حكم الله سبحانه وتعالى في تلك المسألة.
ولماذا تحدث هذه الحالة؟ لأن المجتهد يشعر من نفسه أنه قد استقرأ وتتبع الشرع الشريف، وعرف ما فيه من النصوص، ولم يقف عند فهمها الظاهر فقط، ولا عند صلابة ألفاظها فحسب، بل أدرك الحِكَم والمعاني والمقاصد من هذا التشريع.
اطمئنان المجتهد إلى إدراك الواقع والعلة ومقارنتها بين الأصل والفرع
ثم أنه أيضًا مطمئن إلى أنه قد قام بعملية أخرى وهي عملية إدراك الواقع - وهو الفرع والحادث الجديد - وأنه قد استوعبه تمامًا، وعرف ما سوف يؤدي إليه من أمور، ورأى فيه ومن خلاله وصفًا جعل له الشارع مناطًا وسببًا وعلة للحكم في الأصل المنصوص عليه.
وأنه أيضًا قد قام بعملية مقارنة بين هذه العلة التي في الفرع وتلك العلة التي في الأصل، واطمأن إلى أن بينهما اشتراكًا.
وانظروا إلى كلمة "اشتراك" ولم يقل "تماثل"؛ لأنهم وجدوا عندما فكروا في هذا أن العلة في الفرع قد تكون أعظم منها في الأصل، أو قد تكون مساوية لها وهي المثل، أو قد تكون أقل منها.
أنواع القياس الثلاثة: قياس الأولى وقياس المساواة وقياس الأدنى
وعلى ذلك فالقياس عندهم ثلاثة أنواع أو أقسام أو درجات:
-
قياس الأولى: وهو ما كانت فيه العلة في الفرع أظهر وأبين منها في الأصل.
-
قياس مساواة: وهو ما كانت فيه العلة في الفرع مساوية للعلة في الأصل.
-
قياس أدنى: وهو ما كانت فيه العلة في الفرع أقل وأدنى من العلة في الأصل.
إن هذه العملية تُطعم المجتهد أنه استوعب دقائقها، وأنه استطاع بذلك أن يُرضي نفسه وأن يطمئن، مما يحدث له وفي ذهنه ظنًا راجحًا أن هذا هو حكم الله في هذه المسألة.
لماذا يكون القياس واجباً شرعاً والعمل بالظن الراجح لازم عقلاً
نفترض هذا، فلماذا يصبح ذلك واجبًا؟ نعم، القياس يحدث - كما رأينا - اطمئنانٌ في نفس المجتهد يجعله يظن ويرجح أن هذا هو حكم الله سبحانه وتعالى في تلك المسألة. فلماذا يكون واجبًا؟
قال: لأن العمل بالظن واجب. وكيف هذا؟ قال: المجتهد عندما يفكر في تلك الأمور فإنه يكون أمام احتمالات أربعة، ثلاثة منها غير معقولة، والرابع هو المعقول.
كيف هذا؟ سألتني في حكم: إما أن أقول لك فيه "نعم"، وإما أن أقول لك فيه "لا"، وإما أن أقول لك فيه "لا نعم ولا لا"، وإما أن أقول لك فيه "نعم ولا". هذه هي القسمة العقلية الناشئة من موقف الشرع من فعل معين.
استحالة الجمع بين النقيضين في الأحكام الشرعية وبقاء احتمالين فقط
هل يقبل [الشرع] ما ويركبون؟ إما نعم فأقول، وإما لا يعني رفض.
هل يُتصوَّر في فعل من الأفعال أن يقف الشارع فيه فيقول: افعله ولا تفعله في نفس الوقت؟ هذا مستحيل، وهذا هو الجمع بين النقيضين، والجمع بين النقيضين نوع من أنواع المحالات. لا يمكن للشرع أن يقول لي: صلِّ ولا تصلِّ في نفس الوقت ونفس الجهة، ونفس هذا لا يمكن. أن لا تصلِّ، صلِّ، فهي هي.
إذ هناك احتمالان وهما: "لا ولا نعم" و"نعم ولا" في نفس الوقت، لسنا متوهمين بالعقل. عقل كل عاقل على وجه الأرض - مسلم أو كافر - ينفي هذا، يرفض هذا.
يتبقى له احتمالان: نعم ولا. نعم: اذهب ونازع على المسكن. لا: لا تذهب ولا تنازع على المسكن.
القياس يرجح أحد الاحتمالين ويوجب اتباع الراجح لا المرجوح
أنا القياس طمأن قلبي ورجّحه بذلك الاطمئنان، جعله يميل ميلًا. عندي احتمال واحد فقط، وهو ألّا تفعل هذا، وهذا هو الذي يطمئن إليه قلبي.
أقول له: هل هذا سمعته من ربك أو من رسولك؟ أقول له: لا، لم أسمع عدم النزاع على الشقق لا في الكتاب ولا في السُّنَّة. أنا سمعت أن عدم النزاع على البيع وعدم النزاع على الخطبة، أما حكاية الشقق فهي [لم ترد بنصها]. ولكن تربيتي على أوامر الله ورسوله، عقلية في أمور تتشابه مع بعضها في كثير من الأمور التي شرحناها الآن، تجعل قلبي مائلًا إلى أن أقول لك: لا تفعل هذا، فهذا من جنس ما حرّمه الله علينا وإن لم يحرمه بذاته وعينه ونصه وفصه هكذا.
وجوب العمل بالظن الراجح لأن اتباع المرجوح والتناقض ممنوعان عقلاً
قالوا إذن: فلو أن القياس يؤدي إلى الظن والرجحان فقط وليس إلى اليقين والقطعية، إلا أنه يجب العمل به؛ لأن العمل بالظن واجب.
هذا الكلام مُقَعَّد: لأن العمل بالظن واجب. لماذا هو واجب؟ لا، وماذا أفعل؟ ماذا أفعل هذا؟ أنا لا بد أن أفعل الصحيح، وأن أقوم بالظن دائمًا هكذا. لا بد عليّ أن أفعل الظن؛ لأنني دائر بين الجمع بين النقيضين - وهو ممنوع - وأن أتبع المرجوح - وهو ممنوع - أو أتبع الراجح.
الثلاثة أحلاهم مر، ومرفوضان: أبقى في تناقض والتناقض ممنوع، واتباع المرجوح ممنوع. إذن يجب عليّ أن أتبع الراجح.
توسع الأصوليين في دراسة أركان القياس وكيفية استنباط العلة وتحقيقها
وبدأ الأصوليون من هذه الآلية التي أسموها في القياس، بدأوا في دراسة كل جزء وكل ركن من أركان القياس، ووضعوا لهم ضابطًا، ووضعوا له كيفية عمل.
وتوسعوا جدًا في كيفية استنباط العلة: كيف نستنبط العلة؟ وكيف نحققها في الفرع؟ وما هي الأمور التي تشوش علينا ذلك الاستنباط؟ وما هي أنواع تلك العلل؟ وأن بعضها منصوص وبعضها مستنبط.
فما هي المسالك؟ يقولون هكذا: مثل المسالك التي تؤدي بنا - يعني الطرق التي تؤدي بنا - إلى العلل وإدراك العلل. كيف نفهمها؟ كيف نستنبطها؟ وهكذا.
مثال قياس الأولى: قياس ضرب الوالدين على قول أفّ لهما في التحريم
فمثلًا عندما تكلموا على ما ذكرناه من الأنواع الثلاثة للقياس، قالوا: نحن إن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23]
فلا تقل لهما أف. وهنا له وفي منطوقه: الألف والفاء التي تخرج من الفم تعبيرًا عن التذمر والضيق. أفٍّ.
إذن حسنًا، لم أقل لهما أفٍّ، ولكنني أمسكت بعصا صغيرة وضربتهما فقط! فأجيب للوالدين وكبار السن أنهم قد خرفوا، أنهم يعني يأمروننا بأوامر ويوجهوننا إلى نواحٍ عيب، هكذا فقط. الحمد لله تمسكت وأنا أضرب، لا أقل من أف أبدًا! هذا حرام!
لماذا يضحك الجميع من هذا المثال: العلة في الضرب أعظم منها في التأفف
الأستاذ يضحك والأخت تضحك وكلنا قد ارتسم على وجهه [الابتسامة]. لماذا؟ لماذا هذه الابتسامة التي حدثت؟ إنه غير معقول! هذا السبب ما هو؟ يحتاج فكرة.
لماذا؟ لأن العلة - وهي إيذاء الوالدين - التي من أجلها حرّم الله كلمة "أف" أن تصدر من الابن لوالده أو لوالدته، هذا الإيذاء إيذاء بسيط. يعني لو أجرينا هكذا إحصائية: من منّا لم يقل لأبيه وأمه أف؟ يعني ستكون النتيجة إما منعدمة أو منعدمة.
والأب والأم عندما يرى الولد يزعق وهكذا، يحاولون من أجل إثارة شفقته عليه. يعني لا تؤذِ أيضًا، لا يتراجع الأب والأم في كثير من الأحيان عن ذلك الأمر الذي قد توقف ابنهما أو ابنتهما عنه.
ضرب الوالدين إجرام أشد بكثير من التأفف وهذا هو قياس الأولى
يعني كأنه أيضًا الحكاية فيها ماذا؟ لا يبدأ يعني يُزال هذا الذي لا يكاد يُذكر به من الواقع هكذا، أنه لا يكاد يُذكر أمام هذه المصيبة التي لا تكاد تُتصور: أن يضرب ابنٌ - والعياذ بالله - أباه أو أمه!
هذا إجرام أشد من إجرام كثير. الشرك بالله وعقوق الوالدين، هذه كبيرة لدرجة أنه لا يمكن أن يقارن بينهم.
إذن فهذا ما يمكن أن يسميه قياس الأولى. وبعض الإسلاميين [العلماء] وصل به الأمر إلى أن يقول: قياس في معنى النص. وقياس كلمة يعني: عندما يقول لي الله [لا تقل لهما أف]، أين الغيظ من الضرب؟ فهذا هو الطريق.
ولا أقول له أف، فلا أقول له أف أبدًا. يقول لي: نعم، تَرَكَ ولكن ضرب! لأنني أريد أن أضرب. فأقول له: انتظر، في معنى النص كأنه نصٌّ، من شدة توفر العلة في ذلك الفرع الحادث المسكوت عنه الذي لم يُنص عليه، بمرحلة كبيرة ضخمة بينه وبين المنصوص عليه وهي كلمة أفٍ.
مثال قياس المساواة: إحراق مال اليتيم قياساً على أكله في التحريم
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الإسراء: 34]
﴿وَلَا تَأْكُلُوا مَالَ الْيَتِيمِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 10]
إن أكل مال اليتيم محرم. فالله سبحانه وتعالى جعلني وليًا وصيًا على ذلك اليتيم وماله، فأذهب وآكل منه وأتمتع به، آكل كل يوم كبابًا وتفاحًا وأستمتع من مال اليتيم، وأُطعمه أيضًا معي: تعال يا ولد، خذ قطعة طعام هكذا. ليس هناك مانع، ويكبر اليتيم نَفِدَ المالُ وضاعَ.
فبدلًا من أن يَجِدَّ ويجتهد ليحصل على ما يُغنيه من ميراث أمِّه أو أبيه أو أهله أو ما شابه، إذا به يبحث ولا يجد شيئًا، أو يجد الشيء ناقصًا. حذَّرَ الله من هذا تحذيرًا كبيرًا.
مقارنة بين أكل مال اليتيم وإحراقه والنتيجة واحدة على اليتيم
لكن افترض أن هذا الآكل - والعياذ بالله - أو المُضَيِّع هو أحضر طعامه مرة أخرى، والله تعالى يقول له: احذر أن تفعل ذلك. حسنًا، هذا كان فيه منفعة ولذة.
لكن نفترض أنه رجل حقير ذهب فأحرق المال وأشعل فيه النار! قال: لكي لا يجد هذا الطفل الصغير شيئًا عندما يكبر.
في صورتين: سواء أكله وغذّى به نفسه، أو أشعل فيه النار. موقف: ما هو العائد من هذين التصرفين على الولد؟ فواحد في الأولى: الولد لم يستلم ماله، وفي الثانية: الولد لم يستلم ماله.
الحقيقة أن النتيجة واحدة. ولذلك الأصوليون ضربوا هذا المثال مثالًا للقياس بالعلة المتساوية. فإن في الأصل نهانا ربنا عن الأكل بعدم تضييع المال على اليتيم، وفي الفرع قد ضاع المال على اليتيم. فضياع المال في كلتا الصورتين متساوٍ.
مثال قياس الأدنى: تحريم الربا في الأصناف الستة واختلاف العلماء في العلة
قد تكون العلة في الفرع أقل منها في الأصل، فنسميه قياس الأدنى. وصورة ذلك مثلًا أن النبي عليه الصلاة والسلام حرّم فقال:
قال رسول الله ﷺ: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرّ بالبُرّ - الذي هو القمح يعني - والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، يدًا بيد، مثلًا بمثل، سواءً بسواء، فمن زاد أو استزاد فقد أربى»
هل يا تُرى رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حرّم في هذه الأشياء، حرّم فيها فقط في الستة الأشياء هذه فقط - كما يقول ابن حزم الظاهري الذي ينكر القياس - أو أنه قد حرمها لمعانٍ؟
اختلاف الأئمة في علة تحريم الربا بين القوت والطعم والمماثلة
وذلك أن الذهب والفضة كانا وسيط التبادل بين الناس، وأراد [النبي ﷺ] ألا يحدث خلل في التعامل فيحدث اضطراب في قيم وسيط التبادل. وأراد أن يحفظ على الناس أقواتها أو مطعماتها، أو أنه أراد أن يحفظ على الناس التماثل فلا يحدث الخلل في البيع والشراء.
ذهب إلى كل واحد من هذه العلل فريق من العلماء؛ لأنه عندما فكروا اختلفوا:
- •
فقال الإمام مالك: هو يريد أن يحفظ على الناس أقواتها، وقوت البلد هو القوت المدخر.
- •
والإمام الشافعي قال: لا، نوسعها قليلًا [فالعلة هي الطعم].
- •
وأبو حنيفة كان قال: لا، هو يريد المماثلة في الجنس والقدر.
مثال القوت عند الإمام مالك والفرق بين قوت البلد والكماليات
يعني إذا نزلنا مصر مثلًا الآن نجد قوت البلد هو الفول المدمس الذي يفطر به الناس ويصنعون منه طبق الشعبية وغير ذلك. ما هذا؟ والأرز الذي يأكل منه غالبية القاهريين، إنه من الشمال وليس سويسريًا. والقمح الذي يعتمد عليه غالبية أهل الصعيد في قوتهم.
تجد أن الصعيدي لا يفطر عندما يكون هناك أرز، بل لا بد أن يأكل خبزًا وهكذا. هذا هو قوت البلد.
لكن المارون جلاسيه ليست من قوت البلد بدرجة. فروة عندما نضعها في قليل من السكر هكذا، فهذا ليس من القوت. هو مُطعوم نعم، يُؤكَل نعم، لكنه ليس من القوت.
ولذلك جاء عبد الناصر ومنع استيراد هذه الأشياء ولم يشعر أحد، يعني لم يتأذَّ أحد كثيرًا بأن المارون جلاسيه لم يعد موجودًا في البلد، فهو ليس ضروريًا.
الفرق بين إزالة الكماليات وإزالة الأقوات الأساسية وأثرها على الناس
ما المارون جلاسيه موجود، لكن لو أُزيل القمح أو الأرز أو الفول من البلاد، فماذا سيكون؟ ستكون الحاجة أزمة حقيقية؛ لأن الناس قد تعودت على تناول هذه الأشياء يوميًا، بل وفي وجباتها كلها.
سيحدث عدم شبع، إذ تعوّد الجسم المصري منذ قديم الأزل أن يأكل القمح في صورة الخبز، يأكل الأرز أو يأكل الشعير أو يأكل الزرع أو يأكل الفول أو يأكل غير ذلك. لو أننا قلنا له: اكتفِ باللحوم مثلًا والطبيخ بالخضار المعتاد، لا يشبع، لا يحدث له شيء، لا يشبع وتحدث أزمة كبيرة.
إذن مالك يفكر ويقول: يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحفظ الأقوات على الناس، فلا يريد لعبًا فيها ولا زيادة وكذا، بحيث لا تحدث مضاربات حولها وعليها، يبقى في تسوية عليها هكذا، يجعلها كما هي هكذا.
اختلاف الشافعي وأبي حنيفة في علة الربا وأثره على تطبيق القياس
طيب، الإمام الشافعي قال: لا، نوسعها قليلًا؛ لأنه كان هناك أناس أيضًا يؤثر في نفسها المارون جلاسيه قليلًا، وعندما مُنعت تضايقت وقالت: الله يعني يجازي الثورة شرًّا أن منعت المارون جلاسيه! كنا في الماضي... ويحكي لك عن الماضي. كان ما أجمل الملبنة المخلوطة بالقشطة من عند الحاج بكر، والمارون جلاسيه من عند جروبي! فأنتم حرمتمونا الآن من هذه الأشياء اللطيفة.
في الحقيقة يعني كأنه يعامل الأطعمة كلها معاملة واحدة. فَفَهْمُ الشافعي كان هكذا [أن العلة هي الطعم].
لكن ذهب أبو حنيفة كان قال: لا، هو يريد المماثلة في الجنس والقدر. فهناك أشياء يضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم كمثال؛ لأنه أيضًا لم يعد التراب بالتراب ولا الأقلام الرصاص بالأقلام الرصاص، وإنما مثلًا بمثل وهكذا حتى تستقر المعاملات ويتحقق العدل.
اختلاف الأقيسة بين الأئمة في مسألة مبادلة الأمتار وعلة الربا
وأنت في غرر وفي أكله. وهنا ستختلف الأقيسة عند هؤلاء الأئمة.
إذا وسُئل سؤال: هل يدخل معنا مبادلة بعض الأمتار بأمتار أخرى أم لا؟ فسيقول مالك: لا، بِعْ عددًا من الأمتار بعدد آخر من الأمتار كيفما شئت، فإن الأصل هو القوت، أو الأصلي هو البُر أو القمح، وعلة ذلك هي كونه قوتًا. أما الأمتار فليست قوتًا، إذن فبِعْها كيفما شئت، إذ ليس الحصن [الحكم] ثلاثة في عملية القياس.
لكن الشافعي يقول: لا، علة التحريم في القمح هي الطعم، أي أنه مطعوم، أي أنه يؤكل بالفم. فالكمثرى تؤكل بالفم، والنتيجة أن الزيادة في الكمثرى حرام مثل القمح تمامًا عند النظر إلى علة الطعم التي استنبطها الشافعي.
العلة المستنبطة ظنية وليست قطعية ولذلك اختلف الأئمة في تطبيقها
هل هي علة يقينية؟ قطعًا لا، وإلا ما حدث خلاف بين المالكية وبين أبي حنيفة. لو كانت قطعية لاتفقوا عليها، لكن هذه أمور تعتبر باطلة [ظنية] وأمور معقدة أخرى فاختلفوا فيها، فاختلفوا في النتيجة.
هم متفقون على قضية القياس وآلياته، لكن عندما نأتي لنطبق نجد أن هذا قال: العلة هي الطعم، وهذا قال: العلة هي القوت.
وحينئذٍ نقول له: هناك ربا في الفاكهة هذه وإن لم تكن مقتصدة [قوتًا]؛ لأن القضية قضية الطعم. هذا مذهب وهذا مذهب.
إذن فهذا المذهب أو هذا اختلاف المذاهب، هذا يدل على أن العلة ليست كشأن الضرب قياسًا على التأفف، ولا حتى كشأن الإحراق قياسًا على الأكل، إنما هذه علة في القلب منها شيء في الاستنباط، فيها اختلاف، بل وقد يكون في التحقق فيها خلاف.
مثال البرسيم والخلاف في تحقيق علة الطعم بين الإنسان والحيوان
لأنه من الممكن أن تأتي له مادة هي مشتركة في الأكل بين الإنسان والبهيمة، فهل تدخل معي في الطعم أم لا تدخل معي في الطعم؟
هنا سيحدث بيني وبين أخي المتمذهب بمذهب الشافعي والمقتنع بكلامه خلاف. والخلاف هنا لم يكن في علة الأصل [بل في] توافر هذه العلة في الفرع. فهل هذه العلة متوافرة في الفرع أيضًا؟
حدث في مكة قبل خمسين سنة أن ازدحم الناس، ولمدة قصيرة كان البرسيم كعصير القطع والبرسيم. ولا أرى أحدًا قد حاول أن يتذوق عيدانه، إلا أن فيه مادة سكرية كاملة. يعني هو أشبه بعصير الجزر، عصير الجزر فيه من السكر الطبيعي.
البرسيم بين طعام البهائم وطعام البشر وأثر العرف في تحديد الطعم
فإذا ما عُثر على البرسيم وهو مادة خضراء كأي مادة أخرى فيها من الفيتامينات ومن المركبات ما في أي مادة أخرى، ولكن شاع في الاستعمال هذه النبتة في أكل البهائم وليس في أكل الإنسان.
فلو أنها كانت صالحة لأكل الإنسان - لأن الإنسان إذا ما أكل إنسان لا يدري بل ينتفع بل قد يتلذذ أيضًا وينبسط - وكثير من الناس في هذه الفترة أقبلوا وتهافتوا على عصير البرسيم، يشربونه لأنه رخيص ومفيد وطعمه لذيذ.
ومن الممكن جدًا أن نصنع إعلانات له ونضع سياسة تمنع التقاط الصور حتى لا يُقال إن المصريين يأكلون طعام البهائم. ولم يُمنع لا من جهة الصحة من قبيل التقزز أو الاشمئزاز ولا من قبيل كذا وكذا.
الفول المدمس بين طعام البشر في مصر وطعام البهائم في إيطاليا
بل صورة أشد واقعية من هذا، وهي قضية الفول المدمس. فإن الفول المدمس في إيطاليا مثلًا لا يأكله إلا البهائم والعصافير، ويتعذبون تعذبًا شديدًا ويصلون إلى حالة الاشمئزاز والتقزز لو أنهم قد أُخبِروا بأن أحدًا من البشر يأكل مثل هذا النبت.
إذن هذه - الفول أو البرسيم أو غيرها إلى آخره - وأنا أضرب هذه الأمثلة حتى نبين أنه قد يكون هناك شيء واقع في التعامل وفي الطعم ما بين الإنسان والحيوان.
فماذا يكون الحال؟ هل هذا يُقَوَّم بكذا ويُحاسَب على كذا إلى آخره، أو أنه لا يُقوَّم؟
الخلاف في تحقيق العلة في الفرع بين الشافعية أنفسهم في مسألة البرسيم
إذا اختلفوا فاتفق مع صديقي الشافعي هذا أن الفول يجري فيه [الربا] لأننا نحن الذين اعتدنا عليه، متفقين. وندرك أنه توجد أقوام أخرى لا تتصور أكله للبشر لأنها لم تجرب هذا ولم تتعود عليه.
وسأختلف مع صديقي الشافعي الآخر في قضية البرسيم. فهو يرى أنه طعام وأنه لا بأس به وما الذي يمنعه إلى آخره. وأنا أرى أن العرف حاكم وغالب على أنه ليس من طعوم البشر، وأنه ينبغي أن نفك عنه أسر التفاضل الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأصناف، ونجعله خارجًا عن هذه القضية، فلا نقيس على الربويات.
بالرغم من أننا نحن الاثنين نقول إن الطعم هو علة الربا، اختلفنا في تحقيق هذه العلة في الفرع وليس في الأصل.
القياس ظني في مجمله لكن العمل بالظن واجب شرعاً
ومن هنا كان القياس ظنيًا أيضًا. هل هذا الحكم بإزائه هذه العلة فعلًا؟ أظن ذلك. هل هذه العلة متحققة في الفرع؟ أظن ذلك.
هذه مجموعة الأمور تجعل القياس في مجمله ظنيًا، وإن وجب العمل به؛ لأن الظن يجب العمل به.
وقد توسع الأصوليون في شروط الأصل وشروط حكم الأصل وشروط العلة وشروط الفرع، بحيث تتم عملية القياس بطريقة منضبطة مفهومة واضحة، تحاول أن تبتعد عن مواطن الغموض، وتحاول أن تبتعد عن التكلف وعن المفارقة بين ذلك الفرع وهذا الأصل.
منكرو القياس وردهم على أمثلة الجمهور بأن النصوص تغني عن القياس
إلا أن بعض الناس أنكروا القياس. هذا فقه جيد، إلا أن بعض الناس أنكروا القياس. يعني سنقول شرحًا إن شاء الله، إن شاء الله، لكن اصبر عليّ قليلًا.
وقالوا: من قاس - كما تقولون أيها الجمهور - فقد شرع وأوجد حكمًا لشيء مسكوت عنه. وهذه الأمثلة التي قلتموها لنا نرد عليها.
تقولون: قِسنا النبيذ على الخمر، فالخمر حرامٌ لأنه مُسكر، والنبيذ مُسكر فهو حرام. الخمر في اللغة هو عصير العنب، لكن عصير التفاح المسمى بالشامبانيا لا يسمى خمرًا في اللغة، وعصير البصل المسمى بالويسكي لا يسمى خمرًا في اللغة، وعصير التمر أو غيره المسمى بالعرقي مثلًا أو الأنبذة المختلفة كنبيذ الذرة أو نبيذ الشعير لا يسمى في اللغة خمرًا، بل يسمى مسكرًا وقد يُسمى بأسماء أخرى.
أسماء الخمر في لغة العرب وكتاب الفيروزابادي في جمع الأسماء المتعددة
فالخمر قد ورد لها تسعون اسمًا في لغة العرب؛ لأن العرب كانت إذا أحبت شيئًا أو خافته أكثرت من أسمائه. فتجد الأسد له سبعمائة اسم، وتجد البحر له ثلاثون اسمًا، وتجد الخمر له تسعون اسمًا وهكذا.
حتى قام أحد العلماء وهو الفيروزابادي فقد جمع كتابًا سماه "الروض المألوف" في جمع ما له اثنان أو ثلاثة إلى ألوف. وهذا يعني أن بعض الأشياء كان لها ألف اسم في لغة العرب.
فالخمر - وهي بحروف الخاء والميم والراء - كانت تُطلق على نوع معين من المُسكر، وهو عصير العنب المتخمر الذي ظهرت فيه صفة [الإسكار].
رد منكري القياس بأن حديث كل مسكر خمر يغني عن قياس المسكرات على الخمر
يقيس [الجمهور] الويسكي على الخمر ويقول إنه حرام، ويقيس الشامبانيا على الخمر ويقول إنها حرام، ويقيس البيرة على الخمر ويقول إنها حرام.
فجاء منكرو القياس وقالوا: حسنًا، أنت في الحقيقة تفعلون شيئًا لا حاجة لنا به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «كل مسكر خمر»
انتهى الأمر! بهذا القول أصبح للخمر معنى في الشرع أوسع منه في اللغة. وحينئذ كان الويسكي والشامبانيا والعرقي ومشروبات البلد وكذا من أنواع المسكرات تكون مندرجة [تحت مسمى الخمر].
هذا كلامه، وهذه الكلمة التي يستغنون بها عن قضية القياس: أن تكون هذه الأشياء مندرجة تحت الخمر. فكل مسكر هو خمر، وكل خمر حرام، خلاص.
أحاديث نبوية أخرى تؤكد تحريم قليل المسكر وكثيره دون حاجة للقياس
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»
ها هو فتحها. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «ما أسكر منه الفَرَقُ فمِلْءُ الكف منه حرام»
هذا صحيح. يعني لو أن سائلًا بحجم البانيو المعتاد عندنا الآن شربته فأسكرت - شربت البانيو فأسكرت - فإن ملء الكأس منه هكذا يكون حرامًا.
حسنًا، وهل يوجد أحد سيشرب هذه الكمية الضخمة حوالي مائتي لتر؟ مائتي لتر! فإن الكوب منه يصبح حرامًا. ملء الكف يعني كوبًا تقريبًا، كوب صحيح.
إذن هذه النصوص تندرج تحتها هذه الأفراد من غير حاجة لنا للقياس.
رد منكري القياس على مثال الإيجار بأن النصوص العامة تغني عن القياس
تقول: الإيجار قِيس على [البيع]؟ ألم ينهنا الله عن التنازع والتخاصم وأمرنا بالأخوة؟ أليس من المفترض أن تصبح هذه الأشياء من أفراد هذا الكلي الذي هو محل النزاع؟
[وكذلك] يجعلك تقول أف، والله قال بعدها:
﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23]
هنا نعتبر الضرب من النهر. ثم إن هذا من بلاغة العرب وكلامهم. فلو قلت: ليس في جيبي مليم - كان في الماضي أحمر - ليس في جيبي مليم، يعني ليس في جيبي أكثر منه.
فتصبح مسألة سخيفة أن يكون في جيبي مائة جنيه ثم أدخل على السامع وأقول: ليس في جيبي قرش صاغ! فَهِمَ الناس هذا أننا في القليل، وزننا في الأكثر.
نفي الأقل يستلزم نفي الأكثر في بلاغة العرب وتطبيقه على النصوص الشرعية
عندما أقول: ليس معي قرش، فمعناه أنني ليس في جيبي شيء. وهذا يصح عند الناس.
أنا أقول لك: بعد قليل أُخرج المائة جنيه من جيبي، وبعدها أقول: أنا نفيت وجود القرش، أنا قلت ليس في جيبي قرش، لكني لم أقل أنه ليس في جيبي مائة جنيه! هذا النوع من التفكير وهذا النوع من اللغة غير معهود بين الناس، بل إن السامع سيتهمني حينها بالكذب.
كلمة "لا تقل لهما أف" هو أفضل [من باب أولى]. يعني إذا كان أفضل تلك الأذية التي لا تكاد تُذكر، التي عادة ما يعفو عنها الأب والأم لطفلها، فما بالك بما هو أكبر منها؟
وتقول أنه أكل مال اليتيم، لا يوجد عليه العذاب! أي عذاب هذا؟ هذان اسمان وليس اسمًا واحدًا؛ لأن الأكل هنا يندرج تحت كل إهلاك.
رد الجمهور على منكري القياس بأن الخلاف لفظي ومنهج القياس أكثر انضباطاً
وواضح من العبارة؛ لأن ظاهر العبارة أيضًا أنني أمسك المال نفسه وآكله هو نفسه، فكيف آكل الذهب والفضة أو كيف آكل الأرض؟ معنى العبارة أنني أتصرف فيها من غير قياس ولا شيء. لن أحرق أي شيء، لكن معنى العبارة أنه لا بد أن أتصرف فيها.
فالحقيقة أن قلبكم بالقياس هذا يعني لا حاجة لنا بهم.
قلنا لهم: إن اختلافنا إنما هو اختلاف لفظي فقط، وكلامنا أشد ضبطًا وانضباطًا من كلامكم؛ لأننا قد توصلنا جميعًا إلى نفس الأحكام، وهذا الذي نريده.
فإحراق مال اليتيم حرام، وضرب الوالدين حرام، والربا في المعاملات الفلانية حرام.
الخلاف الحقيقي يظهر في مسألة الربا حيث يقتصر الظاهرية على الأصناف الستة
قال لي: كفى، كفى. لا، ليست حرامًا! هذا فقط في الستة فقط، هو في الستة فقط؛ لأن مسألة الطعم والقوت وما شابه ذلك ليست مستوعبة في ذهني، وليست مثل مسألة الخمر والضرب والإحراق والأشياء التي كنا نتمسك بها الآن.
ولذلك سأقف على الستة فقط ولا في سوى هذه الستة.
قلت له: إذن بدأنا في الخلاف الحقيقي، وأن كلامي أقرب إلى التمنهج بمنهج الله من كلامك؛ لأنني أبحث عن المقاصد والعلل والحِكَم.
وهذه الأشياء لن نختلف فيها كثيرًا هذه الأمثلة. ها نحن قد أتينا بمثال وهو الربا، اختلفنا لأن منهجي مضطرد في فهم الشرع ومراده ومحاولة التطبيق. عندك وكلامه أكثر تفصيلًا، أكثر دقة، أكثر بيانًا، أقدر على نقله بين الأستاذ والتلميذ، أقدر على توصيله.
التفريق بين العلة التعبدية والعلة الواضحة وأهمية هذا التفريق في القياس
علة تعبدية: ماذا تعني العلة؟ تعني أنني عندما يُسأل عن لماذا، لا أستطيع أن أجيب. إذن هذا هو التعبد.
وهناك علة واضحة يمكن أن أعدها.
قضية هامة جدًا ينبغي أن نركز عليها وأن نستوضحها تمامًا، وهي تفرقة الأصوليين بين العلة والحكمة.
فهناك فارق عندهم بين ما يمكن أن نسميه بالحكمة وما يمكن أن نسميه بالعلة. في حين أن كلًا من العلة والحكمة إنما قد ورد في الإجابة على السؤال: لماذا؟
عندهم فالعلة فيها صفتان: أنها ظاهرة منضبطة. والحكمة ليست كذلك. يعني يمكن أن تكون ظاهرة غير منضبطة، ويمكن أن تكون من ضمن ليست ظاهرة ولكنها منضبطة إلى آخره. لكن العلة ظاهرة ومعنى الظهور: الرؤية بالعين، يمكن رؤيتها بالعين. هذا معنى الظهور. منضبطة أي أنها محددة حادة واضحة هكذا بيّنة لا اختلاف فيها.
مثال العقد والتراضي: الرضا حكمة خفية والألفاظ علة ظاهرة منضبطة
وضد اقتصاد [الانضباط]، ما هذه الخفية المتربة [المضطربة]؟ الظاهر ضد الخفي، والمضطرب ضد المنضبط.
فمثلًا: ما علة العقد؟ لماذا شرع الله سبحانه وتعالى آثار عقد البيع أو عقد الزواج أو عقد الإيجار بين المتعاقدين؟ لماذا؟
الإجابة على ذلك: التراضي. هناك رضا بيني وبين الطرف الآخر؛ لأن العقد في حقيقته هو توافق، هو اتفاقٌ وتوافقٌ حدث بين إرادتين في رضا بالاثنين: البائع والمشتري، الزوج والزوجة، المؤجِر والمستأجر إلى آخره.
أين الرضا هذا؟ هذا في القلب. إذن فهو ليس بظاهر لأنني لا أراه. إذن الله يصلح الرضا أن يكون علة؟ بالرغم أنه قد وقع في إجابة السؤال: لماذا؟ لماذا أحل الله هذا؟ أو لماذا بنى الله آثار العقود عليها؟ لأن فيها رضا. لكن هذه حكمة، الرضا هنا حكمة.
اضطراب الرضا الباطني وعدم انضباطه مقارنة بالألفاظ المحسوسة المنضبطة
فالرضا أمر باطن في القلب لا اطلاع لأحد عليه، وعلى ذلك فهو خفي. كما أنه مضطرب.
يتبين ذلك أنني إذا ما أردت أن أبيع ملكي هذا - أمتلك شيئًا وأريد أن أبيعه - لكنني أحب هذا الشيء أحبه حبًا جمًا ولا أريد أن أبيعه، لكنني سأبيعه لأنني محتاج إلى نقودي، لكنه عزيز عليّ.
وهكذا الحقيقة، يعني إذا ما سألتني: هل تريد أن تبيعه؟ نعم، أريد أن أبيعه، ولكن لا أريد أن أبيعه! يعني معناه هكذا: لو كان عندي مال لما بعته. أنا بائع.
أتشعر بالاضطراب؟ هل يوجد أحد يكرهك أبدًا؟ لقد أمسكت بيدي وذهبت إلى المشتري وتوسلت معه إلى أن يشتري لأنه في أزمة.
الألفاظ هي العلة الظاهرة المنضبطة والرضا هو الحكمة الباطنة المضطربة
حسنًا، إذا سألت هذا الإنسان: هل أنت راضٍ؟ في الحقيقة هو لا يستطيع أن يجيب، إذ إن الرضا مسألة مضطربة.
في حين أن شخصًا كان يقول لي: إن الله رزقك، أخذها وحملوها بجنيه فصارت تساوي عشرين جنيهًا، وهو فرحان أنه تم البيع. والآخر فرحان يقول: انظر إلى الساذج، أخذ البقرة (أو السلعة) بخمسين جزءًا، أخذها منه بعشرين. كلاهما فرحان.
لكن عندما هذا رضي وهذا رضي، فأين المكسب الحقيقي من هذه الألفاظ؟ بعتك واشتريت؟ الألفاظ محسوسة يمكن لك أن تشهد أما بالسمع وإما بالبصر وإما في محسوس. تقول: نعم، سمعت هذا يقول لهذا: بعتك هذا بثمن كذا، وهذا يقول له: قبلت فاشتريت منك. سمعتهم بفمي مثلًا، شهادة يزيد عليها الشهادة.
الرضا سبب حقيقي لشرع البيع لكنه ليس مناط الحكم والألفاظ هي العلة
فالثاني يقول: نعم، أنا فعلت هكذا، لكن يعني قلبي مكان حذائي! أقول له: ما أنا لم أطّلع على ما في قلبك. والقاضي أيضًا يقول له: ليس هذا هو مناط المسألة.
نعم، الرضا هو السبب الحقيقي الأساسي الذي من أجله شرع الله البيع بين الناس، ولذلك بيع الإكراه لا يجوز. لكن لا تلخصها هكذا يا محمود.
طيب، فهذا أمر خفي. هذه الحكمة إنما لها آثار خارجية وُجدت لما كانت يعني مندمجة في قضايا القياس والعلة.
حسنًا، إذن فعندي الرضا أمر خفي مضطرب، ولكن الألفاظ أمر ظاهر منضبط.
فما هي العلة وما هي الحكمة؟ الألفاظ هي العلة.
قاعدة: الحكم يدور وجوداً وعدماً مع علته لا مع حكمته
وهكذا الحكم يدور وجودًا وعدمًا مع علته. اكتبوا القاعدة، مهمة:
الحكم يدور وجودًا وعدمًا مع علته، لا مع حكمته.
لا مع حكمته. الحكم يدور وجودًا وعدمًا مع علته التي هي الظاهرة المنضبطة، لا مع حكمته. فقد تتخلف الحكمة ولكن أيضًا الشيء يظل بحكمه.
لماذا حرم الله الخمر؟ لأنها تغيب العقل الذي به العبادة والعمارة، مقصود الكون.
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
لن يعرف عابدهم [كيف يعبد بلا عقل].
﴿لَا تَقْرَبُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]
﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]
لن أعرف كيف أخلف [بلا عقل].
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
لن أعرف كيف أعمر الأرض. فالعقل الحقيقي هذا لا بد من الحفاظ عليه حتى يتحقق مقصود الخلق.
تطبيق القاعدة على الخمر: الحرمة تدور مع الإسكار لا مع فقدان العقل
حسنًا، ما رأيك أنني سأشرب كأسًا وكأسين من الشامبانيا ولن أسكر؟ والحاصل هكذا أن جميع أصحاب فيها الكأس والاثنان ويخرجون بعدم أهلية القيادة، وعدم أهلية القيادة هذا ليس في حالة سُكْر بَيِّن.
ولذلك في القانون عندما حرَّموا قالوا: ما هو السُكْر البَيِّن؟ يعني هناك فرق بين السُكْر والسُكْر البَيِّن. السُكْر البَيِّن هو الذي يترنح، خلاص أصبح في حالة الفتوى المسموحة.
لكن هكذا المشكلة كانت: شرب شامبانيا مخففة لدرجة أنه يستطيع أن يقود السيارة وهو راجع.
حسنًا، هذه المصيبة التي نواجهها. هل هذا حرام أو حلال؟ هذا حرام قطعًا. حسنًا، إنه لم يفقد عقله! لأن فقدان العقل حكمة.
أهمية التفريق بين العلل والحكم لسد المداخل الشيطانية في الأحكام
وهنا ما أقوله لكم أنه من المهم جدًا أن نفرق بين العلل والحِكَم؛ لأن هذا مدخل من المداخل الشيطانية أنه يقول لك: إن الأحكام متعلقة بحِكَمها.
ويقول لي: عقلك لا يذهب، وأنا لن أُذهب عقلي، وأنا سأشرب رشفة أو اثنتين فقط وانتهى الأمر، مجاملة. فهذا هو الحرام!
إن الذي حرم هو السكر الواضح؟ ولذلك لا! إن الله حرم الكثير منه والقليل:
قال رسول الله ﷺ: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»
فالقضية هنا أن الحكم يدور وجودًا وعدمًا مع العلة. والعلة: الإسكار، كونه مسكرًا. هذه الشامبانيا هذه مسكرة، فيها كحول، والكحول هذا مسكر، قلّت النسبة أو كثرت النسبة، هو مسكر وهو حرام، بغض النظر عن الحكمة [وهي فقدان العقل].
تطبيق القاعدة على السفر: العلة هي المسافة والحكمة هي المشقة
السفر: اقصر الصلاة جائز، أنك تفطر في رمضان. لماذا؟ للمشقة، تخفيفًا من ربكم ورحمة.
قال رسول الله ﷺ: «تلك صدقة قد تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»
إذن ما فيه يعني نوع من أنواع هذه المشقة. هذه [المشقة] لا تختلف باختلاف الأجساد وباختلاف المسافات وباختلاف البلدان وكيفية الطرق فيما بينها.
فالسير في الصحراء ليس كالسير في الطرق المأهولة التي فيها استراحات وغيرها. أتعلم ما الذي أشعر به عندما أسير في الطريق الصحراوي؟ يوجد مأمن في محطات بنزين وغيرها. لكن عندما أسير في طريق البحر الأحمر، لا يوجد مأمن مثل ذلك، مما يسبب الخوف، وهذا الخوف يؤثر في جسدي ويسبب المشقة.
اختلاف المشقة بين الأشخاص والأزمنة والأحوال وعدم انضباطها كعلة
لا يوجد فرق بين سفر الصعاليك وسفر الملوك. فليس لدى مثلًا خط قطار خاص بسيادة الرئيس يركب فيه مكيف الهواء، يعني يذهب ربما دون أن يعرف أنه ذهب إلى الإسكندرية مثلًا. بخلاف القطار القشاش الذي يقف في كل محطة من هنا إلى الإسكندرية، ويمكث في الطريق سبع ساعات أو ثمان ساعات، وقبل أن يصل الإنسان إلى هناك يكون قد تحول إلى إنسان آخر من كمية الأتربة والأحوال التي حدثت له.
أليس السفر في الشتاء مختلفًا عن السفر في الصيف ومختلفًا عن السفر في الربيع؟ أليس سفر الكبير مختلفًا عن الصغير، والغني مختلفًا عن الفقير؟
أي يعني هذا: ما هي المشقة؟ كيف تُضبط وهي غير منضبطة في الحقيقة؟ هذا قد يكون السفر متعة من المتع، وقد يكون عذابًا والعياذ بالله.
السفر قطعة من العذاب حتى بالطائرات والمشقة تختلف من شخص لآخر
والسفر قطعة من العذاب، وهذا حديث. تقول السيدة عائشة:
قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «لولا أني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: السفر قطعة من العذاب، لقلت: العذاب قطعة من السفر»
نعم، وحتى الآن، حتى السفر بالطائرات يُحدث تغييرًا في الساعة البيولوجية في الجسم، يجعل الإنسان لا يشعر بنفسه وهو في مشكلة. سواء كان السفر إلى الشرق أو الغرب، ولا الليل صار النهار، ولا حتى نفس السفر في حد ذاته صعب. فالطائرة وهبوطها فيه مشقة، وحمل الحقائب والفحص فيه مشقة، وهناك شعور نفسي بأن هذا كله مشقة.
إذن فهذه الأمور كلها متغيرة من شخص لآخر. فقد يكون الإنسان متعبًا نفسيًا من هذا، وإنسان آخر مرح يضحك ومبسوط أن الشنط انقطعت وأن بعضها ضاع إلى آخره. إذن المشقة تختلف.
المسافة ظاهرة منضبطة تصلح علة للقصر بخلاف المشقة غير المنضبطة
لكن الذي لا يختلف هو المسافة. فالمسافة من هنا إلى الإسكندرية محسوبة بالسنتيمتر وليس بالمتر، من مركز البريد إلى مركز البريد.
يعني العلامات التي ترونها في الطرق هذه تبدأ من مركز البريد بالعتبة إلى مركز البريد في الذي أنت ذاهب فيه. في نجد على الطريق الزراعي محسوب: يتبقى على الإسكندرية مائة وثلاثين كيلومترًا، هم مائة وثلاثون بالضبط ومحسوبة في قسم الجيوديسيا في المساحة، يقيسونها ويضعونها في الطرق وما إلى ذلك. في الطريق الصحراوي كذلك بالضبط.
إذن كانت ظاهرة محسوبة، يمكن أن أقيس وأراجع وراءهم، وعداد السيارة أمامي يتيح لي بالنظر أن كلامهم فعلًا صدق، وعند العلامة بالضبط العدادات تنزل بالضبط. محسوسة ظاهرة ومنضبطة. نعم، فتصلح أن تكون علة.
تحديد مسافة القصر بتسعة وثمانين كيلومتراً والأحكام تدور مع العلة لا الحكمة
سأقول: تقصر الصلاة وتفطر عندما تمشي تسعة وثمانين كيلومترًا. تسعة وثمانين كيلومترًا بالضبط. تسعون تُحتسب في تدخل في الرخصة، ثمانون وثمانون لا.
نعم، هذه منضبطة صحيح. هذه إذن فهي العلة، وإن كانت الحكمة هي المشقة.
وهكذا الأحكام تدور مع علتها لا مع حكمتها.
هذه إطلالة سريعة على نظرية قد استكملت في ذهن الأصولي، أدت وظيفة معينة بطريقة معينة، هي نظرية الإلحاق.
ملخص النظريات الأصولية السبع وما تبقى من نظريتي الاستدلال والإفتاء
وبذلك نكون قد أكملنا خمس نظريات:
- نظرية الحجية
- نظرية الثبوت
- نظرية الدلالة
- نظرية القطعية والظنية
- نظرية الإلحاق
وتبقى لنا نظريتان:
- •
نظرية الاستدلال: وفيها الأدلة التي اختُلِف فيها والتي احتاج إليها الأصولي ليكمل بها منظومته.
- •
نظرية الإفتاء: وهي كيفية تطبيق هذه المعلومات وفك التعارض وحصر قضية المقاصد وإدراك الواقع.
وهذا ما سنقرؤه إن شاء الله في المحاضرتين التاليتين، وبها تتم الدورة. ومن أراد منكم أن يسأل شيئًا فليتفضل.
سؤال حول العلاقة بين نظرية الإلحاق والقياس بمعناه الضيق وجريان النص
حسنًا، هنا ثم الذين جاء الفصم: إجراء الحكم العام على بعض أفراده، أو تطبيق القاعدة العامة، أو إلحاق الفرع بحكم الأصل لتشابك الأولى.
ولكن الذي حصل أولًا في لم يحصر، أي بقي الخلاف كما هو، وظل القياس الذي هو بالمعنى الضيق هو الأمر السابق.
يعني نعم، حضرتك أنا كده فهمت صح؟ ولا قبل الآن لم يرد لنا من المخالفين لنظرية القياس ما يساوي زخمها وثقلها وخدمتها.
قد يكون هذا لأن تلك الأفكار أفكار لم تُخدم، وقد يكون هذا لأن نظرية القياس هي نظرية أقوى بكثير جدًا مما يواجهها.
توضيح تسمية نظرية الإلحاق وأنها تشمل ثلاثة أساليب لا أسلوباً واحداً
لكن يدوم له كل ما يقولونه سواء إجراء المبدأ العام أو قضية جريان النص على أفراده من درجة اختلاف.
هذا يا حضرتك، يعني ما فهمت ما قلته حضرتك. قلت: نظرية الإلحاق بحيث أن القياس يكون مثلًا ثلث النظرية، لا وتدخل فيه.
لا، أنا سميتها الإلحاق حتى لا أجعل من يقول بجريان النص خارجًا عن الأصوليين، ولا من يقول بجريان المبدأ العام خارجًا عن الأصوليين، بل هم من الأصوليين.
إنما الأدلة يستعملونها في الإلحاق غير الأدلة التي يستعملها الجمهور. لكن في النهاية ماذا يفعلون؟ يفعلون ما يمكن أن نسميه بالإلحاق.
فليس الإلحاق مكونًا من ثلاث شعب، بل الإلحاق استُخدِم لأجل الوصول إلى ثلاثة أساليب: فأسلوب القياس، وأسلوب المبدأ العام، وأسلوب جريان النص على أفراد الواقع.
سؤال حول توسع العلماء في تعليل الأحكام التعبدية والفرق بين التعبدي والعبادات
الحاصل حضرتك في القرن الثاني بالنسبة لمسألة تعليل الأحكام، يعني أنا قرأت في الرسالة الخاصة بنظرية المقاصد للدكتور أحمد الريسوني أن العلماء توسعوا في مسألة تعليل الأحكام حتى أنهم أوجدوا عللًا للأحكام التعبدية. فهناك ذُكر أن التقسيم أن تظل الأحكام التعبدية ليست لها علل، ولكن هو حتى قال إن ابن القيم من العلماء الذين توسعوا في مسألة إيجاد علة لكل أمر سواء في المعاملات أو في الأمور التعبدية.
هنا الموضوع دقيق، وهو أنهم يخلطون بين كلمة "تعبُّدي" وبين "العبادات"؛ لأن "تعبدية" تعني كونه منسوبًا إلى العبادة، فظنوا أن تعبدية معناها هذا.
المقصود بالتعبدي ما لا يدرك العقل معقولية معناه وليس العبادات بالضرورة
لا! التعبد قد يكون موجودًا في كتاب العبادات أو في المعاملات أو في الجهاد أو في أي شيء. ويكون قصد كلمة "التعبدي" هنا هو: ما لا يُدرك له إلا معقولية المعنى.
معقولية المعنى يدركها العقل بنفسه، يستطيع أن يستنبطها، أن يعرف لماذا، يجيب عن السؤال: لماذا؟
لكن في كتب الفقهاء هناك عِلَل كثيرة لأمور متعلقة بالصلاة وأمور متعلقة بالزكاة وبالصيام وما إلى ذلك، وهناك أقيسة كثيرة. وباب الصلاة وحده في كتب الشافعية ثلاثة أرباعه قياس.
فعندما قرأ الأستاذ كلمة أن "الأمور التعبدية لا علة لها"، ظن أن الأمور التعبدية هنا معناها العبادات. وهذا ظن متسرع فيه شيء من التسرع.
الخلط بين المسائل التعبدية والعبادات سببه حمل اللفظة على غير معناها الاصطلاحي
الأمور ليس معناها العبادات، بل معناها الأمور التي لا يستطيع العقل أن يدرك لها معنى معقولًا. ولذلك نقول إنها غير معللة؛ لأن العلة هي الوصف الظاهر المنضبط المشتمل على ما يناسب شرع الحكم عنده، على معنى يناسب شرع الحكم عنده. هذا يدركه الإنسان بعقله وتأمله وتفكيره وضم هذه الأشياء بعضها مع بعض.
الناس عندما نظر في الكتب فوجد أن الأمور التعبدية لا علة لها، ظن أن العبادات لا علة لها. ثم بعد ذلك ذهب فوجد الفقهاء يعللون العبادات، فحدث عنده تعارض.
هو بالطبع في الواقع ليس هناك تعارض؛ لأنه قادم من حمله لهذه اللفظة على هذا المعنى. الحمل هو الذي أوقعه في هذا. وإننا نجده كثيرًا في كتب المُحدثين أنهم يخلطون كثيرًا في مثل هذه المواضع.
أمثلة على الخلط في المصطلحات عند المحدثين وأهمية التفريق بين التعبدي والعبادات
خذ قضية الإكراه واختلاف الحنفية مع الجمهور، هذه أشياء تُضحك الثكلى ويشيب منها الأقرع! فهكذا هذا خلط كبير ما بين المسائل التعبدية.
هنا يعني: لا يستطيع الإنسان [أن يدرك معقولية المعنى]، وليس معناها العبادات. نعم.
حاضر. المنضبط معناه أيضًا، وأيضًا يكون في تكرار؛ لأنه أيضًا إنما هو مصدر من "آض يئيض أيضًا" وآضى هنا يعني صار وتكرر. وكذلك فأيضًا طُبق على الأمس، ها ليس الأمس بل أول أمس. أول أمس نعم، المرة الثانية، المرة الثانية.
سؤال حول وجوب العمل بالظن شرعاً وعلاقته بالآية القرآنية عن الظن
طيب، بحضراتكم يا مولانا، هي بالنسبة للكلمة أن الجمهور راجح عقلًا وكذا كذا، هذا واجب شرعًا، جائز عقلًا أو جائز عقلًا واجب شرعًا. واجب شرعًا، واجب لأن العمل بالظن واجب. نعم.
هذه النقطة لم توضح لي، يعني القرآن يقول:
﴿إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا﴾ [يونس: 36]
مصطلحات، كيف تعسف معنى الظنية؟
الظن يُطلق ويُراد منه اليقين. الظن يُطلق على الإدراك. ظن، وهذه تُطلق على مسألة فيها إدراك للإنسان. إدراك الإنسان هذا قد يكون إدراكًا يقينيًا، وقد يكون إدراكًا متساويًا، وقد يكون إدراكًا للراجح، وقد يكون إدراكًا للمرجوح.
درجات الإدراك من اليقين إلى الوهم والفرق بين الاستعمال اللغوي والاصطلاحي
بالنسبة المئوية: يُصطلح على حالة الإدراك اليقيني بأنها مائة في المائة، يعني أنت متأكد مائة في المائة من المعلومة.
الظن: من خمسين إلى تسعة وتسعين يكون. الشك: [خمسون في المائة]. والوهم: أقل من تسعة وأربعين إلى صفر في المائة أو واحد؛ لأن الصفر يعني أنك لم تدرك فيكون جهلًا.
وهنا الظن، فكلمة ظن تُطلق ويُراد بها في مصطلحنا الذي نتحدث به: الإدراك الراجح من واحد وخمسين إلى تسعة وتسعين. طيب، النصف القريب.
الظن يُطلق في القرآن على الوهم، ويُطلق على الشك، ويُطلق على اليقين:
﴿ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 46]
بيقين. إذ أن بعض الظن يتعلق بالوهم، وقد يكون بالشك، وهكذا.
الفرق بين الاستعمال القرآني اللغوي والاستعمال الاصطلاحي الفني للظن
إذن فهذا استعمال قرآني لغوي، لكن استعمال هؤلاء [الأصوليين] استعمال اصطلاحي فني. كلام الأصوليين باصطلاحات فنية.
وكما قلنا قبل ذلك: قد سلّمه من استعمالها اللغوي إلى استعمال شرعي إلى استعمال عرفي خاص بأهل فن معين، كالتوبة أو كما لا أعرف الهندسة أو الفقه أو أي فن من الفنون.
سؤال عن ابن حزم الظاهري وكيف أنكر القياس رغم سعة علمه وقوة حجته
قضية الظاهرية وابن حزم الذين لم يأخذوا بالقياس، ابن حزم بالذات. يعني كيف يقع في هذه الأقوال التي وصفتها بالسخيفة، وهو رجل لا يوجد من هو موثوق مثله في حجته ومسائله وثباته وما إلى ذلك؟
هو رجل واسع الإدراك، قوي الحجة، بليغ العبارة وهكذا. كيف يُعقل أن هذا الكلام لا يصح؟ هل كان مقتنعًا بهذا الكلام أم أنه مجرد تجربة بسبب الخلاف الذي كان بينه وبين فقهاء عصره؟
في هذا الوقت وهذه القضية بالذات، أي أن الإنسان قد يتغير وليس على حالة واحدة دائمًا، وكل هذا جائز. يمكن أن يكون قد استُدرج إلى أن أفتى بهذا في شبابه وهو لم يكمل المرحلة وأكمل حزنه [حياته].
أمثلة على نسيان العلماء الكبار وأخطائهم البشرية كالقرطبي وابن حزم
فالقرطبي في تفسيره يقول: وسيأتي تفصيل ذلك في سورة كذا، فعندما يصل إليها يقول: وَقَدْ طَبَّقَ تَفْصِيلَهُ فِي سورَةِ كَذَا، وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْهَا لَا هُنَا وَلَا هُنَاكَ! هَذِهِ الْأَشْيَاءُ لِأَنَّهُ أَلَّفَ التَّفْسِيرَ فِي عِشْرِينَ سَنَةً.
وَهُوَ [ابن حزم] أَلَّفَ المحلى فِي عِشْرِينَ سَنَةً وَهَكَذَا. وَالْإِنْسَانُ ينسى، وَالْإِنْسَانُ يَضْعُفُ، وَالْإِنْسَانُ يُغْمَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنْسَانٌ.
اِبْنُ حَزْمٍ أَخْطَأَ أَخْطَاءً كَثِيرَةً جِدًّا لِأَنَّهُ لَمْ يَحِجّ مَثَلًا، فَقَالَ أَشْيَاءَ فِي الحج طبعًا هو خطأ محض، من دون أن يذهب الإنسان ويجيء. ما بين الصفا والمروة فتُحسب له واحدة، لم يقل أحدٌ بذلك إلا ابن حزم؛ لأنه لم يذهب إلى الحج ولم يتصور المناسك: أين الكعبة؟ أين مقام إبراهيم؟ أين زمزم؟ أين الحجر؟ أين نسير فيه؟ إنه لا يتصور المناسك.
علماء كبار لم يحجوا وأخطأوا في مسائل الحج والعوارض البشرية تصيب الجميع
محمد عبده لم يحج، والناس الكثيرون لم يحجوا، والشيخ الكوثري ذهب ولم يحج، وهكذا. فعلماء هم كبار وفضلاء وغيرهم، لكنهم لم يحجوا، فيأتي في الحج ويصدر منه هذا.
وكل العوارض البشرية هو بشر. ولذلك نحن نتحرى من هذا ونحتكم إلى العلم. فما كان يؤيده العلم والبرهان والدليل فندعه ونحوه [نأخذ به]، وما كان غير ذلك فبغض النظر أيضًا على حد إفصاح الثبوت هذا الأمر إلى هذا العالم الأبناء [الكبار].
لأن هناك قراءات كثيرة منسوبة لعلماء كثيرين وهم منها براء. فكل هذه الأشياء لا تشغل ذهنك عن أن تتجاوزها؛ لأن البشر بالجنة ومن جهنم، الذي هو في المجمل صحيح معتمد.
الله يثبت البشرية بإظهار النواقص ومثال الجاحظ الذي نسي كنيته
نعم، هو ثقة بدون شك وعالم بدون شك، لكن الإنسان تعرض عليه العوارض. والله سبحانه وتعالى يثبت البشرية بإظهار النواقص.
الجاحظ - وهو من أشد من عرفه التاريخ حفظًا - نسي اسمه أو كنيته عدة أيام! هذه من آيات الله: إن الإنسان يحفظ هذا الحفظ الرهيب العجيب - يعني غير المعقول - ثم بعد ذلك يقول: ما كنيتي؟ ما كنيتي؟ ثلاثة أيام وهو يطوف في الدار، لا يكتب ولا يفعل شيئًا ولا كذا، يقول: ما كنيتي؟
يسميه - ماذا؟ - الجاحظ نسي كلمة الجاحظ! كان اسمه عثمان، لكنه نسي كلمة الجاحظ. دائمًا هو يعني الجاحظ، لا تجعلها دائمًا هو، لكنه نسيها.
ابن مسعود والمعوذتين وتنزيه الله عن النقص وإثبات بشرية العلماء
ويقال أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه - وكان من القراء المعتمدين - مثل المعوذتين. وكل ما يفكرون به يتأملون فيه يقولون: أوهذا من القرآن؟ فنعم.
سبحان الله! إذن هذا التسبيح هو أن ننزه ربنا من النقص، هو هذا. إننا في حالتنا [البشرية] نعم.
سؤال حول العلة والحكمة في قصر الصلاة: المسافة هي العلة والمشقة هي الحكمة
بالنسبة لمسألته الأخيرة لمسألة العلة والحكمة وضرب مثلًا: هل يتعلق القصر في السفر بالمشقة، أي هل المشقة هي سبب القصر، أم المسافة، أم النفقة؟
لا، العلة هي المسافة والحكمة هي المشقة. العلة هي المسافة نعم، والحكمة هي المشقة.
حسنًا، نجد مثلًا في الواقع أيضًا في المسألة ستجد مثلًا مذكورًا في المسافات أقوال الصحابة السبعون، والفقهاء لديهم حوالي عشرين أو أربعين قولًا. وفي النهاية يخلص إلى أنه يقول لك: لا، هذا القصر فيما يتعدى مجال المدينة أو نحو ذلك.
حسنًا، هذا ونحن لدينا هنا خلاف حول ماهية السفر. لكنك هكذا تناقش في أمر آخر.
الفرق بين العلة المنضبطة وهي المسافة والحكمة غير المنضبطة وهي المشقة
لا، خذ أن الرد: العلة قد تظهر وقد لا تظهر، والحكمة تظهر وقد لا تظهر. لا، الحكم يدور وجودًا وعدمًا مع علته وليس مع حكمته. نعم.
لأجل أن نصحح: يقولون إنه يدور وجودًا وعدمًا مع وجود علته وعدم وجودها. لا، هذه قضية، هذه قضية ثانية. نعم.
الثلاثين قول أو الأربعين قول أو الذي كما وإن كنت لا أعرف، أي أنك قللت منهم قليلًا يعني عشرة كثيرة، ثم جعلتهم في بداية كلامك عشرين، ثم جعلتهم أربعين. فعلمت أنك لا تقصد؛ لأن العدد لا مفهوم له، فأنت رجل أصولي في طبعك!
الفرق بين كون العلة هي المسافة وبين تحديد مقدار المسافة قضيتان مختلفتان
فهذه الأقوال كلها في مسافة واحدة: شخص يقول تسعين وآخر يقول مائة وواحد يقول تسعة وثمانين وآخر يقول لا خمسة وسبعين.
مسافة! انظر إلى كلامي: المسافة ظاهرة منضبطة، بغض النظر عن كون المسافة كم. فالمسافة كم هذه قضية ثانية.
كون العلة هي المسافة هذه قضية، وكون المسافة كم هذه قضية ثانية.
فابن حزم يقول: إن السفر يُطلق في اللغة على الخارج من المدينة، يكون المسافة تُحدَّد بأنه تجاوز حدود المدينة.
وسنسأله: ما هي المدينة يا ابن حزم؟ سيقول: المدينة تُعرف بأسوارها، وهناك ما يسمى بقنطرة المدينة، بمعنى بوابة المدينة.
تعريف المدينة في عصرنا الحاضر بالمواصلات والمرافق ومفاتيح الهواتف
إذن كيف نعرف المدينة في عصرنا الحاضر؟ نعرفها بالمواصلات الداخلية، نعرفها بالمرافق، بالهواتف.
فالمدينة أصبحت تختلف عن مدينة أخرى باختلاف الرقم، باختلاف المفتاح. هل المدينة لها مفتاح أم لا؟
إذن حلوان وشبرا الخيمة من القاهرة. لماذا؟ لأن هاتفهم واحد.
لكن سبحان الله، لو خرجنا على الطريق الزراعي ولم نذهب إلى حلوان على الطريق الثاني، فإننا نجد المنوات: خذ صفر ثلاثة عشر، أو صفر أحد عشر. نعم، هذه انتهت، إذن خرجت. والحوامدية خرجت، بالرغم من أنها متصلة على الخريطة بما بعد المعادي.
فإذا خرجت من طريق الصعيد من المنيب، تقصر الصلاة عند ابن حزم وعند الجميع لأنك [خرجت من المدينة]. وإذا خرجت من طريق المعادي، فلا تقصر الصلاة إلا بعد التبين [أي بعد تجاوز حدود المدينة].
بوابات المدن الحديثة والفرق بين المسافة كعلة منضبطة والمشقة كحكمة غير منضبطة
هذا نصوص وهذا كلام منضبط. يقول لك: البوابة الآن وقفت عليها الشرطة العسكرية، سواء كانت في طريق شبرا الخيمة أو غيره إلى آخره. فعلًا توجد بوابات للمدن إلى الآن، وإن لم تكن بالطريقة القديمة المعهودة وما إلى ذلك.
فالقضية أن هناك فرقًا بين المسافة وبين كم هذه المسافة. فنحن نتكلم عن العلة المنضبطة بأكبرها: ما هي؟ المسافة. وليست الشيء غير المنضبط هو المشقة.
فهناك فرق بين المسافة وبين المشقة.
سؤال: هل يشترط أن يكون الفقيه مجتهداً حتى يقوم بعملية القياس؟
الرابع في التشريع: هل لا بد أن يكون الفقيه مجتهدًا حتى يستطيع أن يقوم بمسألة القياس أم لا؟
هل لا بد أن يكون الفقيه مجتهدًا - يعني مشهودًا له بالاجتهاد والرأي وكذلك - حتى يستطيع القيام بالقياس، بعملية القياس، يعني يستنبط الحكم من النصوص وكذلك؟
نعم. ومن الذي لا يستطيع أن يقيس من الناس؟ يعني من يقيس ومن لا يستطيع أن يقيس؟
المفروض أن القياس من عمل المجتهد. القياس من عمل من الأعمال المجتهد، وليس من عمل غيره.
أنواع المجتهدين: المطلق والجزئي ومجتهد المذهب والمستقل
ولكن من هو المجتهد؟ المجتهد عمل كمجتهد مطلق عنده القدرة على أن يفتي في كل المسائل.
وقد يكون مجتهدًا جزئيًا يعرف في جانب كالمعاملات. الآن هناك بعض الناس متخصصة في المعاملات المالية، وصلوا من التبحر وإدراك الواقع ومقاصد الشرع في هذا الجانب ما مكنهم من أن يفتوا للدول الإسلامية مثلًا فتاوى. بعض الناس هكذا، لكنه غير قادر على أن يفعل نفس الشيء في باب الصيام مثلًا أو في باب الأحوال الشخصية.
وهناك مجتهد مستقل له مذهب في الأصول. وهناك مجتهد مذهب مقيد في أصوله لإمام معين ومستوعب أصول ذلك الإمام ويعرف كيف يشغلها تشغيلًا جيدًا، إلا أنه ليس مستوعبًا لباقي الأئمة ولا لباقي المدارس الفقهية، ولا يستطيع أن يشغل كل الأصول في كل ذلك إلى آخره، وليس له رأي مستقل بالأصل المستقل.
شروط المجتهد الأدنى والعلم فتوحات ربانية وليس آلية جامدة
فهذا نسميه مجتهد المذهب، وهذا نسميه مجتهد مطلق، وهذا نسميه مجتهد جزئي، وهذا نسميه مجتهد مستقل، وهكذا.
وقد تكون التجزئة إلى أن يجتهد في مسألة واحدة. والقدر الأقل في ذلك المجتهد هو أن يكون:
- •عالمًا بالكتاب
- •عالمًا بالسنة
- •عالمًا بمواطن الإجماع
- •عالمًا بكيفيات القياس
- •عالمًا باللغة العربية
- •عالمًا بطرق ووسائل التفكير المسمى بالمنطق
وهذه المعلومات تكون في صورة متكاملة مستحسنة، وليس معنى هذا أن يكون متبحرًا في كل جانب من هذه الجوانب، بل يكفي أن يُلم بأصول هذا الجانب ويعرف مداخله ومخارجه، فيكون بذلك مجتهدًا ولو في مسألة واحدة.
والعلم لا يُقاس بالزراعة ولا بالمسجد، فالعلم فتوحات ربانية وأعراض تأتي وتذهب وهكذا إلى آخره.
أحوال العلماء تتغير والفتح الرباني يأتي ويذهب ومثال من الواقع
وليس كل أحد في كل حال على نفس الدرجة من الاستحضار والعلم والتنبه واليقظة. وهذا مُشاهَد في أنفسنا غيّرنا وكذا، مشاهد في الناس جميعًا أن أحوالهم مختلفة.
وكم جلسنا إلى شيخ ندرس عليه، فإذا به يفسح الله عليه سبحانه وتعالى بما لم يفسح عليه من قبل، وما لم يفتح عليه من بعد. فنعيد عليه الدرس فإذا يُغلق عليه.
إلى أن درسنا على بعضهم ما كتبه بيده وأملاه بلسانه فلم يعرفه! قال: أنا لا أفهم! فهو لم يفهم ما كُتِبَ، إلى أن فهمنا نحن وهو لم يفهم. هذا شهدنا بأعيننا.
فهذه أحوال: إما لكِبَر سن، وإما لملل، وإما لتعب، وإما لأن الله أغلق عليه في هذا الوقت.
قصة الشيخ الذي أخطأ في موعد الأضحية والعبرة منها في تواضع العالم
وشاهدنا الأئمة الكبار يخطئون في أشياء بسيطة. وأنا أتذكر أنني كنتُ في مجلس أحد الأساتذة وهو يُدرِّس لنا، فسأل: ما هو موعد الأضحية؟ فسكت الناس.
فسألني: الأضحية جائزة إلى متى؟ قلتُ له: هي جائزة إلى عصر اليوم الثالث من أيام التشريق.
فقال لي: يا شيخ! شيخ عليك! واعٍ! هي جائزة إلى مغرب يوم العيد!
قلتُ له: لعل هذا قول آخر، لكن الذي أعرفه في المذهب هو هذا. قال: لا، الذي أنت تعرفه خطأ، ومثلك لا يقع أبدًا في مثل هذا الخطأ البسيط.
وأنا كنت على صواب! وهذه أمور مثل أن الوضوء شرط [من بديهيات العلم]. الذي يعني مثل هذا هو الشخص الذي يشرح لنا في أمور غاية في الصعوبة والتعقيد والتركيب وهكذا، ولنا معهم سنوات، وهو إمام كبير لا يشك في إمامته أحد. لكن عندما أصل إلى هذه النقطة ينسى البديهيات.
العبرة من وقوع العالم في نفس الخطأ بعد أسبوع: التواضع وعدم العجب بالنفس
هذا ليس غريبًا، لكن الغريب هو ما سيأتي. فأنا صغير في السن، حدث في قلبي شعور بأنني أعلم شيئًا لا يعلمه الشيخ، وأن الشيخ قد أخطأ وأنا - والحمد لله - لم أخطئ. وذهبت لأتأكد من معلومتي حتى أعتز بنفسي، فوجدتها صحيحة ولا خلاف فيها وليس فيها قولان.
والكعب هو إلى نهاية يوم السائل ما بعد العصر وكذا إلى المغرب. نعم.
ليست هذه القضية هي المشكلة. القضية أنني جلست أدرس بعد أسبوع واحد وسُئلت نفس السؤال، حسبي أن أقول له: إلى مغرب يوم العيد! وأقسم على هذا!
وهذا من العجائب التي لا أعرف كيف حدثت وما الذي حصل له. فكان الله سبحانه وتعالى يريد أن يعلمني: انقص مكانك! يعني عيب عليك عندما تفعل هكذا ولو في قلبك.
المجتهد ليس على حالة واحدة والبشر صفتهم التقصير والقصور
ولو هذا الذي حدث مع شيخ بهذه المرتبة من أو كذا إلى آخره. المهم الحاصل أن هذا حدث هكذا ويحدث أمثال هذا.
فهنا المجتهد ليس هو على حالة واحدة. البشر صفتها التقصير والقصور، ولكن كل واحد يُؤخذ من قوله ويُرد. وكم من هذا يُقال له: وهذا سبق قلم، أو المجتهد غلب [عليه الأمر].
فإذن من الذي يجتهد؟ ومتى يجتهد؟ وكيف يجتهد؟ سندرسه في المحور الأخير.
لكن بالإجمال هذه القضية فيها فتح من الله سبحانه وتعالى، وقضية الاجتهاد متعلقة أيضًا بجانب كبير منها بالتقوى، وليست فقط أمورًا آلية يتعلمها كل أحد فيستطيع في كل وقت أن يفعل كل شيء. ليست هكذا، ليست بهذه الحدة.
الاجتهاد يحتاج تقوى وتواضعاً ومراجعة والأئمة كانوا يصلون لكل حديث يضعونه
إنما الإنسان يخطئ ويصيب ويتذاكر مع إخوانه، ويدعو الله سبحانه وتعالى أن يقيه الزلل ويقيه الخطأ، ثم يخطئ فلا يصمم على خطئه ويرجع عنه.
وهكذا كان الأئمة يصلون ركعتين - لا أعرف - لكل حديث يضعونه في الكتاب، ويصلون إلى آخره. كانت المسألة فيها اتصال بين العلم وبين التقوى في وجود هذا الشأن.
سؤال حول استخدام المعاريض والتورية وعلاقتها بالعلة والحكمة
في أيضًا بخصوص الحكمة والعلة، حضرتك استخدمت مثالًا في البداية من الحديث الذي هو: لو أحد سألني أنا أعطيه كم، وكل مرة لا تأتي بثواب ولا قرش ثابت، وأنا ما سألتك أنا جميل. فبالتالي لا تخبره، أنا أعطيه معلومة أنا أعرف أنها في باله وليس شيء آخر.
فما سيكون مخالفًا للحقيقة باطلُ يَدين. يعني مثالان من السُّنة ومن السيرة:
الأول: عندما كان الرسول عليه الصلاة والسلام ماشيًا هو وسيدنا أبو بكر وقت الهجرة، وفي الطريق قابلهم رجل من الكفار يسأل أبا بكر: من الذي معك؟ لا أعرف ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام. فقال لهم: إنه يهديني الطريق. كان في ذهنه أي أنه يهديني إلى طريق الله. هم وصلوا من هم دليل، من دليل، أي بالله في السحرة.
ومثال آخر أيضًا: الرسول عليه الصلاة والسلام كان المسلمون في حرب مع الكفار، وقابل واحدًا من الكفار وسأله: أين موقعهم الآن؟ فكيف سأله: من أنت؟ فقال له: قل لي بعد هكذا. أنا سأحوّل مواقعهم المشهورة في المنطقة كذا وكذا. وفي النهاية قال لهم، وفي النهاية ذهب وقال له: أنا ابن ماء.
الفرق بين المعاريض والكذب وبين العلة والحكمة: قضيتان مختلفتان تماماً
فهناك يعني العلم، أي كانت الحكمة. يعني هو مثلًا في الحكمة من موقف الرسول عليه الصلاة والسلام هذا أنه كان في خطر، كان أي أنه كان يجب أن نقوم بالإبراء من أجل ماذا؟ من أجل أن ينقذ نفسه. لكن هنا لا نحكم بالحكمة بل نحكم بالعلة.
في هذه الحالات الثلاث: المسح والحريق، استُخدمت في الاستحواذ في الحادث. فأين هذه الأمور؟ أي أن المعلومة وصلت بطريقة مخالفة للحقيقة.
وهنا يكون الذي يقول: ما شرعية ما الذي يجعله يقف معي فيكون تدليسًا أن يقف معي من ورائه مثل هؤلاء الواقفين؟
طبعًا لم أستعمل المثال في العلة والحكمة. ذكرتها مضافةً، والذي ذكرناه إنما كنا نتكلم فيه عن نفي الأقل من نفي للأكثر، لا علة ولا حكمة هنا أصلًا.
الفوارق بين الأمور المحسوسة المنضبطة والأمور الباطنة غير المنضبطة
انظر الفرق بين المسافة والمشقة، انظر الفرق بين الألفاظ والرضا، انظر الفرق بين الإسكار وذهاب العقل، انظر آه وأمور هي، انظر الفوارق بين هذه الأمور المحسوسة المنضبطة وهذه الأمور التي ليست منضبطة وليست محسوسة.
إذن هذه غير هذه تمامًا. لكنك أشرت إلى قضيتين:
القضية الأولى هي قضية المعاريض وعلاقتها بالكذب. وهذا هو ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال هو وأبو بكر: "هذا يهديني الطريق". هو لم يكذب.
وعدم الكذب هنا جاء من أنه قد استعمل المشترك، حمله على معنى فحمله السامع على معنى آخر. وقال: "أنا من ماء"، فقال: والله لا أدري أمن ماء العراق هو أُم من ماء مصر.
فالنبي صلى الله عليه وسلم حمله على:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾ [الأنبياء: 30]
وهو حمله على النهر، أنه يعني جاء من مكان فيه نهر؛ لأن "ماء" تطلق ويراد منها هذا وذاك.
نفي الأقل يستلزم نفي الأكثر قضية مفهوم الموافقة وليست قضية علة وحكمة
وهاجم [المشترك] تطلق ويراد منها هذا وذاك. لكن النفي بالأقل يستلزم النفي بالأكثر، فهذه قضية وهذه قضية أخرى.
هذه قضية فيها اشتراك لغوي، وهذه قضية فيها مفهوم بالموافقة.
عندما أقول: ليس معي درهم، فلا يكون معي أكثر. هذه قضية مفهوم الموافقة.
عندما أقول:
﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]
هذه قضية مفهوم الموافقة.
لكن في الناحية الثانية، هو لا يستعمل المفهوم الموافق أو المخالف، هذا يستعمل المشترك فيما يجعله. فهذا ليس كذبًا إطلاقًا.
لكن إنكار المفهوم هنا قد يكون تدليسًا.
التدليس ليس حراماً لذاته بل لغيره والفرق بينه وبين الكذب
فاعل ما لم أعرف ماذا به، ولا قفز، أي قفز. وفي ذهني أن القفز هو تلك القطعة المعدنية المستديرة. لو فعلتِ هذا لم تكوني كاذبة، ما كنتِ كاذبة. وإنما يكون هناك استهجان من الناس لكِ؛ لأن التدليس أيضًا مستهجن.
وهذا التعريض الذي فعله أبو بكر ورسول الله عليه السلام كان لغرض معين. وكان النبي يمزح ولا يقول إلا حقًا. فقال:
قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة عجوز»
لامرأة كبيرة في السن، فحزنت. فقال: علموها أنها تدخل الجنة شابة. يعني هكذا كان يريد أن يمازحها فلم تفهم، لكنه لم يقل إلا حقًا؛ حيث أنه لا يدخل الإنسان الجنة على هيئة الكِبر هذه التي كانت على المرء.
فكل هذه الأشياء وهي المتبادرات إلى الذهن من الكلام لا كذب فيها؛ لأنها موافقة للواقع، والكذب هو ما خالف الواقع.
قضية العلة والحكمة شيء وقضية التدليس والمعاريض شيء آخر مختلف تماماً
لكن قضية العلة والحكمة شيء آخر. هنا قضية تدليس ومعاريض وتورية وكذب. هذه قضية استعمال المشترك في غير ما وُضع له.
لكن القضية الثانية: قضية التحديد وعدم التحديد. أن الصفة المحددة اسمها علة، والصفة غير المحددة اسمها حكمة. وهذه الصفة لها ارتباط بشرع الحكم.
لماذا حرم الله الخمر؟ لماذا أحل الله البيع؟ لماذا أجاز الله القصر؟ لماذا أباح الله الإفطار لمن [سافر]؟ وهكذا.
ولكن قل: لماذا؟ لماذا في كل الأشياء؟ وتأتي الإجابة: إمكانية الإجابة في صورة محددة سميتها علة، أو غير محددة سميتها حكمة.
التدليس حرام لغيره لا لذاته وقد يصل إلى درجة الواجب إذا أنقذ مصلحة
خذ المخصوص لكي أسكت وأنا أقول له: لو سأكتب لماذا حرم الله التبليد [التدليس]، لماذا حرّمه؟ لأنه يوصل معلومة أو يعني تصبح أنك لا تنظر إلى المعلومة الحقيقية، بل أصبح الحكم وخلفه الحقيقة. فهي أيضًا يعني أمين على فكرة.
التدليس ليس حرامًا في كل وجه، إنما التدليس حرام إذا وقع في الآية [الشهادة]، وحرام إذا وقع فأنشأ ضررًا. فهو حرام لغيره وليس لذاته.
لكن الكذب حرام لذاته.
ومن هنا كان عمر بن الخطاب يقول:
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إن المعاريض لمندوحة عن الكذب»
أي إذا اضطررنا إلى أننا لا بد علينا أن نلجأ إلى المعاريض فهذا أفضل من الوقوع في الكذب؛ لأن المعاريض لا وصف لها إلا من حيث ما يترتب عليها من ضرر.
التدليس يدور بين الحرمة والإباحة والوجوب بحسب ما يترتب عليه من ضرر أو مصلحة
فالتدليس المحرم هو التدليس الذي ينشأ عنه ضرر. لكن الكذب حرام سواء نشأ عنه ضرر أو لا.
لكن التدليس حرام إذا نشأ عنه ضرر، فهو حرام لغيره. ففي فارق كبير بينهم.
وإذا نشأ عن التدليس مصلحة فقد يصل إلى درجة الواجب، كما لو أنقذت نفسي من عدوك، مثلما فعل رسول الله، ومثلما فعل أبو بكر حين أنقذ نفسه من عدوه. هذا هو الواجب.
يظهر عكس ذلك: فالتدليس ليس حرامًا لذاته بل هو حرام لغيره. فإن لم يتحقق هذا الغرض [الضرر] لم تتحقق الحرمة، فيصبح التدليس حلالًا، بل قد يكون مندوبًا إليه، بل قد يكون واجبًا.
مفهوم، طيبًا. شكرًا لكم.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما أنواع القياس الثلاثة في أصول الفقه؟
قياس الأولى وقياس المساواة وقياس الأدنى
ما أركان القياس الأربعة؟
الأصل وحكم الأصل والعلة والفرع
ما الفرق بين العلة والحكمة في أصول الفقه؟
العلة وصف ظاهر منضبط والحكمة غاية باطنة مضطربة
ما القاعدة الأصولية المتعلقة بالعلة والحكمة؟
الحكم يدور وجوداً وعدماً مع علته لا مع حكمته
ما مثال قياس الأولى الذي ذكره الأصوليون؟
قياس تحريم ضرب الوالدين على تحريم التأفف لهما
ما مثال قياس المساواة الذي ذكره الأصوليون؟
قياس إحراق مال اليتيم على أكله في التحريم
لماذا قال جمهور الأصوليين إن القياس واجب شرعاً؟
لأنه يُحدث عند المجتهد ظناً راجحاً بحكم الله في المسألة
ما علة تحريم الخمر عند الأصوليين؟
الإسكار وهو كون المشروب مسكراً
ما علة قصر الصلاة في السفر وما حكمته؟
العلة المسافة والحكمة المشقة
كيف اختلف الأئمة الثلاثة في علة تحريم الربا في الأصناف الستة؟
مالك قال القوت والشافعي قال الطعم وأبو حنيفة قال المماثلة في الجنس والقدر
لماذا لا يصلح الرضا علةً لعقود البيع والزواج؟
لأنه باطن في القلب خفي مضطرب لا يمكن إدراكه
ما الحد الأدنى من العلوم التي يحتاجها المجتهد؟
الكتاب والسنة والإجماع وكيفيات القياس واللغة العربية والمنطق
ما الفرق بين الكذب والتدليس من حيث الحكم الشرعي؟
الكذب حرام لذاته والتدليس حرام لغيره
ما الذي يجعل القياس ظنياً لا قطعياً؟
لأن استنباط العلة وتحقيقها في الفرع كلاهما يقوم على الظن لا اليقين
ما حجة منكري القياس في مسألة تحريم المسكرات؟
حديث كل مسكر خمر يُغني عن القياس لأنه وسّع معنى الخمر شرعاً
ما تعريف القياس في أصول الفقه؟
القياس هو تشبيه فرع بأصله لعلة جامعة بينهما، أي إلحاق حادثة جديدة غير منصوص على حكمها بحادثة منصوص عليها لاشتراكهما في الوصف الذي شُرع الحكم من أجله.
ما الفرق بين قياس الأولى وقياس الأدنى؟
قياس الأولى ما كانت العلة في الفرع أظهر وأقوى منها في الأصل كتحريم ضرب الوالدين قياساً على التأفف. وقياس الأدنى ما كانت العلة في الفرع أقل وأضعف منها في الأصل كاختلاف الأئمة في علة الربا.
لماذا يُعدّ حكم الفرع ثمرةً للقياس لا ركناً فيه؟
لأن أركان القياس هي الداخلة في حقيقته وهي الأصل وحكمه والعلة والفرع، وحكم الفرع هو النتيجة المترتبة على توافر هذه الأركان كما أن الثمرة ليست الشجرة نفسها.
ما معنى أن النصوص الشرعية محصورة؟
معناه أنها محدودة العدد: لا تتجاوز الأحاديث الكلية ستين ألفاً، ولا يختص بأحكام الفقه منها إلا نحو ألفين إلى ثلاثة آلاف حديث، في مقابل تجدد الحوادث يومياً.
ما الأصل في أفعال الإنسان قبل ورود النهي الشرعي؟
الأصل في جميع أفعال الإنسان الإباحة، ثم تأتي الشريعة فتنهى عن مساحة من هذه الأفعال وتحرمها، وما سكتت عنه يبقى على أصل الإباحة.
ما الفرق بين العلة الظاهرة المنضبطة والحكمة الباطنة المضطربة؟
العلة ظاهرة يمكن إدراكها بالحس ومنضبطة محددة لا تختلف باختلاف الأشخاص. والحكمة قد تكون خفية باطنة أو مضطربة تختلف من شخص لآخر كالمشقة والرضا.
ما علة العقود عند الأصوليين وما حكمتها؟
علة العقود هي الألفاظ لأنها ظاهرة محسوسة منضبطة يمكن سماعها وشهادتها. وحكمتها هي الرضا لأنه باطن في القلب خفي مضطرب لا يُدرك.
لماذا يجب العمل بالظن الراجح في الفقه؟
لأن المجتهد دائر بين ثلاثة خيارات: الجمع بين النقيضين وهو مستحيل، واتباع المرجوح وهو ممنوع، واتباع الراجح وهو الواجب. فلما امتنع الأولان وجب الثالث.
ما الفرق بين الخلاف في علة الأصل والخلاف في تحقيق العلة في الفرع؟
الخلاف في علة الأصل هو الاختلاف في تحديد الوصف الذي شُرع الحكم من أجله. والخلاف في تحقيق العلة في الفرع هو الاتفاق على العلة لكن الاختلاف في هل هي موجودة في الفرع المعين أم لا.
ما الأصناف الستة التي حرّم النبي الربا فيها؟
الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، وذلك بشرط التماثل والتقابض يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى.
ما المقصود بالتعبدي في أصول الفقه؟
التعبدي هو ما لا يُدرك له معنى معقول بالعقل، أي ما لا يستطيع العقل استنباط علته والإجابة على سؤال لماذا. وهو يختلف عن العبادات التي كثير منها معلّل.
ما درجات الإدراك الأربع عند الأصوليين؟
اليقين مائة بالمائة، والظن من واحد وخمسين إلى تسعة وتسعين، والشك خمسون بالمائة، والوهم من صفر إلى تسعة وأربعين بالمائة.
ما أنواع المجتهدين الأربعة؟
المجتهد المطلق القادر على الإفتاء في كل المسائل، والمجتهد الجزئي المتخصص في جانب معين، ومجتهد المذهب المقيد بأصول إمام معين، والمجتهد المستقل صاحب المذهب المستقل.
ما الفرق بين كون العلة هي المسافة وبين تحديد مقدار المسافة؟
كون العلة هي المسافة قضية تتعلق بطبيعة العلة وأنها ظاهرة منضبطة. وتحديد مقدار المسافة قضية ثانية مستقلة يختلف فيها الفقهاء بين تسعة وثمانين وتسعين ومائة كيلومتر.
ما الفرق بين الكذب والتدليس في الشريعة الإسلامية؟
الكذب مخالفة الواقع وهو حرام لذاته مطلقاً. والتدليس استخدام لفظ يُفهم منه معنى غير المقصود دون مخالفة الواقع، وهو حرام لغيره فيدور بين الحرمة والإباحة والوجوب تبعاً لما يترتب عليه.
ما النظريات الأصولية الخمس التي درسها الأصوليون؟
نظرية الحجية لتحديد مصادر الاستدلال، ونظرية الثبوت لمعرفة كيفية وصول الأدلة، ونظرية الدلالة لفهم النصوص، ونظرية القطعية والظنية لتحديد هيكل الدين، ونظرية الإلحاق لإلحاق الفروع بالأصول.
لماذا لا تصلح المشقة علةً لقصر الصلاة رغم أنها سبب التخفيف؟
لأن المشقة غير منضبطة: تختلف من شخص لآخر ومن سفر لآخر، فما يكون مشقةً لشخص قد يكون متعةً لآخر. والعلة يجب أن تكون ظاهرة منضبطة كالمسافة.
ما الذي يجعل الاجتهاد مرتبطاً بالتقوى لا بالعلم الآلي فقط؟
لأن الفتح الرباني في الفهم والاستنباط يأتي بالإخلاص والتقوى، وأحوال العلماء تتغير بالفتح والإغلاق الرباني، وليس كل من تعلم العلوم الآلية يستطيع الاجتهاد في كل وقت.
ما معنى قول عمر بن الخطاب إن المعاريض لمندوحة عن الكذب؟
معناه أن المعاريض وهي استخدام الألفاظ المشتركة بحملها على معنى صحيح تُغني عن الكذب عند الاضطرار، فهي أفضل من الوقوع في الكذب لأنها لا تخالف الواقع.
ما الفرق بين مفهوم الموافقة والاشتراك اللغوي في الاستدلال؟
مفهوم الموافقة هو أن نفي الأقل يستلزم نفي الأكثر كالنهي عن التأفف الذي يستلزم النهي عن الضرب. والاشتراك اللغوي هو استخدام لفظ يحتمل معنيين فيُحمل على أحدهما كقول أنا ابن ماء.
