غاية الوصول شرح لب الأصول | حـ 2 | أ.د علي جمعة - أصول الفقه

غاية الوصول شرح لب الأصول | حـ 2 | أ.د علي جمعة

1 ساعة و 12 دقيقة
  • يستعرض الشيخ مقدمة كتاب غاية الوصول للإمام زكريا الأنصاري الشافعي الذي عُمّر فوق المائة، وقد اختصر فيه كتاب "جمع الجوامع" لتاج الدين السبكي.
  • يشرح طريقة المؤلفين في البدء بالبسملة والحمدلة وقضية النحت في اللغة، ويفرق بين الابتداء الحقيقي والإضافي.
  • يوضح براعة الاستهلال في قوله "الحمد لله الذي وفقنا للوصول إلى معرفة الأصول" حيث تدل على موضوع الكتاب.
  • يبين مراتب الأداء الخمس عند العلماء: التحقيق والتدقيق والترقيق والتنميق والتزويق.
  • يشرح علل منع الصرف وأن الاسم يُمنع إذا شابه الفعل في الاحتياج، فيجب توفر علتان فيه.
  • يتناول قاعدة "الزيادة في المبنى زيادة في المعنى غالباً" بشروطها الثلاثة.
  • يبحث في فصل الخطاب بكلمة "أما بعد" واستخدام الفاء بعدها.
  • يستعرض معاني "عند" في اللغة ووزن كلمة "أشياء" وآراء النحاة فيها.
محتويات الفيديو(64 أقسام)

افتتاح الدرس والسؤال عن اقتناء كتاب غاية الوصول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

هل حصلتم على غاية الوصول؟ ما حصلتم؟ حسنًا، الذي لم يحصل عليه ليرفع يده، والذي لم يرفع يده فقد حصل عليه، معه غاية الوصول. أنت معك غاية الوصول، أنت لم ترفع يدك، هذا الكتاب معه، هذا الكتاب ما شاء الله، كان طيبًا.

تسجيل الأسماء والاستعداد لبدء الدرس في كتاب الأشباه والنظائر

وهل سجلتم أسماءكم عند الشيخ عماد؟ كم المجموعة؟ ثلاثمائة، طيب. من الذي لم يسجل اسمه عند الشيخ عماد؟ حسنًا، هذه ستمائة، على كل حال، سجلوا أسماءكم حتى نأتيكم بالكتاب إن شاء الله.

وسوف نبدأ في غاية الوصول، بل نبدأ بما هو موجود. حسنًا، من لديه كتاب الأشباه والنظائر؟ أيضًا عدد قليل. من الذي سيقرأ؟ اقرأ يا شيخ سيد، حسنًا، اقرأ:

التعريف بمؤلف الكتاب شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه. قال سيدنا ومولانا الشيخ الإمام العالم العامل العلامة الحبر الفهّامة صدر المدرسين، الملة والدين، أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي، تغمده الله برحمته ونفعنا ببركته وبركة علومه بمحمد وآله.

بسم الله الرحمن الرحيم، نقرأ المتن الذي في الخارج. إذا هذا التأليف من تأليف شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، والشيخ زكريا عُمِّر حتى تجاوز المائة.

كرامات الشيخ زكريا الأنصاري في القيام للصلاة رغم كبر سنه

وكان من كراماته رضي الله تعالى عنه أنه إذا جاء فرض الصلاة قام فصلى، فإذا انتهى من الصلاة لا يقدر على القيام أبدًا. عندما يأتي وقت الصلاة يقوم للصلاة، وعندما ينتهي من صلاة الفرض تنفد طاقته فلا يستطيع الحراك؛ لأنه كان فوق المائة من العمر.

وقد عاصر الناس بعضهم بعضًا من طول ما عاش، ووفاته أظنها في عام تسعمائة وخمسة وعشرين، ودُفِنَ بجوار الإمام الشافعي، وقبره إلى الآن بجوار الإمام الشافعي معروف.

اختصار زكريا الأنصاري لكتاب جمع الجوامع لتاج الدين بن السبكي

وقد تفنن في العلوم، وهنا اختصر كتاب جمع الجوامع للإمام تاج الدين بن السبكي. وتاج الدين بن السبكي عبد الوهاب هو ابن تقي الدين السبكي علي بن عبد الكافي، وهم من هنا، من قرية تُسمى سبك العويضات التابعة للمنوفية.

قصة زيارة الإمام النووي للإمام الشافعي ولحاق تقي الدين السبكي به

ولكن الإمام تقي الدين لما سمع بدخول الإمام النووي يزور الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، وجاء مصر سرًّا لم يُخبر أحدًا، وشاهده الناس عند الإمام الشافعي. أخبر الناس بذلك أن الإمام النووي كان هنا في زيارة الإمام الشافعي، فلحق به.

لحق بالإمام النووي حتى إذا ما وصل الشام وجده قد انتقل إلى رحمة الله تعالى، وكأن الإمام النووي قد جاء ليزور الشافعية وداعًا، هكذا أو للقاء في اليوم الآخر.

وقوف الإمام النووي عند مقبرة وكيع تأدبًا مع العلماء

وعندما جاء الإمام النووي إلى هنا، وقف عند مقبرة وكيع، ومقبرة وكيع على بعد مائتي متر من مسجد الإمام الشافعي. فسُئل عن سبب ذلك [أي وقوفه عند المقبرة]، فقال: لو كان حيًّا ما استطعت أن أتجاوز هذا المكان.

الذي يقول هذا: إمام الأئمة وبدر التتمة وحجة المذهب [يعني الإمام النووي يصف وكيعًا بذلك].

المقارنة بين أدب السلف الصالح وقلة أدب النابتة المعاصرين

ولذلك عندما رأينا قلة الأدب على لسان النابتة قلنا: حسبنا الله ونعم الوكيل، سيغنينا الله من فضله ورسوله.

انظروا إلى أدب السلف الصالح وانظروا إلى هذا الفعل الخبيث الذي عليه النابتة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

البدء بالبسملة في التأليف اقتداءً بالكتاب الكريم وعملًا بالحديث

الشيخ زكريا الأنصاري كان شافعي المذهب وله كتب محررة كثيرة. وعندما يبدأ أحدهم الكتاب يبدأه ببسم الله الرحمن الرحيم، وذلك عملًا بحديث قد ورد:

«كل أمر ذي بال لا يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر»

وفي رواية: فهو أجذم، وفي رواية أخرى وهكذا.

الخلاف بين العلماء في صحة حديث البسملة وحديث الحمدلة

ولكن الشيخ أحمد بن الصديق الغماري قال: لا، الصحيح:

«كل أمر ذي بال لا يبدأ بحمد الله»

وفي حديث صحيح آخر: بذكر الله. وحدثت بينه وبين الشيخ الكتاني مناقشة في هذا؛ فالكتاني قال: الرحمة المرسلة في تصحيح حديث البسملة، والشيخ أحمد قال: الاستعاذة والحسبلة ممن صحح حديث البسملة.

لكن الذي جرت عليه عادة الكاتبين أنهم يبدؤون ببسم الله الرحمن الرحيم اقتداءً بالكتاب الكريم؛ لأنه بدأ ببسم الله الرحمن الرحيم.

الجمع بين البسملة والحمدلة وخلو بعض الكتب المعتمدة من البسملة

وبعضهم يجمع بينهما فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. وخلت بعض الكتب المعتمدة للأكابر من ذلك [أي من البسملة المكتوبة]، فقالوا: ذكرها المؤلف وإن لم يسطرها، يعني هو قال: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وذلك كالإمام البخاري في صحيحه.

معنى النحت في اللغة العربية والخلاف في كونه توقيفيًّا أو قياسيًّا

وهناك ما يسمى بالنحت، والنحت أن تستخلص من الجملة كلمة تدل عليها. وهنا نسميها البسملة، كلمة بسملة تعني عنوانًا لـ"بسم الله الرحمن الرحيم"، والحمدلة تكون من "الحمد لله رب العالمين"، وهكذا.

وهل هذا النحت توقيفي - أي نقف فيه عند ما ورد في اللغة - أو أنه قياسي يجوز لنا أن ننشئ كثيرًا من هذا؟ مذهبان، والراجح أنه توقيفي. فقالوا: الحولقة تعني "لا حول ولا قوة إلا بالله".

لكنهم قالوا أيضًا: درعمي من "دار العلوم"، وهذا جديد وليس في اللغة؛ لأن دار العلوم مؤسسة مصرية في القرن التاسع عشر. لكن قالوا أجازوا "درعمي"، ينحت أيضًا من دار العلوم. هذا المذهب الثاني الذي يُجيز أن النحت إنما هو قياسي وليس توقيفيًّا.

جمع المؤلف بين البسملة والحمدلة تحقيقًا لأحاديث الابتداء

وهنا الشيخ [زكريا الأنصاري] قال: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله. إذن فهو يسير على الجمع بينهما [بين البسملة والحمدلة]، وقد نفّذ بذلك حديث الجمع بين البسملة والحمدلة والذكر.

الفرق بين الابتداء الحقيقي والابتداء الإضافي في التأليف

قالوا: كيف هذا؟ عندما بدأ ببسم الله لم يبدأ بالحمد لله، والحديث يقول:

«كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله»

أنت لم تبدأ بحمد الله، أنت بدأت بقولك بسم الله. قالوا: هناك ما يسمى بالابتداء الحقيقي وهناك ما يسمى بالابتداء الإضافي.

فالابتداء الحقيقي تنظر فيه إلى ما قبله، والابتداء الإضافي تنظر فيه إلى ما بعده. يكون ذلك عقلًا يفكر؛ إنه من أجل تدريب عقلك على كيفية فهم الكتاب والسنة.

أهمية هذه اللفتات العلمية في بناء الفكر المستقيم لفهم النصوص

انتبه أن كل هذه الأشياء قد يتعجب منها بعض الناس متسائلين: ما ضرورتها؟ نعم، لها ضرورة؛ لأنها ترتب الذهن وتجعلك صاحب فكر مستقيم قادر على فهم الكتاب والسنة.

[هذه اللفتات] مؤسَّس بها بناء مفتاح سليم لقراءة النص العربي الصحيح في الكتاب والسنة، وهما المصدران.

تعريف البداية الحقيقية والبداية الإضافية وتطبيقهما على البسملة والحمدلة

فبسم الله الرحمن الرحيم بداية حقيقية. لماذا؟ تعريف البداية الحقيقية: لأنه لا يسبقها شيء. عندما ننظر إلى ما قبلها، هل سبقها شيء؟ لا، إذن هي بداية حقيقية.

والبداية الإضافية تنظر إلى ما بعدها، وإن سبقها شيء. تكون إذن البداية الحقيقية لا يسبقها شيء، والبداية الإضافية هي بداية شيء وإن سبقها شيء.

فهنا "الحمد لله" سبقها "بسم الله"، فتكون "الحمد لله" بداية إضافية.

تطبيق مفهوم الابتداء الحقيقي والإضافي على نص المؤلف

إذن بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، فتأتي أنت شارحًا فتقول: بدأ بالبسملة وثنّى بالحمدلة، فاستجاب لكل الأحاديث لذكر الله وبسم الله والحمد لله.

وذلك أن البداية (الابتداء) نوعان: ابتداء حقيقي كما في البسملة، وابتداء إضافي كما في الحمدلة؛ لأن الابتداء الحقيقي ننظر إلى ما قبله فلا نجد شيئًا قد ذُكر فيكون ابتداءً حقيقيًّا. والابتداء الإضافي ننظر إلى ما بعده فيكون هو بداية ما بعده، وهذا متحقق في "الحمد لله".

خلاصة ما تم استيعابه من البسملة والحمدلة والنحت وأهمية حفظ هذه المعلومات

وبذلك نكون الآن [قد فهمنا] البسملة والحمدلة. ولماذا يأتي بها؟ وكله مقيد بالكتاب والسنة عندهم. واستوعبنا أنه قلد القرآن الكريم في البداية: بسم الله، الحمد لله. واستوعبنا أن الابتداء نوعان: حقيقي وإضافي، فحقق الابتداء على كل حال. وعرفنا قضية ماهية النحت.

كل هذه معلومات انتبه لها وسجلها واحفظها وعش فيها حتى تقرأ متون العلم قراءة صحيحة عميقة، فيستقيم ذهنك وتقوى ملكتك، وتعرف كيف تكتب وتعرف كيف تقرأ وتعرف كيف تؤدي. وبدون ذلك لا تفعل شيئًا، بل تظل تائهًا في حيرة، لا يصلح التيه، نحن لا نريد التيه.

براعة الاستهلال في مقدمة المؤلف وإشارته إلى علم أصول الفقه

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. قال [المؤلف]: الحمد لله الذي وفقنا للوصول إلى معرفة الأصول.

يُسمونها براعة الاستهلال، وبراعة الاستهلال هي أن تأتي في المقدمة بما يشير إلى المقصود مما ستذكره. نحن نتحدث الآن في أي مجال؟ في الطب أم في الهندسة أم في أصول الفقه؟ في أصول الفقه.

إذن براعة الاستهلال هي أن تأتي في المقدمة بكلام تشير فيه إلى أنك ستتحدث في الأصول. "للوصول إلى معرفة الأصول" براعة استهلال؛ لأنه عندما تكلم وأراد أن يرسل إلينا رسالة هي هذا المتن الشريف، بدأ فأشار إلى الوصول إلى معرفة الأصول.

مراتب الأداء الخمس عند العلماء: التحقيق والتدقيق والترقيق والتنميق والتزويق

وكانت لديهم مراتب للأداء، ومراتب الأداء في مسائلهم تجري بين التحقيق والتدقيق والترقيق والتنميق والتزويق، خمس مراتب.

التحقيق: أن يأتي لك بالمسألة ويسوق دليلها. هذا هو التحقيق؛ هذا يُقدم لك مسألة أو حكمًا في الأصول أو في الفقه أو في اللغة أو في أي شيء، ويأتيك بالدليل الخاص بها، ونسمي هذا التحقيق.

أما التدقيق فهو أن يذكر دليلًا من جهة أخرى، يعني في البداية قدم لك دليلًا من الكتاب، والتدقيق أن [يأتي بدليل] من السنة أو من الإجماع أو من القياس، من المعقول أو يُستأنس بقول صحابي وهكذا. يُقدم لك دليلًا ثانيًا، فالتدقيق أن يأتي بدليل من جهة أخرى.

الترقيق وتسهيل العبارة ووظيفة اللغة بين الأداء والتلقي

والترقيق أن يجعل العبارة سهلة، ولا تكون صعبة غير مفهومة؛ لأن وظيفة اللغة هي الأداء والتلقي.

الأداء هو وظيفة المتكلم: أنا أريد أن أعبر لك عما في نفسي، إذا استعملت اللغة واستعمالي للغة هو نوع من أنواع الأداء. أؤدي بالألفاظ، أؤدي بالكتابة. حسنًا، وأنت تسمع، المخاطب يتلقى، يسمع أو يقرأ.

قاعدة الاستعمال من صفة المتكلم والحمل من صفة السامع والوضع قبلهما

إذن فالاستعمال من صفة المتكلم، والحمل من صفة السامع، والوضع قبلهما. هذه قاعدة كبيرة ستحل لك مشاكل كثيرة.

هذه القاعدة: الاستعمال من صفة المتكلم، والحمل من صفة السامع أو المخاطب، والوضع قبلهما. الوضع: من الذي سمّى هذه التي فوقنا سماءً، وهذه أرضًا، وهذا مسجدًا؟ اللغة، من الذي وضع هذه الألفاظ أمام هذه المعاني؟ هذا هو الوضع، فالوضع هو جعل اللفظ بإزاء المعنى.

الوضع قبلي وقبلك، قبل المتكلم وقبل السامع. اللغة نتعلمها لأنها موجودة في الكتب، ثم تأتي فتسمعني أتحدث قاصدًا بالسماء ما فوقنا، وأنت تعلم أن السماء ما فوقنا، تفهمنا وعرفنا ماذا نريد. فالاستعمال من صفة المتكلم، والحمل - حمل الكلام على معانيه - من صفة السامع، والوضع قبلهما.

الترقيق مهمته التبسيط والتوضيح والتنميق والتزويق بالمحسنات البديعية

نعم، الترقيق أن تجعل العبارة سهلة ميسورة الفهم؛ لأن اللغة مهمتها التفهيم. أنا لو تكلمت بكلام لا تفهمه أنت، إذا ليس هناك اتصال، هناك انقطاع. لا أستطيع أن أعبر لك عما في نفسي ولا تفهمني، فيكون ذلك عبثًا، والعبث منزه عنه العقلاء. فالترقيق مهمته التبسيط والتوضيح بحيث إنك تفهم مرادي بالدقة.

التنميق: أن تُدخل فيه شيئًا من التوازن، تجعل الكلام كأنه موزون.

والتزويق: أن تُدخل فيه شيئًا من المحسنات البديعية، السجع مثلًا أو الجناس الناقص أو المحرف أو الجناس التام، من أنواع المحسنات البديعية.

تطبيق التنميق والتزويق على عبارة المؤلف: وفقنا للوصول إلى معرفة الأصول

"وفقنا للوصول إلى معرفة الأصول": وصول، أصول، آخرها "صول"، ما هذا؟ هذا تزويق.

حسنًا، "وفقنا للوصول" كلمتان، "إلى معرفة الأصول" - هذا تنميق. ها، جعل هنا كلمتين ثم وضع "إلى" ثم جعل هنا كلمتين، فأصبحت الحكاية موزونة. إذن هذا تنميق. "وصول" "أصول" إذن هذا تزويق.

دقة العلماء في صياغة كتبهم والرد على من يستهزئ بأسلوبهم

الله! هل كانوا يفكرون هكذا في كل ما يكتبونه؟ نعم، فماذا عن إخواننا الذين يكتبون صفحات في صفحات في مذكرات وأمور كثيرة كهذه أيضًا؟ لا، حتى نتبين أي جريمة تُرتكب بنا وبديننا ووطننا ومستقبلنا.

ما قصة التحقيق والتدقيق؟ ما هذا السجع الكُهّان؟ يقول أحدهم. سجع الكهان يا أخي! ليس هذا سجع الكهان، هذا سجع الأكابر الأولياء الأتقياء الأنقياء الذين صاغوا هذا الدين لمن بعدهم، فبقي حتى إننا بعد خمسمائة سنة نقرأ كلام الرجل ونستفيد منه.

لعلك أنت من الكهان أو من البلاء أو من العملاء، الله أعلم. ابتعد عنا يا أخي، اكفنا شرك. ليس هكذا أبدًا، فهناك أموال تُدفع، لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

علاقة مراتب الأداء الخمس ببناء الشخصية العلمية والفكرية

إن التحقيق والتدقيق والترقيق والتنميق والتزويق له علاقة ببناء الشخصية والفكر والعقل. نعم، له علاقة، فهو هذا الذي بنى العلماء، وهو هذا الذي يسر العلوم، وهو هذا الذي حل الكلام، وهو هذا الذي جعلك مراقبًا لنفسك وأنت تؤدي في وسط الجماعة العلمية، فلا يخرج منك هراء.

والهراء في اللغة هو الحمق، كما أفاده الفيروز آبادي في [القاموس المحيط والقابوس الوسيط فيما ذهب من لغة العرب شماطيط].

خلاصة مراتب الصياغة الخمس وتطبيقها على عبارة المؤلف في براعة الاستهلال

إذن عندنا خمس مراتب للصياغة والأداء، انتبه لها وأنت تكتب من غير تكلف ودون أن تصل إلى الحشو. لا، في [عبارة المؤلف] براعة استهلال، وهنا نوع من أنواع الترقيق للعبارة والتنميق بالتوازن والتزويق بالمحسنات البديعية:

"الحمد لله الذي وفقنا للوصول إلى معرفة الأصول، ويسّر لنا سلوك مناهجَ بقوة أودعها في العقول."

إعراب كلمة مناهج الممنوعة من الصرف وبيان أنها مجرورة بالفتحة

"ويسّر لنا سلوك مناهجَ" - مناهجَ ممنوعة من الصرف، ولذلك عندما تُجرّ فإنها تُجرّ بالفتحة. الجر الخاص بها بالفتح. "سلوك" يسّر لنا سلوك: مفعول به. "مناهجًا" - مناهج هي أصلها مكسورة، لكن لأنها ممنوعة من الصرف فكانت ماذا؟

لا، ليست مفتوحة. أنا لا أريدك أن تخطئ هذا الخطأ، أي أنها مجرورة بالفتحة وليست مفتوحة. هي مجرورة بالفتحة. مفتوحة؟ ربما إذن تكون منصوبة أو شيء من هذا القبيل. لا، هي مجرورة لكن بالفتح؛ لأن هذا شأنها، أن الممنوع من الصرف إذا لم يكن معرفًا أو مضافًا فإنه يجر بالفتح.

معنى بقوة أودعها في العقول وموقف أهل السنة من تخلف العادة

"مناهجَ" ويسر لنا سلوك مناهج بقوة أودعها في العقول. بقوة أودعها سبحانه وتعالى في العقول لا تتخلف عادةً.

لأن بعض الناس قال: لا تتخلف أبدًا. ونحن نقول - أهل السنة - لا تتخلف عادةً، لكن قد تتخلف على سبيل خرق العادة؛ حتى لا ننكر المعجزات.

فالله خلق النار وجعل فيها صفة الإحراق، والإحراق في النار لا يتخلف عادةً: كلما تمسك النار، كلما تلتهب، كلما تمسك النار تحترق. لكن قد تتخلف وتأتي معجزة سيدنا إبراهيم بإذن الله:

﴿يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]

فكانت كذلك.

الأقوال الأربعة في عمل الأشياء بين الطبع والعلة والقوة المودعة

هل الأشياء تعمل بذاتها؟ هذا شرك. أو الأشياء تعمل بقوة أودعها الله فيها لا تتخلف أبدًا؟ هذا يجرك إلى إنكار المعجزة. أو أنها بقوة أودعها الله فيها لا تتخلف عادةً؟ نعم، هي هذه الأخيرة، أنها لا تتخلف [عادةً].

ومن يقل بالطبع أو بالعلة فذاك كفر عند أهل الملة. ومن يقل بالقوة المودعة [التي لا تتخلف أبدًا] فذاك بدعي فلا تلتفت.

اكتبوا هذا الشيء، هكذا هو. هل انتبهت؟ أنت حافظ للخريدة الآن: "ومن يقل بالطبع أو بالعلة فذاك كفر عند أهل الملة"؛ لأنه يثبت الشريك مع الله، والله هو الفاعل الوحيد في هذا الكون.

تفصيل المذاهب الأربعة في القوة المودعة وبيان مذهب أهل الحق

ومن يقل بالقوة المودعة التي لا تتخلف أبدًا فذاك بدعي فلا تلتفت ولا تنظر إليه.

إذا كان الأمر على المربع [أي الأقوال الأربعة]: ممن قال بالطبع مرفوض، بالعلة مرفوض، بالقوة المودعة التي لا تتخلف أبدًا مرفوض. والرابع هم أهل الحق: بالقوة المودعة التي لا تتخلف عادة.

إشارة المؤلف إلى مصادر علم الأصول وأنه حكمة المسلمين وفلسفتهم

إذا أشار [المؤلف] إلى ما منه الأصول. ما هو الأصول مستمد؟ كما ذكرنا بالأمس من الأمور العقلية الذي هو علم الكلام، ومن الفقه والأحكام، ومن اللغة. فأشار إلى هذا بقوله: "بقوة أودعها في العقول".

وأشار إلى أن هذا العلم هو حكمة المسلمين وفلسفتهم، هو علم أصول الفقه. فعندما يأتي أحد ويسألك: هل يوجد في دينكم فلسفة؟ قل له: نعم، لدينا شيء يُسمى أصول الفقه.

فأصول الفقه هو منهج العقول، هو كيفية التفكير، هو أسس الفهم. فهو يعدّ وكأنه هو المفتاح الذي نفتح به مغاليق النصوص، ونحاول أن نجتهد من خلاله في الوصول إلى مراد الله سبحانه وتعالى. فإن أصبنا فلنا أجران، وإن أخطأنا فلنا أجر؛ لأننا بذلنا الجهد والمحاولة.

قاعدة الزيادة في المبنى زيادة في المعنى غالبًا وتطبيقها على النهج والمنهج والمنهاج

"مناهج" جمع منهج. والمفروض القاعدة أن الزيادة في المبنى زيادة في المعنى غالبًا. اكتب هذه الزيادة، فالزيادة في المبنى زيادة في المعنى غالبًا. احذر أن لا تقل "غالبًا"؛ لئلا يكون ذلك خطأً.

فالمنهاج أكثر من المنهج، فالمنهاج مفرد وهو هنا، والمنهج مفرد أيضًا، فكان ينبغي أن يكون المنهاج أكثر من المنهج، والمنهج أكثر وأزيد من النهج.

لكن نذهب إلى القاموس فنجد أن النهج والمنهج والمنهاج بمعنى واحد ولا زيادة فيه. نعم، يبقى كلمة "غالبًا" مفيدة هنا، فلو لم نقل "غالبًا" لكانت هناك مشكلة.

أمثلة على عدم اطراد قاعدة الزيادة في المبنى: زمن وزمان

تقول لي: حسنًا، ألا يعتبر النهج هو المنهج هو المنهاج؟ لا يوجد أي خلاف، زاد المبنى ولم يزد المعنى.

وماذا أيضًا قال لي؟ زمنٌ وزمانٌ هما الاثنان سيّان. زمنٌ وزمانٌ الاثنان سيّان. انظر إلى ترقيق العبارة، أجل، هو كذلك: زمنٌ وزمانٌ الاثنان سيّان.

حسنًا، فما هي حكاية هذا؟ تقول لي إن الزيادة في المبنى وعدد الحروف كلما زادت زاد المعنى غالبًا، وقدمت لي مثالين ليس معنا [أي لا تنطبق عليهما القاعدة]، فالزيادة في المبنى ليست زيادة [في المعنى في هذين المثالين].

شروط قاعدة الزيادة في المبنى الثلاثة كما أفادها الشيخ الصاوي

لماذا قال [العلماء] "غالبًا"؟ قال الشيخ الصاوي في حاشيته: وذلك لثلاثة أمور، يعني بثلاثة شروط: الزيادة في المبنى زيادة في المعنى بشروط ثلاثة:

الشرط الأول: أن يكون اللفظان اللذان تقارن بينهما أن يكونا مشتقين. إذن فالمصادر لا تنفع، لا تصلح المصادر. و"زمن" و"زمان" هذه مصادر، فهي ليست معنا. هل أنت منتبه؟ اه، و"نهج" نهجًا ليس معنا. يبقى "نهج" و"منهج" و"منهاج" ليسوا معنا، "زمن" و"زمان" ليس معنا. فالشرط الأول أن يبقى مشتقين، والشرط الأول أن يكونا مشتقين.

والشرط الثاني - وهو شرط سلبي هنا - ألا يكونا من أفعال الجبلة كالشره والنهم.

الشرط الثالث: أن يتحد في النوع، أن يتحد في النوع.

تطبيق شرط اتحاد النوع على حذر وحاذر في الصفة المشبهة واسم الفاعل

حَذِر: ما هي صفة حَذِر؟ إنها صفة مشبهة مشتقة. وحاذر: اسم فاعل مشتق. فهل حاذر أعمق من حَذِر؟ لا، بل حَذِر هي الأعمق من حاذر.

لماذا لم تتبع القاعدة؟ لأنهما مختلفان، فهذه صفة مشبهة وهذا اسم فاعل، لا تصح المقارنة بينهما. أقارن بين اسم فاعل واسم فاعل، وأقارن بين صيغة مبالغة [وصيغة مبالغة]. قارِنْ بين صفة وصفة، وليس بين أمرين مختلفين.

ملخص الشروط الثلاثة لقاعدة الزيادة في المبنى وأهمية حفظها

يوجد ثلاثة شروط هي التي تفسر كلمة "غالبًا": الشرط الأول أن يكونا مشتقّين، الشرط الثاني أن يتحدا في النوع، الشرط الثالث ألا يكونا من صفات الجِبِلّة.

ثلاثة شروط تحفظها هكذا مثل اسمك بالضبط. حسنًا، إنه أمر سهل جدًّا. الزيادة في المبنى [زيادة] في المعنى غالبًا. إياك أن تنسى "غالبًا"، هذه هي "غالبًا" أهم مسألة: الزيادة في المبنى زيادة في المعنى غالبًا.

كيف يجيب الطالب عن سؤال غالبًا بذكر الشروط الثلاثة وما يسمى بالعكاكيز الثلاثة

فيأتي الطالب الذي ستدرّس له أنت - ما دمتم ستكونون أساتذة بارك الله فيكم - ويقول لك: يا أستاذ، "غالبًا" لماذا؟ فتتصنع وتقول له: لأن هذه ثلاثة شروط كما أفاد الشيخ الصاوي: الشرط الأول ألا يكون في الجبلة، والشرط الثاني أن يكون مشتقين، والشرط الثالث أن يتحد في النوع. فيظن أنك علامة كبير! نعم، أهلًا سيدي العلامة.

إذا هؤلاء كانوا يا أبنائي يسمونهم ماذا؟ عندنا وهم يُدرِّسوننا ونحن صغار، يقولون ماذا؟ يطلقون عليها العكاكيز الثلاثة. العكاكيز الثلاثة التي تستند عليها هكذا وأنت تمشي. العكاز هو العصا، والعكاز في اللغة هو العصا، مثل العصا التي أستند إليها، فلدي ثلاثة عصي (عكاكيز).

سنذكرها واحدة، سنذكرها واحدة. أولها: الزيادة في المبنى زيادة في المعنى غالبًا، والشرح قد تناولناه. أخذنا عصا اليوم، ولن أخبركم عن العصايتين الأخريين حتى لا نرتبك. واحدة.

سبب منع الاسم من الصرف ومشابهته للفعل في الاحتياج

ويسّر لنا سلوك مناهجَ. مناهج ممنوعة من الصرف. ما قصة الممنوع من الصرف حتى ننتهي منه؟

لماذا هناك اسم يُنوَّن واسم آخر - سبحان الله - لا يُنوَّن؟ لماذا هناك أسماء تُنوَّن (مصروفة) وأسماء لا تُنوَّن (أي ممنوعة من الصرف)؟ لماذا؟

قالوا: لأن هذه الأسماء الممنوعة من الصرف أشبهت الفعل. كيف أشبهت الفعل؟ مناهج أشبهت الفعل، مكة أشبهت الفعل. ماذا يعني أشبهت الفعل؟ نريد أن نفهم.

قالوا: أشبهت الفعل في الاحتياج، وليس في الصياغة ولا في المعنى ولا في شيء من الوزن ولا لا. أشبهت الفعل في الاحتياج.

بيان احتياج الفعل إلى غيره لفظًا ومعنى من المصدر والفاعل والمفعول

قلنا لهم: احتياج أي شيء؟ هو الفعل محتاج؟ قالوا: نعم، الفعل محتاج إلى أمرين: أمر يرجع إلى لفظه، وأمر يرجع إلى معناه، اللفظ والمعنى. فالفعل محتاج إلى غيره لفظًا ومعنى.

كيف هذا؟ الفعل محتاج إلى اللفظ: المصدر حتى يُشتق منه. "ضَرَبَ" محتاج إلى "الضَّرْب"، "ضَرَبَ" أُخِذَ، "أكل" "شرب" أُخذ منه "شرب" و"أكل". فالفعل يحتاج إلى المصدر لأنه مشتق منه عند البصريين.

ويحتاج إلى الفاعل: هل هناك زراعة من غير زارع؟ صناعة من غير صانع؟ لا، يوجد كل فعل يحتاج لوجوده في الخارج إلى فاعل. بل وقد يحتاج إلى مفعول، وقد يحتاج إلى مفعولين، وقد يحتاج إلى ثلاثة مفاعيل.

فالفعل محتاج إلى غيره، مسكين الفعل هذا محتاج إلى غيره، محتاج يا عيني من ناحية اللفظ ومحتاج أيضًا من ناحية المعنى.

مشابهة الاسم للفعل في الاحتياج سبب منعه من الصرف

فإذا جاء الاسم، إذا جاء الاسم واحتاج إلى غيره من ناحية اللفظ ومن ناحية المعنى، أشبه الفعل في ذلك الاحتياج فمنع من الصرف.

قالوا: طيب. وبدأوا في استقراء كل ممنوع من الصرف في اللغة فيما ورد في الكتاب والسنة والشعر والخطابة العربية، وتأملوا فيما مُنِع من الصرف، فوجدوا أن هناك أشياء تعود إلى المعنى وهناك أشياء تعود إلى اللفظ.

ووجدوا الأشياء التي تعود إلى المعنى: الوصفية والعَلَمية. ووجدوا الأشياء التي تعود إلى اللفظ تسعة: أن تكون على وزن الفعل - وزن الفعل هنا هي ظهرت: أحمد، يثرب، يزيد - أن يكون آخرها ألف ونون مثل رمضان وشعبان بشروط. نحن نفهم الآن عامة هكذا، تسعة. أن يكون أعجميًّا...

اشتراط علتين في الممنوع من الصرف وتطبيقها على اسم إبراهيم

فيجب في الاسم أن تأخذ واحدة من هنا [من اللفظ] وواحدة من هنا [من المعنى]، وسموا هذه سبب علة يعني سبب. فحتى يمنع الاسم الممنوع من الصرف لا بد أن يتوفر فيه علتان: علة من جهة اللفظ وعلة من جهة المعنى.

فلا بد في هذه الكلمة التي أمامي أن يكون فيها علة من هنا وعلة من هنا. إبراهيم ممنوعة من الصرف للعلمية - هذه واحدة من ناحية المعنى - والعجمة - نعم، من ناحية اللفظ - للعلمية والعجمة.

إذا ما دام قد توفر في لفظ إبراهيم العلتان فهو إذن ممنوع من الصرف؛ لأنه قد شابه الفعل في ماذا؟ شابه الفعل في ماذا؟ في الاحتياج، وليس في معناه ولا في وزنه ولا في كذا وكذا. لا، في الاحتياج.

صيغة منتهى الجموع تقوم مقام العلتين في المنع من الصرف

إذن سنأخذ علة مما يرجع إلى اللفظ أو علة تعود إلى المعنى. قالوا: حسنًا، هناك علة يمكن أن تكون قد قامت مقام العلتين.

مثل ماذا؟ قال: مثل صيغة منتهى الجموع، وقامت مقام العلتين. لماذا؟ قال: لأنها هي نفسها تحتاج إلى المفرد [وهذا من جهة اللفظ]، ومعناها فيه انتهاء لهذا الجمع وعدم القدرة على جمعه [وهذا من جهة المعنى]. وهذا المعنى في الاحتياج وهذا المعنى في اللفظ يجعل هذه الصيغة تقوم مقام العلتين.

وصاغ الكلام: إذا قام بالاسم علتان أو علة تقوم مقام العلتين منع من الصرف لمشابهته الفعل. يبقى فهمناها.

تطبيق صيغة منتهى الجموع على كلمة مناهج وبيان بناء الاسم ومنعه من الصرف

بعد ذلك الكلام أصبح واضحًا، الكلام الذي لم يكن واضحًا أصبح واضحًا. صيغة منتهى الجموع تقوم مقام العلتين.

ومعنى "سلوك مناهج": مناهج صيغة منتهى الجموع، منعت من الصرف لأنه قد قام به علتان، علة قامت مقام العلتين فمنعت من الصرف.

فالاسم منه معرب ومبني لشبه من الحروف مدني. البناء يأتي بسبب شبه الاسم بالحرف فيُبنى الاسم. والاسم منه مصروف وغير مصروف لشبه الفعل، فيُمنع من الصرف بسبب شبه الفعل.

إذن الاسم إذا شابه الحرف بُنِيَ، وإذا شابه الفعل مُنِعَ من الصرف. حسنًا إذن.

استمرار التنميق والتزويق في عبارة المؤلف والصلاة على النبي وفضلها

الحمد لله الذي وفقنا للوصول إلى معرفة الأصول، ويسّر لنا سلوك مناهج بقوة أودعها في العقول.

انتبه، اللام ما زالت معنا: الواو واللام، وصول، أصول، عقول. ما زال التنميق والتزويق مستمرًّا.

"والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه الفائزين من الله بالقبول." الصلاة على النبي بركة وهي مفتاح الوصول إلى الله، أوصانا بها الله سبحانه وتعالى ونبينا:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

وكلمة "وسلموا تسليمًا" تشير إلى كثرة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم بالليل والنهار.

فضل الصلاة على النبي وأنها تُقبل حتى من المنافق وتفتح أبواب الرحمة

حتى قال له الصحابي: اجعل لك مجلسي كله [صلاة عليك]، قال [النبي ﷺ]:

«إذن قد كُفيت ووُقيت»

وكل عمل بين القبول والرد إلا الصلاة على النبي فإنها تُقبل ولو من منافق.

وإذا جاء أحدهم واشتكى لك أنه تكاثرت عليه الذنوب، وكلما تاب كلما رجع إلى ذنوبه، وأنه يستحي من الله، وأنه لا يقدر على ترك الذنوب، فانصحه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله يقبلها منه على كل حال، فيفتح عليه ويمنعه ويعصمه من الذنوب ويوفقه في تركها.

فالحمد لله الذي جعل لنا النبي المصطفى والحبيب المجتبى باب رحمة.

الصلاة على النبي تجمع بين ذكر الله وذكر الرسول والشهادتين

والصلاة والسلام عليه لا يزال لسانك يلهج بها؛ لأنك تذكر بذلك الله؛ لأنك تقول "اللهم" فذكرت الله، وتذكر بذلك رسول الله، فتذكر بذلك الشهادتين.

لأنك لا تدخل الإسلام بأحد الركنين، فلو شهدت أنه لا إله إلا الله وحدها لم تدخل الإسلام، بل تدخل الإسلام عندما تشهد الشهادة الثانية: وأشهد أن محمدًا رسول الله. والصلاة على النبي جمعت بين ركنين [أي] الشهادتين.

ولذلك فهي تذكر بالبدء الجديد مع الله، ولأنها متعلقة بالمقام الأجلّ صلى الله عليه وسلم، فإن الله يقبلها من كل أحد حتى ولو كان عاصيًا.

الفرق بين القَبول بالفتح والقُبول بالضم في اللغة العربية

والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه الفائزين من الله بالقبول. وهكذا القَبول [بفتح القاف]، لا تقل القُبول [بضم القاف]، هذا خطأ سيئ. القُبول جمع "قَبْل"، لكن القَبول هو الرضا.

فنعم:

﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: 37]

معنى كلمة أما بعد وأنها فصل الخطاب وأول من أوتيها سيدنا داود

وبعد، كلمة "أما بعد" للفصل، فصل الخطاب. وكان العرب يقولونها في خطاباتهم، وهي فصل الخطاب لأنها تفصل ما بين التمهيد والتوطئة والمقدمة وبين ما بعدها.

إذن فقد انتهينا من المقدمة التي فيها براعة الاستهلال، والتي فيها نوع من أنواع الترقيق والتنميق والتزويق.

التاء في كلمة مقدمة لنقل الكلمة من الوصفية إلى العلمية

وهذه المقدمة تذكرنا بهذه التاء. المقدمة هي الأصل "المقدم"، ولكن حتى تنقل الكلمة من الوصفية إلى العلمية أُضيفت التاء.

تُضاف [التاء] لبيان الوَحْدة - وتقول وَحْدَة، احذر أن تقول وَحِدة، لا توجد وَحِدة في اللغة أبدًا - وَحْدَة. وتقول: إنني قد أُصبت بالوَحْدة أي أنك منفرد وحيد. اجتهد وَحْدك، ووَحْدة الجيش، والوَحْدة بين البلدان أو بين المسلمين وهكذا. فواحدة هي في كل المعاني: وَحْدَة (بالفتح).

وظائف التاء في اللغة العربية بين الوحدة والتأنيث والنقل من الوصفية إلى العلمية

مقدمة، خاتمة، أُضيفت هذه الكلمة [التاء] من أجل نقل الكلمة من الوصفية إلى العَلَمية. فكلمة "مقدمة" صارت عَلَمًا على ما تُوطِّئ به وتُمهِّد به كتابك، و"خاتمة" صارت عَلَمًا على ما تختتم به كتابك.

و"علّامة" صارت عَلَمًا على الشخص كثير العلم. لا تقل "علّامة" أصبحت التاء هنا للمبالغة كما قال ابن مالك. لا، كما يقول أبو حيان: يقول هذه كلمة لنقل الكلمة من الوصفية إلى العلمية؛ لأنها مبالغة "علّام"، ما هو مبالغ، أهو سيبالغ؟ المبالغ ليس وجيهًا، إنما علامته التاء هنا لنقل الكلمة من الوصفية إلى العلمية.

فالتاء تأتي في اللغة:

  1. لبيان الوحدة: شجر - شجرة، بقرة، حجر - حجرة، وهكذا.
  2. لبيان التأنيث: يعني مسلم - مسلمة، مؤمن - مؤمنة، للتأنيث.
  3. لبيان النقل من الوصفية إلى العلمية: كعلّامة وفهّامة ومقدمة وخاتمة ونحو ذلك.

فتأتي لأجل أمور كثيرة، كل واحدة لها معنى: إما للواحدة وإما للتأنيث وإما للنقل وإما لكذا وكذا.

كلمة أما بعد فصل الخطاب وسيدنا داود أول من أوتيها ومعنى المختصر

وبعد فصل الخطاب، ويقال إن سيدنا داود أول من أوتيها. وبعد ذلك حتى ينبه، وكان خطيبًا مفوهًا سيدنا داود.

"وبعد فهذا مختصر في الأصلين وما معهما"، يعني ما ذُكر على باب الشيء بالشيء يُذكر. "اختصرت فيه جمع الجوامع للعلامة تاج الدين ابن السبكي."

وبعد، قالوا: لا بد في جواب ما بعد كلمة "بعد" أن تأتي بالفاء. "وبعد ذلك فهذا". لماذا؟ قالوا: لأنها في قوة "مهما يكن من أمر بعد ذلك فهذا"، يصبح كأنها جواب شرط، واقتران الفاء بجواب الشرط موجود.

مواضع اقتران الفاء بجواب الشرط في الجملة الاسمية والطلبية وغيرها

أصبحت [الجملة] جملة اسمية طلبية، وبجامد، وبما، ولن، وبقد، وبالتسويف. أتعرف أن تقولهم؟

ثانيًا: اسمية يعني عندما تكون الجملة اسمية تأتي بالفاء. طلبية عندما يكون فيها طلب أمر أو رجاء وكذا. اسمية وطلبية وبجامد ليس وعسى وكذا، وبالتسويف وبما ولن وقد وبالتسويف. قد ولن والتسويف الذي هو سوف أو السين.

كل هذا يأتي فيه الفاء. تريد أن تكتبهم ولا تعرف كيف تكتبه؟ حسنًا.

معنى المختصر والأصلين المقصودين في كلام المؤلف وكتاب جمع الجوامع

"وبعد، فهذا" - نعم، هذا اسمه اسم إشارة، "هذا" - "فهذا مختصر". والمختصر هو ما قلّ كلامه بحيث ألا يترك شيئًا من الأصل المختصر، يقلل الكلام لكنه لا يحذف من الأصل.

"في الأصلين: أصول الدين وأصول الفقه، وما معهما" - وما ذُكر معهما من مسائل. "اختصرت فيه جمع الجوامع" وهو كتاب مشهور كان يُدرّس في المرتبة العليا في الأزهر دائمًا، جمع الجوامع، وما زال، وله أكثر من خمسين شرحًا.

"للعلامة" - التاء في "علامة" تدل على ماذا؟ للنقل [من الوصفية إلى العلمية]. وإياك أن تقول مثل سيدنا ابن مالك أنها للمبالغة. حدثت ضجة كبيرة بين ابن مالك وأبي حيان؛ لأن المبالغ لا يبالغ.

إبدال غير المعتمد بالمعتمد والواضح ومعنى كلمة عندنا في الاصطلاح

"وأُبدلت منه غير المعتمد، والواضح بهما" مع زيادات حسنة. "ونبهت على خلاف المعتزلة بـعندنا" وغيرهم الأصح.

غالبًا يكون إذا قال "عندنا" يكون عند المعتزلة شيء آخر. يقول خصمنا: عندنا. وكلمة "عندنا" هذه تُطلق على أمور:

  • فهي تصلح للدلالة على الزمان، فأقول: ألقاك عند طلوع الشمس.
  • وتصلح للدلالة على المكان، فأقول: ألقاك عند المسجد.
  • وتصلح للدلالة على المذهب، أي في مذهب، فعبارة "عند الشافعي" تعني في مذهب الشافعي. فـ"عندنا" هنا تعني في مذهبنا أهل السنة والجماعة.
  • وتصلح للدلالة على الملك، فتقول: عندي مصحف، يعني في ملكي مصحف.

إذن "عند" تأتي للزمان والمكان والملك والمذهب.

مسألة دخول الباء على المتروك في عبارة المؤلف والخلاف فيها

يقول [المؤلف]: "وأبدلت منه غير المعتمد، والواضح بهما" يعني بالمعتمد والواضح. وتورك عليه بعضهم أن الباء تدخل على المتروك.

الباء تدخل على المتروك، فكان صحة العبارة أن يقول... هم يقولون هكذا، ليس بالضرورة أن يكون الشيخ مخطئًا. الشيخ لا يخطئ، الشيخ زكريا لا يخطئ. فيقوم النابتة ويقولون لك: لماذا؟ أهو معصوم؟ اسكت أنت، ليس لك شأن بهذا. إننا في مجال العلم، وليس في مزاح.

ماذا سيقول؟ "وأُبدلت منه غير المعتمد والواضح بهما." فكّ العبارة: وأُبدلت منه غير المعتمد والواضح بالمعتمد والواضح، فتكون الباء قد دخلت على المتروك، فيكون هو ترك المعتمد والواضح. وهو يريد غير ذلك، هو يريد أن يقول أن هذا هو المعتمد وهذا هو الواضح.

الباء في لغة القرآن بين الدخول على المتروك والمطلوب مع الشواهد القرآنية

فإذن الباء لا بد أنها تدخل على المتروك، ولا يمكن أن تدخل على غير المتروك. كلام الشيخ هنا كأنه يشير إلى أنها تدخل على غير المتروك.

قال [الله تعالى]:

﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 61]

فالباء دخلت على المتروك. وعندما نقول:

﴿ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ [النساء: 74]

يعني أنهم تركوا الآخرة، فالباء في لغة القرآن غالبًا دخلت على المتروك.

دخول الباء على المطلوب لا المتروك في آية اشترى الله من المؤمنين أنفسهم

لكن في بعض مواضع القرآن لم تدخل [الباء] على المتروك، ومضى الشيخ لا يحدث شيء. فمن الممكن أن تدخل الباء على المتروك غالبًا، ومن الممكن أن تدخل على غير المتروك.

كما دخلت على غير المتروك في قوله تعالى في شأن القتال:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 111]

ما فيها شكٌّ يا مولانا! بأن لهم الجنة: نعم، بأن لهم الجنة، [الجنة هنا هي] المطلوب ليس المتروك. يعني باع [المؤمن نفسه وماله مقابل] الجنة. يعني هل هناك أوضح من هذا؟ بأن له [الجنة]، نعم.

آية يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ودخول الباء على المطلوب لا المتروك

هكذا:

﴿فَلْيُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ [النساء: 74]

فالباء هنا إذا جعلنا الآخرة هي المتروك فهذه مصيبة، فالآخرة هي المطلوبة. لقد أوضح [الله تعالى]: "بأن لهم الجنة"، وهذا لا يحتاج إلى تفسير ملتوٍ هكذا، بل هو واضح مباشرة.

نعم، بالآخرة تعني أن حرف الباء دخل على كلمة الآخرة وهي مطلوبة وليست متروكة. فلعل الشيخ [زكريا الأنصاري] اتبع هذا المذهب، فالشيخ أكثر وعيًا مما نظن.

التحذير من التسرع في الرد على الأكابر والتأدب مع العلماء

هو [الشيخ زكريا] احذر! فقد صار هذا لبيان الجواز؛ لأنه احذر. إذن فلا يتعجلن أحد بكلمة عرفها هنا أو عرفها هناك أن يرد على الأكابر؛ لأنه لا زال وسيظل إن شاء الله من الأصاغر. عيب!

ها هو الشيخ، ها قد قال هكذا. ثم يأتي من يحفظ كلمة في العلم، عرفت شيئًا وغابت عنك أشياء. من الذي يستطيع أن يزن هذه الأشياء؟ لا، أنت لا، أنت حاضر منذ تسعين سنة؟! وتأتي لتقول لي؟! أنت تسكت تمامًا.

وزن كلمة أشياء عند النحاة الثلاثة: الكسائي والفراء وسيبويه

الذي يزن الأشياء ويأخذ مائة جنيه، يزن الأشياء ويأخذ مائة جنيه يا محمد. أنت ستأخذ مائة جنيه؟ يا محمد، أنت ستدفع مائة جنيه! قم، قل هكذا:

أفعال لَفْعاء، طيب. ولماذا لا تكون على وزن أفعال؟ اسمه قلب المكان: حبذا وجذب وجبذ، وسكب وسبك، وهكذا. لكن لم تكن أفعالًا.

ما المشكلة؟ يعني أن تكون "أفعال" [كما قال] الكسائي. يقول: وزن أشياء أفعال. طيب، الضابط الذي هؤلاء الأطفال حفظناه لهم وفاعلون فيهم شيئًا. أنت تأخذ خمسين جنيهًا فقط في الوزن.

أشياء عند القوم أقوال: قال الكسائي أن الوزن أفعال. وقال يحيى [الفراء] بحذف اللام فهي إذن أفعاء وزنًا. وفي القولين إشكال. وسيبويه يقول: القلب صيّرها لَفْعاء. فافهم، فهذا تحصيل ما قيل.

تفصيل أقوال النحاة الثلاثة في وزن أشياء وترجيح قول سيبويه

طيبًا، نقولها مرة أخرى: في وزن أشياء عند القوم أقوال:

قال الكسائي: إن الوزن أفعال. وقال يحيى [الفراء]: بحذف اللام فهي إذن أفعاء وزنًا. وفي القولين إشكال. وسيبويه يقول: القلب صيّرها لَفْعاء. فافهم، فهذا تحصيل ما قال.

قال تعالى:

﴿لَا تَسْـَٔلُوا عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101]

فهي ممنوعة من الصرف لأنها مجرورة بالفتح. فتبقى ممنوعة من الصرف. فالوزن الخاص بها لو "أفعال" كما قال الكسائي لم تكن ممنوعة من الصرف؛ "أفيال" و"أقيال" ليست ممنوعة من الصرف، فلم يكن هناك سبب لمنعها من الصرف لو كانت على وزن أفعال.

إشكالات قول الفراء في وزن أشياء وترجيح قول سيبويه بالقلب المكاني

فقال يحيى [الفراء]: أفعاء بحذف اللام. الفرّاء هكذا، ستأتي مشكلة أخرى: هكذا تُمنع من الصرف، فأفعاء هذه [ممنوعة] من الصرف مثل صحراء. ولكن "أشياء" تُجمع على أشاوي، وأفعاء لا تُجمع على هذا الوزن.

فإذن الإشكال الأول: المنع من الصرف. والإشكال الثاني: أن الجمع يخالف الجمع المعروف لأشياء.

ثالثًا: سيبويه قال: لا، هذا حصل له قلب مكاني، لَفْعاء، فأصبحت كصحراء ولا [إشكال]. فعاء، وعندما نأتي لنجمعها تصبح أشاوي، ما [فيها إشكال]، لا يحدث شيء.

إذا كان هذا القول خاليًا من الإشكالين فهو الصحيح.

خاتمة الدرس والتنبيه على عدم التسرع في الحكم دون معرفة القصة كاملة

صاحبنا يبدو أنه سمع أحدًا من هنا أو هناك، لكن نصيبه الخمسون جنيهًا. لم أسمع أحدًا هنا ولا هناك. إنك لم تعرف القصة كلها بشكل صحيح.

حسنًا، لا تنساها الآن.