غاية الوصول شرح لب الأصول | حـ 3 | أ.د علي جمعة
- •أصول الفقه هي أدلة الفقه الإجمالية وطرق استفادة جزئياتها وحال المستفيد، فهو مكون من ثلاثة عناصر: المصادر وطرق البحث وشروط الباحث.
- •سُمي بالأصول جمعاً لأنه يشمل هذه العناصر الثلاثة، والأصل في اللغة ما بُني عليه الشيء أو ما منه الشيء أو ما يُحتاج إليه.
- •الفقه لغةً هو الفهم الدقيق، واصطلاحاً هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.
- •الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.
- •ينقسم الحكم إلى تكليفي وهو خمسة: الوجوب والحرمة والندب والكراهة والإباحة، ووضعي وهو: السبب والشرط والمانع والصحة والفساد.
- •فرّق الأصوليون بين الحكم القديم (خطاب الله) ومتعلق الحكم الحادث (صفة فعل المكلف).
- •يلزم التفريق بين الوجوب والواجب، فالوجوب هو الكلام النفسي القديم، والواجب صفة الفعل الحادث.
افتتاح الدرس والحديث عن دخول الباء على المتروك وغير المتروك
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين: وأُبدلت منه غير المعتمد، والواضح بهما. وذكرنا أن الباء عادة تدخل على المتروك غالبًا، ولكن نطق القرآن بغير ذلك؛ نطق بالدخول على المتروك وبالدخول على غير المتروك.
ولعل المصنف رحمه الله تعالى أراد أن ينبه إلى المذهبين، فأدخل الباء على غير المتروك مع زيادات حسنة.
التنبيه على خلاف المعتزلة بكلمة عندنا ومعاني كلمة عند الأربعة
ونبّهت على خلاف المعتزلة بـ«عندنا». و«عندنا» ظرف يصلح للزمان والمكان ويصلح للمِلك ويصلح للمذهب، أربعة تحفظونها هكذا: عند للزمان والمكان والمذهب والمِلك.
فتقول: عندي مصحف، يعني في ملكي مصحف. وعندنا في مذهبنا. وتأتي «عِنْدَ» لظرف الزمان، فتقول: عِنْدَ طلوع الشمس. وتأتي لظرف المكان، فتقول: عِنْدَ المسجد.
فكلمة «عِنْدَ» تصلح للزمان والمكان والمِلك والمذهب. والإمام الألوسي ينقل عن كتاب درة الغواص أنها تصلح لثمانية معانٍ، أي تلك الأربعة المذكورة وتزيد عليها.
التفريق بين أساس العلم وتفصيلاته والاقتصار على الشائع من المعاني
لكن لا ينبغي أن نشغل أنفسنا بهذا؛ لأننا نريد أن نعرف أساس العلم. مثلما أورد السيوطي في الأشباه والنظائر النحوية أن لها ستة وثلاثين معنى، إنما الشائع منها أحد عشر أو اثني عشر، والباقي يمكن أن يُرد إلى هذه الأحد عشر والاثني عشر.
فمن أراد دقائق العلم فليتتبع، ومن أراد الأساس الذي به الفهم فليقتصر. وبعضهم فيها على البعض اقتصر، ومن يكن يدري جميعها انتصر.
وأيضًا الألف والسين والتاء تدخل لعشرة أغراض، لكن كلها مجموعة في الطلب.
الفرق بين الإجمال والتفصيل في العلم وأهمية التتبع والاستقراء
إذن هناك أشياء على سبيل الإجمال وهناك أشياء على سبيل التفصيل، وأسس العلم في الإجمال هذا، ولكن في التفصيل زيادة وفي الزيادة إفادة.
هم قالوا هكذا في التفصيل: إنه زيادة وفي الزيادة إفادة. فنحن أيضًا التتبع والاستقراء له درجة.
معنى مصطلح عندنا في الكتاب ودلالته على خلاف المعتزلة
ونبّهت على خلاف المعتزلة معنا ونحن معهم، بـ«عندنا» في مذهبنا. يكون عندما نجد كلمة «عندنا» في هذا الكتاب، إذا كان هذا مصطلحًا يعني أن هذا الكلام خلاف مذهب المعتزلة وغيرهم، أي على خلاف غيرهم.
معنى مصطلح بالأصح ودلالته على قوة الخلاف وأدب العلماء في استعمال كلمة غالبًا
بالأصح غالبًا، فهنا قال «غالبًا» لعله نسي في موضع أو خفي عليه موضع، وهو إمام كبير، لكن يعلمنا الأدب. فكلمة «غالبًا» هنا خرجت مخرج الأدب؛ لأنه قد يكون نسي موضعًا فيتورك عليه متورك.
لكن كان المتوركون القدماء عندهم أدب، أما النابتة فليس عندهم أدب؛ يهدمون الدنيا ويهدمون المعبد.
الفرق بين مصطلح الأصح والصحيح في كتب الفقه الشافعي
والأصح إذا قوي الخلاف قالوا «الأصح»، وإذا ضعف الخلاف قالوا «والصحيح». فمقابل الأصح قوي، له دليل، له وجاهة. ومقابل الصحيح ضعيف.
فهذا مصطلح شاع وذاع واستقر، وإن كان في الجيل الأول عند أصحاب الوجوه كالماوردي والروياني وغيرهم من أصحاب مذهب الشافعي، إلا أنه شاع وذاع واستقر مع الإمام النووي في المنهاج؛ لأنه نص على أنه إذا قال «الأصح» إنما يقوله عندما يقوى الخلاف.
فمقابل الأصح له دليل قوي، والأصح هو أقوى، ولذلك فهو الأصح، لكن المقابل له معتبر أيضًا وليس هملًا. أما الصحيح فهو له دليل، إنما مقابله دليله أضعف وليس دليلًا قويًا. فإذن الأصح مقابله قوي، والصحيح مقابله ضعيف.
استعارة شيخ الإسلام لمصطلح الأصح بمعنى خاص في كتابه
استعار الإمام هنا «الأصح» من هذا المفهوم المستقر في كتب فقه المذهب - وهو من أئمة المذهب - إلى معنى آخر، ولذلك نبّه عليه. فلو كان لم يستعر هذا المعنى من هذا المكان إلى مكان آخر ما نبّه عليه، لكنه نبّه عليه لأنه استعمال خاص بذلك الكتاب وليس على مفهومه العام عند طلبة العلم.
المفهوم العام أقره واستقر بصنيعه الإمام النووي في المنهاج، لكن هذا مصطلح خاص بذلك الكتاب ضيّق مفهومه؛ لم يعد المقابل أقوى، لا، قد يكون أقوى وقد يكون أضعف؛ لأننا لا نلتفت إلى القوة والضعف هنا في هذا الكتاب وحده.
دلالة مصطلحي عندنا والأصح على خلاف المعتزلة وغيرهم من أهل السنة
إنما نلتفت إلى أن المعتزلة - نقول «عندنا» - نشير إلى خلافهم، وغير المعتزلة نقول «والأصح». غير المعتزلة من هم؟ من أهل السنة والجماعة.
يعني هذا هو الراجح عند الشافعي ضد الإمام مالك، هو الراجح عند المتكلمين ضد الأحناف، هو الراجح عند المتأخرين ضد المتقدمين، وارد. هذا فكل ذلك وارد.
هل يجوز أن يكون للمتأخرين مزيد بحث والرد على من قال إن العلم نضج واحترق
وهل يجوز أن يكون للمتأخرين مزيد بحث؟ أن يكون للمتأخرين مزيد بحث؟ طبعًا، العلم لا يعرف الكلمات الأخيرة، وكم ترك الأول للآخر.
ولذلك توركوا على كلام الإمام الزركشي في المنثور حيث قال: إن من العلوم ما نضج واحترق. قالوا: كيف يحترق؟ لا ينضج علم أبدًا ولا يحترق، ولا يزال الأول يحتاج إلى الآخر، ولعله أخّرك ليقدمك.
ويفتح الله سبحانه وتعالى على من يشاء من العلماء عبر العصور بما فتح به على الأولين. ومصداق ذلك من كتاب الله:
﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْـَٔاخِرِينَ﴾ [الواقعة: 39-40]
يعني الأمر متصل. حتى قال:
﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلْـَٔاخِرِينَ﴾ [الواقعة: 13-14]
أيضًا مستمر. فالأمر لا ينقطع، والخير في أمة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين.
تسمية الكتاب بلب الأصول ومعنى اللب في اللغة وعلاقته بالقلب والجوهر
قال رحمه الله تعالى: سميته لب الأصول. واللب هو الجوهر والأساس، واللب هو القلب. ولذلك يسمون النواة في التمرة لبًّا، وداخل الثمرة لبًّا، والقلب لب.
فهذا لب الأصول، واللب هو مركز دوران الدم. يعني لو انتبهت تجد عندنا قلبًا وعندنا عقلًا. العقل مجموعة خلايا موجودة في الأعلى تفكر، وعندما تفكر تشعر أن هناك صداعًا، تقول: إن دماغي أفكر فيها حتى أصابني الصداع.
أما القلب فيجري فيه دم الجسم كله، إنها حقيقة غريبة. فموضع القلب هو موضع دوران الدم كله، لكن موضع العقل محدود بمكان ولا يصله إلا بعض الدم. أما الذي يضخ الدم ويأخذه ويضخه وهو بؤرته، فهذا هو القلب.
مراتب القلب والعقل والسلوك وأثر عكسها في الانتكاس
قال أهل الله: القلب فوق العقل، والعقل فوق السلوك. وإذا عكست انتكست؛ إذا عكست وجعلت السلوك فوق العقل والعقل فوق القلب حدث لك انتكاس.
القلب يجب أن يتحكم في العقل وأن يضبطه وأن يوقفه عند حدوده التي يتمكن فيها من التفكير المستقيم، لكن القلب يعلو ولا يُعلى عليه.
قال النبي ﷺ: «استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس، الإثم ما حاك في القلب وخشيت أن يطلع عليه الناس»
﴿أَمْ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحج: 46]
فالقلب هو الذي يعلو عندما يقوم الإنسان بتخليته من القبيح وبتحليته بكل صحيح يحدث التجلي. فالتخلي ثم التحلي يحدث التجلي.
ضرورة العقل في ضبط السلوك وخطورة عكس المراتب بين القلب والعقل والسلوك
فالقلب فوق العقل، والعقل لا بد منه في ضبط السلوك وعدم السير وراء الشهوات البهيمية. والعقل هو الذي ميّز الله به الإنسان.
أما لو عكسنا انتكسنا أو ارتكسنا؛ فلو أن السلوك يتحكم في العقل فافعل ما أشاء، هذا تفلت. وإذا العقل أسكت القلب فهذه ظلمة.
ولذلك كان الأمر كذلك. أراد شيخ الإسلام أن يقول إن هذا الكتاب هو قلب الأصول الدافق، قلب الأصول الذي يتحكم في العقل، والعقل يتحكم في السلوك، على ما درجوا عليه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
لب الأصول متن اختصار جمع الجوامع وشرحه في غاية الوصول
وسميته لب الأصول. لب الأصول هو متن اختصار جمع الجوامع، ثم شرحه في غاية الوصول.
وبعبارة أخرى: سميته لب الأصول راجيًا من الله القبول. رققها ونمقها وزوقها، يعني رققها: العبارة سهلة مفهومة. سميته لب الأصول راجيًا من الله القبول، ونمقها وجعلها متوازنة وزوقها، يعني إذا وضع سجعًا في الآخر هكذا لكي تكون خفيفة على المسامع.
اشتراط المالكية التزويق في خطبة الجمعة ومفهوم الجمال عند الفلاسفة وأهل الله
حتى قالت المالكية إن من شروط الخطبة أن يكون فيها ذلك التزويق. المالكية تشترط في خطبة الجمعة أن يكون فيها شيء من التزويق، وأنها إذا خلت من التزويق وكان طبعها ثقيلًا فلا تصلح له.
ولذلك الجمال جمال حسن.
قال النبي ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال»
وقد حصر الفلاسفة الجمال في المرئي، ووسّع أهل الله الجمال في المسموع وفي المرئي. فانتبه أن الفلاسفة عندهم الجمال متعلق بالمرئي فقط، ولكن أهل الله وسّعوه فجعلوه في المسموع وفي المرئي، ووضعوا للسماع شروطًا.
أساليب التحقيق والتدقيق والترقيق والتنميق والتزويق وأثرها في الأداء والتفكير
وأسأل الله النفع به فإنه خير مأمول. ما زال يزوّق، ما زال ينمّق، ما زال يكتب بطريقة منضبطة. ذكرنا الخمسة: التحقيق والتدقيق والترقيق والتنميق والتزويق. ذكرهم الشيخ الباجوري في حواشيه.
انتبهوا، وهذا يؤثر في الأداء، والأداء يؤثر في التفكير، والتفكير إذا كان مستقيمًا استقامت الحياة؛ فهمت به كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور.
وإذا لم يكن كذلك وعشنا عبثًا، تصدّر للتدريس كل مهووس بليد، تسمّى بالفقيه المدرس. فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ببيت قديم شاع في كل مجلس: لقد هزلت حتى بدا من هزالها كلاها وحتى سامها كل مفلس.
انحصار مقصود الكتاب في مقدمات وسبعة كتب والتاء في المقدمة
وأسأل الله النفع به فإنه خير مأمول. وينحصر مقصوده في مقدمات وسبعة كتب. إذن هذا سيكون عندنا مقدمة وعندنا سبع كتب.
المقدمات جمع مقدمة. والتاء في المقدمة لماذا؟ وأنت وهو، كونوا منتبهين للنقل من العامية من الوصفية إلى العالمية. أريد صوتكم هكذا يهز الدنيا. خلافًا لابن مالك، سيقولها المبالغة أو ما شابه. لا نعرف، راجعوا؛ لأن ديكهت قالها في علامةٍ، فليس ضروريًا أن يقولها في علامةٍ ويأتي هنا ليقولها أيضًا. تقول: هذا مذهب أبي حيان وانتهى الأمر.
تعريف أصول الفقه بأدلة الفقه الإجمالية وطرق الاستفادة وحال المستفيد
المقدمات: أصول الفقه أدلة الفقه الإجمالية أولًا، وطرق الاستفادة أو استفادة جزئياتها ثانيًا، وحال المستفيد ثالثًا.
عندما نريد أن نعرف علمًا ما، فلنا في ذلك طرق وليست هي مذاهب، بل هي طرق لك أن تختار الأول أو الثاني أو الثالث، وليست هي مذاهب لكل مذهب دليل يناقش الدليل الآخر. لا، بل هي طرق:
- الطريق الأول: أن تعرفه بالإدراك.
- الطريق الثاني: أن تعرفه بالملكة.
- الطريق الثالث: أن تعرفه بالقواعد.
ثلاثة إذن.
تعريف أصول الفقه بالإدراك والملكة والقواعد وتعريف القاعدة
يمكن أن نقول: معرفة أدلة الفقه الإجمالي، هذا إدراك؛ لأن المعرفة إدراك. ويمكن أن نقول: ملكة يتحصل بها أدلة الفقه الإجمالية. ويمكن أن نقول: أدلة الفقه الإجمالية، يعني القواعد الخاصة بهذه الأدلة.
القواعد: القاعدة، عرِّف القاعدة حين يأتون لامتحانكم شفويًا. عرِّف القاعدة: غالبًا لا بد أن تقول «غالبًا». فتكون القاعدة قولًا كليًا يندرج تحته جزئياته غالبًا.
حسنًا، و«غالبًا» قال لأمرين:
- أن القاعدة قد تشتمل جزءًا واحدًا.
- أن القاعدة قد يكون الفرع من القاعدة ولا يندرج تحتها بل يشذ عنها، وتسمى هذه الفروع الشاذة استثناءً.
المستثنيات لا تقدح في القاعدة والفرق بين الاستثناء والمخالفة الأصلية
إذن هذا لا يقدح في كون هذا الكلام قاعدة، لا يقدح لأن هناك هذه المستثنيات، لا يضره أن هناك مستثنيات.
يبقى إذن القاعدة أمر كلي يندرج تحته جزئياته غالبًا. أمر كلي يندرج تحته جزئياته غالبًا. وكلمة «غالبًا» لأنه قد لا تكون تحته جزئيات بل جزء واحد، وقد يكون هناك ما ينتسب إلى هذه القاعدة ولا ينطبق معها، وهنا يسمى استثناءً.
وهناك أمر آخر لا يضر في التعريف، وهو أن يشتبه عليك أن هذا الجزئي منها وهو ليس منها، هو أصلًا ليس منها. ولذلك هذا لا يُعد من المستثنيات، بل يُعد أنه مخالف للقاعدة أصلًا، فهو لم يندرج. لكن ما الذي جعله يندرج؟ خطؤك أنت، خطؤك هو الذي جعلك تظن أنه مندرج.
المثلث في تعريف أصول الفقه ولماذا سميت بالأصول بالجمع
أصول الفقه إذن في التعريف مثلث، ولذلك سُمي بالأصول:
- أدلة الفقه إجمالًا أو الإجمالية.
- طرق استفادة جزئياتها.
- حال المستفيد.
ثلاثة، ولذلك قلنا أصول بالجمع ولم نقل أصل الفقه بالإفراد. أصول الفقه لأننا نتكلم عن أصول ثلاثة: مصادر البحث، وطرق البحث، وحال الباحث وشروط الباحث.
وهذا هو المكوّن للمنهج العلمي. حتى المنهج العلمي الحسي فيه الثلاثة: قل لي المصادر، ماذا؟ حدّد المصادر، وحدّد طرق البحث وشروطها، وحدّد شروط الباحث. في أي علم: في الطب، في الفلك، في الهندسة، في أي شيء. المنهج العلمي مكوّن وقائم على هذه الثلاثة.
أخذ المنهج العلمي الغربي من أصول الفقه الإسلامي وأدلة الفقه المتفق والمختلف فيها
وسبق أن ذكرنا أنه بوضوح قد أُخذ هذا عن المسلمين في منهج تفكيرهم المسمى بأصول الفقه.
أدلة الفقه الإجمالية هي تلك التي نلجأ إليها كمصادر: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وهذه الأدلة متفق عليها.
وهناك أدلة في كيفية التطبيق في واقع الناس، وهي المعروفة باسم الاستدلال، ومعروفة أيضًا باسم الأدلة المختلف فيها. بعضهم يرى أنها أدلة لأنها معين يُستنبط منه الحكم، وبعضهم يرى أنها تحيط بعملية الاستدلال.
فسميت الأدلة المختلف فيها كقول الصحابي وشرع من قبلنا والعرف والاستحسان وغير ذلك كثير مما سنعرض لبعضه إن شاء الله تعالى.
معنى طرق استفادة الجزئيات ودخول الألف والسين والتاء للطلب والتحول
طرق استفادة جزئياتها بمعنى طلب الإفادة. الاستفادة معناها أننا نطلب أن نحصل على الفائدة، فإن الألف والسين والتاء تدخل للطلب.
يقول لك: تدخل للتحول مثل «استحجر الطين»، أي تحول من كونه طينًا إلى كونه حجرًا صلبًا صعبًا. فيقول لك هذا للتحول، أي أن الطين طلب الحجرية. ستجد الطلب موجودًا في كل معنى من معانيها.
وطرق جمع طريق، وهذا متنوع. فمنها طريق الألفاظ ودلالات الألفاظ، والدلالة سنتكلم عنها بتوسع. ومنها الجملة المفيدة وتراكيب الجملة المفيدة. ومنها الاحتمالات العشرة التي تكتنف هذه الجملة المفيدة كالنسخ والنقل والتخصيص ونحو ذلك.
تعدد طرق البحث بين اللفظ والدلالة والجملة والفرق بين الكلي والجزئي
إذا طُرِق بالجمع لأن الأمر قد يرجع إلى اللفظ، وقد يرجع إلى الدلالة، وقد يرجع إلى الجملة، وقد يرجع إلى ما يحيط بها، فهي طرق مختلفة.
والجزئي بخلاف الكلي. جزئياتها: جزئيات جمع جزئي. جزئياتها يبقى مضاف ومضاف إليه.
العكاكيز الثلاث في فهم اللغة العربية: الزيادة في المبنى والإضافة لأدنى ملابسة
العكاز الثاني: نحن قلنا ثلاث عكاكيز. وكان الأول: العكاز الأول كان ماذا؟ الزيادة في المبنى زيادة في المعنى غالبًا.
العكاز الثاني ماذا؟ الإضافة لأدنى ملابسة. الإضافة لأدنى ملابسة. قال: يعني عندما تفهم أن الإضافة لأدنى ملابسة، ستفهم ثلاثة أرباع اللغة العربية.
الإضافة لأدنى ملابسة: فقد تكون للمِلك وقد تكون للاختصاص. ويقول لك ماذا؟ في النهاية، وقد تكون لأدنى ملابسة. حسنًا، أدنى ملابسة دخل فيها الملك والاختصاص.
أمثلة على الإضافة للملك والاختصاص وأدنى ملابسة في اللغة العربية
قال: لأنه كثيرًا تأتي للملك ككتابي، نعم هذا ملكي. يعني رِجل الكرسي، فهذا اختصاص لأن الكرسي لا يملك رجله.
حسنًا، صلاة الليل تعني صلاة في الليل، نعم، فيكون أدنى ملابسة. أي جزئيات الأدلة، هو الأدلة هل تملك أم هذا مختص بالأدلة أم ما هي الحكاية؟ الأدنى ملابسة.
فأول ما تعرف العكاز الثاني هذا يقول لك: افهم قليلًا بعمق. لماذا نريد أن نفهم بعمق؟ لكي ندرب عقلنا على الفهم السليم المستقيم العميق الذي يقرأ الكتاب والسنة.
خطورة التجرؤ على الكتاب والسنة بغير فهم وأهمية المذاكرة في طلب العلم
لكن هكذا ندخل ونتجرأ على الكتاب والسنة من بغير فهم ولا تدريب، يصبح ذلك يعني بطالة وعدوان على دين الله.
اتق الله في نفسك، ابذل المجهود. إذا كنت لا تفهم قل: أنا لا أفهم، لا يحدث شيء. أعد ثانية، لا تقل قد ذهبت أربابه. كل من سار على الدرب وصل.
فأدم للعلم مذاكرة، فحياة العلم مذاكرة موزونة، لا يحدث شيء.
العكاز الثالث حروف المعاني تتعاور ويحل بعضها مكان بعض
حسنًا، إذا كان العكاز الثاني - العكاز الأول: الزيادة في المبنى زيادة في المعنى غالبًا، والعكاز الثاني: الإضافة لأدنى ملابسة - نقول إذن العكاز الثالث وانتهينا، حتى لا نجلس ونتعبكم هكذا:
حروف المعاني تتعاور، أي يحل بعضها مكان بعض. وهذه العبارة تنقسم في فهمها إلى أمرين:
الأمر الأول: هو أن هناك حروفًا للمعاني، وقد ألّف فيها ابن هشام كتابه الماتع مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، وأتى بأكثر من ثمانين حرفًا.
أنواع حروف المعاني من حيث عدد الحروف وأمثلة عليها
قد يكون الحرف على حرف واحد فقط مثل: الباء والتاء والواو في: بالله، تالله، والله. وقد يكون حرفين مثل: أو، عن، في. وقد يكون ثلاثة مثل: إلى. وقد يكون أربعة مثل: لعلّ. وقد تكون خمسة مثل: لكنّ.
إذا فككناها، ماذا هي لكنّ؟ تُكتب ثلاثة، لكنها في حقيقتها خمسة؛ لأن فيها ألفًا والنون مشددة فتصبح باثنين، إذن هي خمسة. ولا يزيد حرف المعنى أبدًا عن خمسة.
تعدد معاني حرف الباء بين الظرفية والابتداء والآلة مع أمثلة تطبيقية
الباء قد تأتي للظرفية، وقد تأتي للابتداء، وقد تأتي للآلة: حفرت الأرض بالفأس، هذه آلة. كتبت بالقلم، هذه آلة.
ولكن عندما يقول مثلًا: هذا مدرس بالأزهر الشريف، أو:
﴿وَأَنْتُمْ بِبَدْرٍ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 123]
أجل، «ببدر» هنا تكون ماذا؟ مكان. أجل، وبالأزهر أيضًا مكان، فتكون ظرفًا.
إذن هذا معناه أن كل حرف له معنى. كم معنى في اللغة العربية؟ ستة وخمسون معنى. كل حرف يمكن أن يكون له معنيان، ثلاثة، أربعة، تسعة.
حروف المعاني الواردة في القرآن وأهمية دراستها من كتاب المغني
الحروف التي وردت في القرآن ستة وثلاثون حرفًا من الثمانين. يعني لو درسنا الستة والثلاثين حرفًا يكون قد درسنا ما في القرآن كله ويكفينا، لكن الزيادة بركة وإفادة، فندرس الثمانين لكي نتوصل إلى الستة والثلاثين.
نعمل جدولًا نضع الحروف عموديًا والمعاني أفقيًا، ونرى ماذا يفعل كل حرف. لم يقم أحد بإعداد هذا الجدول حتى الآن، لكن ابن هشام أعدّه في كتاب المغني. عندما تقرأ المغني ستسد هذا الجدول وهذه الخانات.
ملخص العكاكيز الثلاث الأصلية في فهم اللغة العربية
يصبح لدينا ثلاثة عكاكيز، أليس كذلك؟ وهي:
- الزيادة في المبنى زيادة في المعنى غالبًا.
- الحروف تتعاور [أي يحل بعضها مكان بعض].
- الإضافة لأدنى ملابسة.
انظر إلى الدراسة في الأزهر الآن ستفيدك كثيرًا جدًا. هذه هي العكاكيز الثلاث الأصلية. سنصبح بعد ذلك نركب سيارة وأشياء سنقولها لاحقًا، لكن هذه هي العكاكيز الأصلية.
أصول الفقه مركب إضافي ومعرفة معناه تتطلب فهم المضاف والمضاف إليه والإضافة
أصول الفقه يقول لك: أصول الفقه هذا مركب إضافي، انتبه. مركب إضافي: أصول الفقه مضاف ومضاف إليه.
وحتى تعلم المركب الإضافي ومعناه، لا بد أن تعلم معنى المضاف ومعنى المضاف إليه ومعنى الإضافة. ليست الإضافة لأدنى ملابسة [فحسب]، نريد أن نرى ملابستها هنا.
إن أصول الفقه بالمعنى الإضافي، قال: يمكن أن يكون ذلك في اللغة ويمكن أن يكون ذلك في الاصطلاح.
الفرق بين المعنى الإضافي والمعنى اللقبي لأصول الفقه
المركب الإضافي قد يكون معناه في اللغة وقد نعالج معناه في الاصطلاح. وأصول الفقه قد يكون علمًا على علمٍ، علمًا ولقبًا على علمٍ. فإذا كان هو لقب على علم مخصوص فذلك يختص بالاصطلاح.
يبقى عندنا ثلاثة أمور:
- أصول الفقه كمركب إضافي لغةً.
- أصول الفقه كمركب إضافي اصطلاحًا.
- أصول الفقه لقب على علمٍ.
وأحيانًا يُحب أن يلعب معك هكذا، يقول لك: ما هو علمٌ على علمٍ؟ فعندما تأتي لتقرأها تختلط؛ لأن هذا علم مثل العلم تمامًا، والآخر يقول لك: لقب على علم، لكي يوضح لك المسألة قليلًا، نعم رأفة بك.
شرح المعنى الإضافي والمعنى اللقبي لأصول الفقه وتعريف البيضاوي
فيكون إذن المعنى الإضافي والمعنى اللقبي. يقولون هكذا: المعنى الإضافي يعني ماذا؟ يعني هو مضاف ومضاف إليه، سنعالجه من جهتين: اللغة والاصطلاح.
والمعنى اللقبي يعني ماذا؟ يعني كونه علمًا على علم، لقبي، لقب على علم. الذي قرأناه الآن وتعريف البيضاوي له: معرفة دلائل الفقه إجمالًا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد، هو المعنى اللقبي.
وعرفنا أن أصول الفقه حينئذ مكوّن من ثلاثة، وهي: المصادر، وطرق البحث، وشروط الباحث. ولذلك سميت بالأصول.
معنى الأصول في اللغة وأنها ما بُني عليه الشيء أو ما منه الشيء
نرجع الآن إلى المركب الإضافي، نريد أن نأخذه من اللغة والاصطلاح. المركب الإضافي: أصول في اللغة.
قال: أصول في اللغة جمع أصل. والأصل ما بُني عليه الشيء، أو ما منه الشيء، أو ما يُحتاج إليه الشيء.
ما منه الشيء: تقول القطن أصل الملابس، أو الصوف أصل هذا الثوب مثلًا. أصله يعني هذا الصوف منه، أو هذا الثوب من الصوف من القطن، يكون إذن الأصل ما منه الشيء.
وأصل المبنى هو أساسه الذي بُني عليه البنيان. والأصل هو ما احتاج إليه الشيء. فأي هذه المعاني أجدر بما نحن فيه؟ قالوا: أسس، أساس الشيء. خلاصة القول: يكون لغةً اختيارنا للأساس الذي بُني عليه غيره؛ سيُبنى على أصول الفقه الفقهُ.
معنى الفقه لغة بين الفهم المطلق وفهم الشيء الدقيق
والفقه لغةً هو الفهم، أو فهم الشيء الدقيق، أو فهم مراد المتكلم من كلامه. أفهمك، يعني.
طيب، والفقه الذي لدينا هذا، هل هو فهم مطلق أم فهم الشيء الدقيق؟ قالوا: بل هو فهم الشيء الدقيق.
لماذا قالوا؟ لأن المفهوم والمتفق عليه ليس من الفقه. ليس من الفقه. قلنا لهم: لكننا رأينا في الفقه أن صلاة الظهر أربع ركعات. قال: هذا ليس من الفقه! الله! صلاة الظهر أربع ركعات ليست من الفقه؟
قال: لا، هذا يُذكر في الفقه على سبيل أن الشيء بالشيء يُذكر.
الفقه من باب الظنون والمسائل القطعية تذكر فيه من باب التتمة
الفقه هو المسائل الظنية. فالفقه من باب الظنون الذي يحتاج إلى اجتهاد. هل صلاة الظهر أربع ركعات تحتاج إلى اجتهاد؟ لا، إذن ليست من الفقه.
وذكرها في الفقه من باب التتمة. ذكرها في الفقه من باب التتمة. فإذن الفقه هو الفهم الدقيق.
أوزان فعل فقه الثلاثة ومعانيها بين الفهم والسبق والسجية
وكما ذكرنا قبل ذلك أن هذا الفعل على فَقِهَ فَقُهَ فَقَهَ:
- •فَقِهَ كفَهِمَ وعَلِمَ وزنًا ومعنى.
- •فَقَهَ أي سبق غيره إلى الفهم.
- •فَقُهَ أي صار الفقه له سجية.
ويسمى هذا النوع بأفعال السجايا؛ لأنه الفقه صار سجية. شَجُعَ، كَرُمَ، جَبُنَ، يعني صار الجبن له سجية.
الجناس التام في اللغة العربية وأمثلة عليه من كلمات جبنة وساعة
كل الخبز بالجبن. نحن لا نأكل الخبز بالجبن! أحضر جبنة وضعها في جبنة. جبنة جبنة ووضعناها في جبنة. بين ما فيها من أدوات بلاغية:
- •جبنة الأولى: فعل [من الجُبن].
- •جبنة الثانية: الجبن الذي يؤكل.
- •جبنة الثالثة: التي هي جبنة، هذا المخبأ جبنة.
جبنة وضعناها في جبنة. فهذا نعم، أجل. وهذا من قبيل الجناس التام.
حسنًا، لبست ساعة وانتظرت ساعة، وربنا يقينا شر الساعة. فهذه شيء وهذه شيء وهذه شيء.
خلاصة معنى أصول الفقه كمركب إضافي لغة واصطلاحًا
وهكذا قلنا ماذا إذن؟ قلنا إن أصول الفقه معناه أسس الفهم العميق أو أسس الفهم الدقيق للغة.
يكون المركب الإضافي أسس الفهم الدقيق مركبًا إضافيًا، ولغةً.
واصطلاحًا: وهذه على وزن افتعال. إذن لماذا أصبحت التاء طاءً؟ اصطلاح ولم تكن اصتلاح! فقالوا إن التاء عندما تأتي بعد حرف من حروف الإطباق تنقلب إلى طاء.
حروف الإطباق كم عددها؟ أربعة: الصاد والضاد والطاء والظاء. هذه نسميها في التجويد حروف الإطباق. إذا التاء جاءت بعد حرف من الحروف الأربعة هذه نحولها إلى طاء: اضطرار، اصطلاح، وهكذا.
قاعدة ابن مالك في قلب تاء الافتعال طاء بعد حروف الإطباق
لماذا؟ قال [ابن مالك] هكذا:
طا تا افتعالٍ رُدَّ أثرَ مُطبَقِ
ابن مالك في آخر الألفية في الصرف قال هكذا: طاء تاء افتعال رُدّ، يعني تاء الافتعال ردها إلى طاء أثر مطبقي [أي بسبب حرف] الإطباق.
طاء افتعال رد أثر مطبقي. وازداد وازدد، وادّكر دال انبقى. نعم، وازداد وازدد، وادّكر دال انبقى. هذه قاعدة ثانية.
اصطلاحًا على وزن افتعال، الطاء تحولت من التاء لأنها بعد حرف من حروف الإطباق الأربعة.
نصب كلمة اصطلاحًا على نزع الخافض وقاعدة حذف حرف الجر
طيب، ومنسوبة إلى ماذا؟ اصطلاحًا لغةً؟ قال فيها وجوه، لكن ما نتبناه أنه لنزع الخافض، يعني: في الاصطلاح، في اللغة.
فلما نُزع الخافض - الخافض الذي هو حرف الجر - نزعناه ينتصب ما بعده؛ لأن حذف حرف الجر مع بقاء أثره ضعيف في لغة العرب. ما دمت حذفت حرف الجر لا بد أن تنصب ما بعده.
وهذا معروف باسم ماذا؟ منصوب على نزع الخافض. إذا نزعنا الخافض نصبنا ما بعده. فنقول: وهذا شرعًا، لغةً، عُرفًا، اصطلاحًا، كل هذا بنزع الخافض.
معنى الأصل اصطلاحًا بين القاعدة المستمرة والمقيس عليه والراجح والمستصحب
أصول الفقه: الأصول اصطلاحًا جمع أصل. والأصل قد يُطلق على:
- القاعدة المستمرة.
- المقيس عليه.
- الراجح.
- المستصحب.
نقول: الأصل في الأشياء الإباحة، أي نستصحب الإباحة معنا.
تعريف الفقه اصطلاحًا بالعلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية
والفقه هو العلم في الاصطلاح بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية. العلم بالأحكام الشرعية، أي أننا نعلم.
نقول: الفقه يمكن أن نعبر عنه بالقواعد، ويمكن أن نعبر عنه بالإدراك، ويمكن أن نعبر عنه بالملكة. هنا بالإدراك: العلم.
العلم بالأحكام الشرعية العملية - وليست الاعتقادية - المكتسب. وليس «المكتسبة»، لا، المكتسب هذه صفة للعلم وليست صفة للأحكام.
التنبيه على خطأ المكتسبة وأنها صفة للعلم لا للأحكام والفرق بين المذاهب في ذلك
وتلك تجدها خطأً قديمًا موجودًا في بعض الكتب القديمة. المكتسَب: العلم بالأحكام الشرعية العملية «المكتسَبة» غلط، هو المكتسَب. ونبّه على هذا الخطأ الأئمة. المكتسَب صفة لماذا؟ للعلم، من أدلتها التفصيلية، من أدلة هذه الأحكام التفصيلية.
إذن يكون قواعد العلم: يكون أصول الفقه ما معنى قواعد؟ العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية. وعلى ذلك فهذا هو تعريف أصول الفقه إضافةً ولقبًا، لغةً واصطلاحًا. فهمنا، الحمد لله، ستصبحون علماء، نعم.
موقف الحنفية في المجلة من تعريف الفقه بالمكتسبة ورد الإمام الأسنوي عليهم
نعم، الحنفية في المجلة لما عرّفوا الفقه عرّفوه بـ«المكتسبة»، فهي في النهاية لها وجه، لكن كأنه سيضيع شيء من التعريف. تكلموا عن علم النبي وعلم جبريل وعلم كذا إلى آخره، فأبحاث طويلة الأذيال.
لكن هي في مجلة الأحكام كاتبة هكذا: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة. إنما الإمام الأسنوي لم يرتضِ هذا وقال: هذا خطأ، وإن المكتسب صفة للعلم، وبيّن ذلك في قضية الاحترازات من التعريف.
خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين دون العقائد والأخبار وقدم خطاب الله تعالى
خطاب الله متعلق بالعقائد وبما كان وسيكون من أخبار وبقصص الأنبياء السابقين وبأشياء كثيرة. فالحكم هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين.
خطاب الله قديم، فهو سبحانه وتعالى لا تقوم به الحوادث، منزه عن قيام الحوادث بذاته؛ لأن من قام به حادث فهو حادث، حاشاه سبحانه وتعالى.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]
﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]
وهناك فارق بين المخلوق والخالق، فالرب رب والعبد عبد. ولذلك فهو مفارق للأكوان، وقد كان وهو الآن على ما عليه كان، هو خارج عن الزمان والمكان سبحانه وتعالى، جل جلال الله.
تعريف الحكم الشرعي بخطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرًا أو وضعًا
والفقه: علم حكم شرعي عملي مكتسب من دليل تفصيلي. نعم.
والحكم: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو بأعمّ وضعًا، وهو الوارد سببًا وشرطًا ومانعًا وصحيحًا وفاسدًا.
فالحكم خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا. مدرسة الرازي قالت: اقتضاءً أو تخييرًا. وزاد ابن الحاجب: وضعًا؛ لأن مدرسة الرازي لا ترى الوضع من الأحكام، ومدرسة ابن الحاجب ترى الوضع من الأحكام.
صيغة قيل للتمريض وأغراضها الثلاثة بين الضعف وجهل القائل ومعرض الرد
طيب، وقيل معرفتها. نحن قلنا إن أي علم يمكن أن نعرفه بالقواعد، ممكن أن نعرفه بالمعرفة والإدراك، ممكن أن نعرفه بالملكة. وقيل معرفتها، هذا تشقيق للمداخل لا للمذاهب، فالثلاثة ليسوا مذاهب مختلفة متناحرة.
و«قيل» هنا صيغة تمريض، وصيغة التمريض تُساق لثلاثة أمور لا بد أن تُفهم هكذا:
- أولًا: لبيان الضعف.
- ثانيًا: في معرض الرد، وإن قيل قيل وإن قيل قيل.
- ثالثًا: لجهل القائل، وقد يكون الكلام قويًا لكننا لا نعرف من الذي قال هذا.
فإذن ليست «قيل» دائمًا للضعف. لا، «قيل» قد تأتي في معرض الرد، وقد تأتي لجهل القائل مع قوة القول، وقد تأتي لضعف القول. لأن بعضهم يسمع أن صيغة التمريض يعني للتضعيف فيحمل كل شيء على التضعيف، خطأ؛ لأن «قيل» و«رُوي» وكذا تأتي لثلاثة معانٍ أو لثلاثة أغراض.
الغرض الأول: الضعف، والغرض الثاني: جهل القائل، والغرض الثالث: معرض الرد. فإن قيل قيل، القيل الثانية هي خاصتي أنا، إذن كيف تكون ضعيفة؟ نعم، هنا الشيخ يقول لك إنها لبيان المدخل لا المذهب، فتأخذها من الشيخ وتسجلها. هذا في معرض الرد أيضًا.
معنى خطاب الله وشموله للقرآن والسنة والإجماع وأن الحكم لله وحده
حكم الله خطاب الله، والخطاب هو توجيه الكلام. خطاب الله، ماذا عن خطاب رسوله وماذا عن خطاب إجماع الأمة؟ أين ذهب؟ قالوا: لا، هو خطاب الله المدلول عليه بالقرآن والسنة والإجماع.
﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57]
هو سيدنا النبي ﷺ الطاعة له إنما هي بإذن الله وبأمر الله.
﴿قُلْ أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النور: 54]
فبأمر الله. ولما يقول:
﴿وَأُولِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]
فبأمر الله وليس بالذات. الله الذي أمرنا أن نطيع أولي الأمر منا وهم العلماء والحكام.
إذن خطاب الله يعني المدلول عليه بالقرآن فهو يدل على كلام الله، وبالسنة فهي تدل على خطاب الله، وبالإجماع فهو يدل على خطاب الله أيضًا. لا يصح أن نقول خطاب الله ورسوله وأئمة المسلمين، لا يصح. هو خطاب الله.
﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا إِلَّآ إِيَّاهُ﴾ [يوسف: 40]
إذن خطاب الله.
التفريق بين الحكم القديم ومتعلق الحكم الحادث عند الأصوليين
فالخطاب قديم لكنه متعلق بفعل المكلف الحادث. نحن مخلوقون وأفعالنا مخلوقة. فقد فرّق الأصوليون بين الحكم ومتعلق الحكم.
فالحكم هو خطاب الله، ومتعلق الحكم هو صفة فعل المكلف. متعلق الحكم هو حادث؛ الصلاة فعل مكلف، وخطاب الله المتعلق بها أنها واجب.
إذن، والقائم بنفسه غير الحادث هو القديم.
الفرق بين الوجوب والواجب وبين الحكم القديم والحكم الحادث
الوجوب يبقى، فما الفرق بين الوجوب والواجب؟ الوجوب هو الكلام النفسي القائم بذاته سبحانه وتعالى وهو قديم، والواجب صفة الحادث من أفعال البشر وهو حادث. والواجب هو متعلق الوجوب، متعلق بالوجوب.
هكذا: فالوجوب والواجب، والحرمة والحرام، والكراهة والمكروه، والندب والمندوب، والإباحة والمباح.
إذن الحكم القديم هو: الوجوب والحرمة والكراهة والندب والإباحة. والحكم الحادث هو صفة أفعال البشر: الواجب، المندوب، الحرام، المكروه، المباح.
إذن لا بد أن نفرق بين الحكم القديم والحكم الحادث. الحكم القديم خطاب الله القائم بنفسه سبحانه المدلول عليه بالقرآن، فهو مدلول لكن الدال القرآن والسنة والإجماع. والحكم الذي هو حادث هذا صفة فعل المكلف، فنقول: صلاتك واجبة، وذنبك حرام، وفعلك كذا مكروه، إلى آخره. نصف بها الأفعال الحادثة.
الخلاف بين العلماء في كون الإيجاب عين الوجوب أو أثره
نعم، الإيجاب: بعضهم جعله هو عين الوجوب، وبعضهم جعله أثره وما يترتب عليه.
فقالوا: الإيجاب هو عين الوجوب وانتهى الأمر. ولكن الثاني قال: لا، الوجوب يترتب عليه الإيجاب، وكلاهما قديم. والترتب هنا ترتب اعتباري وليس ترتبًا حقيقيًا.
وفي كتب الشافعية لا تجد هذا التفريق - يعني ما بين الوجوب والإيجاب وكذا - هذا الكلام تجده في كتب الحنفية.
أقسام الحكم الشرعي التكليفي الخمسة من الاقتضاء والتخيير
إذن حكم الله: الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.
الاقتضاء يعني الطلب: طلب الفعل وطلب الترك، جزمًا وغير جازم. فتكون كلمة «اقتضى» تحتها أربعة أنواع:
- الطلب الجازم بالفعل وهو الوجوب.
- الطلب الجازم بالترك وهو الحرمة.
- الطلب غير الجازم بالفعل وهو الندب.
- الطلب غير الجازم بالترك وهو الكراهة.
والتخيير الذي يكمل الخمسة وهو الإباحة.
معنى الحكم الوضعي وأقسامه الخمسة من السبب والشرط والمانع والصحة والفساد
أما عندما يأتي ويقول لي: ما هو الوضع؟ فالوضع هو جعل الشيء بإزاء الشيء. معنى الوضع هكذا: جعل شيء بإزاء - في مقابل - شيء آخر. هذا هو الوضع.
قالوا: نعم، في الشريعة يوجد السبب والشرط والمانع والصحة والفساد، وهذه أشياء وضعها الله سبحانه وتعالى بإزاء وفي مقابل معانٍ.
وشكلها هكذا: أنها من الأحكام. فقسّموا الحكم إلى تكليفي وهو الخمسة التي ذكرناها، وإلى وضعي وهي الخمسة الأخرى: السبب والشرط والمانع والصحة والفساد.
تعريف السبب والشرط والمانع والصحة والفساد في الحكم الوضعي
السبب: ما يُستفاد من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته.
والشرط: ما يُستفاد من عدمه العدم ولا يُستفاد من وجوده وجود ولا عدم لذاته.
والمانع: هو ما يُستفاد من وجوده العدم ولا يُستفاد من عدمه شيء لذاته.
والصحة: استتباع الغاية.
والفساد: عدم استتباع الغاية.
الخلاف بين مدرسة الرازي ومدرسة ابن الحاجب في اعتبار الوضعي من الحكم الشرعي
هنا تخيّر شيخ الإسلام أن يجعل الوضعية من الشرعي. وعند البيضاوي ومدرسة الرازي لا يجعل الوضعي من الشرعي، بل يكتفي في الحكم الشرعي بالتكليفي، ويقول إن هذه الأشياء محيطة بالحكم.
فدلوك الشمس سبب للصلاة، والصلاة هي الواجبة وليس دلوك الشمس هو الواجب قطعًا. لكن أليس ربط دلوك الشمس بوجوب الصلاة أمرًا شرعيًا يمكن أن نطلق عليه أنه حكم شرعي؟
فقال [البيضاوي]: لا، ليس لها ضرورة. هذا البيضاوي ومن معه، كان أستاذًا لأساتذته الكبار هناك، على غرار الرازي وابن الحاجب.
ترجمة ابن الحاجب ومدفنه عند سيدي المرسي أبي العباس بالإسكندرية
قال: نعم، هكذا نفعل. وكان [ابن الحاجب] من أذكياء العالم في ترجمته هكذا، ودُفن عند سيدي المرسي أبي العباس. من أراد زيارة ابن الحاجب فهو مدفون عند سيدي المرسي أبي العباس في الإسكندرية. نعم.
حجة من يرى أن الحكم الوضعي حكم شرعي وربط دلوك الشمس بوجوب الصلاة
هو [أي المكلف] لم تجب عليّ الصلاة إلا عند الدلوك، دلكت الشمس فإذا بها وجبت الصلاة.
فالبيضاوي يقول: نعم، هذا شيء محيط بالحكم. الثاني [أي من يرى أنه حكم شرعي] يقول: لا، وضع دلوك الشمس بإزاء وجوب الصلاة حكم شرعي، خطاب لله متعلق بأفعال المكلفين، ونقلها من عدم الجواز إلى الوجوب.
فلا يجوز لك أن تقوم وأن تصلي الظهر الآن لأن الظهر لم يؤذن بعد، وعندما يدخل الوقت يجب عليك أن تصلي وجوبًا موسعًا. فانتقلت من عدم الجواز إلى الوجوب.
مَن الذي حكم عليك بهذا؟ الله. الله هو الذي حكم عليك. دلوك الشمس لم يحكم عليك، ليس هناك ترتيب طبعي بين دلوك الشمس وبين إحداث تغيرات حيوية في جسمك تدعوك إلى الصلاة.
ولذلك الذي وضع هذا النظام هو الله. إذن فهو حكم؛ لأنه يصدق عليه أنه خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، نقل فعلك غير الجائز إلى فعلك الواجب بعلامة علمها وبسبب وضعه.
يبقى إذن هذا حكم. هذه وجهة نظر مدرسة ابن الحاجب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
