دورة في مقدمة اصول الفقه ج1 | بتاريخ 2-10-1994م | أ.د. علي جمعة
- •علم أصول الفقه علم مركب يحتاج إلى معرفة اللغة والأحكام الشرعية والعقيدة، ويتميز بعبارات عميقة تحتاج إلى استيعاب كبير.
- •يُعرَّف علم أصول الفقه بأنه معرفة دلائل الفقه إجمالاً وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد.
- •موضوع أصول الفقه هو الأدلة من حيث استنباط الأحكام الشرعية منها، وليس من حيث حفظها.
- •تقوم الدراسة العلمية على المبادئ العشرة وهي: الحد، الموضوع، الواضع، النسبة، ما استمد منه، الفضل، الحكم، الاسم، الفائدة، والمسائل.
- •الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.
- •النظريات الضابطة لأصول الفقه هي: نظرية الحجية، نظرية الثبوت، نظرية الدلالة، نظرية القطعية والظنية، نظرية الإلحاق، نظرية الاستدلال، ونظرية الإفتاء.
- •الأدلة المتفق عليها أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وهناك أدلة مختلف فيها كقول الصحابي والعرف والاستحسان.
افتتاح الجلسة الأولى من حلقة تدريس أصول الفقه
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
هذه هي الجلسة الأولى من حلقة تدريس أصول الفقه.
صعوبة علم أصول الفقه من جهة كونه علمًا مركبًا من علوم متعددة
أصول الفقه علمٌ فيه شيء من الصعوبة من جهتين:
الجهة الأولى: أنه علم مركّب، بمعنى أن إدراكه والتعمق فيه يحتاج إلى كثير من العلوم المساعدة، حتى أن بعض العلماء اعتبروه من العلوم البينية؛ أي أنه مكوّن من فصول من علوم مختلفة. هذه العلوم هي: علم اللغة، وعلم الأحكام الشرعية، وعلم العقيدة.
فلو نظرنا إلى المباحث التي يتحدث عنها علم أصول الفقه لأمكننا أن نرى تلك العلوم فيه. ولكن كثيرًا من العلماء أيضًا رأوا أن علم أصول الفقه إنما هو علم مستقل بذاته وُضع باستقلال، وإن كان في حاجة إلى علوم أخرى حتى يستفيد منها وحتى يستمد منها مسائله.
صعوبة أصول الفقه من جهة صياغة العبارات وانفصالنا عن طريقة السلف
والجهة الأخرى من جهات صعوبة هذا العلم أنه قد صِيغ بعبارات فيها نوع تركيب؛ لأنه يعبّر عن معانٍ عميقة يحتاج الإنسان حتى يدرك معناها أن يستوعب كثيرًا من المعلومات.
ويزيد الأمر صعوبة أننا قد انفصلنا في واقعنا وفي طريقة تفكيرنا وفي طريقة الاطلاع على العلوم وتلقي المعلومات عن طريقة السلف في الصياغة.
هدف اللقاءات: تجاوز أصول الفقه إلى قراءة التراث الإسلامي وفهمه
سأحاول في هذه اللقاءات إن شاء الله تعالى ألّا تكون قاصرة على علم أصول الفقه، بل أن تكون ممتدة أيضًا لقراءة كل التراث الإسلامي، حتى نضع سويًّا مركّزين على أن علم أصول الفقه بالأساس طريقة لفهم ما كتبه الأقدمون من السلف الصالح.
إلى أن نصل إلى درجة نعي فيها أننا قد فهمنا أو أننا لم نفهم؛ فالوعي بعدم الفهم نوع من أنواع الوعي؛ لأننا إذا لم نفهم طلبنا الفهم. وما هي الطريقة التي يمكن أن نتوصل بها إلى التأمل والتدبر والوصول إلى ذلك الفهم؟
الخلفيات العلمية غير المكتوبة التي كانت من المسلّمات عند السلف
كانت لديهم [أي العلماء الأقدمين] خلفيات لا يكتبونها في الكتب؛ لأنها كالمسلَّمات في الجو العلمي الذي كانوا يعيشون فيه. هذه المسلَّمات كانت تُنقل عن طريق الدرس، وعن طريق التفاعل بين الأستاذ والتلميذ، أو كانت تُذكر كمقدمات ومداخل في علوم أخرى.
ولكنك إذا ما ذهبت لتقرأ في أصول الفقه أو في الفقه أو في المنطق أو في النحو أو غيره، لن تجد هذه الخلفيات لديك وأمامك بصورة واضحة، بل ستجد معلومات تحتاج إلى معرفة تلك الخلفيات.
محاولة إلقاء الأضواء على المقدمات والخلفيات المبثوثة في كتب السلف
وسأحاول أيضًا في هذه اللقاءات أن ألقي كثيرًا من الأضواء على كثير من تلك المقدمات والخلفيات والمبادئ التي بُثّت في الكتب، أو التي كانت تُنقل عن طريق الدرس، أو التي كانت من المسلّمات التي لا تحتاج إلى نقاش ولا إلى مزيد من السؤال؛ لأن الجميع يدركونها ويعرفونها ويسيرون عليها وعلى هديها بدون إعادة نظر فيها.
المبادئ العشرة التي كان العلماء يقدمونها كمقدمة لكل علم
كانوا [أي العلماء] ابتداءً إذا ما أرادوا أن يدخلوا في أي علم من العلوم فإنهم لا بد عليهم أن يتعرّضوا لما أسمَوْه بالمبادئ العشرة، وكانوا يعتبرون المبادئ العشرة هي مقدمة كل علم.
والمبادئ العشرة إذا عرفها الإنسان عن العلم، وإذا عرفها طالب العلم عن ذلك العلم، تشوّقت نفسه لطلب ذلك العلم. وبدونها يكون ذلك العلم بالنسبة إليه من المجهول المطلق الذي لا تتشوق إليه النفس، النفس لا تريد أن تطّلع عليه ولا أن تعرف ما هو.
فلو أنك تجهلين علمًا معينًا لا تعرفين اسمه ولا موضوعه ولا مسائله ولا ماذا يفيد، ولا ما علاقته بالعلوم الأخرى، ولا من أين يستمد مسائله، ولا ما هو حكمه الشرعي، ولا فضله إذا كان علمًا نافعًا أو غير نافع، لا تعرفين شيئًا إطلاقًا، فعلى ماذا تتطلعين؟ إلى لا شيء، إلى المجهول. ولذلك كانوا يحرصون دائمًا على ذكر تلك المبادئ العشرة.
نظم المبادئ العشرة في صورة شعرية والفرق بين النظم والشعر
هذه المبادئ العشرة، وحتى لا ينساها الطلبة، كانوا عادة يصيغونها في صورة شعر منظوم. والفرق بين النظم والشعر أن الشعر فيه عاطفة، إلا أن النظم ليس فيه إلا الوزن والإيقاع حتى يكون سهلًا على الحفظ والاسترجاع. فالعاطفة هي التي تفرّق بين الشعر وبين النظم التعليمي الذي ظهر في تراثنا.
فيقولون - ومن أراد أن يكتب فليكتب لأنني سأنسى بعد ما سأذكر -:
مَنْ رَامَ أي من أراد ورغب، فَنًّا أي علمًا، فَلْيُقَدِّمْ أَوَّلًا عِلْمًا بِحَدِّهِ وَمَوْضُوعِهِ يُتْلَى. يعني أولًا يُعرَف حدّ هذا العلم [أي تعريف هذا العلم]، ثم بعد ذلك يُعرَف موضوع ذلك العلم، وواضعه يُعرَف أيضًا واضع العلم.
تتمة أبيات نظم المبادئ العشرة وشرحها
البيت الثاني في الشرح في النص: وَوَاضِعٌ وَنِسْبَةٍ وَمَا اسْتُمِدَّ مِنْهُ وَفَضْلُهُ وَحُكْمٌ مُعْتَمَدْ.
البيت الثالث يقول: وَاسْمٌ وَمَا أَفَادَ وَالْمَسَائِلُ، فَتِلْكَ عَشْرٌ لِلْمُنَى وَسَائِلُ. فتلك عشر للمنى وسائل.
وبعضهم فيها البيت الرابع أصبح أيضًا ليس يعطي فقط هكذا، بل إنه أيضًا يضيف فلسفة وطريقة ومنهجًا للتدريس: وَبَعْضُهُمْ فِيهَا عَلَى الْبَعْضِ اقْتَصَرْ، يعني بعض العلماء عندما يتحدث عن فن من الفنون أو علم من العلوم يتحدث عن بعض تلك العشرة وليس على كلها. وبعضهم فيها أي في العلوم اقتصر على البعض، وَمَنْ يَكُنْ يَدْرِي جَمِيعَهَا انْتَصَرْ؛ أي انتصر في المنافسة بينه وبين زملائه، أو في المنافسة بينه وبين العلماء الآخرين في كيفية تدريس هذه المبادئ العشرة.
إعادة نظم المبادئ العشرة كاملًا للحفظ والاستكمال
كل علم، أي علم، لنقولهم مرة أخرى حتى إذا فات أحدهم شيء فعليه أن يستكمله. ماذا يقول النظم:
مَنْ رَامَ فَنًّا فَلْيُقَدِّمْ أَوَّلًا، عِلْمًا بِحَدِّهِ وَمَوْضُوعٍ تَلَا، وَوَاضِعٍ وَنِسْبَةٍ وَمَا اسْتَمَدَّ مِنْهُ وَفَضْلِهِ وَحُكْمٍ مُعْتَمَدْ، وَاسْمٍ وَمَا أَفَادَ وَالْمَسَائِلِ، فَتِلْكَ عَشْرٌ لِلْمُنَى وَسَائِلُ، وَبَعْضُهُمْ فِيهَا عَلَى الْبَعْضِ اقْتَصَرْ، وَمَنْ يَكُنْ يَدْرِي جَمِيعَهَا انْتَصَرْ.
تطبيق المبادئ العشرة على أصول الفقه: الحد والموضوع
إذن فلا بد علينا أن نعرف حدّ أصول الفقه [أي تعريفه]، وهذا سيجعلنا ملمّين بماهية أصول الفقه. ولا بد علينا أن نعرف الموضوع الذي يتحدث عنه أصول الفقه.
رأوا [أي العلماء] أن كل علم لا بد أن يكون له موضوع. ما هو الموضوع؟ كانت لديهم فلسفة في أذهانهم حول ما يمكن أن نسميه بالجملة المفيدة. درسناها في النحو: الجملة المفيدة مكونة عن شيءٍ أتحدث عنه وهو المسند إليه، وشيءٍ أُخبِرَ به عنه وهو المسند، بغض النظر عن الألفاظ والمصطلحات وما شابه.
شرح مفهوم الموضوع في العلوم من خلال أمثلة على الجملة المفيدة
فالمسألة سهلة: الشجرة مثمرة، والقاعة متسعة، والشباب متيقظ، وهكذا. مبتدأ: عمّا أتحدث؟ عن الشجرة. بماذا وصفتها؟ وصفتها بأنها مثمرة، وبأن القاعة ضيقة أو متسعة، وبأن الهواء حار أو بارد، وهكذا.
مسألة بسيطة أن يأتي لشيء أتحدث عنه، هذا الذي أتحدث عنه اسمه الموضوع.
تحديد موضوع علم الفقه من خلال تتبع مسائله وجمله
فلو تأملنا في الفقه مثلًا، ما هو موضوع الفقه؟ لوجدنا أنه ينبغي علينا حتى نصل إلى موضوع الفقه أن نذهب إلى مسائل الفقه، جمل الفقه. الجمل التي نجدها عند الفقهاء، ماذا يقولون؟ يقولون: الصلاة واجبة، أكل البصل النيء مكروه، البيع والشراء مباح، الربا حرام، الجهاد [فرض]، وهكذا. عقد الزواج ينعقد بالصفة الفلانية، الطلاق يتم بالطريقة العلانية، وهكذا.
مبتدآت أي أننا نخبر عنها بأخبار. طيب، لو تأملنا وجرّدنا تلك المبتدآت، تلك الموضوعات كلها، ذلك المسند إليه، وجرّدناها، كيف نصفها؟ نصفها بأنها من أفعال الإنسان؛ لأن الصلاة فعل، والزواج فعلٌ، والبيع فعلٌ، والشراء فعلٌ، والجهاد فعلٌ، وهكذا.
إذن يمكن أن نقول إن موضوع علم الفقه هو فعل المكلف [أي فعل الإنسان].
عمق التحليل عند العلماء في تحديد عمود الفقه: فعل المكلف وحكم الله
هكذا كانوا يفكرون بهذا العمق أو بهذه الدرجة من التحليل. إذن فهناك عمود في الفقه يتكلم عنه، ما هو هذا العمود الذي دائمًا يتكرر بصور مختلفة؟ هو فعل المكلف. والأخبار [أي ما يُخبَر به عن فعل المكلف] هي حكم الله: حرام، حلال، مندوب، مكروه، مباح، وهكذا.
ومن فعل المكلف الذي يمكن أن نضعه في أيدينا اليمنى، وحكم الله الذي يمكن أن نضعه في يدنا اليسرى، تتكون مسائل الفقه.
مثال على مفهوم الموضوع في علم الطب وتنبيهات لغوية
إن علم الطب موضوعه جسم الإنسان من حيثُ الصحةُ والمرض. تقول: من حيثُ الصحةُ - وإياك أن تقول "الصحةِ"؛ لأجل أن "حيث" تُضاف للجُمَل - نعم، من حيثُ الصحةُ والمرض. و"حيث" أيضًا: "حيث إنّ" لا تقولوا "حيث أنّ"، فهذا عيب وخطأ.
فإذا كانت الصحة والمرض في جسم الإنسان، نعم، كل المسائل يمكن أن نتصورها في الطب على هذا الوضع. فنذهب ونقول إن جسم الإنسان - ها هو مبتدأ - ها هو يمرض إذا أُصيب بالشيء الفلاني، ويخفّ لو أنه حصل الشيء الفلاني، ويتأخر في نيل الصحة إذا حدث كذا وكذا وكذا. كله يتكلم عن جسم الإنسان من حيثُ الصحة والمرض.
تعريف علم أصول الفقه عند البيضاوي والرازي: معرفة دلائل الفقه إجمالاً
إذن، فما هو حدّ علم أصول الفقه؟ وما هو موضوع علم أصول الفقه؟ ما دمنا قد عرفنا ما معنى الموضوع؛ لأننا لو عرفنا معنى الموضوع عرفنا المسائل مباشرةً. أي أنه إذا عرفنا موضوع علم الفقه ونعرف أخباره ونعرف على امتداد مسائل علم الفقه وأنها تدور حول وصف أفعال الإنسان أو أفعال المكلف.
قالوا إن حدّ علم أصول الفقه عرّفوه بالآتي:
أصول الفقه هو: معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.
هذا يعني أنك عالم كبير. والتاء في [كلمة "المستفيد"] ليست للتأنيث، لا، إنها لنقل الكلمة من الوصفية إلى الاسمية، مثل "خاتمة" و"خاتم"؛ هذه صفة هكذا، ولكن عندما وضعنا التاء فيها حوّلناها إلى عَلَم على آخر الكتاب. "مقدمة"، "مقدم" هو اسم فاعل، صفة يعني، ولكن عندما وضعنا التاء جعلناها كأنها عَلَم، كأنها اسم لشخص، هذا الشخص عبارة عن الورقتين اللتين يكونان في أول الكتاب. "علّامة" و"علَّام"، هذا يعني صيغة مبالغة للصفة، ولكن عندما وضعنا التاء يقول ابن مالك إنها [للنقل من الوصفية إلى الاسمية].
شرح تعريف أصول الفقه وأقسامه الثلاثة الكبرى
هل تعلم هذه المعلومة؟ يقول [التعريف]: هو معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد. الغريب!
حسنًا، فهنا: معرفة دلائل الفقه إجمالًا، كيفية الاستفادة منها، حال المستفيد. قالوا إن أصول الفقه ثلاثة أشياء، ولذلك سمّوها "أصول الفقه" ولم يسمّوها "أصل الفقه"؛ جمعوا كلمة "أصل" على "أصول" لأن أصول الفقه يتكون من ثلاثة مقاطع، من ثلاثة أجزاء كبيرة، وهي:
- معرفة دلائل الفقه الإجمالية [أي المصادر].
- كيفية الاستفادة من هذه الأدلة [أي طرق البحث].
- من هو الذي يستطيع أن يجتهد وأن ينظر في الأدلة وأن يستنبط الأحكام الشرعية، وهو الذي قُرئ "وحال المستفيد".
أصل تعريف أصول الفقه عند البيضاوي والرازي وأثره على روجر بيكون
فالغريب أن هذا تعريف البيضاوي. لقد كان البيضاوي في القرن السابع الهجري، أي حوالي القرن الرابع عشر أو الثالث عشر الميلادي. أخذه من الرازي، والرازي توفي سنة ستمائة وستة هجرية، أي أنه عاش حياته الواعية في أواخر القرن السادس الهجري، بمعنى أيضًا أنه القرن الثالث عشر الميلادي.
هذه الصياغة الدقيقة لعلم أصول الفقه لفتت نظر روجر بيكون وهزّت كيانه إلى درجة أنه حاول أن يأخذ منها المنهج العلمي الذي فيما بعد تكلم عنه ابن أخيه فرانسيس بيكون.
تعريف أصول الفقه يتضمن المصادر وطرق البحث وشروط الباحث
وكذلك لأن المتأمل في هذا التعريف يجد أنه يتكلم عن المصادر إذا جرّدناها هكذا: من أين يأتي الفقه؟ دلائل الفقه أي من أين يأتي الفقه. ويتحدث ثانيًا عن طرق البحث: مصادر البحث وطرق البحث، من أين يأخذ المعلومة وكيف يأخذ المعلومة. ويتحدث ثالثًا عن شروط الباحث.
وهذا هو الذي نصّ عليه روجر بيكون بأنه أساس المنهج التجريبي أو العلمي أو كذا إلى آخره. إذا أراد أن يصل إلى الحقيقة، إلى العلم الصحيح، فلا بد عليه أن يحدد أولًا ما هي المصادر التي يأخذ منها، لا بد عليه أن يحدد ثانيًا كيف يتعامل مع هذه المصادر لينال المعلومة، لا بد أيضًا - وهذا أمر مهم جدًّا - أن يبيّن ما هي شروط الباحث الذي يستطيع أن يحصّل تلك المعلومة.
الفرق بين منهج المسلمين ومنهج الغربيين في مصادر المعرفة
ولكن الذين وضعوا هذا العلم - علم أصول الفقه - كانوا يأخذون معرفتهم من أمرين: من الوحي المنزل ومن الواقع والوجود المعاش.
ولكن هؤلاء الناس [أي الغربيين] عندما أرادوا أن يطبقوا نفس الشيء إنما طبقوه على الوجود المعاش فقط؛ لأنهم لا يؤمنون ولا يريدون أن يؤمنوا بالوحي، فنحّوا قضية الوحي وطبقوا نفس المنهج ولكن على جانب الوجود فقط، في حين هنا [عند المسلمين] كان مطبقًا على الوجود والوحي معًا.
ظهور الحواشي في كتب المتأخرين وغايتها في تربية الملكة اللغوية
في بعض الكتب، خاصة كتب المتأخرين بعد القرن الخامس والسادس الهجري، بدأت المسائل تأخذ تعمقًا أكثر في التعامل مع الألفاظ حتى يكون عند الطالب ملكة البحث والتأني. ولم يكن ذلك عبثًا، بل كانت محاولة منهم لأن يقف طالب العلم عند كل لفظ ويتذوقه.
وذلك لأنهم لاحظوا أن الناس قد ضعفت ملكاتهم اللغوية وأصبحت من الضعف بمكان يُخشى عليهم أن يفقدوا الصلة مع كتاب الله وسنة رسول الله التي نزلت باللغة العربية، والتي لا يمكن أن نفهمها على الوجه الصحيح إلا بالتمكن منها بدرجة معينة من التمكن في لغة العرب.
تاريخ ظهور الحواشي واشتدادها ثم اختفائها ومهمتها في إحياء الملكة اللغوية
فبدأت تظهر قضية الحواشي واشتدت هذه الحواشي في القرن التاسع، وازدادت في القرن الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وبدأت تخفّ في القرن الرابع عشر، وها نحن قد انتهينا منها في القرن الخامس عشر. فلا نجد ابتداءً من ألف وأربعمائة إلى الآن في هذه الخمسة عشر سنة لا نجد أحدًا أبدًا ألّف حاشية على شيء مطلقًا.
كانت مهمة هذه الحواشي هي أن تُحدث الملكة اللغوية التي كادت أن تخبو في نفوس الطلبة وفي نفوس الناس وفي الحياة العلمية، تُحييها مرة أخرى.
نقد الحواشي وأثرها السلبي في تعقيد العلم وتنفير الطلاب
كثير من الناس لا يعي ذلك، وكثير من الناس أيضًا لم يدرك تلك الحكمة، فوقف عند هذه الحواشي حتى قيل: "من قرأ الحواشي فما حوى شيئًا"، يعني ما يحوي شيئًا؛ لأنها من شدة التعقيد والوقوف عند الألفاظ والتدقيق في كل حرف وليس في كل كلمة، أصبحت ثقيلة وأصبحت تُغشي على المقصود وتُغشي على أن ينطلق الإنسان بفكره ويصل إلى مقصوده من أقرب طريق.
التعرض لأسلوب الحواشي لتسهيل قراءة كتب السلف دون يأس أو نفور
أنا أتعرض هنا إلى شيء مما يُذكر في الحواشي حتى نتجاوزه إن أردنا أن نتجاوزه، وحتى إذا ما قرأتم شيئًا في كتب السلف والأقدمين أمكن لكم أن تدخلوا في العلم من غير أن تغرقوا أو أن تيأسوا أو أن تكرهوا هذه الطريقة قبل الوصول للمقصود.
وهذا الذي حدث مع كثير من الطلاب أنهم ينفرون نفورًا شديدًا من تلك الكتب التي توصف بأنها صفراء وحمراء وخضراء وما إلى ذلك، وأنها خلاص انتهى الأمر فيها؛ لأنهم لا يدركون ماذا يقرؤون وما هذه الطريقة العجيبة التي يتخذونها.
مثال على أسلوب الحواشي: تحليل كلمة أصول الفقه لغةً واصطلاحًا
فاضرب مثالًا يتعلق بكلمة أصول الفقه، وأنتم تقومون بالقياس على مثل هذه المعلومات. "أصول" لم يتركوها في حالها هكذا سهلة بسيطة كما قالها الرازي والبيضاوي بأنها معرفة دلائل الفقه إجمالًا وكيفية الاستفادة منها وبيان معنى ومعرفة حال المستفيد، ومسألة سهلة.
لا، قالوا: لا، هذه أصول الفقه، أصول الفقه كلمتان. هاتان الكلمتان لا بد علينا أن ندرك معناهما في اللغة العربية في القاموس، وندرك معناهما أيضًا في الاصطلاح؛ لأن الألفاظ لها معانٍ في اللغة ولها معانٍ أخرى في الاصطلاح.
كيف يطرأ المعنى الاصطلاحي على المعنى اللغوي للألفاظ
كل الألفاظ لها معانٍ في اللغة، لكن قد يطرأ عليها اصطلاح جديد فيكون لها معنى جديد ليس هو المعنى المقصود في اللغة. هذا الطروء قد يأتي من قبيل الشرع، وقد يأتي من قبيل العرف، وقد يأتي من قِبَل طائفة معينة من أهل العلم المختصين، وهذا ما نسميه اصطلاحًا، والثاني نسميه لغةً.
فأصبح لديّ أربعة أشياء: كلمة "أصول" وكلمة "فقه"، في اللغة وفي الاصطلاح. اثنان في اثنين بأربعة. إذن أريد أن أعرف: الأصول في اللغة، والأصول في الاصطلاح، والفقه في اللغة، والفقه في الاصطلاح.
فائدة التدقيق اللغوي في الحواشي: تربية الملكة وتدريب الطالب على التأني
وما هي فائدة ذلك؟ ما هذا كله! قال: الشيء بالشيء يُذكر. انظر إلى الكلام الذي يغيظ، إنه أمر مغيظ بالفعل، أنحن متفرغون؟ الشيء بالشيء يُذكر.
هنا هو في الحقيقة أنه يدرّب الطالب على عدم القراءة السريعة التي يمكن أن نسميها القراءة الصحفية. الآن تقرأ الجريدة وأنت في المكان، وأنت نائم، وأنت في الحافلة، وأنت في العربية وسرعة استيعابها كلها. لا، هذا يريد أن يُحدث مَلَكَة.
والمَلَكَة كيفية راسخة في النفس بها تدرك النفس المعلومات، وكيفية راسخة لا تتأتى إلا بزمن طويل ومعاشرة طويلة وتدريب طويل.
نموذج عملي للتدقيق اللغوي: معنى أصول وفقه لغةً واصطلاحًا
لأنك تقف عند "أصول" ثم تتعمق فيها وتقول إن "أصول" هذه جمع، والأصول، حسنًا هذه لغة، ما معناها؟ حسنًا اصطلاحًا ما معناها؟ لا تقل "لغة" وتمضي وتكتفي بهذا. لا، ولكن ما معنى الاصطلاح؟ حسنًا، ما معنى فقه؟ وما معناه في الاصطلاح؟
هل انتهينا الآن؟ قال: أبدًا، نحن لم نتكلم بعد. هؤلاء الأربعة باعتبارهم مضاف ومضاف إليه: "أصول فقهٍ" مثل "باب الحجرة" هكذا كلمة ورد غطاها.
الفرق بين المعنى الإضافي والمعنى اللقبي لأصول الفقه بمثال عبد الله
لكن هذا هو "أصول الفقه" الذي نحن نعرفه هنا غير "أصول الفقه" الذي هو مكوّن من قسمين. كيف؟ قال: هذا مضاف ومضاف إليه فيكون اسمه المعنى الإضافي، لكن الثاني معنى لقبي، معنى عَلَمي.
لست أفهم شيئًا! قال: كلمة "عبد الله". "عبد الله" هذه مكونة من كلمتين: "عبد" ولفظ الجلالة "الله". أنا عبدٌ لله، أنا عبد الله، لكن ليس اسمي "عبد الله" في شهادة الميلاد. لكن هناك شخص اسمه "عبد الله".
فما الفرق بيني وبينه؟ الفرق بيني وبينه أن "عبد الله" في حقي إنما هو على المعنى الإضافي، وفي حقه إنما هو المعنى العَلَمي؛ لأنه عَلَمٌ عليه، اسمٌ عليه، يعني شخص اسمه هكذا.
وعلى ذلك فـ"عبد الله" لها إطلاقان: قد تُطلق على شخص بالمعنى الإضافي، وقد تُطلق على شخص آخر بالمعنى الإضافي والعَلَمي معًا. المعنى واضح: عبد الله.
تطبيق الفرق بين المعنى الإضافي واللقبي على مصطلح أصول الفقه
فكذلك أصول الفقه: معناها الإضافي غير معناها العَلَمي. معناها الإضافي شيء، وسنرى أنه سيتكون بهذا الشيء معنيان: واحد في اللغة وواحد في الاصطلاح.
والمعنى العَلَمي شيء آخر، وهو هذا الذي كُتب: "معرفة دلائل الفقه إجمالًا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد". هذا هو المعنى اللقبي، هذا هو المعنى العَلَمي، هذا هو العلم الذي يُدرَس والذي اسمه أصول الفقه، هو هذا.
أما إذا أردنا أن نبحث عن الألفاظ فعلينا أن ندرك المعنى الإضافي. فما شأن طالب الأصول بمعرفة المعنى الإضافي؟ ليس شيئًا يُذكر، أي زيادة علم تعني تربية للملكة فقط لا غير، وليس له أي فائدة [عملية مباشرة].
المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمتي أصول وفقه
أن أعرف ما معنى "أصول" في اللغة: الأصول في اللغة معناها أُسُس، والفقه في اللغة معناه الفهم. ما معنى ذلك؟ أن معنى هذه الكلمة في اللغة: أسس الفهم.
أصول في الاصطلاح: في الأصل يُطلق على خمسة معانٍ، على واحد من خمسة معانٍ. ويُفضّل أن يتكلم في الحاشية عن الخمسة معانٍ. ما هو الشيء بالشيء يُذكر! فيكون العلم الذي بهذا القدر سنجعله كبيرًا هكذا.
حسنًا، وما الفائدة؟ ليس عبثًا وإنما تربية للملكة. فهي "أصول" معناها ماذا؟ قال في الاصطلاح: الأدلة. و"الفقه" قال: العلم بالأحكام الشرعية.
توضيح المعنى الإضافي والعلمي لأصول الفقه وخلاصة المقدمات
حسنًا، دعنا نوضحها: الفقه في الاصطلاح يكون معناه أدلة علم الفقه. يعني كل هذا على أساس أنها مركب إضافي. أما على أساس أنها عِلم، فتُطلق على هذه المعاني أو على هذا التعريف المحدد بالذات.
كل هذا يُذكر في المقدمات حتى نمضي إلى صفحة عشرين وثلاثين ونحن يعني ضاعت منا المسائل في كثير من الأمور. طبعًا هذا كان شيئًا لذيذًا جدًّا أثناء شرحه في أيامها، لكننا نريد أن نتشارك.
حسنًا، وبعد ذلك أريد أن أتكلم عن أصول فقهية. ما هذا؟ وتُعلّمني لأصبح مجتهدًا مباشرةً هكذا؟ نخرج بعد الدورة ذات الثماني مرات هذه مجتهدين! ما شاء الله، حسنًا.
ضرورة الفصل بين المعلومات للوصول إلى الفهم الصحيح لأصول الفقه
لكن خاصةً إذا كان الأستاذ حازم، لماذا؟ أعني أقول لك أنت ستخرج إن شاء الله هكذا، لأنك - يعني - حسنًا، أو نهائيًّا في المختصر وما شابه أو هكذا.
فإذن هنا نجد كل هذه المساحة مذكورة في صفحات كثيرة جدًّا، لكن ينبغي علينا أن ندرك ونفصل بين المعلومات حتى نصل إلى الفهم الصحيح:
أن أصول الفقه يُطلق بإطلاقين: يُطلق كلقب كمعنى لقبي، وكمعنى إضافي. وأنه في المعنى الإضافي له معنى في اللغة وله معنى في الاصطلاح. معناه في اللغة أسس الفهم، ومعناه في الاصطلاح أدلة الفقه.
المعنى اللقبي لأصول الفقه وسبب تسميته بالأصول لا بالأصل
أما معناه اللقبي وهو المهم وهو الذي سندرسه عليه: معرفة دلائل الفقه إجمالًا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد.
ولذلك سُمِّي بالأصول ولم يُسَمَّ بالأصل؛ لأنه يشتمل على ثلاثة مباحث كبيرة:
- المبحث الأول: في معرفة المصادر.
- المبحث الثاني: في طريقة التعامل والاستفادة من هذه المصادر.
- المبحث الثالث: في شروط ينبغي أن تتوفر في ذلك المستفيد أو ذلك المجتهد الذي سيتعامل مع النصوص أو المصادر.
الخلاف في الفرق بين المعرفة والعلم وعلاقته بأسماء الله الحسنى
ثم بعد ذلك يدخلون في تعريف كل كلمة من هذه الكلمات وما هي علاقتها مع ما قبلها وما بعدها وما هو عمق كل كلمة من هذه. فيقولون: المعرفة والعلم مترادفان. لماذا قلنا "معرفة" ولم نقل "علم"؟
ونجد مذهبين: مذهب يقول أن المعرفة والعلم واحد، يمكننا القول إنَّ "العلم بدلائل الفقه" أو "معرفة دلائل الفقه" هي نفسها. وهناك مذهب يقول: لا، العلم لا يستدعي سبق الجهل، أما المعرفة فتستدعي سبق الجهل.
ما الدليل؟ قالوا: لأن الله نصفه بأنه عالم ولا نصفه بأنه عارف؛ لأن المعرفة تستدعي سبق جهل، والله لا يسبق علمه جهل، والعلم لا يستدعي سبق الجهل.
رد الفريق الثاني في مسألة المعرفة والعلم وتوقيفية أسماء الله تعالى
ردّ عليهم الفريق الثاني وقال لهم: لا، إن العلم والمعرفة واحد، ولكننا لا نقول عن الله أنه "عارف" لأنه لم يرد في الصفات التي وردت في الشرع ما يصف ربنا بأنه عارف، فقط لا غير. ليس لأن المعرفة تستدعي أو لا تستدعي، إنما القضية أن أسماء الله سبحانه وتعالى توقيفية.
لا بد علينا أن نسمع الشارع - القرآن أو السنة - يصف الله سبحانه وتعالى أو يسميه باسم فنطلق هذا الاسم على الله، وإذا لم نجد هذا الاسم ولم نجد المادة أيضًا [أي الفعل الذي اشتُقّ منه الاسم]...
أمثلة على أسماء الله المشتقة من المادة الواردة في الكتاب والسنة
المادة يعني مثلًا: نسمي الله ناصرًا ونسمي شخصًا "عبد الناصر"، الناصر هو الله، لكن كلمة "ناصر" لم ترد في الكتاب ولا السنة، إنما الذي ورد:
﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7]
وردت المادة [أي الفعل ورد]. فهو لم يرد في الكتاب والسنة أن نسمي الله حبيبًا، لكن وردت المادة:
﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُٓ﴾ [المائدة: 54]
لم يرد في القرآن أن نسمي الله مثلًا "عارفًا" كما هنا، لم يرد "عارف". فهل يمكن أن نسميه عارفًا؟ نبحث فلا نجد المادة، لا نجد مادة لكلمة [عرف منسوبة إلى الله]. لو كانت جاءت، كان من الممكن أن نُطلق عليه سبحانه وتعالى أنه عارف، كما أطلقنا عليه أنه ناصر وأنه حبيب وأنه كذا، مما لم يرد فيه الاسم لكن وردت المادة.
تعريف الدليل في أصول الفقه: ما يُتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري
والدلائل جمع دليل، ويعرّفون الدليل - اكتبوا تعريف الدليل هكذا لأنه مهم - قالوا:
هو ما يُتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.
ما يُتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. ما يُتوصل بصحيح النظر فيه، يعني إعمال الفكر. والنظر هنا يعني النظر الذهني، أنّي أنظر فيه أي أرى رأيي فيه.
كلمة "مطلوب خبري" هذه تعني جملة مفيدة، أي مبتدأ وخبر. الدليل هو الشيء الذي أفكر فيه فأتوصل من هذا التفكير إلى مسألة يقينية.
الفرق بين الأسلوب الخبري والإنشائي وعلاقته بمفهوم المطلوب الخبري
كما حين أقول: الله هو الخالق للكون، هو جملة مبتدأ وخبر، مطلوب خبري. يعني درسنا في المرحلة الثانوية شيئًا اسمه الأسلوب الخبري والأسلوب الإنشائي، وذكرنا أن الخبري هو ما احتمل الصدق والكذب لذاته، لكن الإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب لذاته.
جملة "أنا كنت اليوم في الكلية" يمكن أن تكون صدقًا ويمكن أن تكون كذبًا. لكن "اسقني ماءً" ليس فيها صدق وكذب، هذا طلب في الإنشاء، وهو الطلب شيء الذي لا يحتمل الصدق والكذب. لكن الخبر هو الذي يمكن أن يكون صدقًا وكذبًا.
"الله موجود" يمكن أن تكون صدقًا وكذبًا، إذا طابقت الواقع فهي صدق، وإذا خالفت الواقع فهي كذب. هذه الجملة في ذاتها هكذا يمكن أن تحتمل الصدق والكذب.
مثال تطبيقي على الدليل: الاستدلال على وجود الخالق من تأمل العالم
العالَم هو الدليل على وجود الصانع؛ لأننا نتأمل فيه، ونتأمل فيه تعني أننا ننظر فيه، وننظر فيه تعني أننا نفكر في أحواله. وبعد أن نفكر في أحواله يتضح لنا أنه متغير، أي أن له بداية ونهاية.
فهذه المروحة كانت متوقفة ثم بدأت تعمل، إذن كان لها بداية، ثم توقفت مرة أخرى، إذن لها نهاية. ما له بداية فهو حادث، فالعالم حادث.
هذا بالنظر: أنني جالس أفكر فأقول: العالم حادث. حسنًا، من الذي أنشأه؟ من الذي أوجده؟ من الذي أحدثه؟ إذن كل حادث لا بد له من مُحدِث، فالعالم لا بد له من مُحدِث.
شرح النظر والاستدلال: ترتيب أمور معلومة للتوصل إلى مجهول
هذا [أي أن العالم لا بد له من محدث] مطلوب خبري: مبتدأ وخبر، هو هذا. وصلت إليه، كيف؟ وصلت إليه بالنظر.
ما هو النظر؟ هو ترتيب أمور معلومة للتوصل بها إلى مجهول. رتبت جملتين ووصلت منهما إلى جملة ثالثة:
- العالم حادث - هذه جملة.
- كل حادث يحتاج إلى مُحدِث - هذه جملة ثانية.
- فنتج أن العالم يحتاج إلى مُحدِث.
فكلمة "دليل" يشرحون فيها صفحتين: أن الدليل هو ما يُتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.
تعريف الفقه اصطلاحًا: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية
وأن أدلة الفقه، ما هو الفقه؟ يقولون أن الفقه هو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.
العلم بالأحكام الشرعية العملية: العملية تعني التي نقوم بها: صلاة وصوم وبيع وشراء وجهاد وعقود وإيجار وهكذا، أعمال وأفعال الإنسان.
وهذا العلم مكتسب من الأدلة التفصيلية:
﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [هود: 114]
﴿وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [البقرة: 43]
وصم رمضان، وافعل، واترك، وهكذا. فهذا هو الفقه.
الفرق بين الأدلة الإجمالية والتفصيلية في أصول الفقه
هذه الدلائل [في أصول الفقه] إجمالية وليست تفصيلية. معرفة دلائل الفقه إجمالًا: الكتاب، السنة، الإجماع، القياس، وهكذا من الأدلة التي نأخذ منها الفقه.
كيفية الاستفادة منها: كيف نستفيد من هذه الأدلة بأن ننظر إليها وننظر إلى الأوامر والنواهي في الكتاب والسنة، ثم بعد ذلك نرى ما مرتبة هذه الأوامر والنواهي وكيف تتم هذه العملية. هذا هو أصول الفقه.
ثم بعد ذلك يتحدث عن شروط المجتهد وعن أحوال الاجتهاد وعن أنواع الاجتهاد وهكذا.
موضوع أصول الفقه هو الأدلة من حيث إثباتها للأحكام الشرعية
أريد بعد هذه المقدمة أن نتحدث سريعًا عن موضوع أصول الفقه. كل هذا هو حدّ أصول الفقه [أي تعريفه]. يُعرَف علمًا بحدّه وموضوعه، فما هو الموضوع؟ إنه الأدلة.
إذن أدلة الفقه هي الموضوع الذي سأتحدث عنه في الفقه كله. فأقول: الكتاب هو كذا، والسنة هي كذا. يمكن استنباط الحكم من الكتاب بالطريقة الفلانية، وإذا عارضت السنةُ الكتابَ فإننا نقدم كذا. والكتاب إذا ما عارض الكتابُ أن يكون هناك نسخٌ أو لا يكون هناك نسخٌ.
الكتابُ فأتحدّث كثيرًا جدًّا في جملٍ كثيرةٍ جدًّا في أصول الفقه. لو تتبّعتَ ما أتحدّث عنه لوجدتَه هو الأدلة، لا من حيثُ حفظُها ولكن من حيثُ إثباتُها للأحكام الشرعية.
حيثية الأدلة في أصول الفقه: كيفية الاستفادة لاستنباط الأحكام الشرعية
ليس الكتاب من حيثُ أنني أحفظه أو أنساه، ليس السنة من حيث أنني أثبتها أو أنفيها، لا، من حيث حيثية معينة وهي كيفية الاستفادة من هذه الأدلة لاستنباط الأحكام الشرعية التي سأصف بها أفعال الإنسان.
حتى أُخرِج علم الفقه؛ لأن علم الفقه قلنا أنه عبارة عن جمل المبتدأ الخاص بها هو فعل الإنسان والخبر الخاص بها هو حكم الله سبحانه وتعالى. هكذا.
بقية المبادئ العشرة لأصول الفقه: النسبة والفضل والحكم والاستمداد
بعد ذلك المبادئ العشرة سهلة، ذكرناها كلها في هذه الجلسة تقريبًا. عندما أقول نسبة هذا العلم إلى العلوم: هو من العلوم الشرعية. فضله: هو أنه خير العلوم كلها، أفضل العلوم. حكمه: فرض كفاية على المسلمين أن يتعلموا علم أصول الفقه حتى يصلوا إلى مرتبة الاجتهاد، وحتى تتم إصدار الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية بمنهج واضح مستقر مستديم.
واسمه: أصول الفقه. يُستمد منه مسائله من: علم الكلام الذي هو العقيدة، وعلم اللغة، والأحكام الفقهية. فائدته: معرفة الأحكام الشرعية بطريقة منضبطة. وهكذا فبقية المبادئ العشرة مسائل سهلة يمكن أن ندركها.
ترتيب كتب أصول الفقه: الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها
انظروا: في كل كتب أصول الفقه تقريبًا يسيرون على هذا التعريف وهذا النمط. فيذكرون أولًا الأدلة: فيقولون الكتاب الأول في الكتاب [أي القرآن]، يعني الكتاب الثاني في السنة، الكتاب الثالث في الإجماع، الكتاب الرابع في القياس. فيذكرون هذا وهي أدلة شبه متفق عليها بين جماهير الأمة، إلا أن الظاهرية أنكروا القياس، وبعض الناس كالنظّام والمعتزلة والشيعة أنكروا الإجماع أو قالوا بإجماع خاص.
الأدلة المختلف فيها في أصول الفقه وتعددها بين العلماء
وهناك أدلة مختلف فيها غير الأدلة الأربعة المشهورة المحفوظة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس. هذه الأدلة المختلف فيها مثل:
- •قول الصحابي
- •العرف
- •شرع من قبلنا [هل هو شرع لنا؟]
- •الاستحسان
- •الاستصحاب
- •المصالح المرسلة
وهكذا. بعضهم أوصل هذه الأدلة إلى خمسة وثلاثين دليلًا، لكن الشائع منها حوالي سبعة أو ثمانية أدلة تُذكر غالبًا في الكتب. لكن بعضهم اعتبر الرؤيا المنامية أحد الأدلة الأصولية، وبعضهم اعتبر القول بأخف ما قيل أحد الأدلة الأصولية، وبعضهم اعتبر سد الذريعة أحد الأدلة الأصولية، وهكذا.
هدف اللقاءات: تسليم مفاتيح علم أصول الفقه لا التفصيل في كل مسائله
ولكنني لا أريد أن أدخل معكم في ذلك، ولقاءاتنا محدودة؛ لأن علم أصول الفقه طويل. أنا أريد أن أسلّمكم المفاتيح التي تتعلق بذلك العلم، بحيث إذا سمعتم أي معلومة يكون بإمكانكم إلحاقها بإحدى النظريات التي سأتحدث عنها.
هذا العرض لأصول الفقه ليس مطروقًا ولا معروفًا عند علماء الأصول. فعلماء الأصول يتكلمون بما يعرفونه فيقولون: الأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ثم يتحدثون عن أدلة مختلف فيها، وبعد ذلك يبيّنون في أثناء ذلك كيفية الاستفادة من هذه الأدلة، وفي النهاية يأتون بفصل يتحدثون فيه عن المجتهد.
ترتيب كتب أصول الفقه يطابق الأقسام الثلاثة في التعريف
هذا هو الذي ستجدونه في كل كتب أصول الفقه: يتحدث عن الأدلة، ثم يتحدث عن التعارض والترجيح وكيفية الاستفادة من هذه الأدلة، ثم يتحدث بعد ذلك عن المجتهد. بالضبط كما عرّفه في الأقسام الثلاثة التي وضعوها للتعريف.
الانتقال من الترتيب التقليدي إلى النظريات الضابطة والحاكمة لعلم أصول الفقه
أنا أريد أن نترك هذا ولا ننساه، ولكن نذهب لننظر ما هي النظريات الضابطة والحاكمة لهذا العلم، وكيف نستطيع من خلال تلك النظريات أن نفهمه وأن نتفهمه، وأن يكون لنا موقف من كل هذا الذي ذُكر.
فالنظريات التي أعتقد أن أصول الفقه يُبنى عليها - وأرجو أن تكتبوها لأنني أيضًا يمكن أن تسقط مني نظرية بعد ما قررت أولًا - ما يمكن أن [يُقال]، هذا الكلام أنا الذي أقوله، ولذلك هو جديد:
النظريات السبع الضابطة لعلم أصول الفقه
سنُسمّيها:
- نظرية الحجية.
- بعد ذلك تأتي نظرية الثبوت.
- وبعد الثبوت تأتي نظرية الدِّلالة - أو الدَّلالة أو الدُّلالة، كما الدال جزافًا هكذا يعني ننطقها كما نريد، كله وارد في اللغة.
- وبعد نظرية الدلالة تأتي نظرية القطعية والظنية.
هذه النظرية ندّعي أنها هي التي سيطرت على العقل الأصولي فأنتج ما أنتج، وأننا بالرجوع إليها يمكن أن نستوعب الأصول بطريقة قوية وبطريقة تُحدِث عندنا توجهات واختيارات في هذا العلم.
- النظرية التي بعدها هي ما يمكن أن نسميها بنظرية الإلحاق.
- والنظرية التي بعدها يمكن أن نسميها بنظرية الاستدلال.
- وهناك نظرية قبل الإفتاء وبعد الإلحاق وهي نظرية الاستدلال، نظرية الاستدلال. لأنها سبعة. ونجعل الإفتاء آخر واحدة.
منهج الدراسة: عرض النظريات إجمالاً ثم تفصيل كل نظرية في لقاء مستقل
نحاول أن نتكلم عن هذه النظريات إجمالًا أولًا حتى نرسم صورة لذلك العلم، ثم بعد ذلك في كل لقاء نأخذ نظرية من هذه النظريات بالتفصيل.
لا أعرف إذا كنت قد تعبت أم ما زال ذهنك حاضرًا. حاضر، لن أتعب. سأصلي بكم قبل الفجر إن شاء الله، لكنني أنا الذي سأصلي بكم، لم أقبل أن يصلي بكم أحد، فالجماعة هنا جيدة إن شاء الله.
نظرية الحجية: من أين نعرف حكم الله بعد انقطاع الوحي
الأصولي أريد أن أعلم حكم الله سبحانه وتعالى في مسألة من المسائل، فما هي المصادر التي تُعدّ حجة في هذا المضمار؟
عندما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا نسأله، وكما يرشد وكما يبيّن وكما يأمر أو ينهى نطيع. ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ذاته ليس مشرّعًا، بل هو نبي ورسول يتلقى عن ربه ويتلقى ما علّمه ربه ويبلّغه للناس.
انتقل رسول الله وانقطع الوحي، فمن أين أستطيع أن أعرف وأن أتأكد من شرع الله سبحانه وتعالى ومن مراده لنا بافعل ولا تفعل؟ من أين لنا هذا؟ لا بد علينا أن نبحث عن مصادر، وأن تكون هذه المصادر حجة في ذاتها.
الكتاب والسنة حجتان ومسائل الحجية في القرآن الكريم
ومن هنا سيتكلم أصول الفقه عن الكتاب والسنة؛ لأن الكتاب والسنة حجتان على الإنسان في أفعاله. ومن هنا أيضًا سيفصّل أصول الفقه قضية الحجية:
- •ما هو الحجة في القرآن؟ هل في القرآن شيء قد نُسِخ وزال حكمه ولم نعد في حاجة إليه؟
- •هل القرآن مقسم إلى قسمين: قسم فيه آيات للأحكام وقسم ليس فيه آيات للأحكام، أو أن القرآن كله محل لاستنباط الأحكام؟
- •هل القرآن يفيد لدينا يقينًا وحجةً أو أنه لا يفيد ذلك، أو يفيد في بعضها ولا يفيد في بعضها الآخر؟
اكتمال نظرية الحجية بالكتاب والسنة وانتقالها إلى نظرية الثبوت
وتبدأ نظرية الحجية في الاكتمال بأن الحجة هي كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. بعدما يحدد الفقيه لنفسه هذه القضية، لا بد عليه - وقد حدّدها إجمالًا - بمعنى أنه قال إن الكتاب والسنة هما الحجة، لكنه لم يقرأ لا الكتاب ولا قرأ السنة ولا عرف ما فيهما، وقال: المصحف هذا والكتاب هذا المروي فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هما الحجة.
هذه نظرية يفصّلونها بالتفصيل ويتكلمون عنها ويوردون مسائل وأشياء حول هذه القضية، قضية الحُجِّية.
نظرية الثبوت: كيف نتأكد أن ما بين أيدينا هو فعلاً الكتاب والسنة
ولكن كيف وصل إليّ هذا المصحف؟ كيف وصل إليّ هذا الكتاب؟ أنا لم أسمع هذا المصحف من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أسمع هذا الحديث من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذن فقد جاءت نظرية الثبوت: نظرية كيف تثبت هذه الأشياء وكيف لا تثبت. كيف أستطيع أن أتأكد أن هذا هو القرآن الذي نزل على محمد، وأن هذه هي السنة التي صدرت منه، وما درجات هذا التأكد، وكيف نستفيد من هذا التأكد في المسائل المختلفة.
تفاصيل نظرية الثبوت: التواتر والآحاد ودرجات الثقة في النقل
فتراهم يتكلمون عن القرآن ونقله، وعن القراءات الشاذة التي لم تُنقل بطريق التواتر، وعن السنة وعن كونها مقسمة إلى آحاد - سنة آحاد منقولة عن طريق سلسلة من الرواة المفردين - ولكن هناك سنة متواترة منقولة عن جمع غفير عن جمع غفير.
وكيف أن الآحاد قد يعتريها ويعتري أسانيد السنة فيها ما يعتري البشر من خطأ أو من قصور أو من كذب، حتى ولو بان لي صادقًا. وعلى ذلك فهي تُحدث عند الإنسان نوعًا من أنواع الثقة الظنية، في حين أن المتواتر يُحدث عند الإنسان نوعًا من أنواع العلم اليقيني.
يتكلمون عن هذه القضية ويوسّعون فيها الكلام، وهي ما يمكن أن نقول عنه إنه نظرية الثبوت أو الإثبات: كيف نثبت أن ما تحت أيدينا من شيء مما اعتبرناه حجة أنه فعلًا هو الذي كان موجودًا في هذا العصر الأول، عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نظرية الدلالة: كيف نفهم ألفاظ الكتاب والسنة بعد ثبوت حجيتها
فإذا ما ثبت عنده أن الكتاب والسنة حجة، وأن فعلًا الذي بين أيدينا هو فعلًا المضمون والذي يطمئن إليه القلب - إما يقينًا وإما ظنًّا - أنه من الكتاب والسنة، فيأتي السؤال الثالث عندهم وهو: كيف أفهمه؟ كيف أفهم هذه الألفاظ وهذه التركيبات؟
وهنا تأتي نظرية متكاملة ما بين اللفظ والمعنى، وتسمى نظرية الدلالة.
