غاية الوصول شرح لب الأصول | حـ 5 | أ.د علي جمعة
- •الأصح امتناع تكليف الغافل والملجأ لا المكره، فالغافل هو من لا يدرك الخطاب كالنائم والصبي والمجنون.
- •تكليف الغافل محال لأن التكليف يقتضي طرفين: متكلماً وسامعاً، ولا فائدة من تكليف من لا يفهم.
- •الملجأ هو من فقد الإرادة والقدرة معاً فصار كالآلة، مثل من ألقي من برج وهو مقيد.
- •المكره مكلف لأنه ما زال يملك إرادة واختياراً، ولا يجوز له الاستجابة في القتل والزنا حتى تحت الإكراه.
- •كلام الله أزلي قائم بذاته سبحانه، ويتعلق بالمعدوم تعلقاً معنوياً لا تنجيزياً.
- •كلام الله يطلق حقيقة على الأزلي القائم بذاته، ومجازاً على القرآن.
- •خطاب الله يكون إيجاباً إذا اقتضى فعلاً غير كفٍّ اقتضاءً جازماً، وندباً إذا كان غير جازم.
- •الخطاب يكون تحريماً إذا اقتضى كفاً جازماً، وكراهة إذا كان غير جازم.
الأصح امتناع تكليف الغافل والملجأ دون المكره في أصول الفقه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين: والأصح امتناع تكليف الغافل والملجأ لا المكره.
والغافل كما عرفنا هو المحال، والمحال معناه أنه لم يصل إليه الخطاب، وتكليف الغافل محال. والقاعدة أن تكليف المحال محال، ولكن لأن بعضهم أجازه فعبّر فقال: الأصح.
والأصح امتناع تكليف الغافل؛ لأنه لا ثمرة له، والخلل فيه يرجع إلى الفاعل [أي إلى ذات المكلَّف لا إلى الفعل].
بيان المراد بالغافل وأصناف من يدخل تحت هذا الوصف
والأصح امتناع تكليف الغافل. والغافل هو الذي لا يدرك الخطاب: الساهي، والناسي، والنائم، والصبي الصغير، والرضيع، والمجنون، والمعتوه، وهكذا.
فهو غافل، جمعوا كل ذلك في كلمة «غافل»، وأيضًا في كلمة «محال». وتكليف المحال محال؛ لأنه لا يترتب عليه أي أثر.
حقيقة التكليف وأنه يقتضي طالباً ومطلوباً منه يفهم الخطاب
التكليف معناه طلب ما فيه مشقة. طلبٌ، والطلب يقتضي أن يكون هناك طالب ومطلوب منه، أن يكون هناك متكلم وأن يكون هناك سامع.
ولذلك لا بد من طرفين؛ فإذا كان هناك طرف واحد يتكلم والثاني لا يفهم، لم يبلغه الكلام، إذن فلا تكليف.
جواز التكليف بالمحال لأن الخلل يرجع إلى الفعل لا الفاعل
أما التكليف بالمحال فجائز؛ لأن فيه اختبارًا، والخلل فيه يرجع إلى الفعل [لا إلى الفاعل]. تكليف بالمحال: الخلل فيه يرجع إلى الفعل، كأن قال لك: اشرب البحر، أو قال لك: ارفع الجبل. الخلل فيه يرجع إلى الفعل؛ لأنه غير مقدور.
أما التكليف بالأمر الصعب فوارد. اذبح ابنك: أمر صعب، هذا ليس محالًا. لا تكليف بالمحال ولا تكليف المحال [أي الغافل]، والفائدة في الاختبار والابتلاء والامتحان.
فإذا رآك [الله سبحانه وتعالى] أنك قد شرعت في هذا [الفعل الصعب]، تكون قد امتثلت فتأخذ الثواب. وإذا قلت: سمعنا وعصينا، فيكون قد أخذت العقاب.
تعريف الملجأ عند الشافعية بأنه من فقد الإرادة والقدرة وصار كالآلة
والملجأ وقلنا إن الملجأ هو من فقد الإرادة والقدرة. من فقد الإرادة والقدرة.
ويأتي الكلام: إذا كان الطلب موجهًا مبنيًا على الإرادة والقدرة، فهل يكون هناك تكليف أبدًا؟ لا يوجد تكليف. ولذلك لا يجتمعان [التكليف وفقد الإرادة والقدرة].
الملجأ صار آلة أداة، فلا تكليف فيه.
الفرق بين الملجأ والمكره عند الشافعية والحنفية في الاصطلاح
فرّق الشافعية بين الملجأ والمكره. الحنفية في كتبهم يعبّرون بالملجأ بالإكراه الشديد، هم يطلقون عليه «ملجأ».
عندنا [عند الشافعية] هنا لا، ليس معناه الإكراه الشديد، بل معناه انتفاء الإرادة والقدرة حتى صار كالآلة.
لكن الحنفية يقولون: إذا أحضرت شخصًا ووضعت المسدس في رأسه وقلت له: إما أن تفعل كذا وإما قتلتك، ورأى القدرة فيك ورأى الإمكانية - يعني النية أن أقتله والإمكانية معي وحاضرة ومتصلة بالأمر - فيكون ذلك عندهم إكراهًا ملجئًا، يسمونه هكذا.
نحن عندنا [عند الشافعية] الحالة هذه ليست إكراهًا ملجئًا، يعني هذا إكراه شديد، إكراه وصل إلى غايته؛ لأنه بعد لحظة يمكن أن يقتلني فعلًا. ولكن الملجئ عندنا من فقد الإرادة والقدرة وصار آلة.
أمثلة توضيحية على الملجأ الذي فقد الإرادة والقدرة وصار كالآلة
ربطته بالحبل وألقيته من فوق برج القاهرة، وبينما كان نازلًا قلت له: اصعد الآن! اصعد أيها المرمي! وهو نازل من البرج.
سيموت، في المنتصف قلت له: اصعد إليّ. كيف يعني؟ لا يستطيع أن يصعد إليّ! نظر إليّ هكذا وقال: يا مفتري! نعم، كيف يصعد إليك وهو نازل؟ لقد مات، انتهى الأمر.
وكذلك [مثال آخر]: ألقيته في اليم مكتوفًا وقلت له: إياك إياك أن تبتل بالماء! فهذا ملجأ، لقد فقد القدرة والإرادة.
حكم الملجأ إذا اصطدم بأحد فمات وعدم مؤاخذته لأنه صار آلة
عندما ألقيت الولد من فوق البرج وبينما كان نازلًا، قلت له: اصعد إليّ. كيف يعني؟ لا يستطيع أن يصعد إليّ! نظر إليّ هكذا وقال: يا مفتري! نعم، كيف يصعد إليك وهو نازل؟ لقد مات، انتهى الأمر.
يكون هذا ملجأً وليس منتحرًا، ليس منتحرًا وإنما هو ملجأ. هذا الملجأ صار آلة؛ فإذا اصطدم بأحدهم فمات هذا المصدوم، فلا إثم عليه.
هو نجا لما اصطدم بأحدهم، كان مثل المرتبة ونزل هكذا، مات الرجل، مات وهو لم يمت. فهل نؤاخذه؟ لا؛ لأنه ليس مكلفًا، هذا ملجأ صار آلة.
خلاصة حكم الملجأ عند الشافعية وأنه فاقد الإرادة والقدرة فلا تكليف عليه
إذن تحفظ أن الملجأ عند الشافعية هو من فقد الإرادة والقدرة. هذه نقطة أولى.
النقطة الثانية: أنه صار آلة، وعليه فليس بمكلف. وعليه لا يترتب على فعله إثم؛ لأنه لا إرادة له ولا قدرة، هو مُستعمَل.
وعلى ذلك فلا تكليف للملجأ.
حكم المكره في القتل وأنه مكلف لا يجوز له الاستجابة للإكراه على القتل
لا المكره، أما المكره فهو مكلف. إذا لو جاء لديك شخص مكره، حملك على الإكراه، الإكراه على القتل.
قال لك: اقتل الشيخ عماد وإلا قتلتك، ومعه أداة القتل، وهو قادر على القتل، وهو يريد القتل، وهو جاد في القتل. إذا توفرت كل أنواع الفعل أنه سيفعل فعلًا: اقتل الشيخ عماد وإلا قتلتك.
فلا يجوز لك أن تستجيب، هذا أنت مكلف. إذن أنت مكلف، ولو قتلته أثمت؛ لأن هناك نفسين: نفس الشيخ عماد ونفسك، وليس أحدهما بأولى في البقاء من الآخر. ما هو إلا نفس وأنت نفس، فإما أن يُقتل وإما أن تُقتل. فلماذا رجّحت نفسك على نفسه؟ لا يجوز.
الموقف الشرعي من الإكراه على القتل وأن المكره يبقى مكلفاً بعدم القتل
قُل: اقتلني، أمري لله. وأنت لو قتلتني ابتداءً، ماذا سيكون الأمر؟ والله اقتلني ولا تقتل أبدًا الشيخ عماد؛ لأنه وزّع الكتاب أمس! الشيخ عماد مصدر فائدة وعائدة، فكيف هذا؟ كيف يعني؟
إذن احذر أن تقتل الشيخ عماد حتى تحت الإكراه. أكرهك هذا الشخص وكان قادرًا حاضرًا، أبدًا.
فيكون إذن المكره مكلفًا. ما دام قلت له: لا تقتل، ها طلبٌ، أهو طلب فيه نهيًا وشرعًا؟ تُكلَّف بهذا. إذن المكره مكلف.
استطراد حول أدب الدرس والتنبيه على عدم المقاطعة أثناء الشرح
دعني أقول الكلمتين اللتين حفظناهما بدلًا من أن ننسى. وأنت لم تكن حاضرًا معنا في الدروس السابقة وتسألني اختبارًا! يعني حسنًا، لقد ارتبكت.
أنا لا أتدخل في نظرتك لنفسك، أنا يعنيني: أنت تختبرني أم لا؟ وستختبرني فأرتبك على الفور، هكذا يا رجل!
ما زلت أتحدث عن القتل، ما زال الكلام مستمرًا. اصمت. أخذت الشيء ودرست مباشرة، كل يوم فضيلة مولانا يأتي ليدرس الملكية. حسنًا، الرواق العباسي، ما شاء الله.
حكم الإكراه على ما دون القتل والزنا وضابط الاستجابة للمكره
الشيخ هنا يسأل سؤالًا يقول: هل هو القتل فقط أم أي شيء؟ افترض أنه قال لك: سأقتلك أو أغمض عينيك وإلا أقتلك. أغمض عيني هكذا وإلا أقتلك؟ أغمض عينيك، لن يحدث شيء.
خذ هذا من الشيخ محمد، اسرقه واسرقه وإلا قتلته. اسرقه وبعد ذلك أُرده إليه، لن يحدث شيء.
لكن هنا مفسدة عظيمة، ولذلك نصّوا على القتل والزنا فقط. هذا هو الذي أنت لا تستجيب فيه؛ لأن فيها تعرّض إما للنفس وهي غالية، وأما للعرض وقد يكون أغلى.
تفصيل ما يستجاب فيه للإكراه وما لا يستجاب فيه من الأفعال
فإذا قالوا: القتل والزنا الذي لا تستجيب له. لكن غير ذلك مما هو أدنى، كمن قال لك: اصفع الشيخ محمد على وجهه وإلا قتلتك. قُل: أستغفر الله، واضربه على وجهه. لماذا؟ لأن هذا أدنى، حتى هو سيشير إليك يقول لك: اضرب اضرب.
هل انتبهت؟ إذن هناك تقويم وميزان للأفعال؛ فإن القتل والزنا مستثنيان، وحتى لو هددونا بالقتل [لا نستجيب فيهما].
أما غير ذلك، فيمكن أن تشتمهم أو تسبهم أو تضربهم، فهذه أشياء مقدور عليها؛ لأنها أهون وأدنى.
خلاصة الفرق بين المكره والملجأ عند الشافعية والحنفية
إذن المكره مكلف، والمكره في كتبنا [كتب الشافعية] ليس ملجأً. فالملجأ شيء آخر.
لكن في كتب الحنفية نعم، المكره الملجأ هو نوع من أنواع المكره. لكن عندنا [عند الشافعية] الملجأ هو من فقد الإرادة والقدرة معًا.
حكم الإكراه على كلمة الكفر وجواز النطق بها مع اطمئنان القلب بالإيمان
نعم، تكون آثمًا [إذا استجبت للإكراه على القتل] إلا أن تكون صابرًا محتسبًا لله. لكن هكذا بلطجة لا.
لكن هو لأنه:
﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلْإِيمَـٰنِ﴾ [النحل: 106]
فلو قال لك: قُل كلمة الكفر وإلا قتلتك، قُل كلمة الكفر؛ لأن قلبك مطمئن بالإيمان؛ لأنها أدنى، لأنها باللسان، كأنها حكاية تحكي عن الكافرين أنهم يقولون هذا. إذن هذا وارد هكذا.
لكن إذا أمرك بسفاسف الأمور ورأيت في عينه الشرر وما إلى آخره [فاحذر].
نصيحة الحسن البصري في التعامل مع من شهر السيف والفرق بين الشجاعة والحمق
يقول الحسن [البصري]: لا تقل لمن شهر السيف وصار في السوق وقال: اتقني اتقني: اتقِ الله.
حسن البصري [يقول]: ما هذا الحمق؟ هذا واحد ماسك سيف والشرر يتطاير من عينيه ويقول: اتقني اتقني - يعني بالعامية: ابتعد من أمامي، ابتعد - أأنت تخرج الآن هكذا وتقول له: اتقِ الله؟ يعني نوع من أنواع الفتوة هكذا؟
ليس هذا هو المقصود بكلمة حق عند سلطان جائر. كلمة الحق عند السلطان الجائر تأتي بالنصيحة والموعظة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تأتي بهذه الصورة التي نهى عنها الحسن [البصري].
تعلق خطاب الله بالمعدوم تعلقاً معنوياً عند أهل السنة الأشاعرة
حسنًا، ويتعلق الخطاب عندنا - عندما قال «عندنا» فماذا يعني؟ معشر أهل السنة والجماعة السادة الأشاعرة خلافًا للمعتزلة قديمًا.
قال: عندنا كما اصطلح بالمعدوم تعلقًا معنويًا. إذن كلام الله أزلي قائم بنفسه سبحانه، يعني قبل خلق الخلق، قبل خلق آدم. يعني القرآن هو كلام الله القائم بنفسه قبل خلق آدم.
التفريق بين كلام الله الأزلي والقرآن من حيث الحقيقة والمجاز عند الأشاعرة
طبعًا نحن عندنا كلمتان: كلمة القرآن وكلمة الكتاب، وكلمة كلام الله.
فكلمة «كلام الله» تُطلق عند الأشاعرة حقيقةً على الأزلي القائم بنفسه. كلام الله: أول ما نقول «كلام الله» يتبادر إلى الذهن القائم بنفسه سبحانه وتعالى، وهو قديم قطعًا.
وإذا أطلقنا كلمة القرآن دلّت مجازًا على القائم بنفسه الأزلي القديم. يبقى الكلام الأزلي القديم أطلقوا عليه كلمة حقيقة وهي كلمة «كلام الله»، ومجازًا «القرآن».
ولما صار القرآن مجازًا في مقابل كلام الله القديم، قال: لأنه دال عليه، فأطلقنا الدال وأردنا المدلول، فهذا مجاز. لكن كلام الله هو الحقيقة.
إطلاق كلام الله والقرآن على النفسي القديم وعلى المصحف حقيقة ومجازاً
ولذلك كلام الله النفسي القديم القائم بذاته، الذي هو ما زال متكلمًا سبحانه وتعالى، يُطلق عليه بالحقيقة كلمة «كلام الله»، ويُطلق عليه بالمجاز «القرآن».
طيب، والمصحف الذي معنا يُطلق عليه حقيقةً «القرآن»، ويُطلق عليه مجازًا «كلام الله».
لماذا؟ لأن كلام الله حقيقةً هو المدلول، فأطلقناه على الدال. وكلام الله هنا - القرآن - هو الدال، فأطلقناه على المدلول. هذه هي جهة المجازية.
إذن الكلام منه حقيقة ومجاز.
خطورة إنكار الحقيقة والمجاز وأثره في الوقوع في القول بالحلول والاتحاد
النابتة غير راضية بهذا، وأصبحت النابتة في هذه الأيام لا تعرف حقيقة ولا مجازًا. ارقع واخبط!
حسنًا، وبعد ذلك، آه، عندما يأتي ليسمع هذا الكلام ولا يفهمه، فقد فقد مفتاح الفهم؛ لأننا نقول إن الكلام منه حقيقة ومجاز. هذه لا أعرفها! وبعد ذلك تقول: القرآن دال - لا يفهمها - وكلام الله القائم بنفسه مدلول - ثم لا يفهمها.
ثم يختلط، ثم ينتج من هذا الخلط ماذا؟ ينتج منه أنه يصف المصحف بأنه قديم، ويصف تلاوة التالي بأنها قديمة.
بيان أن وصف صوت القارئ بالقدم يؤدي إلى القول بالحلول والاتحاد المكفِّر
يعني الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، هل حلّ الله فيه؟ يقول: أعوذ بالله! الله! حسنًا، ألستَ تقول أعوذ بالله؟ ها أنت تقول هكذا الآن أن كلام الله صوت وحرف ومرتب كأنه حادث.
يعني الذي يقوله الرجل من فمه قديم؟ يقول: نعم. لا، هو أصله هذا الذي نحن نعيش فيه مع النابتة.
ولماذا كل هذا؟ إنه لم يأتِ الأزهر وتعلّم أن الكلام منه حقيقة ومجاز. المعنى المتبادر إلى الذهن هو الحقيقة، والمجاز له علاقة وله قرينة، وشرحنا هذا الكلام.
فهذا الشخص يفتقد لهذا الفهم، فهو لا يعرف - مسكين - فيضطرب كلامه ويؤدي إلى عكس مراده. يؤدي إلى القول بالحلول والاتحاد والعياذ بالله، والحلول والاتحاد كفر عند جميع المسلمين.
فهو لا يعرف - مسكين - ويبدأ يضطرب. أين الحقيقة؟ أين الحق؟ لا يعرف.
تعلق خطاب الله الأزلي بالمعدوم وبيان أن الأمر بالصلاة سابق لوجود المكلف
قال: ويتعلق الخطاب عندنا بالمعدوم. فالله له كلام قائم بذاته هو قديم. هذا الكلام قبل خلق الخلق.
الكلام هذا من ضمنه:
﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78]
الكلام هذا قديم، قبل الخلق وقبل الشمس وقبل المكلف وقبل الظهر، قبل كل شيء. يقول: أقم الصلاة لدلوك الشمس.
هذا الخطاب متعلق موجه إلى مكلف، والمكلف غير موجود حينئذ. إذن فالخطاب يتعلق عندنا بالمعدوم الذي سوف يوجد بعد ذلك، تعلقًا تنجيزيًا الآن؟ وليس معنويًا.
الفرق بين التعلق التنجيزي والتعلق المعنوي الصلوحي في خطاب الله تعالى
يبقى هناك فرق بين التعلق التنجيزي والتعلق المعنوي.
التعلق التنجيزي يعني التعلق الحاصل، التعلق الآني، التعلق الفعلي. فاجتماعنا سويًا الآن هو تنجيزي ناجز. ناجز يعني حاصل، أي ليس مقدرًا بل محققًا.
حسنًا، وإذا اجتمعنا غدًا في درس، فسيكون ذلك معنويًا، أي صلوحيًا، بمعنى أنه يصلح أن نجتمع غدًا كما اجتمعنا اليوم.
فهناك تعلق تنجيزي أي حاصل وفعلي، وهناك تعلق صلوحي أي بالقوة، بمعنى أنه لم يحدث بعد، لم يحدث إلى هذه الساعة، وسيحدث غدًا.
أمثلة على التعلق التنجيزي والصلوحي بصلاة الظهر أمس واليوم
مثل صلاة الظهر التي صليناها أمس: فعلي، هذا فعلًا حصل، محقَّق. صلاة الظهر التي سنصليها اليوم: مقدَّرة، صلوحي.
صلوحي يعني ماذا؟ يعني صالحة لأن أفعلها. فالتعلق بصلاة الظهر اليوم هو تعلق معنوي أو صلوحي أو تقديري. والذي هو لصلاة أمس هذا فعلي، يعني محقَّق، تنجيزي.
كلام ربنا في الأزل - وليس الآن، في الأزل - إقامة صلاة الظهر متعلق بالمعدوم بما لم يحدث بعد. تعلقًا تنجيزيًا؟ تنجيزيًا كيف؟ ما هو لم يحدث بعد! فيكون صلوحيًا معنويًا بالقوة بالتقدير.
هذا معنى: معنوي، صلوحي، تقديري. كل هذه معناها واحد.
خطورة عدم التفريق بين التنجيزي والصلوحي والوقوع في وصف الله بحوادث لا أول لها
إذن التعلق [بين التنجيزي والصلوحي مهم]. النابتة لا تعرف ذلك، النابتة لن تعرفها. تنجيزيًا: حتى عندما تسمع الكلمة تتضايق. تنجيزي ومعنوي أو صلوحي.
أولًا من يسمعها يتضايق. لماذا لا يفهمها؟ لم يُخبره أحد. حسنًا، لنفترض أنه لا يفهمها ولم يُخبره أحد، ماذا سيحدث؟ سيحدث - والعياذ بالله - أنهم يصفون الله بما لا يليق به، فيقولون بحوادث لا أول لها؛ لأنه لا يعرف التنجيزي من الصلوحي، ولا الصلوحي من التنزيهي.
فعنده:
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
قال: يجب أن يكون العرش مع ربنا دائمًا. كيف؟ قال: الرحمن على العرش استوى، فهو مستوٍ دائمًا. أي أنه بالأمس كان في العرش، وقبل الأمس كان في عرش، وقبل ذلك كان في عرش.
الرد على من يقول بقدم العرش وبيان أن ذلك يؤدي إلى الشرك بالله
قلنا له: هذا الكلام لا يقوله المجانين، والله المجانين لا يقولونه! معنى هذا أن كل محقق قبله محقق، يكون قديمًا.
قال: هذه ورطة، دعها قديمة بالنوع. فما زال ينشئ عرشًا بعد أن أهلك عرشًا، ما زال ينشئ عرشًا بعد أن أهلك عرشًا في الزمن الماضي.
يعني العرش قديم؟ يعني أشركت بالله وأنت تدعو إلى توحيده! هو ليس منتبهًا، مسكين! هو ليس مشركًا ولا شيء، إنه تعبان، لا يعرف كيف يفكر. تعبان.
وجوب الالتفات إلى أن فقد مفاتيح العلم يؤدي إلى عكس المراد من التوحيد
إذن لا بد علينا أن نلتفت إلى أن فقد المفاتيح [مفاتيح العلم الصحيح] سيؤدي بنا إلى غير مرادنا.
ما هو مرادنا؟ توحيد الله ورضا الله ورسوله عنا، مرادنا أن ندخل الجنة، نهايتها هكذا.
هذا [الجهل بالمفاتيح] يؤدي إلى العكس، يؤدي إلى أن تقع في الشرك دون أن تدرك وأن تعلم. فاتق الله في نفسك.
جهود العلماء عبر العصور في حفظ العلم وخطورة هدم النابتة لما بنوه
ما كان الذي يفعله العلماء عبر العصور هباءً. هؤلاء الناس حبسوا أنفسهم على العلم.
الشيخ خليل [الجندي] جلس هنا في الأزهر لا يخرج، ولم يرَ النيل وهو كان في شارع بورسعيد - الخليج - عشرين سنة حتى وضع متنه «متن خليل» في المالكية.
خليل الجندي بقي في هذا المسجد عشرين سنة لم يخرج. عشرين سنة: قائم، نائم، أكل، شارب، يذاكر في الليل والنهار، بالصبح والمساء.
العلماء ما كانوا يلعبون، كانوا يبنون ما تهدمه النابتة الآن من أجل دراهم معدودة. فحسبنا الله ونعم الوكيل.
تعلق خطاب النبي ﷺ بنا وكنا معدومين عند نطقه الشريف تعلقاً معنوياً
ها، هذا يقول أن الخطاب عندنا يتعلق بالمعدوم تعلقًا معنويًا.
وكذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
«أوصيكم بتقوى الله»
متعلق بنا وقد كنا معدومين عند نطقه الشريف بهذا. هو كأنه يخاطبنا الآن؛ لأن خطابه الدال على خطاب الله تعلق بنا في حالة العدم تعلقًا معنويًا.
أو أننا كنا في أيامه؟ لا يقول بهذا عاقل! نحن هنا بعد ألف وأربعمائة وإحدى عشرة سنة أو اثنتين وثلاثين سنة، وأضف إليهم أيضًا ثلاثة عشر من البعثة.
خطورة الخلط بين التعلق المعنوي والتنجيزي وأثره في فقد مقررات العقل
إذن كان كلامه [صلى الله عليه وسلم] متعلقًا بنا في حالة العدم تعلقًا معنويًا لا تنجيزيًا.
فإذا جاء أحدهم وادعى أننا بذلك قد دخلنا في حالة الإنجاز والتنجيز، إذن نحن صحابة! اضطراب.
الذي فقد الفرق بين المعنوي والتنجيزي فقد مقررات العقل الأصلية. ولذلك لا يفهم.
فإذن كل كلمة وكل حرف كتبها الشيخ زكريا الأنصاري هي تبني العقل وتبين كيفية التفكير المستقيم. ووراء كل كلمة معانٍ لا نهاية لها، وجمل لا نهاية لها: من تصحيح المعتقد، ومن تصحيح إدراك الأحكام الشرعية المرعية، ومن تصحيح الأخلاق التي بُعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفقد هذا هو فقد للدين بحاله.
الرد على من يدافع عن النابتة وبيان أن ما يفعلونه هدم للعلم وعدوان على الأكابر
هذا هو الذي يقولون لنا: لماذا أنتم غاضبون من النابتة؟ لماذا تغضبون عليهم؟ أليسوا دعاة؟ أليسوا رعاة؟ أليسوا فضلاء؟
ما هذا إلا علمٌ يهدم، وعدوانٌ على الأكابر، وانحرافٌ عن المنهج الصحيح.
يجب علينا أن نعيد وأن نزيد في هذا مرة أخرى، وأن يتصدر من عنده العلم ليعلّم من لا علمٌ عنده.
معنى تعلق الخطاب بالمعدوم تعلقاً معنوياً ولزوم التعلق التنجيزي عند الوجود
بالمعدوم تعلقًا معنويًا، يعني ماذا؟ المعلوم أصل: علم الله أوسع من المعدوم.
ولزومه ماذا يعني؟ يعني المعدوم عندما يوجد سيكون هناك تعلق تنجيزي. ماذا؟
هذا يُستفاد من الألف واللام. الألف واللام هنا تفيد هذا المعنى؛ لأنها في الألف واللام تدل على العهد الذهني والعهد الحضوري. وهذا يكفيه الألف واللام في كلمة «المعدوم».
تقسيم الخطاب الشرعي إلى إيجاب وندب وتحريم وكراهة وخلاف الأولى وإباحة
فإن اقتضى [الخطاب] فعلًا غير كف اقتضاءً جازمًا فإيجاب، أو غير جازم فندب، أو كفًا جازمًا فتحريم، أو غير جازم بنهي مقصود فكراهة، أو بغير مقصود فخلاف الأولى، أو خيّر فإباحة.
فهذه أحكام خمسة فرّعها الشيخ [زكريا الأنصاري] إلى ستة؛ حيث أنه قسّم المكروه إلى ما سماه مكروهًا وخلاف الأولى، وجعل الفرق بينهما القصد وعدم القصد.
الفرق بين الحكم القائم بذات الله القديم ومتعلق الحكم الحادث وهو صفة فعل المكلف
وتكلمنا في السابق عن حكم الله وأن هناك فرقًا ما بين الحكم القائم بذاته وهو قديم - نطلق عليه: وجوب، حرمة، كراهة، ندب، إباحة - وبين متعلق الحكم وهو صفة فعل المكلف وهو حادث، فيكون هناك: واجب، وحرام، ومندوب، ومكروه، ومباح.
فهناك فرق بين الحكم وبين متعلق الحكم. فالحكم قديم ومتعلق الحكم حادث. الحكم قائم بذاته سبحانه حتى قبل خلق الخلق، ولكن متعلق الحكم هو صفة لفعل المكلف: الصلاة واجبة، السرقة حرام، الغضب مكروه، إلى آخره.
إذن فهناك فارق بين الحكم وبين متعلق الحكم.
بيان معنى اقتضاء الخطاب فعلاً غير كف وأنواع الخطاب بين الأمر والنهي والتخيير
وهنا أراد [الشيخ زكريا الأنصاري] أن يعرف الأمر وما يترتب عليه من طلب، والنهي وما يترتب عليه من ترك، والتخيير والإباحة.
فقال: فإن اقتضى - يعني الخطاب - فعلًا غير كف. فعلًا غير كف. هم يقولون ماذا؟ يقولون: خطاب اقتضى فعلًا غير كف، مدلول عليه بغير كف ونحوها. هذا يكون الأمر.
هنا أخذ هذا من «جمع الجوامع» وقال: اقتضى فعلًا. يكون الخطاب اقتضى فعلًا ولم يقتضِ تركًا.
فعندنا هناك خطاب يقتضي فعلًا: صلِّ، صُمْ، حُجَّ. وهناك خطاب يقتضي تركًا: لا تشهد شهادة الزور، لا تسرق، لا تقتل.
معنى الاقتضاء الجازم للفعل وأنه الإيجاب والفرق بين الوجوب والإيجاب
إذا اقتضى [الخطاب] فعلًا غير كف - يعني ليس تركًا - اقتضاءً جازمًا. الاقتضاء هو الطلب. اقتضى اقتضاءً يعني طلب طلبًا جازمًا.
يبقى طلب الفعل طلبًا جازمًا معناه هكذا: طلب الفعل طلبًا جازمًا فإيجاب.
يسمّي بعضهم الوجوب. بعضهم يقول: الوجوب والإيجاب بمعنى واحد. وبعضهم يقول: إن الإيجاب أثر الوجوب. وجوب تصبح مصدرًا، والإيجاب اسم مصدر.
الفرق بين المصدر واسم المصدر مع أمثلة توضيحية سهلة
الفرق بين المصدر واسم المصدر: المصدر يدل على الحدث، واسم المصدر يدل على أثر الحدث.
احفظ هذه ودع عنك كلام ابن عقيل، هناك ما يُربك الذي لا يمكن إرباكه. لكن احفظ الكلمة، إنها سهلة:
فـجَرْح تعني عملية الجرح، وهو مصدر؛ لأنه دل على حدث. ما الذي حدث؟ جَرْح. فيكون جُرْح اسم مصدر. الأمر سهل جدًا: جَرْح مصدر، وجُرْح اسم مصدر.
إعطاء: أعطيته هكذا. عطية: فيكون الذي حصل من الإعطاء هذا كان ماذا؟ الهدية أو العطية، اسم مصدر.
فلنحفظ أن المصدر ما دل على حدث، واسم المصدر ما دل على أثر الحدث، الناتج عن الحدث.
تيسير العلم للجميع والدعاء بالبركة وذكر منهج العلماء في التعليم
سهلة جدًا، وليست مسألة مقارنة الحروف ورؤية الزيادة هنا والزيادة هناك. صحيح أن كلها صحيحة، لكنها توصلك إلى الأمر من أبعد طريق أحيانًا في بعض الحالات.
كان العلماء يصعِّبون العلم قليلًا حتى لا يدركها السُّفَلة. أتفهم يا صديقنا؟ لأننا يعني نعم، كانوا يصعِّبون العلم قليلًا. لكننا ماذا نفعل نحن؟ نيسِّر العلم، نعم، حتى يتعلمه الجميع.
وندعو الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذا الجمع، وأن يجعله في ميزان حسناتنا يوم القيامة، وأن يلحقنا به بسيدنا صلى الله عليه وسلم.
قراءة الفاتحة للحفظ من العين واختتام الدرس والتوصية بالاستمرار
كان الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني يقرأ الفاتحة يحيط بها تلاميذه، كل مرة هكذا. أول ما يأتي يقرأ الفاتحة يحيط بها تلاميذه، يعني يصد عنهم العين.
فاللهم من كان منا فليستمر معنا، ومن لم يكن كذلك فلينقنا الله منه. كفاية عليكم هكذا اليوم، غدًا إن شاء الله هيّا نكمل إذن.
