غاية الوصول شرح لب الأصول | حـ 4 | أ.د علي جمعة - أصول الفقه

غاية الوصول شرح لب الأصول | حـ 4 | أ.د علي جمعة

1 ساعة و 37 دقيقة
  • الحكم هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف اقتضاءً أو تخييراً أو وضعاً، والوضع هو ما ورد سبباً وشرطاً ومانعاً وصحيحاً وفاسداً.
  • تعبير "فعل المكلف" و"أفعال المكلفين" لا فرق بينهما، فالأول يدل على جنس الفعل الذي يشمل جميع الأفراد.
  • الحكم الشرعي قد يكون تكليفياً بالاقتضاء أو التخيير، وقد يكون وضعياً بجعل شيء مقابل شيء كدلوك الشمس لوجوب الصلاة.
  • لا يُدرك الحكم إلا من الله، ويُعرف بالكتاب والسنة والإجماع والقياس.
  • عند الأشاعرة الحسن والقبح شرعي، وشكر المنعم واجب بالشرع لا بالعقل.
  • لا حكم قبل الشرع، فالأفعال قبل ورود الشرع لا توصف بحلال أو حرام.
  • الأصح امتناع تكليف الغافل والملجأ، أما تكليف المحال فيختلف عن التكليف بالمحال.
  • المحال العقلي لا يمكن تصوره كاجتماع النقيضين، أما المحال العادي فيمكن تصوره.
محتويات الفيديو(57 أقسام)

تعريف الحكم الشرعي وقاعدة مقابلة الجمع بالجمع

قال المصنف رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.

قال: والحكم خطاب الله المتعلق بفعل المكلف اقتضاءً أو تخييرًا، أو بأعم وضعًا، وهو الوارد سببًا وشرطًا ومانعًا وصحيحًا وفاسدًا.

فقوله بفعل المكلف رأيناه قبل ذلك عند البيضاوي بـ«أفعال المكلفين»، وهنا بـ«فعل المكلف». والقاعدة أن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة أفرادًا؛ اكتب حتى تتعلم: مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة أفرادًا.

فعندما تحفظ هذه القواعد - وهي خمسمائة أو ستمائة قاعدة جيدة في شتى العلوم - تعرف كيف تتكلم وتفهم صياغةً مهمةً وسهلة: مقابلة الجمع بالجمع أفعال المكلفين؛ «أفعال» هذه جمع، و«المكلفين» جمع، إذن تساوي «فعل المكلف»، وتقتضي القسمة أفرادًا.

لا مشاحة في التعبير بين فعل المكلف وأفعال المكلفين

ولذلك فإنه ليس هناك خلاف بين «أفعال المكلفين» و«فعل المكلف»؛ فـ«فعل المكلف» يدل على جنس ذلك الفعل، والجنس ما دل على الماهية إذا تصدق على جميع الأفراد، فإننا نصل إلى الجمع مرةً أخرى.

وبالتالي لا مشاحة في التعبير؛ ليس في كل مرة نقول لكم إنه لا مشاحة في الاصطلاح، هنا في التعبير، يعني بـ«فعل المكلف» أو بـ«أفعال المكلفين».

اقتضاءً أو تخييرًا: إذا أردنا أن نعرف الأحكام التكليفية فقط، فسنقف عند «تخييرًا»: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، خلاص. لكن لو أردنا الحكم الشرعي بوجه عام سواء كان تكليفيًا أو كان وضعيًا، فهو بوجه عام، وهذه كلمة بأعم.

معنى الحكم الوضعي وأمثلته من الأسباب الشرعية

والوضع هو جعل شيء بإزاء شيء، و«إزاء» تعني مقابل شيء.

فوضع الله دلوك الشمس لوجوب الصلاة، وغروب الشمس لجواز إفطار الصائم، وأذان الفجر أو خروج شعاع الفجر للامتناع عن الأكل في رمضان، وهكذا.

أسباب يُستفاد من وجودها الوجود، ومن عدمها العدم؛ الجعل هذا من عند الله. يعني نحن لم نجتمع ونفكر: ربنا أمرنا بالصيام في رمضان، ماذا نفعل يا أبناء؟ فواحد قال: والله نصوم من الشروق، والثاني قال: لا نصوم من الفجر، والثالث قال: لا نصوم من منتصف الليل إلى الظهر، والرابع قال: لا، لا تتركوها هكذا دون فطار على الساعة السابعة.

لم يحدث هكذا. من الذي جعل هذا بإزاء هذا للدلالة على هذا؟ الله.

الأحكام الوضعية من خطاب الله وإضافة ابن الحاجب لها في التعريف

إذن هذه أيضًا من ضمن الأمور التي حَكَم بها الله، يعني خاطبنا الله سبحانه وتعالى بها، ولا حيلة لنا في وضعها.

ولذلك أو بأعم يعني إذا أردت أن تعرف الحكم سواء كان تكليفيًا أو سواء كان وضعيًا، فعليك أن تزيد في التعريف «أو وضعًا»، فيصبح: بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.

وهذا الذي زادها الإمام ابن الحاجب عندما أراد الرجل هنا أن يختصر «جمع الجوامع» لشيخ الإسلام زكريا، فقام واختار هذا، وقال: نعم، هذا شيء جيد وحسن. وهو يريد أن يعرف كلمة الوضع؛ لأن كثيرًا من المدرسة لم تتناولها، وقالوا إنه يُستدل بها بطريقين أي بخطوتين.

فقال وهو زيادة إيضاح: الوارد سببًا أو شرطًا ومانعًا، والواو هنا بمعنى «أو» لأن حقيقة السبب لا تجتمع مع حقيقة الشرط، وقد تُستعمل الواو بمعنى «أو» التنويع، يعني ومانعًا وصحيحًا وفاسدًا، وسنعرف كل هذا بالتفصيل بعد ذلك.

الحكم لله وحده ومصادر الدلالة عليه من كتاب وسنة وإجماع واجتهاد

فلا يُدرك حكم يُعلَّق على أشياء وكأنها اعتراضات على التعريف: خطاب الله، هذا كلام. نحن نقول: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، الله لم تقل «خطاب الله ورسوله».

قال: لا، هذا هو حقيقة خطاب الله وحده لا شريك له، إن الحكم إلا لله، لكنه مدلول عليه بالكتاب - ما الذي سيعرفنا حكم الله؟ خطاب الله، الكتاب - ومدلول عليه بالسنة، ومدلول عليه بإجماع الأمة الكاشف عن دليل، ومدلول عليه باجتهاد المجتهد في قياسه.

وهو يحاول أن يصل إلى حكم الله لا حكم نفسه؛ ليس للمجتهد قدرة على إنشاء الأحكام والتحليل والتحريم، بل هو يبذل غاية وسعه للتعرف والتوصل بإذن الله -إن شاء الله- إلى الحكم. إنما الحكم لله، فإن أخطأ فله أجر، وإن أصاب له أجران، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

المجتهد بين الخطأ والصواب وأن الحكم في النهاية لله وحده

لا يوجد مجتهد مصيب دائمًا في كل مائة بالمائة هكذا، ولا يوجد مجتهد مخطئ دائمًا، لم يحدث هكذا. هذا فضل الله يوزعه كما يشاء.

لكن في النهاية الحكم إنما هو لله، ولذلك قلنا «خطاب الله»، ولم نقل: ورسوله والأمة حيث أجمعت والمجتهد حيث بذل الوسع. لم نقل هكذا؛ لأن الحكم المبين لله، إنما توجد دلائل على ذلك.

فلا يُدرك الحكم إلا من الله. وعندنا، ماذا يعني ذلك؟ إنها في خلاف المعتزلة، وما معناها في مذهبنا ومذهبهم؟ ذلك هو أهل السنة والجماعة، الذين هم من؟ الذين هم الأشاعرة الذين يقول عنهم النابتة إنهم ليسوا من أهل السنة والجماعة. ماذا نفعل؟ لا شيء، ننظر إليهم هكذا فقط. ما الذي ستفعله إزاء هذا الغباء؟

الرد على من ينكر أن الأشاعرة من أهل السنة والجماعة

الغباء مشلتت، بمعنى طبقات طبقات. كتب أهل العلم ها هي، هذا لم نؤلفه الآن، ربما يظنون أننا مع الحكومة.

سيدنا شيخ الإسلام [زكريا الأنصاري] لا عليه، يُعجبهم أو لا يُعجبهم، ليس معجبهم الإسلام، سبحان الله. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ألا يوجد بشر وعاقلون أيضًا ليس معجبهم الإسلام؟ أليس هناك بشر وليس معجبهم ربنا؟

حسنًا، هذا قدر الله، هكذا هو الأمر، ماذا ستفعل فيه؟

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

كيف أتعامل معه؟ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إنها حرية، لكن هذه الحرية إلى أين ستأخذك؟ إلى قوله تعالى:

﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]

إذا كان قلبك معوج ولا توجد فائدة وغاب عقلك، إنا لله وإنا إليه راجعون.

مذهب أهل السنة في أن الحكم لا يُدرك إلا من الله خلافاً للمعتزلة

لكن عندنا يعني الأشاعرة يعني أهل السنة والجماعة، حسنًا: فلا يُدرك حكم إلا من الله.

وعندنا يكون أول ما تسمع «وعندنا» على الفور يكون ماذا في مذهبنا؟ والرجل هنا في البداية قال رضي الله تعالى عنه شيخ الإسلام زكريا [الأنصاري].

شيخ الإسلام زكريا هذا كان من كبار الأولياء، عاش مائة وثلاثين سنة، مدفون بجوار الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وكان عنده كرامة غريبة عجيبة أنه كان إذا بلغ به السن -يعني شيخوخته- أنه كان إذا أراد صلاة الفرض قام فصلى، فإذا انتهى من الصلاة لا يستطيع يقوم، فيصلي السنة وهو جالس، ثم تنفد البطارية، ويأتي الفرض الثاني فيقوم ليصلي، فإذا انتهت الصلاة وسلم لم يعد يستطيع القيام، فيحملونه. نعم، هؤلاء أولياء.

شيخ الإسلام زكريا الأنصاري وسلسلة العلم المنقول عبر المشايخ

هذا شخص جالس يصلي لله، هو وفيه توفيق، فمن وفقه الله هو شيخ الإسلام الذي ما زلنا ندرس كتبه حتى الآن.

حسنًا، أخبرونا من مشايخكم في سلسلة، هكذا يكون مسلسل بالشافعية، بالمالكية. هل يوجد أحد باسمها مسلسل بالنابتة؟ لا يوجد يا أبنائي، هو الدين المنقول هكذا.

لا، أنا لا أريد ذلك، أنت حر، لا يوجد مانع، لكن ليس هذا هو العلم. أظهر نفسك، كن شجاعًا، كن قويًا هكذا وقل: أنا ليس لي شأن بالعلم، أنا اتبع هواي. لكن حسنًا، دعني أتوقف الآن لنرى عملنا.

طيب، فلا يُدرك حكم إلا من الله، وعندنا يكون خلافًا للمعتزلة عند السادة أهل السنة والجماعة أن الحسن والقبح بمعنى - لأن الحسن والقبح لهم ثلاثة معانٍ - بمعنى هذا شرعي: ترتب الذم حالًا والعقاب مآلًا شرعيان.

الحسن والقبح الشرعيان وأن الله هو الذي حرّم الأفعال القبيحة

المشكلة في العقاب مآلًا: من الذي قال لك أن هذا الفعل يترتب عليه مؤاخذة يوم القيامة؟ الله هو الذي حرّم علينا السرقة والكذب والقتل والزنا والفاحشة وشهادة الزور، هو الذي حرّم هذا.

فلو أن الله أمرنا بالقتل لكنا سنقتل، ولكنه لم يفعل، بل قال:

﴿وَلَا تَقْتُلُوا ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَـٰنًا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33]

كذلك عندما يأخذ حقه، فالعفو أفضل. هذا الرجل مجرم قتل أبي، لكنني أملك سلطة لقتله، ولكن لا، من الأفضل أن أتركه. هذا يعني أن القتل أمر خطير جدًا، نهانا عنه ورتّب على ذلك عقابًا.

الحسن والقبح الشرعيان لا يُدركان بالعقل المجرد بل بخبر الله

هذا الخاص بربنا أصبح لا يمكن أيضًا أن نجتمع ونتشاور يا أبناء: القتل سيء أم جيد؟ القتل يترتب عليه غضب الله أم لا؟

لا، هذا أمر الله نعرفه، وإنما يخبرنا عنه سبحانه وتعالى. فهذا معنى الشرعية: لا نستطيع أن نصل بعقولنا إليه.

يمكن أن نصل بعقولنا ونقول: الظلم سيء أم ليس سيئًا؟ نحن لم نقرأ الكتاب والسنة، لكننا نتحدث مع بعضنا ونتوصل إلى أنه سيء. هذه قضية ثانية، هذا وصف طبيعي، وصف ماذا؟ طبيعة الظلم هكذا طبيعي، يمكننا التوصل إليها.

الرائحة الكريهة حلوة أم سيئة؟ قال لك: والله أنا لا أحبها، وأنت لا تحبها، لا أحبها. أما الرائحة الطيبة فنحبها. ما هذا؟ لنأخذ رأينا فنجد مئة مئة، ثم نقول: نعم، هذا عقلي! ميّزنا إليها بالتجربة، بالطبيعة، بالخلقة التي خلقها الله فينا هكذا، يعني بخصائص الأشياء ووظائفها.

محل النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة في الحسن والقبح الشرعيين

لكن ليس هذا هو محل النزاع. النزاع بين الأشاعرة رضي الله تعالى عنهم والمعتزلة عفا الله عنهم هو في: يترتب الذم حالًا والعقاب مآلًا، «مآلًا» يعني فيما بعد ذلك، الذي هو بعد ذلك متى؟ يوم القيامة.

هل يمكن أن نأخذ رأي بعضنا؟ لا، فلابد من شيء خبر رباني ليكون الحكم يُدرك من عند الله. ولذلك قلنا خطاب الله.

وأن شكر المنعم واجب بالشرع، يعني وعندنا أيضًا أن شكر المنعم واجب بالشرع في مسألة تبدو فكرية قليلًا لكنها مفيدة في جملتها.

هل شكر المنعم واجب بالعقل أم بالشرع؟ الأدلة الشرعية على وجوب الشكر

يقول: ربنا منعم علينا بالصحة وبالحياة وبالرزق وبكل شيء، عرفنا أننا يجب أن نقول الحمد لله والشكر لله. هل هذا بالعقل أم بالشرع؟

يعني هناك مسائل قد يختلف فيها النظر، قد مرة أنت نفسك تقول: لا هذا من قبيل العقل، ومرة تقول: لا هذه من قبيل الشرع. منها مثال ذلك هذه المسائل: شكر المنعم سبحانه وتعالى، أهذا شرعي أم عقلي؟

أما الشرع فقال لنا: قولوا الحمد لله رب العالمين. وأما الشرع فقال:

قال النبي ﷺ: «من لم يشكر الناس لا يشكر الله»

وأما الشرع فقال:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

أي جعل عدم الشكر نوعًا من أنواع كفران النعمة. الآية:

﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ﴾ [إبراهيم: 7]

انظر إلى المقابل، فيكون «شكرتم» مقابل «كفرتم»، أي لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم في مقابل الشكر:

﴿إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]

إذن ما هذا؟ هذا هو الشرع بالفعل وليس أمرًا عقليًا.

رد الأشاعرة على من قال إن شكر المنعم واجب بالعقل

قالوا: لا، الأصل انتبه، فنحن لدينا في الأشاعرة هذا الفرع شرعي وليس عقليًا.

قال له: لماذا؟ والعقل أيضًا يقول إن الذي يقدم لك خدمة تقول له متشكر، وأيضًا لو أخذنا الآراء سنجد أننا كلنا نقول ذلك. أليس من الصواب أنك عندما يقدم لك أحد خدمة أو نعمة أو منة أن تقول له متشكر؟ أيصح ذلك؟ في العقل يعني كلنا سنتفق على ذلك قبل أن نقرأ الكتاب والسنة.

قال: لا، فمن عظيم منة الله علينا ومن عظيم مُلك الله في كونه عظمًا شديدًا عظيمًا غريبًا عجيبًا، قد يكون من قلة الأدب أنك تقول له متشكرين. فلو أن - ولله المثل الأعلى - تقريبًا للأذهان وضربًا للمثال: ملك عظيم أعطاك ربع حبة قمح، حبة القمح صغيرة هكذا، فقسمها أربعة وأعطاك ربعها، قال: خذ. قمت أنت وأمسكتها هكذا وقلت له: شكرًا يا ملك، شكرًا يا ملك، شكرًا يا ملك، شكرًا يا ملك، وجلست تقول هكذا. ما رأيك أنه سيقطع رأسك؟ لأنه هو لديه من الخيرات والملك والقوة الكثير جدًا، وهذه في ملكه لا شيء.

ضرب المثال بعظمة ملك الله وأن الشكر واجب بالشرع لا بالعقل

تعال الآن في مثال الله، لا هذا المثال يصلح ولا ذاك المثال يصلح.

لو أن البشر جميعهم وقفوا هكذا كما ورد في الحديث صفًا واحدًا وطلبوا منه سبحانه ما أرادوا، كل واحد على حاله، فأعطاهم ذلك كله:

قال النبي ﷺ: «ما نقص ذلك في ملكه إلا كما ينقص البحر عندما تدخل فيه الإبرة وتخرجها»

هكذا كانت كمية من البحر، ما رأيك أن البحر كما هو؟ ابتل فقط. فتقول له شكرًا لماذا؟ هذا شكرًا عندما يعطيك شيئًا، لكنه هكذا لم يعطك شيئًا، العقل يقول هكذا.

ربنا أنقذنا، الحمد لله، ودلنا وعلمنا وهدانا وقال لنا: لا، قولوا الحمد لله وانظروا إلى من هو أدنى منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإن ذلك أجدر ألا تحقر نعمة الله عليك، ودائمًا قل الحمد لله إلى درجة حتى في المصيبة تقول الحمد لله على كل حال.

إذن الحمد لله سبحانه وتعالى قد ثبت عندنا شرعًا؛ لأنه لو تركناه للعقل لأصبح قيلًا وقالًا ونجلس نتفلسف، لكن الشرع كشف لنا الحقيقة وبيّن لنا ما يرضي الله، وهو أن نلهج بحمده بالليل والنهار على القليل والكثير، وأن نشكره، وأن شكره يسبب الزيادة:

﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]

كل هذا، من أين جلبناه؟ ليس من عقلنا.

شكر المنعم واجب بالشرع لا بالعقل لأن العقل يُدخل في احتمالات

جرّدوا الكلام وذهبوا يقولون إن شكر المنعم يعني مسألة مجردة، لكي لا يجعلوك معتمدًا لا على العقل ولا على الشرع. فبعد البحث والتقصي، فإن لدينا أن شكر المنعم شرعي وليس عقليًا، وأن شكر المنعم واجب بالشرع لا بالعقل.

لأن العقل سيُدخلني في احتمالات، ومن الممكن أن العقل سيوصلني إلى أنه لا، هذا عيبٌ، عيبٌ! تأدّب مع ربك، الله تعالى أعطاك أشياء بسيطة من ملكه، فينبغي أن تتأدب معه. لا يصح أن يقال ذلك.

لا، هذا الكلام غير صحيح. إن شكر المنعم واجبٌ، واجبٌ بماذا إذن؟ لا، إنه واجب بالشرع؛ لأن العقل سيُدخلني في احتمالات أخرى. فهو واجب عندنا بالشرع، وأنه لا حكم قبله، أي قبل الشرع.

لا حكم قبل ورود الشرع وحكم أفعال المكلفين قبل البعثة

قبل الشرع ما يأتي، نحن اليوم الشرع لم يأتِ بعد، ماذا يحدث إذن؟ قال: الشرع لم يأتِ بعد، فلا يوجد حكم.

هل يا ترى قبل أن يأتي الشرع الأشياء حرام؟ يعني الخنزير هذا أنأكله أم لا نأكله؟ الكلب أنأكله أم لا نأكله؟ الأسد أنأكله أم لا نأكله؟

أقول له فورًا: لا أعرف، ليس لي شأن، لم يصدر حكم بعد. أتعلم أن الخنزير حرام؟ أنا أعلم ذلك بعد مجيء الشرع، لكن قبل الشرع لم يكن له حكم.

حسنًا، الصلاة قبل الشرع ليس لها حكم، هل تستطيع أن تقول إنها واجبة أم لا؟ لأن الشرع لم يأتِ بعد.

طيب، يبقى إذن أفعال المكلفين قبل الشرع لا وصف لها، يعني لا حكم لها. الإباحة حكم، حكم ما هو، وهذا هو الأصل في الأشياء الإباحة، هذا بعد الشرع.

حكم الأفعال قبل الشرع بين الإباحة والإقدام والإحجام

يبقى إذن نعم، آه لا، آه، يعني فهمت أنت مختلط عليك ماذا؟ أم يعني هذا الكلام باطل ما له أي أساس من الصحة؟

العلم لدينا هذا الحكم الإباحة، حكم الإباحة هذا حكم. من الذي قال لك أن هذا يجوز فعله ويجوز تركه؟ الله. ولذلك نحن نسمي هذا الخطاب إباحة.

إنما أنت تريد أن تسأل وتقول: الإنسان موجود ها هو قبل الشرع، لم ينزل الشرع بعد، هل يجوز؟ انظر إلى تعبير العلماء لكي يرد على السائل: هل يجوز له الهجوم أم لا بد عليه من الإحجام؟

انظر، انظر، انظر، التعبيرات ليس لها علاقة بحل وحرم وإباحة وهكذا، أو يستوي الطرفان: الهجوم - أنت أمامك موزة لتأكلها أو لا تأكلها، لم يذكر الشرع بعدُ أن هذا الموز حلال أو حرام، مباح أو مندوب أو مكروه، لم يصفه. أكْلُ الموزِ وما وصفُهُ، لماذا الموزُ أمامي هكذا وأنا أريدُ أن آكلَ، والأكلُ فعلٌ؟

الفرق بين الإباحة الشرعية ومصطلح الإقدام والإحجام قبل نزول الشرع

أكْلُ الموزِ الذي أمامي هذا، هل يجوزُ لي الهجومُ عليهِ وأكلُهُ أم لا بُدَّ أن أُمسِكَ نفسي وأمنعَها؟ أم بحسبِ بطني إذا كانتْ جائعةً آكلُ، وإذا لم تكنْ جائعةً لا آكلُ؟

فهل هذا ما يُسمونَهُ الهجوم الإقدام والإحجام؟ الإقدام والإحجام، أحيانًا يزنونها هكذا، مرة يقولون الهجوم والامتناع، ومرة يقولون الإقدام والإحجام. لماذا يقولون هكذا؟ لأنهم يريدون الابتعاد عن المصطلح الذي قررناه؛ لأن هذا مصطلح إمام خطاب، لكن هذا لم يأتِ الخطاب بعد، فلا نقول إباحة.

تقول: يا سلام يا جماعة العلماء، أليس المعنى واحدًا؟ جواز الهجوم والامتناع أو جواز الإقدام والإحجام ما هو إلا الإباحة. يقول لك: نعم، يمكن أن يكون كذلك صحيحًا من ناحية النتيجة العملية.

إذن نحن نتحدث بالتسمية، تسمية هذه الحالة التي هي في ذهنك مشتبهة، ولك الحق في هذا الاشتباه. الإباحة ما الذي يجعلنا لا نقول إباحة؟ إن الإباحة أصبحت مصطلحًا خاصًا بخطاب الله الذي لم ينزل بعد، وما دام خطاب الله لم ينزل بعد، فسنظل في قضية الهجوم والامتناع، أو في قضية الإقدام والإحجام، إلى آخر الألفاظ التي ستفيد وتبتعد في الوقت نفسه عن حلال وحرام وواجب ومباح إلى آخره. اتضحت؟

شرع إبراهيم وعالمية الإسلام وخصوصية كل نبي بشريعته

جيد، أو شرع إبراهيم أو شرعه هو وهكذا، هؤلاء أنبياء، نعم.

كل نبي كان يُرسل إلى قومه خاصة. هذه العالمية لا توجد إلا في الإسلام:

﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]

كل واحد منهم جُعل له شرعة ومنهاج لا يلتزم بها الآخر. إذن الشرع لم يخاطبه، وفي وقت الفترة بين النبيين الشرع لم يخاطبه.

ولذلك قلنا في الأشاعرة أن أهل الفترة ناجون إذا لم يبلغهم الشرع؛ إما لأنه لم يُوجَّه إليهم، وإما لأنه لم يُرسَل إليهم وانقطع انقطاعًا جزئيًا، وإما أنه كان فيه نبي لم يُؤمر بالتبليغ. حدث هكذا، النبي صلى الله عليه وسلم وصف خالد بن سنان بأنه كان نبيًا ضيّعه قومه لكنه لم يبلغ.

سؤال حول معنى نجاة أهل الفترة والجواب عنه

طيب يعني، جاء يسأل سؤالًا فنسي السؤال، نعم، أنا أول ما نظرت إليه أخفته. حسنًا، ها هو اسأل هكذا، أنا لست عليك بل عليه، أنت تقول لي أنت نظرت إليه، حسنًا ها أنا أنظر إليك الآن، قل لي هكذا السؤال.

ناجون من ماذا؟

لا، ناجون من كل شيء، لكن هذه النجاة بيد الله. أننا نجونا أصلًا من كل شيء لا يعرفونه، لكن هذه المعرفة بيد الله؛ لأنه من الممكن أن يكون الله قد بلَّغهم. انتبه، على سبيل الافتراض هكذا، فوجد باعثًا أو سمع نبيًا سابقًا، أو وهو يفعل وجد إثمًا في قلبه، أو أنه تكبر أو ظلم أو أخذ حقوق الناس أيضًا. الذنوب مختلفة والمعرفة مختلفة وإرادة الله في كل واحد على حدة.

الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية في نجاة أهل الفترة

لا، من قال هكذا؟ الماتريدية في وجود الإله فقط، يعني أما بقية الأشياء فهم متفقون مع الأشاعرة.

الأشاعرة يقولون أصولًا وفروعًا يعني أن هذه الفترة غير مؤاخذة لعدم وجود الخطاب الشرعي مطلقًا سواء في مقام الألوهية أو في مقام الأفعال والأعمال.

الماتريدية قالوا لنا: ولكن اتركوا لنا مسألة وجود الإله؛ لأنها مسألة تدركها الفطرة ولا يمكن إنكارها، فهم معفو عنهم في كل شيء إلا من أنكر الإله. الماتريدية قالوا هكذا.

وهذه من المسائل المختلف عليها بين الأشاعرة والماتريدية: هل أهل الفترة ناجون مطلقًا في كل المسائل أم في مسألة الإله فقط فقط هي المؤاخذون فيها وفي بقية الأشياء لا يؤاخذون؟ الماتريدية قالت هكذا، قالت الثاني هذا.

موقف الأشاعرة من نجاة أهل الفترة في مسألة الإله استناداً للنص القرآني

لكن الأشاعرة قالوا بالأول ونافحوا عنه كثيرًا وكتبوا فيه كثيرًا: أنه حتى ولا الإله؛ لأنه هذا مسكين، من أين سيعرف إلهًا؟ وكذا قالوا لهم بالفطرة، خاصة وجود المسبب، وجود المسبب هذا شيء مفطور في الإنسان؛ لأنه مفطور فيه القصور الذاتي، فعندما يقول لك أحد أن المسجد هذا بُنِيَ وحده، لا تصدقه.

مفطور عندنا أنه لابد أن تدل البعرة على البعير، والأثر يدل على المسير، فنهارٌ ساجٍ، وليلٌ داجٍ، وطرقٌ ذات فجاج، وبحارٌ ذات أمواج، وسماءٌ ذات أبراج، ألا تدل على اللطيف الخبير؟

هؤلاء الماتريدية والأشعري يقولون: لا، حتى هذه أيضًا. والدليل على ذلك أننا وجدنا الإنسان عندما لم تبلغه الرسالة كان ساذجًا هكذا، ساذجًا مثل أهل تسمانيا وأستراليا وأمريكا الجنوبية في الماضي، دخلنا عليهم لأنه ساذج حتى في شؤون حياته لا يعرف كيف يديرها.

أهل تسمانيا مثال على من لم تبلغهم الرسالة والتزام الأشاعرة بالنص

أهل تسمانيا لم يكن لديهم حتى دين ولا وثنية ولا غيرها. يعني الوثنية هذه تُعتبر بالنسبة لهم تطورًا؛ لأن الوثني يقول إن ربنا هو هذه الشجرة أو هذه الحجرة، لكن هذا ليس لديه، وتجده أيضًا مؤثرًا في حياته.

فالأشاعرة كأنهم لاحظوا هذا، لكنهم في الحقيقة التزموا بما في الكتاب:

﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]

يعني هم أخذوها من ناحية نقلية أكثر من الواقعية، وهكذا فعمّموها في كل المسائل.

يعني لن ننتهي من أي شيء. هذه مسألة أوحى بها ربنا سبحانه وتعالى لنبيه في عبد الله بن الجدعان: قال ما قال، يومًا قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ولا في كذا، قال إنما كان يفعلها لسمعة يتسمعها. هذا أمر ورد في شأنه هكذا خاص به.

الخلاف في نجاة والدَي النبي ﷺ وموقف العلماء منه

نعم نعم، نحن قلنا الثلاث عكاكيس، ما هي أدنى ملابسة؟ نعم، حروف المعاني تتعاور، والإضافة لأدنى ملابسة، والزيادة في المبنى زيادة في المعنى غالبًا لأنها بشروط ثلاثة. فهنا الإضافة لأدنى ملابسة علاقة، أنت تريد أن تصنع علاقة، يعني تريد أن تصنع انفصالًا أم اتصالًا؟ ها، معنى الإضافة هنا الاختصاص: خطاب مختص بالله وليس مختصًا بالبشر.

والإضافة تأتي بمعانٍ: فتأتي بمعنى «في» وتأتي بمعنى «لا» وتأتي بمعنى «من» وتأتي بمعنى «هو» وتأتي بمعنى هكذا. فتقول مثلًا: صلاة الليل يعني صلاة في الليل، وتقول: رجل الكرسي يعني رجل للكرسي، وتقول: كتابي يعني كتاب ملكي، وتقول مثلًا: مسجد الجامع يعني مسجد هو الجامع، وقس على هذا كثير.

والأصل أنه عندما لا يؤدي الشخص الواجب الذي عليه، يجلس يسأل في الدرس: أيوه، ماشي، نعم. ألم تسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم في البداية، عندما وجد الرجل هكذا، أخبره بالقاعدة، ثم أخبر صلى الله عليه وسلم بأن أباه من الناجين، فقال به وأنه لا حكم قبله يعني قبل الشرع.

مسألة نجاة أبي طالب وأبوَي النبي ﷺ وأقوال العلماء فيها

نعم، الشيخ يسري يقول لك يقصد عمه أبا لهب. يقول: لم يقل «والدي»، قال «أبي»، وأبوه يصدق على أبي لهب.

هيا بنا إذن، نتجادل في هذه القصة ونترك العلم ونتجادل: ما هي القضية وما هي الرواية؟ خلاصتها أننا لا نعرف، فالأمة مختلفة في هذا. فبعضهم يرون نجاة أبوَي الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد ألّف فيها السيوطي تسع رسائل. وبعضهم يرى أنهم ناجون بموجب أهل الفترة. وبعضهم يرى أن الأبوين غير ناجين لأنهم ماتوا في فترة الشرك.

ونحن من حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم نميل إلى النجاة. لما يُدخل ربنا السيد عبد الله والسيدة آمنة الجنة ستغضب يوم القيامة؟ كفى، تأدب في الدنيا ماذا سيحدث لك؟ مثلًا ستقول له: لا يا ربي، هؤلاء كانوا مشركين. هذا أمر غريب. إن هذه أمور سأعرفها يوم القيامة ولا يترتب عليها عمل. إنما حبنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعلنا نميل إلى القول القائل بنجاة أبي طالب.

قولان في نجاة أبي طالب وموقف المحبة من الأدلة

هناك قولان: قول أنه ليس ناجيًا لأنه لم يسمع منه النبي الشهادتين، ورواية العباس:

«يا محمد، إنه قال الكلمة التي أمرته بها»

فنحن تعلقنا في هذه المسألة لأجل أن النبي تربى في بيت شخص سيدخل الجنة. حبًا في النبي وتقولون: لا تحبوا النبي وأحبوا الأدلة.

حسنًا، حاضر، دعونا نبقى كما نحن وتبقوا كما أنتم، بدلًا من أن نفتح لكم الملفات. نحن نحب النبي يا أخي.

حسنًا، ماذا سنفعل؟ ماذا سنفعل؟ نحن الآن نحب النبي، فقد ألّف الشيخ زيني دحلان مفتي مكة كتاب «أسنى المطالب في نجاة أبي طالب»، وشحنه بأدلة كثيرة عجيبة غريبة، لا تقرأ الكتاب إلا إذا قلت بعدها: لا، هذا مسلم حقيقي. هذا شيء مثل أبي طالب الذي آزر النبي ووقف معه وتربى في بيته.

قصة أبي لهب وطلاق بناته من رقية وأم كلثوم بعد نزول سورة المسد

وهكذا على العكس من أبي لهب وأبي جهل. أبو لهب الذي هو عمه ونزلت فيه آية تدينه وتدين زوجته، وكانت بناته عنده: رقية التي كُتب عليها الكتاب لعتبة، وأم كلثوم التي كُتب عليها الكتاب لعتيبة.

وعتبة وعتيبة متزوجون رسميًا من رقية وأم كلثوم، يعني أيضًا هذا في صلة. وكان أبو لهب يحبه حبًا شديدًا، لكن النبوة هذه لا.

لو كان القرآن من عند محمد لأخّر نزول الآية قليلًا، لكن لا، هذا أمر الله، فنزلت الآية، فذهب هذا أبو لهب لابنيه يطلب الطلاق وقال: والله لا أشرب ماءً حتى ترد ابنتاه عليه، حتى ينشغل بهما. فعتبة وعتيبة قبل الدخول طلقوا رقية وأم كلثوم، والحمد لله.

حب النبي ﷺ يدفعنا للميل نحو القول بنجاة أبي طالب

فإذا نحن نحب النبي وأصبحنا نعشقه يا أخي، مولعون به، ماذا سنفعل؟ ماذا نفعل؟ فعندما نجد شيئًا فيه فسحة لأننا يعني شيئًا مثل هكذا نمشي إليها.

الغريب العجيب أنه يمكن هذا ويمكن ذاك، أنك مصمم على هذه باعتبارها الدين. لماذا هكذا؟ ارتدِ نظارة الحب، هذه هي المشكلة وأنت تقرأ. ارتدِ نظارة الحب، أنت ترتدي نظارة المناقرة. لماذا؟ هذه هي المشكلة هنا.

نحن نرتدي نظارة الحب وسنظل نرتدي نظارة الحب. ارتدِ هكذا، ارتدِ نظارة الحب واقرأ، ستجد الحكاية سهلة والأمور ميسرة، لا يوجد ضلال ولا شيء. وفي حب ارتدِ نظارة المشاكسة ستجد الأمور فيها مشاكسة. اختر لنفسك إذن، اختر لنفسك.

لا حكم قبل نزول الشرع ولا قبل العلم به ومثال الكوكاكولا

وأنه لا حكم قبله قبل نزوله ولا قبل العلم به.

أنا الآن لا أعرف حكم الله في الكوكاكولا، ما هو؟ ظهر نبات اسمه الكولا وصنعوا منه مشروبًا اسمه الكوكا كولا، وبعد ذلك لا نعرف هل هو حلال أم حرام قبل البحث وقبل معرفة حتى القاعدة التي تقول: الأصل في الأشياء الإباحة. حتى هذه لست أعرف هل يجوز لي الإقدام أم لا بد لي من الامتناع، أم أن الأمر على الجواز؟

ثلاثة أقوال. هذا شيء جديد، فاكهة جديدة نزلت. بعد «فقبل» قد انتهينا منه، نحن اليوم الآن، اليوم نزلت إلى السوق فوجدت شيئًا ما، قلت للرجل: ما هذه؟ فقال لي: هذه فاكهة حديثة النزول لم أعرفها، لا أعرف اسمها ولا طعمها ولا أي شيء. فاكهة ما إلى آخره، اتضح أنها الكيوي.

ثلاثة أقوال في حكم الأشياء الجديدة قبل البحث في حكمها الشرعي

هذا الكيوي لم يكن موجودًا في أيامنا، ظهرت مؤخرًا. هل يجوز تذكيتها وأكلها أم يجب أن أرسلها إلى مجمع البحوث ليخبرني إن كانت حلالًا أم حرامًا؟ هل يجوز تناولها أم يجب الامتناع حتى يتبين حكمها؟ أم أنه يصح الأمران: من يمتنع يمتنع ومن يأكل يأكل؟

نعم، أي نحن ثلاثة أشخاص، أحدهم أمسك بها وأكلها، هل ستعترض عليه؟ ذهب أحدهم وقال: لا، دعني أرى كيف ستكون حالها، هل ستعترض عليه؟ هل ستقول له أنت بهذا تخالف؟ وآخر قال: ليست لي نفس، لم يتوقف وجاء غدًا وكلها آراء.

فالأئمة يقولون إنه يجوز هذا وذاك وذاك، ليس يجوز ولكن أي أنها ثلاثة أقوال، يعني أحد الأئمة قال: اهجم عليها ولا يهمك، والثاني قال: لا، امتنع حتى ترى ما هي الحكاية، والثالث قال: كما تريد.

أمثلة تاريخية على أشياء ظهرت وحُكم عليها بعد البحث كالشاي والقهوة والحشيش

حسنًا، هل حدث هذا؟ نعم حدث. نعم، خرج الشاي وخرج البن. هذا البن لم يكن موجودًا، لكن خرج أيضًا القنب والحشيش والأفيون، خرج أيضًا القات والكفتة، والكفتة هي البراعم الصغيرة في عود القات الذي تحت اسمها كفتة.

تم تصنيف القات والكفتة وظهر البات، هذا البات شيء يُمضغ في الهند كل فمك يصبح دمًا، يصبح أحمر، ويُحدث نفس تأثير الدخان. ظهر الدخان والحشيش والأفيون والقات والكفتة والدخان والشاي والقهوة، ظهروا وهم لم يكونوا موجودين في عصر السلف. هذه أشياء ظهرت في القرن السابع الهجري.

يا دوبك أن نشرب أو لا نشرب؟ الحكم على ذلك أن بعض الناس قال يجوز أن تشرب، فإذا تبيّن ضرره كالدخان أو الحشيش أو الأفيون حرمناه. لكن الأول هذا الذي أخذته لا يحدث منه شيء لأنه كان على أصل القاعدة. وإذا كان لا شيء فيه كالشاي والقهوة أحللناه.

إذن الهجوم قادم وبعد ذلك يحلها ربنا، فإذا تبيّن ضرره لأنه مخدر ولأن فيه ضررًا يبقى حرمناه، وإذا كان ليس كذلك يبقى أبحناه.

فعل المكلف يشمل البيع والشراء والأكل والزواج والعلاج وغيرها

نحن نقول ماذا يا بني؟ نحن نتكلم عن فعل المكلف الذي يشمل البيع والشراء، ويشمل الأكل والشرب، ويشمل العلاج، ويشمل الزواج.

أنا كل مرة أقول لك هكذا: احذر وإلا ستظل في مكانك إلى يوم القيامة، ستجد الناس دخلت الجنة وكل شيء وأنت جالس هنا. ماذا تريد؟

لا يوجد شيء اسمه هكذا، لا يوجد شيء اسمه نزول الشرع بمثابة العلم به. نعم، لا بد طالما جهل، فخلاص هو لا يعرف ذلك. مبلغهم من العلم؛ لأنه هذا من قبيل السبب وليس من قبيل التكليف.

صحيح أنه من قبيل السبب من قبيل التكليف، وفعل البهيمة وفعل المجنون وفعل الصبي وفعل النائم وفعل الغافل، هذا من قبيل الحكم لأننا سنحكم عليه بالقضاء وليس بالشرع؛ لأن كل هذه الأشياء لا إثم فيها، إنما حكمنا عليه بالشرع هو أصلًا.

حكم من جهل الشرع كحديث العهد بالإسلام وأمثلة من الفقه

هذا العلم به أيضًا وضع كذلك. لا، أنت لا تعرف أن الدلوك مرتبط بالدهر، فذهبت لتصلي الظهر الساعة العاشرة لأنك حديث عهد بالإسلام. أنت لا تعرف أن الزنا حرام، فتمشي مع الفتاة صديقتك لأنك في فرنسا ولا تعلم أن الزنا حرام ولا شيء.

لماذا الزنا حرام؟ ما هي صديقتي هي شيء، أنت قلت لنا هكذا، نقيم عليك الحد، لا نقيم عليك الحد. كلامك الذي تقوله هذا يقتضي إقامة الحد عليك، وأنت أصلًا ساذج، وليس ما ارتكبته هذا كفرًا واضحًا لنا فيه من الله سلطان.

أنك أنت صليت الظهر العاشرة صباحًا، لا ستعاقب عليه دنيا أو أخرى. لا يكون جوازًا للهجوم، أنت اعتقدت أنه الآن أقوم لأصلي لله فذهبت وصليت جاهلًا السبب. أنك اعتقدت أنه أسلم أناس على أيدينا يا شيخ محمد، وعندما أسلموا كان هناك تاجر إيطالي يبيع بالتجزئة أو القطاعي.

قصة التاجر الإيطالي الذي أسلم وجهل نقض الوضوء

فلما أسلم لم يكن يعرف مسألة نقض الوضوء، لم يكن يعرف نقض الوضوء، فتوضأ بأمانة الله وبعد ذلك دخل دورة المياه قضى حاجته وخرج لأداء الصلاة. هو توضأ، هو توضأ هكذا كما قلنا له وفعله، يصلي. ماذا ستفعل به؟

أصبح الآن إن شاء الله لا يعرف هذا الترتيب، قال: يا إخواننا أنا لا أعرف، فشرحنا له، فقال: ما علاقة هذه بتلك؟ وتعجب كثيرًا لأنه يظن أن الوضوء نظافة، تنظفت ومزيد من النظافة دخلت دورة المياه.

فيعني لو نظرنا إليها بالعقل تحدث أشياء غريبة. فإذن نحن ما دمنا لم نواجه شخصًا حديث عهد بالإسلام أو شخصًا تربى في جبل شاهق، في جبل شاهق بعيدًا عن المسلمين، وهذا موجود في الفقه هكذا، فيكون إذن هذا معفوًا عنه في العموم أو الامتناع أو التخييم.

وأنه لا حكم قبله بل الأمر موقوف إلى وروده، يعني لا حكم له حتى يرد، فإذا ورد الشرع بالحرمة بالحل بالوجوب بكذا نقول به.

الأقوال الثلاثة في حكم الأشياء قبل ورود الشرع وأدلة كل قول

والأصح ماذا قال؟ لا، لا، يقول أن لا، الذي قال يجوز الهجوم قال لأن هذه مائدة الله خلقها، أي خلقها لنا، أوجدنا هنا يصبح جائزًا أكل هذا الشيء الذي أمامي.

هذا الشيء الذي أمامي ظهر أنه خنزير، ظهر أنه موز. يأكل. الذي يقول لا يقول: لا يتصرف الإنسان في غير ملكه، وهذا ليس ملكك، هذا ملك الله، وما دام كذلك فينبغي أن تنتظر حتى تعرف إذا كان المالك قد أذن لك أم لم يأذن.

والذي يقول يعني الاثنان مثل بعضهما، يقول في الأصل لا يوجد حكم حسب حالتك، إذا جعت فكُلْ، وإذا لم تجع فلا تأكل. هل تنتبه؟

والصحيح امتناع تكليف الغافل والملجأ لا المكره، فهذه فيها خلاف عند الأصوليين، لكن اختيار سيدنا الشيخ هكذا هو أصحاب امتناع تكليف الغافل.

الفرق بين تكليف المحال والتكليف بالمحال وتعريف كل منهما

عندنا كلمتان نريد أن نحررهما: تكليف المُحال، والتكليف بالمحال.

الكلمة الأولى: تكليف المُحال، يعني الغافل، يعني الذي حِيل بينه وبين الإدراك: نائم، مجنون، ساهٍ، غافل. هذا نسميه مُحالًا، حِيل بينه وبين الإدراك.

هل يجوز تكليف المُحال؟ شخص نائم، أذهب وأقول له: صلِّ، وهو نائم لا يسمعني. أخبره أنه إذا لم يصلِ سندخله جهنم، وهو لا يسمعني. هل هذا يعني يجوز؟ أن هذا هو أصلًا لم يصل إليه الكلام.

فالخلل هنا راجع إلى ماذا؟ إلى الفاعل، الفاعل نفسه معطوب، غير سائر، غير عامل. الشيخ أشرف قال ماذا عليك؟ قال: اشتغل، موجود في البخاري. قال: لا، هذا كان شيء هكذا مثل ثلاجة متوقفة وبعد ذلك اشتغلت، فتقول قالت ثلاجة قالت اشتغلت بمعنى، فقال من معانيها في اللغة: اشتغل.

الأصح امتناع تكليف الغافل لعدم الفائدة منه وخلاف بعض العلماء

حسنًا، والأصح امتناع تكليف الغافل الذي هو التكليف المحال. لماذا؟ لأنه لا فائدة فيه. يأتي شخص نائم وتقول له: صلِّ، يعني كلام لا فائدة فيه، وكان ينبغي أن يُتفق عليه، وكان ينبغي أن يُتفق عليه.

لكن بعض من اشتغل بالمعقول قال: الله الله فعال لما يريد، فإذا خاطب المحال فمن حقه من هذا الباب. إنما من الناحية العملية قطعًا أن المحال لا يُكلَّف، وأن الغافل لا تكليف له.

حكاية أن الله يفعل ما يشاء، هو صحيح يفعل ما يشاء، لكن الله سبحانه وتعالى عندما يفعل فهو حكيم، فما الفائدة من هذا؟ قال: لعلها تكون لها فائدة ونحن لم ندرك. كلامًا نظريًا، ولذلك ترى بعضهم صرّح بالاتفاق وقال إن تكليف المحال محال، امتنع عقلًا وعادةً. تكليف المحال محال، وما فائدة عبارة هكذا؟ طبعًا كلمة الأصح هنا تُعكر على هذه العبارة، يجب أن نقول إذن: تكليف المحال محال على الأصح؛ لأنه كان فيها خلاف وفعلًا أرادوا فيها خلافًا عن الإمام الرازق.

التكليف بالمحال وأمثلته كرفع الجبل وشرب البحر والرجوع في الزمان

طيب، التكليف بالمحال، آه، هذا الخلل فيه يرجع إلى الفعل. جاءك بجبل المقطم وقال لك: احمل هذا الجبل، احمل هذا الجبل. أحضرك أمام بحر الإسكندرية وقال لك: اشرب هذا البحر. هل في مقدور الإنسان أن يرفع فوق كتفيه جبلًا؟ لا.

إذن الخلل هنا راجع إلى أي شيء؟ الفعل. فعل صعب جدًا، فعل مستحيل. هل تستطيع في عادتك أن تشرب البحر؟ لا ولا الترعة حتى.

إذا كان هذا التكليف بالمستحيل، قال: وهل هذا معقول للاختبار والابتلاء ولبيان ما إذا وجده قد شرع في الفعل؟! عندما يأتي الشرع ويقول لك: اشرب البحر، يقول حاضرٌ سمعنا وأطعنا. قالوا: سمعنا وأطعنا، وذهبتَ ميلًا في البحر ورجعتَ بكوبٍ وشربتَ أولًا، وبعد ذلك يقول لك: خلاص، اختبرناك ونجحتَ في الاختبار.

يعني التكليف بالمستحيل قد يكون فيه نوعٌ من الاختبار وله معنى؛ لأنه يختبرك وأنت نجحتَ في الاختبار.

قصة إبراهيم وذبح إسماعيل مثال على التكليف بالمقدور لا بالمحال

إنها مثل قصة سيدنا إبراهيم عندما قال له: اذبح ابنك، ولكن هذا ليس تكليفًا بالمحال عندما تكون العملية مثله من ناحية الاختبار، هذا اختبار فقط وليس تكليفًا بالمحال؛ لأن الفعل مقدور عليه، إمساك الولد وذبحه مقدور عليه.

فلما أسلم وتله للجبين وناديناه:

﴿أَن يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ﴾ [الصافات: 104-105]

يكفي هكذا، فلن يقطع رقبة الولد. لا، عفونا عنك وانتهى الأمر.

هل اختبر الله إبراهيم ونجح؟ نعم، نجح إبراهيم عليه السلام ونجح إسماعيل عليه السلام حين قال:

﴿يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [الصافات: 102]

أي: أنا تحت أمرك ما دام الله أراد هذا. وعندما ترك إبراهيم إسماعيل وأمه في الصحراء، قالت له هاجر: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: امضِ في سبيله. حسنًا، بما أن الله أمرك بهذا فنفّذه. نعم، هؤلاء يُختبرون وينجحون، عائلة مباركة.

ذبح إسماعيل ليس تكليفاً بالمحال لأن الفعل مقدور عليه

فإذا كان هذا تكليفًا بالمحال، فلا، هذا ليس تكليفًا بالمحال؛ لأن ذبح إسماعيل مقدور عليه، فيبقى هذا ليس تكليفًا بالمحال.

وكذلك ترك هاجر وابنها في الصحراء ليس تكليفًا بالمحال. التكليف بالمحال يكون عندما يرجع الخلل إلى الفعل، كرفع الجبل فوق رأسك، كشرب البحر لا تستطيع عليه، كالتكليف بالرجوع في الزمان.

قلتُ لك يا شيخ عماد: اذهب لي هكذا إلى سنة سبعين وزُرْ الشيخ صالح. الآن قلتَ لي: لا أعرف، لا أعرف أن أرجع في الزمان؛ لأن الزمان عَرَض غير القارب. هذا تكليف بالمحال. الخلل فيه ليس راجعًا إليك، أنت لم تقل لا، راجع أن جسمك لا يعرف الرجوع في الزمن.

إذا كانت القضية هي أن الفعل فيه خلل أم لا. أما لو قلت لك: اقتل الشيخ عمرو، فستقول: يا ربي، تعالَ! هل انتبهت؟ إنه مقدور عليه.

التكليف بالمحال في قضية أبي لهب وأمره بالإيمان مع علم الله بكفره

فعندما تأتي لتقتله وتحاول قتل الشيخ عمرو، يقوم الشيخ إبراهيم بإطلاق النار عليك فننتهي. إبراهيم سيدافع عن عمرو، فهو من تركة دار الإفتاء. فإذا هذه الأمور نعم تكليف بالمحال.

نعم بعضهم قال هذا عبث أيضًا، ولكن الراجح أنه ممكن. نعم قالوا بل وقع عندما أمر أبا لهب بالإيمان وهو محكوم عليه قطعًا من عند الله بالكفر، قال فكلّفه بالمحال.

فها نحن سنقول يعني دعنا، ما معنى لا داعي لأن أقول أنا؟ ليس بعشكِ فادرجي، مكانكِ تحمدي أو تستريحي. يعني كذلك كذلك كذلك، ها هيا.

فقال: أمر أبا لهب بالإيمان. الشرع يقول لأبي لهب: ماذا يا ولد يا كافر أنت؟ آمن. أؤمن؟ حسنًا، إذا آمنت سأكون قد كذَّبت الشرع. أؤمن بماذا؟ أؤمن بماذا يعني؟ أنا أريد أن أصدق، أصدق ماذا؟ أصدق أن أنا لا أصدق. أتدرك؟

قال إن هذا تكليف بالمحال؛ لأنه اجتماع للنقيضين. كيف يفعلها إذن؟

اجتماع النقيضين في قضية أبي لهب وانفكاك الجهة في التكليف

أعطِ أي شخص هذا المثال ودعه يصدق أنه لا يصدق ما صدقه، هذا مستحيل. فكر فيها، حتى لو فكرت فيها في أمريكا وليس هنا.

صحيح أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، الله سبحانه نعم. لا، من باب انفكاك الجهة. انفكاك الجهة هو التكليف بالفعل الذي لا يقدر المكلف عليه قطعًا، وضربنا مثلًا هنا، لكنه في الحقيقة أن هذا عند اتحاد الجهة، لكن عند انفكاك الجهة يجوز.

أنا أقول لأبي لهب: يا أبا لهب، آمن، ما آمن، فأخبرت عنه بأنه لم يؤمن. فلم يكن الخطاب في وقت الرفض، فالرفض جاء لاحقًا على الخطاب.

حسنًا، أبو لهب هو الذي فعل بنفسه هكذا:

﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 34]

أدخل نفسه في مكان أخبر الله عنه بأنه رجيم وبأنه مرفوض وبأنه مردود، فقطع على نفسه خط الرجم.

قصة إبليس وطلبه التوبة من موسى عليه السلام في الإسرائيليات

فإبليس عندما يريد أن يتوب، هذه أيضًا مسألة. ما زال الشرع حتى الآن ينادي المكلفين بالتوبة. حسنًا، لنفترض أن إبليس يريد أن يتوب، هل يصح ذلك أم لا يصح؟ أتنتبه؟

نعم، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وفعلًا كان في وسعه أن يؤمن، لكنه أدخل نفسه في دائرة الإخبار عنه بانكشاف الغيب، فلم يعد قادرًا على الجمع بين الأمرين، لكن ذلك لم يعد ممكنًا، والتكليف الأصلي كان ممكنًا.

وقيل فيما روي في الإسرائيليات أن موسى قابل إبليس، ثم قال له: يا إبليس. فقال إبليس لموسى: ألن ننتهي من هذه القصة؟ أنا أظل أُضل الناس وأفعل ذلك، وأنت كليم الله، فادعُ الله أن يعفو عني وانتهى الأمر، ونُنهي قضية الوسواس والخناس هذه.

فقال له موسى: والله هذا الكلام معقول. فذهب وناجى ربه: يا رب إبليس يريد التوبة. فقال له: لا مانع من ذلك، ولكن كان السبب في رفضه السجود لآدم. إن قبر آدم في المكان الفلاني - ودل موسى إليه - فليذهب ويسجد له وتنتهي القصة.

رفض إبليس السجود لقبر آدم وما تكشفه القصة من قدر الله النافذ

فذهب سيدنا موسى إلى إبليس وقال له: يا إبليس، لقد جاءك الفرج، ها هو القبر، سنُعرّفه لك، اسجد له وربنا يعفو عنك.

قال له: يا سلام، انظر يا أخي ترتيباتكم، أنا لم أسجد له وهو حي، فهل سأسجد له وهو ميت؟ وذهب مغاضبًا.

فهذه قصة تبين ماذا، وإن كانت يعني من الإسرائيليات التي تُبيّن أن قدر الله نافذ وتُبيّن أن فعلًا لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها: يا إبليس أما تستطيع أن تسجد لقبر آدم؟ الحقيقة يستطيع بمنتهى السهولة. إذا ربنا فعلًا رحيم وفعلًا يأمر بما يستطيع الإنسان، إنما المشكلة جاءت من عند إبليس نفسه، غير راضٍ أن يطيع.

آه، قدر الله في ذلك أمرُ الله، في ذلك، حسنًا.

الطلب الإجمالي بالتكليف والطلب التفصيلي وحكم النائم في الصلاة

لا، هو متوجهٌ إليه طلبٌ ببلوغه سنَّ التكليف، وهذا طلبٌ إجماليٌّ يشمل كل الزمان سواء كان يقظًا أم لا. أما بخصوص تلك الصلاة، فهي مثل الطلب الذي أنت مطالبٌ به بأن تصلي الظهر كل يوم وأنت لا تعرف كم ستعيش، كم يوم ولست أدري إذا كنت ستكون مستعدًا للصلاة في هذا الوقت أم لا.

فإذا كان هناك طلبٌ إجماليٌ يُطالَب به المكلفون إجمالًا لا تفصيلًا، ونأتي في التفصيل: هذا الرجل لديه مانع وهو النوم والغفلة، نام من هنا إلى هناك، نُزع منه الإثم بموجب هذه الغفلة.

نعم، هو عندنا في المذهب الشافعي يُستحب لا يُجبَر، إنما يُستحب للإنسان أن يوقظ أخاه أو أن يوقظ الرجل زوجته أو المرأة توقظ زوجها إلى آخره، ولكن بالرفق وهكذا، يعني بدون العنف، بالرفق هكذا، لكن يُستحب له أن يفعل هذا.

تعريف الملجأ وأنه من فقد إرادته وتحول إلى أداة

حسنًا، والأصح امتناع تكليف الغافل والمُلجَأ. المُلجَأ الذي انتهت إرادته، تعريفه هكذا، الذي انتهت إرادته ليست له إرادة، فتحول إلى أداة أو آلة.

تحول إلى آلة: جلبتك ولففتك بالحبال ورميتك من فوق برج الجزيرة، وأنت نازل قلت لك: اصعد، فنظرت إليّ هكذا وقلت لي: حسبنا الله ونعم الوكيل، كيف أصعد؟ كيف أصعد؟ إن الجاذبية تأخذني، ونزل إلى الأسفل وخلال هذا الحديث القصير كنت أنت اصطدمت في الأرض وقضي عليك.

فيصبح ذلك ملجأً له، ليس هو الذي ألقى بنفسه وسُلبت منه الإرادة وأصبح كقطعة الحجر. هو أثناء نزوله هكذا، عندما جئت ونزلت، نزلت على رأس شخص واقف فقتلته. قتلت ماذا؟ لا شيء، أنت مثل الرصاصة، أنت مثل الحجرة هذه. أنت تحولت فيها من صاحب إرادة إلى أداة سُلبت منك الإرادة ولم تعد لديك إرادة ولا شيء.

الملجأ فقد الإرادة والاختيار فصار كالآلة ولا تكليف عليه

فيصبح الملجأ هو هكذا الذي ليس فيه حول ولا قوة، الذي تحول إلى أداة. هو ليس مريدًا أن لا يقتل ولا ينزل ولا ينتحر ولا أي شيء، يتحول إلى أداة.

وقال الشاعر ماذا؟ ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء. كيف؟ هذا ملجأ.

إن الملجأ الذي فقد الإرادة والاختيار فصار كالآلة، هذا الملجأ فقد الإرادة والاختيار فصار كالآلة. هذه الآلة صدر منها أثر عندما وقعت بهذه الطريقة أنت وقتلت الرجل، فيكون هذا القتل أنت الذي تسببت فيه. هل في جسمك تكليف؟ قالوا: لا، لا تكليف للمُلجأ، فبفقده الاختيار والإرادة فَقَدَ أيضًا التكليف.

إذن الغافل ليس عليه تكليف، المُلجأ ليس عليه تكليف.

هل امتناع تكليف الغافل عقلي أم عادي وتحرير المسألة

نعم، امتناع ماذا؟ يعني هل هو عادي أم عقلي؟ عادي أم عقلي؟ أريد أن أفهم السؤال، أي عدم التكليف.

حسنًا، أجب أنت هكذا، أجبني هكذا لأنك لم تسأل سؤالًا إلا وأنت تعرفه. لقد قضينا معًا ثلاثين سنة وأنت تفعل هكذا، وأنا أفهم السؤال عندما أفهم منك الجواب. يقول هكذا: أجب هكذا، هل هو عادي أم عقلي؟

من قال إن امتناع تكليف الغافل لا يجوز عقلًا؟ كان المعتزلة يقولون يجوز، هو يقول يفعل ما يشاء، هو يقول هكذا، يفعل ما يشاء.

نعم، أنت غير مقتنع بها، لا عليك، لكنه يقول يفعل ما يشاء ويختار فعله متى يريد. فقضية عقلي وعادي هذه أنا لا أفهمها، لا أفهمها.

الملجأ عقلًا ولا عادةً؟ حسنًا، أصل الملجأ صورة من صور الغافل لكي يجمعوا بين الغافل والملجأ.

الفرق بين المحال العقلي والمحال العادي في تكليف الغافل والملجأ

عارف الغافل هذه تفسرها بأيّ شيء: النائم والساهي والناسي وهكذا، والمجنون والصبي غير المميز، وغير ذلك إلى آخره. كتبوها غافل، وهذا ملجأ. كتبوا ملجأ وغافل، وهو محال، يعني حِيل بينه وبين الأمر.

الذي حِيلَ بينه وبين هذا الأمر هل ستُتَصَوَّر فيه أم لن تُتَصَوَّر فيه؟ فإن تصورت فيه يكون من قبيل العادة، وإن لم تتصوره سيكون من قبيل العقل.

الشيخ هنا قال: الأصح يكون من قبيل العادة. لماذا؟ لأن هناك من تصور صورته بعيدة مرفوضة، لكنه تصور. خلاص إذن دائمًا ما دام الأصح يكون، ففي رأي آخر، ويكون هناك تصور يكون ليس من قبيل العقل؛ لأن العقل المحال العقلي هو ما لا يتصور في العقل حدوثه.

المحال العقلي هو اجتماع النقيضين وموقف ابن عربي منه

نعم ماذا يعني أن يختلف في المستحيل العقلي؟ إذا استطعت أن تأتي لي بصورة صار غير مستحيل، صحيح، لأنه هذا هو. جاء وقال: والله أنا لست متصورًا كيف. لست متصورًا وأنت تقول الأصح فيكون عاديًا.

نعم، أنا أقول لك إنها أمور مستحيلة عقليًا عندك، أحضرت لي صورة خرجت من المستحيل العقلي إلى المستحيلات العادية. أحضرت لي صورة حقيقية للمستحيل العقلي وهو اجتماع النقيضين.

فجاء محيي الدين بن عربي وقال: اجتماع النقيضين جائز، يعني لم يعد هناك مستحيل عقلي. وقال: دخلت في أرض سمسمة البيضاء فرأيت بعيني اجتماع المستحيل العقلي اجتماع النقيضان.

هذا كان هو رأى بعينه اجتماع النقيضين، فتصبح هذه الصورة ليست محالًا عقليًا؛ لأن المحال العقلي لا يُتصور في العقل حتى في الوهم حدوثه.

الأضواء السبعة ومثال المكعب والكرة وتوضيح الجمع الصوري لا الحقيقي

بعد ذلك توجد شيء يسمى الأضواء السبعة، ويقولون إن هذا النور له موجة، وأنه لو اختلفت هذه الموجة تغيرت الأشكال. وإذا كان هذا شكله كرسي كما تراه هكذا، ستجده لا، ستجده وعاء بالضوء الثاني.

يبدو أنه رأى شيئًا مثل ذلك، رأى شيئًا واحدًا مثل مكعب، تفاجأ به مكعب وكرة في نفس الوقت بناءً على انعكاس الأضواء عليه. فنقول له: حسنًا، لو تحسست عليه ماذا سيكون؟ مكعب أم كرة؟ سيتحسسه هكذا سيجده مكعبًا، فلماذا يراه كرة؟ لكونه أيضًا يراه مكعبًا لاختلاف انعكاس الأضواء عليه.

فيقول: هذا اجتماع نقيضين. قلنا له: لا، هذا نوع من أنواع الجمع الصوري وليس الحقيقي، ولذلك في هذا الجمع الصوري لن يصير مستحيلًا عقليًا. فالمحال العقلي كله مرتبط بقضية اجتماع النقيضان.

تفكيك النقيضين يحول المحال العقلي إلى إمكان عقلي أو محال عادي

أنت فككت النقيضين فلا يصبح محالًا عقليًا، بل يتحول مباشرة إلى إمكان عقلي أو إمكان عادي أيضًا أو محال عادي لا يحدث شيء.

القضية هنا يقول لك أنه من قبيل المحال العقلي، فيكون غير متصور غيره؛ لأنه يقول: الخطاب هو توجيه الكلام الذي يقتضي الإدراك، وهذا لا إدراك فيه. فقلنا فيه إدراك ليس فيه إدراك وصار لابسًا في هذا.

نعم يصبح من قبيل المحال العقلي، لكن لو تبيَّن له أن هناك صورة يمكن أن تتم أخرى من غير أن تعود على مفهوم الخطاب بالبطلان، نعم يصبح محالًا عاديًا؛ لأنه يقول: قال الأصح يكون هناك واحد أدرك صورة أخرى لكنّه رفضها.

فهو يقول: لا، مثلما نحن رافضون كلام محيي الدين بن عربي. جاء الشيخ الشعراني وصدّق بكلام محيي الدين. إن كلام محيي الدين هذا يرفضه الأشاعرة ظاهرًا وباطنًا، كلمة واحدة؛ لأنه يُسقط إقامة الدليل على الصانع تمامًا، يعني سيهدم الدنيا هذا الكلام الخاص بمحيي الدين.

موقف الأشاعرة من كلام الشعراني وحكيم الترمذي في المحال العقلي

جاء الشعراني وتمادى فيه وقال: لا، الحكيم الترمذي عدّ أربعين صورة من صور المحال العقلي، منها إدخال الموسع في المضيق دون أن يتسع المضيق أو يضيق الموسع، حتى يلج الجمل في سم الخياط. جمل وثقب إبرة، ليس ممكنًا.

لكن لو اتسع ثقب الإبرة إلى أن أصبح خمسة أمتار في خمسة أمتار، أو لو ضاق الجمل حتى أصبح بحجم الخيط، فنمشي. حسنًا، الله خلق جملًا بحجم الخيط هكذا، حسنًا، لا يحدث شيء.

قال: لا، حدث عند الشيخ الجوهري: إدخال الموسع في المضيق دون أن يتسع المضيق أو يضيق الموسع. قلنا له: وماذا بعد هذه الدروشة التي لا فائدة منها؟ أبناء السلفية لن يسكتوا هكذا.

الأشاعرة قالوا له: لا يا سيدي الشيخ الشعراني، هذا لا يصح. قال: لا، لقد حصل. قلنا: ما الذي حصل؟ قال: إن الشيخ الجوهري ذهب إلى النيل كي يستحم.

قصة الشيخ الجوهري بين النيل والفرات وتفسيرها العقلي

قال: خلع ملابسه ونزل في الماء، فإذا بمجموعة تنتظره عند ملابسه لئلا تُسرق، فلم يحدث له شيء. قال: فعندما صعد فوجد نفسه في نهر الفرات، أي أنه غطس هكذا في نهر النيل ثم صعد ليجد نفسه في نهر الفرات.

قلنا له: لا يحدث شيء، يتصور العقل أنه مشى تحت الأرض هكذا وخرج هنا. هل يتصور يعني المستحيل العقلي؟ هذا مستحيل عادي، لكن المستحيل العقلي لا، ليس مستحيلًا، ها هو قد فعل ذلك، أتعلم؟

المحال الذي يكون عقليًا لا يمكن تصويره في السينما، أما المحال العادي فيمكن تصويره في السينما. هل يمكن أن نصور شخصًا نزل هكذا وذهب ماشيًا في الأرض هكذا ثم صعد؟ نعم، يمكن أن نصنع رسمًا كاريكاتوريًا هكذا.

طيب، صعد في العراق بسلامة الله، وجد أناسًا جالسين قالوا له: ما هذا؟ من أين صعدت أنت؟ قال لهم الله: أين إخواني وأين ثيابي؟ قالوا له: لا نفهم.

تفاصيل قصة الشيخ الجوهري وزواجه في العراق وعودته للنيل

فقال: أنا نزلت في النيل وصعدت هنا. قالوا له: والله يعني أنت ولي من أولياء الله الصالحين. قبضوا عليه وزوّجوه وأنجب هناك، وبعد عشر سنوات وصار الولد عمره عشر سنوات، نزل مرة أخرى في النيل في الفرات ثم ظهر في النيل، فوجد أصحابه جالسين كما هم.

قال لهم: كم من الوقت غبتُ؟ قالوا له: دقيقتين. هل استطعت أن تكتم نفسك دقيقتين؟ قال: لقد حدث لي ما لا يحدث لأحد، لقد أخذت غطسة هكذا فوجدت نفسي في الفرات. قالوا له: إنك ولي. زوجوني وأنجبت ولدًا يبلغ عشر سنوات الآن.

انتبه، نحن في سنة إحدى عشرة والولد في سنة واحد وعشرين. كلام غير منطقي. فغطست مرة أخرى وجئت إلى هنا.

حسنًا، ما تقوله هو كذب. قال له، قال لهم: حسنًا، سأخبركم بشيء، أرسلوا العنوان وأحضروا الولد. فأرسلوا وجاؤوا بالولد وجلس، حيث وصل الصبي هنا في نوفمبر أو أكتوبر سنة إحدى عشرة، والمفروض أنه يبلغ عشر سنوات في سنة واحد وعشرين. كيف يمكن تصديق هذا الكلام؟

رفض قصة الشيخ الجوهري وفائدتها في تذكر عبارة إدخال الموسع في المضيق

إنه لا يُصدق ولا يقبله أهل المعتقد ولا أهل العقل السليم. وهذه مجرد أشياء نرفضها كحكايات، لكنها تعلمك العبارات الصعبة التي تقول: لا يجوز إدخال الموسع في المضيق دون أن يتسع المضيق أو يضيق الموسع.

لكن المكره لا، وهذا ما سنقوله غدًا إن شاء الله.

فالحكايات هذه تساعد على ماذا؟ على أنك حتى تتذكر العبارات الصعبة المركبة هذه وتصبح سهلة: لا يجوز إدخال الموسع في المضيق إلا طبعًا بدون شك مركبة كما كان قبل هكذا.

ذهب وتزوج في العراق ويريد أن يُحضر الولد، زوجته تضايقه ويريد أن يُظهر لها أن هذه وكرامة أو شيئًا من هذا القبيل، لكنه أربك لنا العلوم كلها لأجل الولد الذي سيُحضره من العراق. ما علاقتي أنا؟ فتاة عراقية كانت هنا تزوجها، حملت ثم ذهبت إلى هناك، أنجبت ثم أرسلت له قائلة: يعني لن ترى [ابنك]؟ ابنك هذا له عشر سنوات، لو أحضرها زوجته تذبحه. فذهب وألَّف هذه القصة، نزل هنا وصعد هناك. فانتظر يا بني حتى نقول العبارة: ما الذي تكتبه؟ لا يجوز إدخال الموسع في المضيق دون أن يتسع المضيق أو يضيق الموسع، لكن المكره لا، وهذا ما سنقوله غدًا إن شاء الله.