دورة أصول الفقه جـ6 | بتاريخ 23-10-1994 | أ.د. علي جمعة
- •الاستدلال في اللغة العربية يعني طلب الدليل، والمجتهد يسعى لتحصيل الأدلة للوصول إلى الأحكام الشرعية.
- •يواجه المجتهد تحدياً بين محدودية الأدلة النصية وكثرة الحوادث المتجددة، مما دفعه لابتكار آليات للقياس والإلحاق.
- •اختلف الأئمة في اعتبار بعض الأدلة كعمل أهل المدينة عند الإمام مالك، وقول الصحابي، وشرع من قبلنا.
- •الإمام مالك اعتبر عمل أهل المدينة حجة في الترجيح وقبول الأحاديث ورفضها، وليس دليلاً مستقلاً لإنشاء الأحكام.
- •الدافع لاعتبار قول الصحابي حجة هو خلو النصوص الظاهرة من الحكم المطلوب مع الاعتراف بمكانة الصحابة وفهمهم للتشريع.
- •المصلحة المرسلة دليل أنشأه المجتهدون لتغطية المساحات الواسعة من الأفعال التي لم يرد فيها نص.
- •تنقسم المصالح إلى معتبرة وملغاة ومرسلة، والأخيرة هي التي سكت عنها الشرع ولم يرد فيها اعتبار أو إلغاء.
- •الشريعة تمثل النظام العام والآداب للمسلمين، وهي المرجع في تحديد المصالح.
معنى الاستدلال في اللغة العربية ودلالة الألف والسين والتاء على الطلب
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه. نتعرض إلى ما يمكن أن نسميه بالاستدلال، والألف والسين والتاء تدخل في العربية للطلب؛ فنقول "استدان" أي أنه قد طلب الدين، ونقول "استحجر الطين" أي صار الطين حجرًا، فكأن الطين يحاول أن يطلب الحجرية، يحاول أن يصبح حجرًا. ونقول "استفهم" أي أنه قد طلب الفهم، أراد أن يفهم، وهكذا.
فالألف والسين والتاء وإن عدُّوها تدخل لنحو عشرة أغراض، لكن لو تأملنا في هذه الأغراض كلها لوجدناها أنها تتلخص في قضية الطلب. فاستدلّ أنه قد سعى إلى تحصيل وطلب الدليل، والاستدلال بالطلب وحصل طلب أن يحصل الدلالة.
الأدلة المختلف فيها وحاجة الفقيه إلى أدلة إضافية غير المتفق عليها
وهو أيضًا ما يُعرف بالأدلة المختلف فيها. لهذا احتاج الفقيه أن يذهب إلى أدلة أخرى، وقد عرفنا أن الكتاب والسنة هما المصدران الأساسيان للتشريع، وأن الإجماع وظيفته أن يحوّل الظني إلى قطعي فيرفع النزاع ويجمع الأمة على قدر مشترك، فلا تنفلت الأمور إلى احتماليات الدليل النقدي.
وأن الإلحاق [أي القياس] يعالج تلك الفجوة ما بين الأدلة لانحصارها في عدد معين معدود محدود، وبين الحوادث التي نريد أن نتبيّن لله سبحانه وتعالى فيها ولها حكمًا. فهذه الفجوة ما بين الحوادث غير المتناهية المتجددة غير المحصورة التي تتجدد عبر الزمان والمكان، وتلك المصادر المحدودة، قد صنعنا لها آليات هي آليات القياس أو الإلحاق؛ حتى نتمكن من إلحاق الفرعي بالأصلي في حكمه عندما يشترك في علته، إلى آخر ما قد ذكرناه بالمقال الثالث.
هل تكفي الأدلة الأربعة المتفق عليها أم يحتاج المجتهد إلى أدلة أخرى
أوليس هذا [أي الأدلة الأربعة المتفق عليها] كافيًا؟ المفروض أنه يكفي، وهناك بعض من اكتفى به لدرجة أنه لم يقل بشيء من الأدلة التي سنذكرها اليوم. فكأن الأدلة التي سنذكرها اليوم هي تحصيل حاصل، أو هي تُطمئن قلب المستند، ولكن لا تُنشئ حكمًا، أو هي ليست معتبرة بل المعتبر هي الأدلة [الأربعة]، وبذلك لا يقولون بها.
وبعض الأئمة يتخيّر منها دليلًا أو اثنين أو ثلاثة، وبعضهم يختار أدلة أخرى غير هذه الأدلة الثلاثة التي تخيّرها أخوهم المجتهد الأول، وهكذا. فالقضية هنا هي أن هذه الأدلة مختلف فيها بالإجمال، وكانت المختلف فيها تشمل ذلك الذي يأخذ بها كلها، وذلك الذي يرفضها كلها، وهذا الذي يتخيّر منها فيأخذ بعضها ويُعرض عن بعضها الآخر.
عدد الأدلة المختلف فيها يربو على الثلاثين وبعضها قواعد فقهية
فكل ذلك كائن. عدد هذه الأدلة يربو على الثلاثين - ثلاثين دليلًا - لكن يشتهر منها نحو ثمانية أو تسعة، حتى إذا ما أضفناها إلى الأربعة المشهورة المعروفة المتفق عليها التي ذكرناها، فإنها تصل في حدود اثني عشر دليلًا أو ثلاثة عشر دليلًا في هذا الحدود. إنما أوصلها عندما عدّها بعض الحدود مثل الشيخ جمال الدين القاسمي إلى نحو من أربعين دليلًا. إذن الأدلة المتفق عليها، دا غير العلم المختلف فيه، ستة وثلاثين دليلًا.
لكن لو تأملنا في غالب هذه الأدلة ستة وثلاثين أو التي خرقت ثلاثة عشر، لوجدناها كأنها قواعد فقهية. مثلما يكون "ارتكاب أخف الضررين واجب"، أعدّها بعضهم دليلًا وبعضهم يعدّها كقاعدة: إن ارتكاب أخف الضررين واجب.
قاعدة ارتكاب أخف الضررين واجب بين كونها دليلاً وقاعدة فقهية
هذه مسألة عقلية؛ لأن الإنسان إذا لم يرتكب ذلك الضرر الأخف فإنه يقع ولا محالة في الضرر الأعظم، وعلى ذلك فكل عاقل يدرأ هذا الضرر الأعظم بذلك الضرر الأخف. فهذا يتفق عليه العقلاء، وهذه تفصيلة استُعملت بصورة قاعدة أكثر مما أُطلق عليها دليل.
وعلى أن الدليل قد يُطلق وينظم القاعدة، وهذا هو الذي جعل بعضهم جعل بعضهم يذكرون كلمة "دليل" بإزاء هذه القواعد. الدليل يُذكر وينظم القاعدة.
أسئلة جوهرية حول حاجة المجتهد إلى الأدلة المختلف فيها وإمكانية توليد أدلة جديدة
ونرى عبر اليوم ببعض تلك الأدلة، ونرى كيف ولماذا احتاج إليها المجتهد، وهل هذه الحاجة حاجة حقيقية، وهل هذه الحاجة حاجة مرتبطة بالزمان.
وهل يمكن لنا الآن أن نولّد أدلة أخرى إذا ما احتجنا إليها؟ كما ولّدت تلك الأدلة أئمة ليسوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تكن في عهد الصحابة، لم يكونوا في القرن الأول مثلًا، بل كانوا في قرن قد بعُد عن القرن الأول. ونحن أيضًا قد بعُدنا عن القرن الأول، وبناءً على ذلك، فيمكن لنا أن ننشئ الأدلة؟ وكيف ننشئ الأدلة إذا ما احتجنا إليها؟ ولماذا ننشئها وكيف نفعلها؟ كل هذه الأسئلة تلقي لنا أضواء على ذهن المجتهد كيف يعمل أو كيف كان يعمل.
عمل أهل المدينة كدليل عند الإمام مالك وموقف بقية الأئمة منه
فمثلًا نذهب إلى عمل أهل المدينة، هل هو حجة؟ فالإمام مالك يعدّ عمل أهل المدينة ويعتبره حجة، وغيره من الأئمة كالشافعي والأوزاعي وابن حنبل وأبي حنيفة وكذا لا يعتبرونه حجة.
ما الذي دفع الإمام مالك لأن يعتبر عمل أهل المدينة حجة؟ إذن فلا بد علينا أن نفكر وأن نتصور وأن نذهب بداخل عقل الإمام مالك لنرى كيف كان يفكر.
حديث سليك الغطفاني وأمر النبي له بصلاة ركعتين أثناء الخطبة
النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب في يوم الجمعة، يدخل رجل من غطفان اسمه سليك، وسليك الغطفاني يجلس. النبي صلى الله عليه وسلم يقطع الخطبة ويقول له:
«يا سليك، هلّا حيّيت الله بركعتين، لقد دخلت في المسجد فجلست فورًا دون أن تصلي ركعتين تحية المسجد»
فقام سليك فصلّى. هذا الحديث رواه ثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصل بطريقة صحيحة إلى الإمام مالك.
سند حديث سليك ووصوله إلى الإمام مالك بسلسلة ثقات قريبة العهد
الإمام مالك سمعه من أحد العلماء الثقات، الذي سمعه من شيخه وكان ثقة، والذي سمعه من صحابي، الصحابي الثقة الذي أخبر أنه قد رأى هذا الموقف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المسألة بسيطة: الإمام مالك متوفى مائة وأربعة وسبعين هجريًا، عن ثمانٍ وثلاثين سنة أو ثمانية وسبعين سنة، مولود عام ستة وسبعين. انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى سنة أحد عشر، أي ما بين وفاة النبي وولادة مالك ما يقارب ستة وثمانون عامًا.
يعني الأمر لم يزل، ماذا؟ يعني لا يوجد جيلين. الإمام مالك يروي عن نافع عن ابن عمر، يعني بينه وبين الصحابة، يعني هو رأى أبناء الصحابة، شيوخه وأساتذته هم أبناء الصحابة، فالحكاية قريبة.
إشكال الإمام مالك من مخالفة عمل أهل المدينة لحديث سليك الصحيح
لكن هذا قد أحدث له [أي للإمام مالك] إشكالًا في ذهنه ومشكلة في ذهنه وفي نفسه. ذلك المسألة قريبة أيضًا، وهو لم يرَ أحدًا إطلاقًا من أهل المدينة يأتي متأخرًا ويصلي ركعتين. كل من أتى من أهل المدينة جلس.
ما هذا؟ نحن مازلنا في عصر الخير، والعلماء منتشرون، والأتقياء منتشرون، وهؤلاء الذين نراهم وتعلّمت على أيديهم هم أبناء الصحابة. نعم، أيُجمعون كلهم هكذا على الخطأ؟ أنا حدث عندي أنا مالك اضطراب قليلًا؛ لأن واحدًا يخبرني بنبأ قولي، وجماعة تخبرني بنبأ فعلي.
تعارض حديث الآحاد مع عمل الجماعة وترجيح الإمام مالك لعمل أهل المدينة
هو رآهم لا يصلّون [أي ركعتي تحية المسجد أثناء الخطبة]، والله، وهؤلاء قد رأوا آباءهم الصحابة لا يصلّون. هل هذا معقول؟ فالإمام مالك يقف عند هذه الجزئية ويقول: لقد حدث في قلبه شك وعلامة استفهام من هذا الحديث الذي سمعته من واحد على أنه يخالف العمل الذي عليه جماعة.
فكأن هذا آحاد وكأن هذا كلام الجماعة عن الجماعة، فيكون العمل أقوى. فكيف أترك العمل؟ والعمل ليس صادرًا عن أشخاص عاديين، عن أشخاص مقصّرين في ركعتين، لا! بل هؤلاء هم الأتقياء الأنقياء، أئمة مجاهدين علماء، أبناء الصحابة الذين رأوا هذا عن آبائهم، وهم متمسكون بكل همسة ولمسة عرفوها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى في مشيته، حتى في كيفية تسوية لحيته، حتى في أمور حياته.
إن الذين يتمسكون بهذه الكيفية غير معقول أن يجتمعوا جميعًا على هذا الشكل.
حديث التبكير إلى الجمعة ومخالفة أهل المدينة له في الواقع العملي
مالك يسمع أن نبيكم صلى الله عليه وسلم - ويسمع من ثقات - النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«من أتى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرّب بقرة أو بدنة، ومن أتاها في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن أتاها في الساعة الثالثة فكأنما قرّب شاة» أخرجه البخاري
وهكذا، يعني يحثّ على التبكير، أن تذهب مبكرًا إلى الجمعة. فالأفضلية في الساعة الأولى، والساعة الأولى لديه تقريبًا عند طلوع الشمس، أي في الشروق، فإنني أذهب لأصلي الجمعة ولكن أول طلوع الشروق أجلس في المسجد وأعبد الله سبحانه وتعالى.
والحديث صحيح لا يوجد فيه كلام، إلى أن قال: ومن جاء بعد ذلك فالملائكة تغلق الصحف، تغلق التسجيل، ويردّوا باب التسجيل إذا الإمام صعد للمنبر.
الإمام مالك لم يرَ أحدًا من أهل المدينة يبكّر إلى الجمعة رغم صحة الحديث
الإمام مالك لم يرَ أحدًا من أهل المدينة من العلماء يبكّر إلى يوم الجمعة. فهو يذهب قبل الأذان بربع ساعة، ويذهب عشر دقائق، شيء من هذا القبيل.
من أين أتى هذا الحديث؟ يعني الصحابة كلهم لم يسمعوا؟ من يقيمون في المدينة، يعني أولادهم كلهم. وقلنا أن أولاد هؤلاء الذين نحن نعرف جيدًا من هم، هذا جزء من القضية: أنهم علماء وأتقياء وأنقياء ومتتبعين للسنن والآثار، ويهتمون بشدة بالحركات والسكنات لسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم وبإقامة السنة في أنفسهم. هذا ما يفعلونه، عجيب! فيجد عمل أهل المدينة مخالفًا لحديث صحيح.
موقف الشافعي وأبي حنيفة من تقديم النص على عمل أهل المدينة
الإمام الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما يقولون: النص هكذا، ما لنا بعمل أهل المدينة! هل هم معصومون؟ هل هم كل الصحابة؟ كثير من الصحابة تركوا المدينة وسافر إلى الآفاق.
وأنا لا أدرك يعني لماذا فعلوا هذا، أنا لا دخل لي بهذه القضية. أنا ألتزم بهذا الحديث ورُدّ إليّ بسند صحيح يأمرني بهذا فائتمر. ما الذي يجعلنا ندخل في مقارنة بين هذا الحديث وبين عمل أهل المدينة؟
حجة الإمام مالك في تقديم عمل الجماعة على حديث الآحاد عند التعارض
والثاني [أي الإمام مالك] ليس مطمئنًا لهذا الكلام؛ لأنه لا يتصور أن يكون الحديث صحيحًا في حين أن أهل المدينة لا يعملون به مطلقًا، إطلاقًا اتفقوا على عدم العمل به.
يقول [الإمام مالك]: حدث لي في ذلك تعارض، وعلى ذلك فسأقدّم كلام المجموع أو عمل المجموع على كلام فرد بعينه. ولذلك سأقدّم عمل أهل المدينة وسأجعله حينئذ حجة تفسّر لي السنة، وحجة أستطيع بها أن أستخدمها في قضية القبول، وحجة تساعدني في نظرية التعارض والترجيح، فأجعل عمل أهل المدينة مرجّحًا لرأي على رأي، ولقبول حديث على رفض، أو رفض حديث على قبول.
حقيقة موقف الإمام مالك من عمل أهل المدينة كآلية ترجيح لا دليل مستقل
إذن فالإمام مالك هنا في حقيقة الأمر لم يجعل عمل أهل المدينة دليلًا لإنتاج حكم شرعي جديد، بل جعله من آليات القبول والرفض، وجعله من آليات فك التعارض، وجعله من آليات الترجيح التي يستطيع بها أن يرجّح رأيًا على آخر، أو أن يقبل حديثًا دون آخر، أو أن يعتمد على مذهبًا دون مذهب.
فتسمية هذا بالدليل فيه تجاوز. والذي دفعه إلى ذلك هو دفع التعارض والتنافر، وهو محاولة للوصول إلى التغيير، إلى القول بالظن دون الوهم، والراجح دون المرجوح.
كيفية نشأة دليل عمل أهل المدينة من التفكر في التعارض بين النص والعمل
توليد ذلك الدليل كيف نشأ؟ نشأ من التفكّر: حديث صحيح يقابله ويعارضه عمل الجماعة، يبدأ التفكير في محاولة الترجيح بأيهما نأخذ. فيأخذ الشافعي بصريح النص، ويأخذ مالك بعمل الجماعة؛ لأنه يرى الجماعة ناقلة لحديث متواتر.
فكأن هناك حديثين: حديث آحاد وحديث متواتر، والترجيح طبعًا يكون للمتواتر على الآحاد.
مناقشة المالكية حول المقصود بعمل أهل المدينة والأمور المتفق عليها فيه
ولذلك لما جاؤوا ليناقشوا المالكية قالوا لهم: ماذا تقصدون بعمل أهل المدينة؟ إن كنتم تقصدون أن أهل المدينة نأخذ منهم الكيل والميزان والصاع والمد، وما هو الدرهم، ما هو الدينار، ما هو كذا، فهذا مسلّم نأخذ به.
على هذه الحالة إن كنتم تريدون أن نأخذ من أهل المدينة: أين هجر؟ يقول: إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر. هجر هذه أين؟ هجر هذه ضاحية من ضواحي المدينة، فأيّ مكان أهل المدينة أدرى به، يدلّون عليها، فهذا نأخذ به دون شك.
كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يتوضأ من بئر بضاعة، فأين بئر بضاعة هذه؟ وسيدنا عثمان اشترى بئر رومة أو بئر حاء، فأين بئر حاء؟ فهذا نأخذه نعم من أهل المدينة، وهذا باتفاق.
حقيقة مقصد الإمام مالك من عمل أهل المدينة هو الترجيح عند التعارض
أو أنكم تعنون أنهم يُنشئون الدليل؟ هو في الحقيقة معنى كلام الإمام مالك هو ما ذكرنا: أنه حدث عنده تعارض بين حديث في صورة الآحاد وحديث مقدّر في صورة المتواتر.
هذا التقدير جاءه من أن جماعة قد اتفقت على عمل معين، فكأنه في قوة الحديث. فاضطر الإمام مالك إلى أن يؤوّل ذلك أو أن يرفضه.
تأويل الإمام مالك لحديث سليك بأنه خاص به لغرض التنبيه على فقره
فقال [الإمام مالك] في حديث سليك: لا، رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصد سليكًا بالذات؛ لأن سليكًا كان صعلوكًا، كان فقيرًا، فأراد أن ينبّه الناس إليه. يعني الناس عندما تعرف أن سليكًا حضر فإنها تعطيه شيئًا بعد الصلاة، تعطف عليه بصدقة.
بدلًا من أن يُحرجه أمام الناس ويقول: يا سليك أنت حضرت يا إخواننا فلتعطوه شيئًا، شيئًا هكذا، نعم شيئًا هكذا هو بعد الصلاة. ما كان هذا شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن ينبّه إلى ذلك فقال:
«يا سليك، هلّا حيّيت الله بركعتين»
فتنبّه الجالسون جميعًا من هذا الشأن أن سليكًا حضر، أي أن من يريد أن يعطيه شيئًا تنبّه أن سليكًا - والحمد لله - قد جاء في هذه الجمعة، وهو رجل غطفاني غريبٌ فقيرٌ إلى آخره.
سبب لجوء الإمام مالك إلى تأويل الحديث بسبب تعارضه مع عمل أهل المدينة
لماذا يا مالك تقول هكذا؟ يعني لماذا هذه اللفّة؟ الشافعي لم يفعل هكذا ولا أبو حنيفة، أخذوا الحديث وطبّقوا مباشرة: الذي يدخل والإمام يخطب يقوم فيصلي ركعتين، لم ينظروا إلى هذا المعنى.
قال [الإمام مالك]: أنا اضطررت إلى هذا لأنه تعارض مع عمل أهل المدينة. وعمل أهل المدينة حجة، في ماذا؟ إنشاء الأحكام؟ لا. حجة في الترجيح، وحجة في القبول والرفض عنده، وحجة كذا إلى آخره. وهذا هو معنى دليلية كون هذا الشيء - يعني دليل عمل أهل المدينة.
قول الصحابي كدليل شرعي والدافع إلى اعتباره عند خلو النصوص من الحكم
بعضهم يقول: قول الصحابة دليل من الأدلة. ما الذي دفعه إلى هذا؟ الذي دفعه إلى هذا خلو ظاهر - خلو ظاهري - لحكم من الأحكام في الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
ينظر المجتهد فلا يسعفه تفكيره أن يجد في كتاب الله، يمكن بعد تأمل طويل أن يجد في كتاب الله، لكنه لا يسعفه تفكيره حالًا أثناء نظر القضية، أثناء حاجته إلى إصدار الحكم والفتوى. لا يسعفه تفكيره ولا ذهنه في أنه يجد شيئًا في كتاب الله حول هذه القضية، لا أصلًا ولا ما يصلح أن يكون مقيسًا عليه، لا هذا ولا ذاك.
وكذلك في السنة، ولم يرد إجماع يعرفه هو، ليس هناك هذا ولا ذاك، لكنه وجد قولًا للصحابي.
شروط اعتبار قول الصحابي حجة وصحته وعدم معارضته من صحابي آخر
فهل يُعدّ هذا القول [أي قول الصحابي] حجة في ذاته؟ أيّ قول للصحابي؟ قال: لا، هو قول للصحابي صحيح عنه وتأكدت من أنه صحيح، ثم إنه أيضًا لم يرد ما يخالفه عن الصحابة الآخرين. هو واحد فقط قال هذا الكلام.
فهل أَعُدُّ هذا أصلًا؟ وهل هذا الأصل أقيس عليه؟ كذلك، كثير من فتاوى الصحابة كانت على هذا الشأن: أمر أتى ويذكره الصحابي ولا يعارضه أحد.
قصة حكم الإمام علي في من ادعى رؤية أم رجل في المنام وطلب إقامة الحد
من طرائف ذلك أن رجلًا أصبح يقول لرجل - وكأنه يغيظه أو يستفزه -: إنني كنت مع أمك طوال الليل في المنام، كنت أحلم أنني مع أمك طوال الليل.
فذهب [المشتكي] إلى عليّ [بن أبي طالب رضي الله عنه] يشكو ويقول له: يا أمير المؤمنين، أقم عليه الحد. كان الرجل متغيّظًا من صاحبه يغيظه، فقال له: يا أمير المؤمنين، أقم عليه الحد.
قال [الإمام علي]: ليقف في الشمس ولتُضرب ظلّه. ما هو منام! كأنه الإمام علي هنا فعل شيئًا عجيبًا.
حكمة الإمام علي في مناسبة العقوبة الوهمية للجريمة الوهمية
الرجل النائم ما كان ينبغي عليه أدبًا أن يقوم - إن كان صادقًا - ويقول مثل هذا الكلام التافه الصغير، لكنه فعل. لكنه قد أتى بشيء غير محسوس وغير فعلي، إنما هو توهّم النائم.
فماذا علينا أن نفعل وهذا صاحبنا يطالب بحد في ظهر أخيه؟ هذا كشأن المعتدي المستيقظ؟ فيريد الإمام علي أن لا يترك المسألة تسير من غير عقاب، ولا يريد أيضًا أن يقع في جريمة وهي أن يضرب أحدًا من الناس حدًّا ليس مستحقًّا له.
فسيذهب به إلى ساحة الأحكام ويوقفه في الشمس فيكون له ظل فيُضرب هذا الظل. كان هذا نوعًا من أنواع الفضيحة فقط، نوعًا من أنواع التعزير، نوعًا من أنواع الضغط النفسي على هذا، ويتناسب حجم التعزير مع جنس الجريمة التي قد ارتكبها.
جعل قول الصحابي أصلاً يُقاس عليه في تحويل الجريمة الوهمية إلى عقوبة وهمية
هل نفّذوا هذا الحكم أم لا؟ لم يرد في الكتب أنهم نفّذوه أم لا، لكن يأتي أحدهم ويجعل قول الصحابي هذا حجة، ويجعله أصلًا يجوز القياس عليه.
ويبدأ في كل ما من شأنه تحويل الحس إلى وهم - سواء كان في المنام أو في الذهن - أن يكون جزاؤه هو ما يكون أيضًا في صورة الوهم، قياسًا على استنباط الإمام علي لهذه القضية وفهمه لها.
لماذا يلتجئ المجتهد لاعتبار كلام الإمام علي حجة؟ لأنه في بداية الرأي وحينما أراد أن يتأمل وأن يقضي في القضية التي أمامه، بحث في القرآن والسنة والإجماع والقياس فلم يجد، لم يجد لا أصلًا نصيًّا ولا ما يصلح أن يكون أصلًا.
الخلو الظاهري للمصادر الأساسية هو الدافع لإنشاء دليل قول الصحابي
إذن فالذي دفع المجتهد لإنشاء ذلك الدليل الخلو الظاهري. يمكن أن نقول هكذا: أن المجتهد ما الذي جعله ينشئ هذا الدليل؟ الخلو الظاهري، خلو المصادر الأساسية من هذا الشيء.
فاتجه إلى ما تحت يده محاولًا أن يجعل كلام الصحابة - وهم العرب الأقحاح الذين عندهم ملكة، الذين تربّوا في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم، رأوا منازل الوحي، فهموا الخطاب، تدرّبوا على الفتوى - صفات كثيرة في الصحابة لا توجد في غيرهم: مشهود لهم بالتقوى، مشهود لهم بالورع، بالصدق، بالثقة إلى آخره.
شرع من قبلنا هل هو شرع لنا ومذاهب العلماء في ذلك
شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟ دليل أنشأه المجتهدون واختلفوا فيه على مذاهب:
- بعضهم يقول: شرع من قبلنا شرع لنا مطلقًا.
- وبعضهم يقول: شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا مطلقًا.
- وبعضهم يقول: شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد ناسخ في شرعنا.
- وبعضهم يقول: شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يعارض أصلًا من أصول شرعنا.
وأشياء مثل ذلك.
الدافع الأول لإنشاء دليل شرع من قبلنا وهو حجية القرآن الكلية واستنباط الأحكام منه
أصلًا لماذا نعتبر هذا دليلًا؟ هنا لو جلسنا نبحث في ذهن المجتهد ونرى لماذا التجأ مَن التجأ من المجتهدين إلى مثل هذا، وكيف كان يفكر، يمكن أن نجد أمرين دفعا المجتهدين للتفكير في هذا الشأن:
الأمر الأول متعلق بحجية القرآن: هل القرآن كله حجة وكله تُستنبط منه الأحكام الفقهية؟ إذا كان القرآن كله حجة، فإن الستة آلاف آية حجة كلها وتُستنبط منها الأحكام الفقهية، وهذا هو الذي عليه كثير من الأصوليين والمجتهدين.
الإمام الغزالي ومدرسته يقول: لا، هم مائتان أو ثلاثمائة آية. ماذا يُسمّون؟ آيات الأحكام، هم الصرحاء في قضية الفقه، لكن الباقي لا يهمنا، لا نستطيع أن نستنبط منه شيئًا.
إشكالية حكاية القرآن لشرائع الأمم السابقة وهل نأخذ بها
فالذي ذهب إلى أن القرآن كله محل لاستنباط الأحكام اصطدم بأشياء في القرآن وواجهها ووجدها أنها من التشريع، وأنه لا يعرف هل هذا التشريع نأخذ به. فثارت في ذهني هذه القضية، ألا وهي: ما حكاه الله سبحانه وتعالى عن الأنبياء السابقين، هل نأخذ به؟
هل نحن مأمورون إجمالًا باتباعهم؟
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]
يعني اقتدِ بهدى أولئك الأوائل الذين هم الأنبياء.
﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 6-7]
طيب، ما هم من المنعم عليه؟ فهل ينبغي أن نركب مركبهم وأن نأخذ رأيهم؟
أمثلة تطبيقية على الاستدلال بشرع من قبلنا من قصص القرآن
وأن نستدل بقصة سيدنا موسى مع صاحب مدين في أمور تتعلق بالإجارة وعمل الإنسان؟
هل نستدل من التوجيه الرباني لمريم:
﴿إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: 26]
إلى جواز التعبد لله سبحانه وتعالى بالصمت والامتناع عن الكلام؟
هل نستدل بالأمر الموجه إلى مريم وغيرها:
﴿وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]
لأن أُفرد الله بالعبادة بركعة [مفردة خارج الصلاة]؟
أسئلة واجهت المجتهد حول السجود المفرد خارج الصلاة وأنواعه المشروعة
أسئلة واجهت المجتهد عندما سُئل عنها: أنت مجتهد وعندك شيء اسمه سجود التلاوة في موضع القبلة، وأن نسجد هذه السجدة مفردة خارج الصلاة، سجدة لله هكذا.
هناك في الشرع ورد سجدة الشكر، وهي أن الإنسان إذا ما تجددت عليه نعمة من النعم شكر الله بالسجود إليه، كأنه نجح في امتحان أو ذهبت عنه بلوى أو حدث له كذا.
وكان ابن عباس يسجد أيضًا إذا ما رأى آية من آيات الله يأتي ساجدًا لله هكذا. فلما بلغته وفاة ميمونة رضي الله تعالى عنها سجد، فقيل له: لماذا تسجد؟ قال: إن الموت لَآية. هكذا ورد.
علي زين العابدين وكثرة سجوده وموقف أهل السنة من السجود المفرد خارج الصلاة
وورد أن علي زين العابدين - وهذا مخالف لما عليه الأئمة الأربعة - كان يسجد كثيرًا، كل فترة قصيرة يأتي ليسجد ويدعو، يسجد ويدعو، ألف سجدة في اليوم، ألفي سجدة في اليوم.
قطعًا لا يمكن أن نعني بالسجدة هنا الصلاة؛ لأن اليوم لا يتحمل ألفي سجدة - ألفا ركعة - لا يمكن. فهذا معناه أنه كان - وهو المسمى بالسجّاد - والأذكار التي تُنسب إليه تسمى الصحيفة السجادية؛ لأنه كان كثير السجود، أي أنه كان يسجد خارج الصلاة.
أهل السنة يقولون: إن هذا لم يرد. سجود التلاوة لا حرج فيه، وسجود الشكر فقط. أما أن أسجد وأسجد باستمرار وأظل ساجدًا على هذا النحو، هذا لم يرد، ولم يرد سجود خارج الصلاة. وإذا أردت أن تدعو وأنت ساجد فادعُ في الصلاة، لكن كونك بعد أن تسلّم من الصلاة تأتي ساجدًا لكي تدعو، فبعض فرق المسلمين يفعلون هذا إلى يومنا هذا، فهذا لم يرد وهذا بدعة وهذا كذا إلى آخره.
سؤال المجتهد عن جواز الركوع المفرد خارج الصلاة استدلالاً بشرع من قبلنا
حسنًا لا بأس، لكني كمجتهد سُئلت: هل لديكم موضع للشكر وموضع للتلاوة؟ هل لديكم ركوع؟ هل لديكم أن تجلسوا هكذا وتقولوا: نقرأ الفاتحة، تقرأ قرآنًا، تذكر وتسبّح؟ جائز خارج الصلاة، جائز طبعًا أن نقرأ ونذكر ونسبّح، لا مانع من ذلك.
لكن أن تركع؟ تركع فقط؟ لم يرد شيء مثل هذا. فهل يجوز أن نستغل الأمر الموجه إلى مريم:
﴿وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]
لإحداث حكم شرعي لجواز ذلك، وأذهب لأستقبل القبلة، الله أكبر، وأركع أسبّح ربي بما يفتح الله عليّ، ثم بعد ذلك خلاص أقوم وأمشي؟ ماذا تفعل يا أخي؟ أعبد الله بأحد أنواع العبادات، هي جزء من الصلاة وقد أُمِرت بها مريم بصورة واضحة إلى آخره.
رفض العلماء للركوع المفرد وعدم قبول شرع من قبلنا في هذا المجال
في الناحية الثانية طبعًا، العلماء قالوا: لا، لا نأخذ بهذا، وليس هناك ركوع مفرد، والشريعة تأبى هذا، والركوع إنما هو جزء من الصلاة، ولا يجوز تجزئة الصلاة بهذا من غير دليل، ولا دليل هنا. ولم يقبلوا قضية شرع من قبلنا شرع لنا في هذا المجال.
قالوا: طيب، والصمت؟ أصوم صامتًا؟ قالوا: هذا يخالف السنة؛ لأن هناك في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على رجل فقال:
«ما هذا؟» قالوا: هذا إسرائيل. قال: «وما إسرائيل؟» قالوا: هذا قد نذر أن يصوم فلا يفطر، وأن يقف فلا يجلس، وأن يقف في الشمس فلا يستظل، وأن لا يتكلم.
نوع من أنواع التعبد بمثل هذه الأشياء: الصمت، والوقوف، وعدم الاستظلال، والصيام المعتاد عن الطعام، وكذا إلى آخره.
موقف النبي من عبادات إسرائيل وإبقاء ما وافق الشريعة ونهيه عما خالفها
قال [النبي صلى الله عليه وسلم]:
«مُرْهُ، مُرْهُ، يعني فليجلس وليستظل وليتكلم وليُتمم صومه»
فكان النبي صلى الله عليه وسلم هنا اختار ما وافق شريعة المسلمين [وهو الصوم]، ثم نهاه، نهى عن تلك الصيامات [أي العبادات الأخرى] التي أخذها إسرائيل هذا عن الشرائع السابقة من نحو الصمت والوقوف وعدم الاستظلال وغير ذلك.
إذن هذا عند من قال لا نأخذ به مطلقًا، وعند من قال لا نأخذ به إلا إذا نُسخ في شريعتنا، لا يقبلونه. حتى لو قالوا إن شرع من قبلنا شرع لنا، لكن سيأتي في الفرع هذا ويقول: لكن جاء في شريعتنا ما يخالفها.
الدافع الأول لإنشاء دليل شرع من قبلنا هو حكاية القرآن لشرائع الأمم السابقة
إذن فأول شيء هو أن هناك في القرآن حكاية لشرائع الأمم السابقة، وأننا إذا ما اعتبرنا أن القرآن كله مصدر للأحكام، فلا بد علينا من أن نحدد موقفنا من هذه الآيات وكيفية التعامل معها.
وهذا هو الدافع الأول لإنشاء هذا الدليل أو لاعتبار هذه القضية محل بحث ونظر بين الناس.
الدافع الثاني لإنشاء الأدلة المختلف فيها هو خلو النصوص الظاهرة من الحكم
وأمر آخر وهو الذي قلناه في مثل قول الصحابي: هو خلو النصوص الظاهرة من الحكم. فهذا يدفعنا إلى الاستعانة بشيء آخر.
تعريف المصلحة المرسلة وحقيقة المنفعة بين جلب اللذات ودفع الآلام
هناك مثلًا ما يسمى بدليل المصلحة المرسلة. والمصلحة كالمنفعة وزنًا ومعنى، والمنفعة هي جلب اللذات ووسائلها ودفع الآلام ووسائلها.
متى أصف شيئًا بأنه نافع لي؟ إذا جلب لي لذة ودفع عني ألمًا، هذا في النهاية هو حقيقة المنفعة.
لكن الغريب أن المنفعة بهذا التعريف لها صفات: هذه الصفات أنها ليست خالصة؛ فليس هناك منفعة من غير أن يشوبها شيء من المضرة، وليس هناك مضرة لا يشوبها شيء من المنفعة، فالأمر مختلط. فليست هناك منفعة خالصة.
اختلاط المنافع بالمضار وتخلل الآلام للذات كما بيّنه القرافي وغيره
فالأكل لذة، لكن الإكثار منه يسبب التخمة ويسبب الأمراض. حتى القرافي يقول وغيره: أن الإنسان عندما يأكل أو يريد أن ينضج الطعام فإنه يتحمل مشقة البحث عن الوقود وإشعاله وتحمّل لهيب النار، ويمكن أن يحترق في الإناء الذي سيطبخ فيه.
كل هذه الآلام يفعلها حتى يصل إلى طعام أكثر طيبًا أو تذوقًا. إذن فتخللت المنافع، تخللتها المضار وأصبحت غير خالصة.
نسبية المصالح وتعارضها بين الناس وتنوعها بين خاصة وعامة ودنيوية وأخروية
ثانيًا: المصالح متعارضة نسبيًا. فوائد قوم عند قوم مصائب، ومصائب قوم عند قوم فوائد. فلو لم يمرض الناس لا يُرزق الطبيب. الطبيب نعم يتمنى أن الذي أمامه كحالة جزئية هكذا تخف، لكنه هل يتمنى أن ينتهي المرض من العالم؟ لو لم - إذا كان كذلك لأفلس.
وهكذا في كل المهن والصناعات التي فيها معاونة كمهنة المحامي أو المحاسب، أو التي فيها رفع للنزاع أو نحو ذلك. لو لم يكن هناك مثل هذه المصائب لما حدث هناك تدافع بين الناس وعمار للدنيا. فمن مصلحتي أن آخذ، عندما أخذت شيئًا فهذا يعني أنني انتقصت مما أخذت منه، وليس من مصلحتي أن ينقص. إذن فالمصالح دائمًا نسبية.
المصالح متنوعة؛ فهناك مصلحة خاصة وهناك مصلحة عامة، هناك مصلحة محققة وهناك مصلحة موهومة، هناك مصلحة عاجلة وهناك مصلحة آجلة، هناك مصلحة قد تكون دنيوية وهناك مصلحة أخرى أخروية.
إجماع المسلمين على أن الله هو الذي يحدد المصلحة وتقسيمها إلى معتبرة وملغاة ومرسلة
وهنا ستزداد النسبية والتعارض وعدم الخلوص تعقيدًا، مما يجعل الإنسان لو أراد أن يستقل بتحديد المصلحة لاختلف واختلفت عليه. ولذلك فقد أجمع المسلمون - وهي من العقيدة عندهم - أن الذي يحدد المصلحة هو الله سبحانه وتعالى.
وهنا وجد العلماء أن الله سبحانه وتعالى قد أقرّ أو رفض مصالح معينة، فأسموها بالمصالح المعتبرة والملغاة. المعتبرة هي ما أقرّها الله سبحانه وتعالى وأباحها أو أمر بها، والملغاة هي ما نهى عنها الله سبحانه وتعالى وألغاها.
لكن هناك بقيد الإلغاء، يعني لا هي معتبرة ولا هي ملغاة، هي مسكوت عنها.
تقسيم المصالح إلى ثلاثة أقسام ومعنى المصلحة المرسلة غير المقيدة
إذن فهذه المصلحة أو القسم الثاني من المصالح: قسم تحدث عنه الشرع وقسم سكت عنه. القسم الساكت عنه اسمه مرسل؛ لأنه ليس مقيدًا لا بالإلغاء ولا بالاعتبار.
والقسم الذي تحدث عنه واحد من اثنين: إما أنه قد اعتبره فهو معتبر، وإما أنه قد ألغاه فهو ملغي.
أمثلة على المصالح الملغاة والمعتبرة في الشريعة الإسلامية
ما من شك أن اللص يستفيد عندما يسرق، وهذا هو الدافع الذي يدفعه للسرقة، لكن هذه المنفعة قد ألغاها الشرع واعتبر العدوان على المال نوعًا من أنواع الإثم.
ولا شك في أن الزاني يتمتع، لكنها مصلحة قد ألغاها الشرع. ولا شك أن الذي يدفع الأجر للعامل ينقص ماله، ولكن هذه مضرة قد ألغاها الشرع واعتبر الأجر.
ولا شك في أن البيع والشراء قد يكون فيه مشاحّة ومماكسة وشيء من هذا القبيل، ولكن هذا قد أباحه الشرع. ولا شك في أن الإيجار فيه نوع من الغرر، لكنه قد أباحه الشرع. وهكذا فهذه مضار ومنافع قد اعتمدها واعتبرها أو نفاها الشرع.
من يحدد المصلحة في الأنظمة غير الإسلامية واتصال النظام السياسي بالعقيدة
وأصبح هذا هو الأساس. في فكر غير المسلمين الذي يحدد المصلحة مرتبط بالنظام السياسي: الدكتاتور في النظام الدكتاتوري هو الذي يحدد المصلحة، أو الحزب الواحد في النظام الشمولي، أو مجلس النواب في النظام الديمقراطي هو الذي يحدد المصلحة، وهو الذي يستطيع أن يقول ما هو الملغي وما هو المعتبر من المصالح.
ولذلك يتضح لنا هنا اتصال النظام السياسي بالعقيدة. فالعقيدة تقول لنا أن هناك مصالح قد تحدث عنها الشرع وهي التي تمثل المصالح الشرعية، وهذه أمر خارج الإنسان يشبه في الأنظمة القانونية الآداب والنظام العام.
المصالح المعتبرة والملغاة كنظام عام وحقيقة دعوة المسلمين لتطبيق الشريعة
النظام العام والآداب لا يجوز لأحد أن يخرج عنه إطلاقًا نهائيًا في أي دولة من الدول وفي أي نظام من الأنظمة. النظام العام والآداب هو مجموعة المصالح المعتبرة والملغاة عند المسلمين.
وهذا هو حقيقة دعوة المسلمين لتطبيق الشريعة: تطبيق الشريعة معناها اعتبار مساحة المصالح المعتبرة والملغاة نظامًا عامًا للدولة، واعتبارها آدابًا لا يخرج عنها أو لا يخرج الإنسان عنها.
المصلحة المرسلة كدليل شرعي وضوابطها عند المجتهد
هذا ما تحدث عنه الشرع، ولكن ما سكت عنه ماذا نفعل فيه وهو المصلحة المرسلة؟ فجاء المجتهد وجعلها دليلًا.
قال: لا كلام لنا فيما حدده الشرع بالاعتبار أو بالإلغاء، هذا لا كلام لنا فيه لأنه يمثل النظام العام والآداب. لكن ما سكت عنه الشرع ماذا نفعل فيه؟ لا بد أن نضبطه، ولا بد في المصلحة المرسلة هذه أن نجعلها منشأ لأفعالنا.
شرط المصلحة المرسلة أن تكون معتبرة بجملتها في الشرع لا بتفصيلها
إذن هكذا نفكر. إذن فالمصلحة المرسلة لا بد أن تكون قد اعتُبرت بجملتها في الشرع لا بتفصيلها. فقد ذكر الشرع شيئًا أو ضابطًا للمصلحة المرسلة بشكل عام، وليس بجزئياتها كما فعل فيما تحدث فيه.
فنهانا عن السرقة والقتل وأكل مال اليتيم والزنا، وأمرنا بالبيع والزواج والجهاد وأمر بأمور أخرى. لا، ليس هكذا بالتفصيل، إنما يأتي ويقول:
قال رسول الله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»
يعني ينبغي علينا أن نحصّل المصلحة أينما كانت.
قال رسول الله ﷺ: «أحسنكم أنفعكم للناس»
هذه هي المصلحة المرسلة.
قال رسول الله ﷺ: «خياركم خياركم لأهله»
هذه هي المصلحة المرسلة.
أمثلة على المصالح المرسلة في حياة البشر من تمهيد الطرق إلى تنظيم المرور
كل ما يؤدي إلى الخير والنفع والتقدم والعمارة، ويساعد على العبادة، ويحيي الناس، ويخرجهم من المنهيات إلى المأمورات، فهو من المصالح المرسلة. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: الشرك بالله والإضرار بالناس، الشرك بالله وعقوق الوالدين، وهكذا.
إذن، فتمهيد الطرق وبناء السدود والخزانات، ووضع الجداول بالمواصفات في الإنتاج، وتنظيم حركة الطيران والمرور، والآلاف مما تقوم به جماعة البشر، كل هذه من المصالح المرسلة. ولم يرد بخصوص كل واحد منها - بالرغم من أنها أفعال بشرية - حكم مستقل بذاته، بل تُرك لمساحة كبيرة.
دافع المجتهد لإنشاء دليل المصلحة المرسلة وضبط المساحات الكبرى من أفعال البشر
وهنا ما الدافع للمجتهد من أن ينشئ هذا الدليل؟ هو أنه لا يريد أن يجعل مساحة كبيرة من أفعال البشر من غير بيان لدليله. المقاصد الخمس [حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال].
إذن الذي دفع المجتهد لإنشاء ذلك الدليل هو مساحات ضخمة من الأفعال والأحداث لم يرد بخصوصها وبجزئياتها دليل مستقل. وكان من الممكن أن تندرج تحت الإلحاق [القياس]، بمعنى أنك كنت ستكذب بشكل كبير جدًا وتترك بقية الاثنين مليون فعل الذين يصدرون عن البشر.
استصحاب الأصل والإباحة الأصلية لضبط أفعال البشر غير المنصوص عليها
فيكون أصلهم ماذا؟ أصلهم الإقدام أيضًا، الإقدام وليس الإحجام، كما كانوا قبل الشرع. فضبطوها بمسألة استصحاب الأصل وأن الأصل في الأشياء الإباحة؛ حتى لا تكون هناك مساحات ضخمة من أفعال الإنسان من غير حكم شرعي.
ومحاولتهم هذه إنما هي متصلة بمسألة عقدية، متصلة بالإجابة عن بعض الأسئلة الكلية: من أين نحن؟ خلقنا الله. وماذا نفعل الآن؟ ملتزمون بالشرع.
حسنًا، ملتزمون بالشرع في خمسين ألف فعل وتاركين ثلاثة ملايين فعل غيرهم؟ قال: لا، الثلاثة ملايين لله فيهم حكم حتى لو كان هذا الحكم هو الإباحة. هذا مهم؛ لأنها نظرية متكاملة ترى أن الفعل البشري لا بد له أن يكون لله فيه حكم.
