غاية الوصول شرح لب الأصول | حـ 8 | أ.د علي جمعة
- •الصحة هي موافقة ذي الوجهين للشرع، أي الشيء الذي يمكن أن يكون موافقاً للشرع أو مخالفاً له.
- •الإيمان مثال لما له وجه واحد، فإما أن يكون الإنسان مؤمناً أو غير مؤمن.
- •العبادات والمعاملات لها وجهان، فالصلاة يمكن أداؤها بشكل صحيح بتوفر شروطها وأركانها، أو بشكل باطل.
- •الشرط هو أمر خارج عن حقيقة الشيء كالوضوء للصلاة، والركن هو جزء داخل في حقيقة الشيء كالقيام والسجود.
- •بصحة العبادة تحصل الإجزاء وهو كفايتها في سقوط التعبد والتكليف.
- •صحة العقود تعني ترتب آثارها الشرعية عليها، كحل الاستمتاع في الزواج وانتقال الملكية في البيع.
- •في الزواج يتمسك بالألفاظ والمباني لخطورته، بينما في البيع يمكن التسامح باللفظ والاكتفاء بالمعاطاة.
- •الفتوى تختلف بين الفردية والعامة، ويراعى فيها حال المستفتي والمقاصد الشرعية والمآلات.
تعريف الصحة في الاصطلاح الأصولي بأنها موافقة ذي الوجهين للشرع
بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.
وبصحة العبادة أجزاؤها، فالصحة موافقة ذي الوجهين الشرع. يعني كلمة "موافقة" كأنها مصدر، والمصدر يعمل عمل فعله، فـ"الشرع" هنا نُصبت على المفعولية.
هناك بعض المشتقات والمصادر واسم المصدر واسم الفاعل واسم المفعول يعمل عمل الفعل:
﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: 32]
فهنا هذا يعني واضح، "أمرًا" هنا مفعول به. لكن عندما يأتي مثلًا قوله:
﴿بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلْوَصِيدِ﴾ [الكهف: 18]
"باسطٌ ذراعيه" أيضًا "باسط" هنا يعني يبسط ذراعيه.
إعراب تعريف الصحة وبيان أن الصحة خبرها موافقة ذي الوجهين
فهنا موافقة ذي الوجهين الشرع: "الصحة" مبتدأ، و"موافقة ذي الوجهين الشرع" تكون هذه خبر في الأصح.
موافقة ذي الوجهين: طيب، لنفترض أنه كان له وجه واحد، وضربوا المثال بذلك الإيمان. الإيمان له وجه واحد؛ إما أن تكون مؤمنًا وإما أن تكون غير مؤمن، فلا يوجد وجود للإيمان إلا وجه واحد: إما مؤمن أو غير مؤمن.
إذن لا يمكن ولا يجوز أن نقول هناك الصحة، الصحة موافقة ذي الوجهين، صحيحة أم لا؟
الفرق بين ما له وجهان كالعقد وما له وجه واحد كالإيمان
العقد إما أن يكون صحيحًا وإما أن يكون فاسدًا، له وجهان: يمكن أن يكون هكذا، ويمكن أيضًا أن يتم كل شيء ويكون باطلًا. لكن الذي له وجه واحد هو الذي لا يُعبَّر عنه بالصحة.
الصحة هي موافقة ذي الوجهين، هذه هي الموافقة شاملة للعبادة وشاملة للمعاملات. عقد الزواج صحيح إذا استوفى أركانه وشروطه، الصلاة صحيحة إذا استوفت أركانها وشروطها.
الفرق بين الشرط والركن في العبادات والمعاملات
الشرط عادة يطلق على الشيء الخارج: الوضوء، استقبال القبلة، ستر العورة، دخول الوقت، خارج كنه الصلاة.
والركن هو الجزء الداخل في حقيقة الشيء المحقق لهويته، داخل في حقيقته، محقق لهويته. فإذا أقول لك: عرّف الركن، تقول: إنه ركن الشيء هو جزء الشيء الداخل في حقيقته المحقق لهويته.
إذن فالتكبير والفاتحة والركوع والقيام والسجود والقيام منه والسجود الثاني، كل هذه أركان لأنها داخلة [في حقيقة الصلاة].
التفريق بين الشرط الخارج والركن الداخل بأمثلة من الصلاة
هل تصح الصلاة من غير وضوء؟ لا، لكن الوضوء خارج [عن حقيقة الصلاة]؛ متوضئ ولم أصل، خارج الصلاة. النية داخل الصلاة، التكبير داخل الصلاة، جزء من الصلاة، جزء من وقت الصلاة.
فإذن ركن الشيء هو جزء الشيء المحقق الداخل في حقيقته، جزء الشيء الداخل في حقيقته المحقق لهويته. والهوية آتية من "هو هو"؛ هو في الداخل، هو في الخارج، وهو في الخارج، هو في الذهن، هو هو. لا تقل "هُوِيَّة" مثل الخطأ الشائع هذا، إنما هَوِيَّة.
تطبيق مفهوم الصحة على العقود وبيان أركان عقد البيع
موافقة ذي الوجهين الشرع سواء كان عبادة أو كان معاملة كالعقد مثلًا. العقد مكون من القبول والإيجاب، ومكون من الثمن والمثمن في البيع مثلًا، ويسمى الثمن والمثمن المحل.
فهو مكون من الصيغة والمحل ومكون من العاقدين. لا بد أن يكون العاقد بالغًا، أن يكون عاقلًا، أن يكون مالكًا؛ شروط في العاقدين. فهو ثلاثة إجمالًا وستة تفصيلًا.
فإذا اختل الركن: اثنين مجنونين يبيعون بعضهم البعض لا يصح، الثمن والمثمن نجاسة لا يصح، لا يجوز.
عدم انعقاد العقد عند اختلاف الإيجاب والقبول في الثمن
ليس هناك توافق بين القبول والإيجاب: قلت لك أبيعك هذا بعشرة، فقلت قبلت بخمسة. إذن العقد لم ينعقد وإن كان هناك ثمن ومثمن وصيغة وعاقدان، كل ذلك موجود. فإذا وافق وقبل الآخر إذن ينعقد.
هذا هكذا يكون خمسة وخمسة، لكن خمسة وعشرة لا توجد موافقة. أنا أقول لك أن تأخذ هذا بعشرة، قلتَ لي أخذته بخمسة. هل انعقد أم لم ينعقد؟ إذا وافق وأعطاني ينعقد.
إذن هذا خمسة وخمسة، هو راضٍ أن الرأي هو الصورة الموجودة الآن: هذا يقولون بعشرة، يقول أخذته بخمسة، يقول له ماشٍ ماشٍ، فيصبح خمسة وخمسة، أي أنه عقد جديد.
التحذير من القفز بين الصور الفقهية والتمسك بالصورة المطروحة
أنت الآن انتقلت من ملف خمسة وعشرة إلى ملف خمسة وخمسة، وهذا عقد جديد. نحن نتحدث في خمسة وعشرة، فما الذي يجعلك تذهب بعقلك إلى خمسة وخمسة؟ هذه هي المشكلة.
واسمها - كان مشايخنا يسمونها الجرادة - أي قافز هكذا يقفز من صورة إلى صورة أخرى. سمّونا ماذا؟ كانوا يسمّوننا ماذا؟ الجرادة، حتى لا نفعل ذلك مرة أخرى.
أي نقفز من صورة إلى صورة. نحن نتحدث الآن عن خمسة مقابل عشرة، ما الذي يجعلك تقول حسنًا حسنًا انتقلنا إلى خمسة وخمسة؟ أنا أقول: أنت تقول خمسة وأنا أيضًا وافقت على هذه الخمسة، هذا ملف آخر صورة ثانية. نحن نتحدث عن خمسة وعشرة، لا يوجد توافق، لا يوجد عقد في هذا المكان.
معنى ذي الوجهين في الصحة والفرق بين الموافقة والمخالفة للشرع
موافقة ذي الوجهين الشرع في الأصح. مثل الوجهين ماذا يعني؟ شيء له وجهان، أي له وجه أنها موافقة للشرع أو مخالفة للشرع. هذه الحالة موافقة للشرع، وهذه الحالة مخالفة للشرع. هناك حالة أخرى مخالفة للشرع.
صليت بالوضوء: موافق للشرع. صليت أيضًا وعملت أربع ركعات تمامًا لكن بدون وضوء: هذا مخالف للشرع. فتكون الصلاة - هذه الحركة من التكبير إلى التسليم أربع ركعات - حدثت هنا وحدثت هنا، لكن هذه موافقة وهذه مخالفة للشرع.
هذا هو الذي له وجهان: الموافقة والمخالفة. مخالفة الشرع وموافقة الشرع؛ فقد استوفى الأركان والشروط [يعني] موافقة للشرع، مخالفة للشرع يعني لم يستوفِ الأركان والشروط.
نكتة الصلاة بدون وضوء وبيان أن الحركات وحدها لا تكفي شرعاً
مثل هذه النكتة التي يقولونها: لا بد عليك في الصلاة أن تتوضأ، قال له: لكنني صليت بدون وضوء ونفعت! نعم صحيح، هو صلى بدون وضوء، صحيح أنه صلى بمعنى أنه أتى بحركات الصلاة، لكنها مخالفة للشرع.
إذن هذه باطلة، لكن هو أتى بها فعلًا. يعني هل الإنسان وهو غير متوضئ لا يستطيع أن يصلي أو أن يأتي بحركات الصلاة؟ لا، إنه يقدر. ولذلك لو نسي أحدنا أنه متوضئ، واعتقد أنه متوضئ، يستطيع أن يصلي، ثم يتذكر: اللهُ، أنا غير متوضئ، فتكون صلاته باطلة.
فرضية لو خلق الله الدنيا بحيث لا تنعقد الصلاة بدون وضوء
لو كان خَلَقَ الله الدنيا بحيث أننا إذا كنا غير متوضئين لا نستطيع أن نصلي، لو كان الله خلق الدنيا هكذا: أأتي لأصلي أم لا؟ ما هذا؟ إنني غير قادر، إنني غير متوضئ. هكذا إنها مثل السيارة التي لا يوجد بها وقود فلا تسير.
فما كان ليكون هناك نسيان، ما كان ليكون هناك نسيان؛ لأنني سأكتشف أنني غير متوضئ مباشرة بأنني غير قادر على الدخول في الصلاة.
ثانيًا، كانت الصلاة ستكون لها وجه واحد وهو موافق، مثل الإيمان: تنعقد أو لا تنعقد. نعم، تنعقد أو لا تنعقد، هي لن تنعقد إلا بالوضوء.
بيان أن الصلاة لها وجهان فعلاً وإمكان فعلها موافقة أو مخالفة للشرع
هذا هو الفرض الذي نحن نقول له هكذا: افترض أن الله تعالى خلقنا هكذا، فلا تنعقد أو تنعقد، خلاص هو هكذا مقفولة، فهي ستقع صحيحة.
حسنًا، أنت لست متوضئًا، والله لا توجد صلاة أصلًا، لن تستطيع الدخول. لكن لأنها لها وجهان فعلًا: تستطيع أن تعملها مخالفة للشرع، وتستطيع أن تعملها موافقة للشرع.
الموافقة للشرع سوف تُقبل، والمخالفة للشرع لا يقبلها الله ولا ثواب عليها، بل إن التمادي في الباطل حرام.
حرمة التمادي في الباطل كإكمال الصلاة بعد تذكر عدم الوضوء
يعني أنت مثلًا صليت ركعتين وأنت غير متوضئ ناسيًا، ثم تذكرت أنك غير متوضئ، فقلت: حسنًا، سأكملها، فأكملت الركعتين الأخريين. هذا حرام، فأنت صليت ركعتين حرامًا.
ممنوع في الشرع أن تتمادى في الباطل. ها، يبقى ما معنى ذي الوجهين؟ نعم، لأنك تجرأت على الشرع الشريف وخالفته عامدًا متعمدًا. كنت في البداية مخالفًا ناسيًا، لكن الآن أنت مخالف متعمدًا، والتعمد فيه تجرؤ، والتجرؤ يترتب عليه الحرمة. التجرؤ على الشرع حرام.
مثال ظن الماء خمراً وبيان أن الحرمة تأتي من التجرؤ لا من الفعل ذاته
مثال: ظننت الماء خمرًا، مياه أمامك هكذا كأس ماء، فاعتقدت أنها خمر، فشربتها على أنها الخمر. حرامٌ؛ لأنك تجرأت.
من أين تأتي الحرمة؟ وليس لأنك شربت الخمر وانتهى الأمر. وأقيم الحد، وللحد وجهان ذكرهما ابن الصلاح في فوائد رحلته.
انتبه، الحد شيء آخر؛ فأنت لم تشرب خمرًا أبدًا، بل شربت ماءً. فمن أين تأتي الحرمة؟ إنها تأتي من تجرؤك بينك وبين الله، إذ تعلم أن هذا محرمٌ وأن الله حرّمه وتقول: لا، أنا سأمسك به، ها أنا سأشرب. وشربت، فإذا شربت فإنك ارتكبت إثمًا. أنا شربت ماءً، الإثم في التجرؤ وليس في الشرب، الإثم في التجرؤ.
هل يقام الحد على من ظن الماء خمراً والخلاف بين الظن والواقع
هل نقيم عليك الحد أم لا؟ فهنا، هنا في ماذا؟ واحد يقول لك: نقيم عليه الحد بظنه، أم نقيم عليه [الحد بالواقع]؟ ولا لا نقيم عليه الحد بالواقع. نمشي مع الظن ولا نمشي مع الواقع؟
فقال لك: لا عبرة بالظن البيّن خطؤه، يبقى نمشي مع الواقع. ولا هناك عبرة بالظن البيّن خطؤه، فنمشي مع الظن ونقيم عليك الحد.
وقس على هذا كل ما تجرأت عليه فبان أنه حلال: هذا المال ضمنته لأخيك فسرقته، ظهر أنه مالك أنت، ظهر أن ما أخذته هو مالك أنت، حلال مالك وحلالك. لكن ما تجرأت عليه هذا حرام؛ لأنك ارتكبت الإثم.
لطف الله بمن تجرأ على الحرام فبان حلالاً وقاعدة ذي الوجهين
لكن ربنا لطف بك، يعني أنت كأنك اعتديت على الحرمة، لكن ربنا لطف بك، الحمد لله ولكن الله سلَّم. فهنا أخذت وأثمت وهو حلالك، بعد الأخذ والتبين يتضح لك أنه مالك.
وقس على هذا كل شيء له وجهان؛ هكذا مرة يظهر موافقًا ومرة أخرى يكون مخالفًا. ما له وجه واحد، ويعني أنه لا يقع إلا صحيحًا، وهو الإيمان. نعم، والذي يقابله هو عدم الوقوع. نعم.
اختلاف نظر المفتي في إقامة الحد وضرورة التزامه بقاعدة واحدة
يختلف نظر المفتي في بعض المسائل؛ يجب عليها حد في بعض المسائل، ولا يجب عليها حد في مسائل أخرى. لا، ولكن إنهما قولان في الفقه وليس في الإفتاء. المفتي سيختار من القولين الموجودين في الفقه.
لكنه لن يقيم عليك أنت الحد وأخوك لا يقيم عليه الحد، وهذا يُقيم عليه وهذا لا يُقيم عليه. لا، هو يتبنى في الأول، يُبنى هكذا، يقول: أنا هناك عبرة بالظن البيّن خطؤه أو ليس هناك عبرة بالظن البيّن خطؤه.
لابد أن يختار هذا ويمشي عليه مع كل الأشخاص، ليس هناك خيارات، لن ينتقل مرة هنا ومرة هنا ومرة هنا، هذا لا يصلح. لا بد أن يكون معه المفتاح [أي القاعدة التي يسير عليها].
تطبيق قاعدة الظن البيّن خطؤه في الإفتاء والتزام المفتي بها
ما رأيك أنت؟ نعم، قواعد يختارها. فأنا أقول إن لا العبرة بالظن البيّن خطؤه. حسنًا، إذن لن أحاسبك، سأقول لك هذا حرام لكن لن أقيم عليك الحد.
جاء بعده مفتٍ واختار أن هناك عبرة بالظن البيّن خطؤه، فيقول لك: هذا حرام وسأقيم عليك الحد. لكنني سأفتي كل الناس بهذه القاعدة لأنني تبنيتها وخلاص اقتنعت بها.
لا يصح مرة هكذا ومرة هكذا، مرة على هواي هكذا، لا يصح. هذه قواعد متبعة.
مذهب درء الحدود بشبهة الخلاف وأنواع الشبهات الثلاث
نعم، ندرأ الحد بشبهة الخلاف، هذا مذهب آخر وهو أنك تقول: والله أنا في الحدود دائمًا سأجعل الخلاف شبهة؛ لأن الشبه ثلاثة: شبهة فاعل، شبهة محل، وشبهة مذهب.
فشبهة المذهب سأنزلها منزلة الاحتياط في إقامة الحد. هذا مذهب، هذا هو نفسه مذهب تتبناه أولًا ثم تطبقه ثانيًا. ولكن هذا مبني عن الاختيار الثاني، أنه في عبارة - يضحكون في الظن - إنهم يضحكون.
لا، هو يقول: أي قاعدة فيها خلاف سأُبعِدها عن مجال الحدود، أي قاعدة فيها خلاف بين العلماء سأفسرها لمصلحة المتهم. هذا مذهب.
تعدد المذاهب في الإفتاء وإمكان اختلاف الترجيح باختلاف الفروع
لنفترض أن شخصًا جاء وقال: لا، ليس هكذا، أنا عندي الأدلة الأقوى التي اقتنعت بها وهي التي سأعمل بها، فهذا مذهب آخر.
وهل يمكن أن أفرّع بالقواعد بناءً على اختلاف الفروع أيضًا في نفس الحالة؟ يعني أقول: لو شرب الخمر أنا سأرجح أنه يجلد. ذلك في نوع من أنواع القواعد وهو القواعد التي تختلف باختلاف الفروع والترجيح يختلف في الفروع في ذلك.
العبرة بعموم: هل العبرة بالألفاظ والمباني أو بالمقاصد والمعاني؟ فيقول الإمام النووي: والترجيح يختلف في الفروع في نوع من أنواع القواعد كذلك. ولكن ليس كل القواعد هكذا.
نضج الفقه الإسلامي في التقعيد والتفريق بين الألفاظ والمقاصد
في دراسة القواعد بهذه الطريقة مهم، وهذا من نضج الفقه الإسلامي أنه قعّد وأصبحت له قواعد حتى تغوص في النهاية إلى أعماق هذا المفهوم.
الألفاظ والمباني في بعض الأحيان نتخذها، وفي بعض الأحيان نأخذ المقاصد والمعاني. فعندما يكون العقد في منتهى الخطورة مثل عقد الزواج - لماذا عقد الزواج في منتهى الخطورة؟ لأنه تستحل به البضع، ولأنه يترتب عليه النسب، ولأنه يترتب عليه الميراث، ولأنه يترتب عليه التحريم والتحليل - شيء كبير ضخم.
الإنسان يتمسك فيه بالألفاظ والمباني.
اشتراط ألفاظ بعينها في عقد الزواج عند الشافعية وسببه
فلا بد أن يقول زوجتك ابنتي وهو يقول قبلت فتزوجتها، من هكذا. لكن لو قال له "أعطيتك ابنتي" - المصريون لديهم لفظ "أعطي" "عطيتك" - قال: لا، لا يصلح، لا ينعقد العقد.
لماذا؟ الألفاظ مهمة جدًا. هكذا قالوا: نعم، في هذا المقام مهمة جدًا، ولابد أن نلتزم بألفاظ الشريعة: زوجتك وأنكحتك، وهذان فقط هما الاثنان.
"أعطيتك" إذن، الأحناف وسعوها: "أعطيتك ابنتي"، خلاص انتهى الأمر. لكن هذا [عند الشافعية] نعم، لا لا يوجد "وهبتك" ولا "ملكتك" ولا هذا الكلام. يجب أن يقول زوجتك أو أنكحتك. لماذا؟ لأن هذا هو ما ورد به الشرع هكذا: الزواج والنكاح. أما أي لفظ آخر فلا يصح.
لماذا تضيّقها هكذا؟ قال: لأن هذا أمر خطير جدًا، فيجب أن يكون واضحًا جدًا. ما دامت المسألة هكذا، يجب أن يكون واضحًا جدًا لأنه خطير جدًا.
التفريق بين ما له خطر كالزواج وما ليس له خطر كالبيع في الألفاظ
ونأتي في وقت آخر، يقول له: اذهب واشترِ المصحف من البائعين الذين بالخارج هؤلاء، فيقول لك: وهبته عشرة جنيهات، ولا يرضى أن يقول لك ثمنه، متحرج أنه يبيع كلام الله. "وهبته"، تمشي الحكاية أم لا تمشي؟
فقالوا: تمشي. لماذا؟ لأن هذا بيع وشراء، والرجل يفعل هذا تأدبًا مع القرآن، وأنك يعني لا تقول أنني قد بعت كلام الله، فشكلها سيء وصعب، فتقول: وهبته. حسنًا لا يحدث شيء، فمن المعروف أن "وهبته" هنا في العرف هكذا معناها ثمن هذا المصحف، ثمن هذا الورق والطباعة.
إذن فرّقوا بين ما له خطر كالزواج مثلًا وبين ما ليس له خطر كالبيع والشراء في عالم الأشياء.
جواز بيع المعاطاة عند كثير من العلماء وموقف الشافعية منه
حتى أجاز بعضهم وكثير منهم بيع المعاطاة الذي هو بلا صيغة أصلًا: ترمي الجنيه وتأخذ جريدة وتمشي، لم تقل له بيع وشراء، أنا رميت له الجنيه وأخذت الجريدة وهو يرى الجنيه وهو ساقط، لا يوجد "بعتك" و"اشتريت".
السادة الشافعية قالوا أيضًا: أحسن أن أفعله هكذا، يجب أن تفعله هكذا، أن تقول "بعتك" و"اشتريت منك الجريدة والجنيه ها هو". فيقول لك: طيب.
والله والشيخ الباجوري يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل إذا قلنا للبائعين هذا ضحكوا علينا! نعم، في الحاشية يُحسبن على البائعين الذين يضحكون على هذا الأمر. يعني كان عندهم شدة في هذا.
سعة الفقه الإسلامي في بيع المعاطاة وإجراؤه في المحقرات
لكن الفقه الإسلامي واسع، وكثير من علماء الفقه الإسلامي يقولون ببيع المعاطاة، حتى حكى بعضهم إجماع الصحابة عليه، وأنهم كانوا - حتى الإمام النووي قال - إنه في المحقرات يُجرى العمل به.
مثل بيع جريدة، أو شطيرة فول، أو شطيرة طعمية، حيث تضع النقود وتأخذ الشطيرة وتمضي. والآن أصبحنا في عصرنا الحاضر، نعم، توجد الآلات التي تضع فيها الجنيه في الآلة وينزل لك كوب المياه الغازية في العلبة.
فهذا ماذا؟ لا الآلة قالت ولا أنت قلت، لكنه في الحقيقة بيع وشراء. فهذه أمور سهلة، لكن الأمور الصعبة تكون عندما تتمسك فيها بالألفاظ [كعقد الزواج].
معنى الإجزاء في صحة العبادة وكفايتها في سقوط التعبد
وبصحة العبادة أجزاؤها أي كفايتها في سقوط التعبد في الأصح. ماذا إذن؟ أنا صليت بشكل صحيح ووضوء بالشروط كلها سليمة الأركان، كلها سليمة، خلاص. هل عليَّ أن أعيد الظهر ثانية؟ لا.
كانت ذمتي مشغولة فصليت الظهر فرضًا، ثم بعد الصلاة أصبحت غير مشغولة. هذا نسميه الإجزاء.
ماذا يعني الكفاية؟ يعني كفتني الصلاة التي صليتها صحيحة، كفتني. إذن الصحة معناها موافقة ذي الوجهين الشرع، تحفظها هكذا.
تعريف البيضاوي للصحة باستتباع الغاية وتطبيقه على البيع والزواج
سيدنا الشيخ البيضاوي قال: والصحة استتباع الغاية. استتباع الغاية يعني أن الغاية من العبادة أو من العقد تمت.
الغاية من عقد البيع ماذا؟ أن تمتلك أنت الثمن وأمتلك أنا التصرف التام في ملكي. طيب، البيع صحيح، إذن يجوز لي أن أبيع هذا الكتاب، ويجوز لي أن أهبه، ويجوز لي أن أورثه، ويجوز لي أن أهديه، ويجوز لي أن أتصرف فيه كيفما شئت وأستعمله؛ لأن البيع صحيح. وأنت ثمن هذا الكتاب الذي أخذت تأكل به وتشرب وتعطي وتمنع.
وكذلك استتباع الغاية: الغاية من الزواج هي الاستمتاع بين الرجل والمرأة، خلاص العقد صحيح فيبقى في حل الاستمتاع.
ما يترتب على صحة عقد الزواج وبطلانه من أحكام خطيرة
إذا كان العقد غير صحيح فلا يوجد حل للاستمتاع، وما يترتب على هذا الاستمتاع من إنجاب وميراث ونفقة وحرمة.
لأن الشخص عندما يتزوج امرأة تحرم عليه أمها، وتحرم عليه بالدخول ابنتها، وتحرم عليه في الجمع أختها وعمتها وخالتها. نعم، إنها عملية خطيرة جدًا.
إذا كان هذا عقد شديد الاحترام فيجب علينا أن نتعامل معه هكذا [بالتمسك بالألفاظ الشرعية].
خلاصة تعريف الصحة في العبادات والمعاملات وضدها الفساد والبطلان
حسنًا، هذا في صحة العبادة وغيرها. وبصحة غيرها: ما معنى صحة العقد؟ ترتيب أثره، خلاص، ترتب الأثر.
إذن، إذا عرفنا الصحة اليوم بأنها تكون موافقة لهذين الوجهين الشرع، وهذه الصحة ضدها الفساد والبطلان - سنراه بعد ذلك -.
وهذه الصحة عرّفها البيضاوي باستتباع الغاية. والصحة قد تكون في العبادات وقد تكون في العقود والمعاملات. والصحة بمعنى الإجزاء والكفاية في العبادات، وترتّب الأثر في المعاملات. والحمد لله رب العالمين، هذه هي الصحة.
الفرق بين الشرط الأصولي والركن وتصحيح خطأ في التعبير
نعم، حضرتك قلت يا مولانا في الشرط الأصولي إذا كان داخلًا ينعقد الشيء. في الشرط خارج والركن داخل.
لقد قلتَ الكلمة خطأً، قلتَ الشرط داخل، لا، الشرط خارج. نعم، هو هكذا. انتبه معي: الشرط خارج والركن داخل.
الفرق بين الشرط اللغوي والشرط الشرعي وأن الشروط اللغوية أسباب شرعية
هل يوجد فرق بينه [الشرط الأصولي] وبين الشرط النحوي؟ الشروط اللغوية أسباب شرعية؛ يُستفاد من وجودها الوجود ومن عدمها العدم.
إن خرجتِ تصبحين طالقًا: خرجتِ فطُلِّقتِ، وإن بقيتِ فلم تُطلَّقي. نعم، هذا سبب، أصبح الخروج سببًا.
فالشروط اللغوية أسباب شرعية. احفظ الكلام: وجوده من وجود المشروط وعدمه عدم المشروط. على هذا النحو يكون الشرط اللغوي غير الشرط الشرعي.
إشكالية النعت السببي في النحو ولزومه الإفراد دون التثنية والجمع
نعم، توجد مشكلة قابلتني في دراسة النعت، عندما درسنا النعت وقسمنا النعت إلى نعت حقيقي وسببي، وهذا الشأن فهو فرق ما بين النعت الحقيقي والسببي.
وقال في النعت السببي إنه يلزم الإفراد دائمًا. طالما قال: يبقى أنه قال إنه - لأنك هنا في جلسة المنتهين، أنت ترى الأساتذة الكبار، هم أساتذتنا، وجلسنا نتناقش - فتكون "إنّ" وليست "أنّ".
أكمل في النعت السببي، قال: لا يجوز فيه التثنية والجمع، يلزم الإفراد دائمًا وأبدًا. وكان علة لهذا، قال: إنه يعمل عمل الفعل.
لماذا فرّق بين الحقيقي والسببي مع أن كلًا منهما عمل عمل الفعل، فأجاز في الحقيقي التثنية والجمع ولم يُجِز في السببي وقال يلزمه الإفراد دائمًا أبدًا؟
الإجابة عن إشكالية النعت السببي بأن الفرع أضعف من الأصل
طيب، بحثت في هذا كثيرًا فلم أجده. يعني لا، ما أنت أنت أجبت أنت نفسك، أجبت، الإجابة معك.
أنت تقول: الحقيقي يعمل عمل الفعل، عمل عمل الفعل كيف؟ هات المثال: جاء محمد العاقل. "العاقل" النعت الحقيقي هو ما عمل عمل فعله، وكيف؟ رفع ضميرًا مستترًا (هو)، يعني بين النعت رفع ضمير مستتر يعود إلى المنعوت، فعمل عمل فعله.
وفي السببي أيضًا نفس الكلام، نقول: جاء محمدٌ العاقلُ أبوه مثلًا، فاسم الفاعل أيضًا رفع الاسم الظاهر. ففي كلٍ منهما عمل عمل الفعل.
فلماذا فرقنا بينهما في التثنية والجمع؟ وقلنا لا يثنى الحقيقي ولا يجمع [أي السببي]؟ لأن هذا هو الأصل وهذا فرع عنه، ويجوز في الأصل ما لا يجوز في الفرع. الفرع أصبح ضعيفًا.
تثبيت النعت السببي على الإفراد لأنه فرع ضعيف عن الأصل
هذا الأصل: "محمد العاقل"، أما "العاقل أبوه" ليس أصلًا، فذهب ضعفه وفقد شيئًا منه. هكذا، فلما فقد شيئًا منه ثبتناه على حاله.
ليس أصلًا في الباب وليس العمل، يعني هو ليس أصلًا في الباب، ليس أصلًا في الباب، هذا فرع عنه، ليس أصلًا في باب النعت، إنما هذا فرع عنه.
فلما خرج الفرع من الأصل ضعف، الأصل أقوى، فلما ضعف ثبت. اتركه على حاله هكذا، لئلا إذا عملنا [فيه تغييرًا يزداد ضعفًا].
حجة النحوي تُشم ولا تُفرك لأن النحو مبني على السماع لا المعقول
هناك أمر مهم: أولًا وثانيًا، الحقيقة أن النحو أتى من السماع، فكل علله ضعيفة. وحجة النحوي تُشم ولا تُفرك كالوردة؛ فالوردة عندما تعبث بها هكذا تجدها قد فسدت وضاعت تمامًا.
حجة النحو ولِمَ هي حجة النحو؟ لأن النحو ليس مبنيًا على المعقول، إنه مبني على السماع.
هل انتبهتَ؟ حتى قال هكذا: خُلِقت! أي هذه مشكلة. عندما ألَّف عباس حسن "النحو الوافي" وضع لها خريطة كبيرة هكذا، أي ما تفسير "حتى" و"أي"؟ ولماذا هي هكذا خُلِقت؟ هل انتبهتَ؟
العلل النحوية حجج إسكاتية وليست برهانية ومقولة أوهى من حجة نحوي
لكن النحاة تحدثوا عن العلل الأوائل والثواني والثوالث والروابع، وعندما تأتي لتراها تجد أنها كأنها حجة للإسكات، يعني أو حجة لإسكات العقل وليست حجة برهانية.
فقالوا: أوهى من حجة نحوي. قالوا هكذا: أوهى من حجة نحوي. يعني عندما يكون شخص في الجدال في الفقه في الأصول في المعقول، يقول له: ما هذا الكلام؟ هذا أوهى من حجة نحوية.
قالوها لماذا؟ لأنه عندما مثلًا الحجة التي ذكرنا هذه القضية، حيث إن هذا أصل وذاك فرع. ما معنى ذلك عندما تتأمل فيها بعمق؟ ما معنى أن هذا أصل وذاك فرع؟ صحيح، الأصل يكون أمتن، لكن لماذا قلت أن هذا أصل؟ لأنه فعلًا هو أصل الباب وذاك فرعه.
الحجج النحوية إسكاتية تتغير لو تغير السماع وليست عقلية محضة
ماذا يعني ذلك؟ وماذا لو كان قد ورد في اللغة أنه يجوز هنا التثنية؟ كنا سنقول هذا الكلام في الحقيقة أبدًا، كنا سنغير هذا الكلام.
لماذا أنتم متلونون هكذا؟ لأن هذه حجة إسكاتية وليست حجة برهانية، تُسكِت العقل قليلًا، أي تُطمئنه: هذا أصل وهذا فرع، قم بحفظها فقط لا غير.
هذا يعني أنها ليست عقلية، ليس فيها ترتيب عقلي عميق. لماذا؟ لأن النحو ما بُنِيَ كذلك، النحو لم يُبْنَ على المعقول بهذا الشكل. إنما لا تعدم فيه منطقًا، هو فيه منطق، لكن بعض المنطق لازم تسلم له وليس أن تنشئ فيه منطقًا، تسلم له وليس أن تنشئ فيه.
النظريات النحوية تُقبل لأن اللغة استوفت خصائصها بالسماع والوضع
فنظرية العوامل ونظرية المحل ونظرية التأثير ونظرية الحذف ونظرية... كلها النظريات النحوية، هذه النظريات تقبلها لأن اللغة هكذا.
نعم نعم، من ورائها فلسفة أنها لغة استوفت خصائصها، أنها عبّرت عما في ذهن المتكلم وذهن السامع، والوضع قبلهما. انظر، قبلهما ليس هم الذين أنشأوا دلالة وقواعد، كأنها حُكْمٌ وليست علل.
نعم، بالطبع هي كأنها حُكْمٌ، وحُكْمٌ أيضًا في بعض الأحيان تكون ضعيفة.
مثال على العلل اللغوية الضعيفة في تعليل ضم حاء الحُبّ
يعني مثلًا يقول لكَ: حُبٌّ يُحِبُّ حُبًّا، هو القياسُ حُبٌّ. طيبٌ، ضُمَّها لماذا؟ هذا في اللغة، يعني هي هي النحو والصرف واللغة، كله هو القضية هذه.
فيقول: ضُمَّت لأن الحب عاطفة قوية، والضمة يناسبها، فناسب الضم هنا. حاءٌ حاءٌ هكذا، ليست حاءً ولا حِيًا، ناسَبَ الضمُّ هنا قوةَ العاطفة. يا سلام!
نعم يعني هنا، لكن هي على كل حال هي حُبٌّ، لا أستطيع أن أقول حَبّ، حَبّ ستكون جمع حَبَّة. لكن ليس المصدر من حَبَّ يُحِبُّ وما إلى ذلك، لا، ليس المصدر. المصدر هو حُبّ.
العلل النحوية الثواني والثوالث تهدئة للبال وليست تأسيساً للبنيان
فهذه العلل الثواني والثوالث هذه: لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ يعني في كل حين في مجال اللغة، ولأنها على السمع وليست على المعقول، تأتي كتهدئة للبال وإصلاح للحال وليس تأسيسًا للبنيان. واضح.
سؤال عن اختلاف فتوى المفتي من شخص لآخر بناء على حال المستفتي
جزاك الله خيرًا. أما بالنسبة لحضرتك فقد ذكرت أنه لا بد أن يختار المفتي طريقًا له بين رأيين ويقول أنا اتخذت هذا الطريق.
ولكن أحيانًا في بعض المسائل ينظر المفتي إلى حال السائل فيفتي هذا بحكم يخالف الحكم الآخر، من تحقيق مناط خاص أو بصيرة ونور الله سبحانه وتعالى يطلع المفتي عليه، فيتغير حكمه في المسألة الواحدة من شخص لشخص آخر بناءً على التقوى والبصيرة ورؤية الأمور، بغض النظر عن الدنيا الفقهية والبحث في رأيين اختار بينهما.
الفتوى نوعان للأفراد وللأمة وأركان فتوى الأفراد الثلاثة
الفتوى على نوعين: فتوى للأفراد وفتوى للأمة. أما الفتوى التي هي للأمة فليس فيها هذا المعنى [أي اختلاف الحكم من شخص لآخر].
الفتوى التي للأفراد مكونة من ثلاثة أركان:
- معرفة حكم الشرع.
- ومعرفة حال المستفتي.
- وكيفية الإيقاع بينهما.
وهنا يدخل ركن يختلف من مستفتٍ لمستفتٍ وهو حال المستفتي.
فهناك فتوى للأفراد وفتوى للأمة. وفتوى الأفراد مكونة من ثلاثة، وكذلك الأمة مكونة من ثلاثة: الشرع والواقع والوصل بينهما.
مراعاة الزمان والمكان والأشخاص والأحوال في الفتوى وإضافة الموعظة والقيد
ولذلك عندما يختلف الواقع من مستفتٍ لآخر، فالفتوى في حقيقتها ثابتة، ولكن يُضاف إليها موعظة.
يعني لماذا يختلف هذا عن هذا؟ لأن هناك موعظة في الطريق تحدث، ويُضاف إليها قيد الحيثية من اختلاف صورة لصورة دقيقة، وزمن لزمان.
فنحن نراعي أربعة أشياء: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال. وهكذا نراعي من خلال الأربعة أمور المآلات التي نبّه إليها الإمام مالك، المآلات.
ونراعي في الوصل بينهما ماذا؟ نراعي المقاصد الشرعية والمصالح والمآلات والإجماع. لا نقول شيئًا خارجًا عن الإجماع، واللغة هي الجسر الذي بين الشرع والوقائع. لا بد أن يكون من الخمسة هذه.
نور البصيرة عند المفتي وإدراك المآلات كابن عباس رضي الله عنه
فكل هذه الأمور تتفاعل في ذهن المفتي، فيتم الذي أنت تقول عنه إنه مثل ابن عباس [رضي الله عنه] الذي هو نور البصيرة، الذي يدرك المآلات: أن هذا سيؤدي حاله إلى خراب البيت وإراقة الزيت، وأن ذاك سيؤدي حاله إلى الصلاح. وهكذا.
فإن سيدنا الشيخ ابن عاشور له كلام في أن المفتي بعد أن يبحث المسألة ويصل إلى رأي، يجلس ليبحث في هذا الرأي: ما الذي سيؤول إليه الأمر؟ فإذا قال إلى شر، عرف أن هذه الفتوى خطأ، فيعيد حساباته مرة أخرى حتى يصل إلى الفتوى التي تحقق المصالح والمقاصد وتدرأ المفاسد وتراعي المآلات.
خطورة الاكتفاء بقراءة الكتب دون التمرن على استيفاء أركان الفتوى
كاشف عن حقيقة هذا، يعني لو سرنا على كلام الشافعية يكون ليس هناك زكاة! هذه مصيبة أن تهدم ركنًا من أركان الدين. فراجع نفسك، فالذي فعلته خطأ في خطأ.
فتراجع فتجد أن المناط ليس النقدية بل المالية، وأنك يجب أن تقول إنها المالية، فينحل الإشكال وتبقى الزكاة؛ لأنه بدون شك لو أبطلنا الزكاة في عصرنا ضاعت معالم الدين، بالإضافة إلى أن الدنيا ضاعت.
فالذي يكتفي بقراءة الكتب ضال مضل؛ لأنه لم يتمرن على هذه القضية كما يقول الإمام القرافي.
وجوب استيفاء أركان الفتوى وعدم كفاية قراءة الكتب وحدها
إذن لا بد من استيفاء الأركان، ولا يكفي أن يقوم الإنسان بنفسه هكذا يقول: أنا قرأت المغني لابن قدامة، قرأت المغني. ماذا لابن قدامة؟ هذه القضية أعقد من هذا بكثير جدًا. اتقِ الله في نفسك واهدأ.
يقول: إنني قرأت الكتب الستة. نعم، أنت قرأت الكتب الستة، ولكن هذا لا يكفي لتطبيق شرع الله في واقع الناس، مع إبقاء الناس على الإسلام، مع إبقاء الناس على منهج سيدنا النبي ﷺ، مع إبقاء الناس في علاقة طيبة مع الله. لا يكفي.
وإنما:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]
