دورة أصول الفقه جـ5 | بتاريخ 18-10-1994 | أ.د. علي جمعة
- •يستعرض النص نظرية الإلحاق في الفكر الأصولي التي تلي نظريات الحجية والثبوت والدلالة والقطعية والظنية.
- •القياس هو أحد أساليب الإلحاق، ويعني تشبيه فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما.
- •أركان القياس أربعة: الأصل، وحكم الأصل، والعلة، والفرع، أما حكم الفرع فهو ثمرة القياس.
- •القياس ينقسم إلى ثلاثة أنواع: قياس الأولى حيث العلة في الفرع أظهر، وقياس المساواة حيث العلة متساوية، وقياس الأدنى حيث العلة في الفرع أقل.
- •العلة هي الوصف الظاهر المنضبط، بينما الحكمة قد تكون خفية أو غير منضبطة.
- •الحكم يدور وجوداً وعدماً مع علته لا مع حكمته.
- •العمل بالقياس واجب رغم أنه يفيد الظن، لأن العمل بالظن واجب عند تعذر اليقين.
- •اختلف العلماء في استنباط العلل، مما أدى لاختلافهم في نتائج القياس.
- •القياس يُمكِّن المجتهد من إلحاق المسائل الجديدة بالأحكام الشرعية وفق منهج منضبط.
مراجعة النظريات الأصولية الخمس التي حكمت الفكر الأصولي وتسلسلها المنطقي
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
لقد رأينا ما أسميناه بالنظريات التي حكمت في الفكر الأصولي، وكيف تسلسلت عند الأصوليين بطريقة منطقية مرتبة. فاهتموا أولًا بنظرية الحجية: ما هي الحجة التي يستطيع [الأصولي] أن يتعامل معها كمصدر من مصادر بحثه؟ المصادر التي يستطيع أن يثق بها، ومنها يستخرج حكم الله سبحانه وتعالى في الواقعة.
ثم في نظرية الثبوت: كيف تثبت تلك الأدلة والحجج والبراهين؟ وكيف تصل إلينا من غير تحريف ولا تصحيف ولا تبديل ولا تغيير؟ كيف نطمئن إلى هذا الثبوت؟
ثم بعد ذلك، إذا ما اعتبرنا الحجية واطمأننا إلى الثبوت، كيف نفهم هذه الأدلة؟ وهي مرحلة [الفهم]، فبنى بذلك نظرية الدلالة بمكوناتها الدقيقة التي استطاع بموجبها أن يفهم النص الذي أمامه.
نظرية القطعية والظنية ودورها في تحديد هيكل الدين الأساسي
ثم بعد ذلك رأى [الأصولي] أن هناك اختلافًا كبيرًا سيحدث، وأن هناك تعارضًا كائنًا في الظاهر بين تلك الفهوم بتلك القواعد. فابتنى لنفسه نظرية القطعية والظنية التي استطاع بها - خاصة من مدخل الإجماع - أن يتبين طريقه في مساحة كبيرة من الظني الثبوت الظني الدلالة، أو القطعي الثبوت ظني الدلالة، يُستطاع أن يُتفق عليها وأن يُمنع الخلاف فيها.
ثم بعد ذلك، وبعد أن استقر ما يمكن أن نسميه بهيكل الدين، بأساس الدين، بذلك الذي يكون به الإنسان مسلمًا، ويُعاب عليه من كل المسلمين إذا ما هو خالف من هذا الهيكل الأساس، وذلك عن طريق الإجماع. وذلك هو المقدار اليقيني من الدين، أو هذا هو الجانب القطعي فيه.
محدودية النصوص الشرعية وتجدد الحوادث والحاجة إلى منهج الإلحاق
فإنه [الأصولي] أراد ألا يخرج عن منهج الله سبحانه وتعالى في التشريع. وحيث أن النصوص الشرعية محددة ومعدودة - ودعونا أن نطلق عليها محصورة كما أطلق عليها الأصوليون، وإن كان معناها بالكلمة عندهم هي أنها محدودة - فمعي كتاب فيه عدد محدد من الآيات، ومعي أيضًا عدد محدد من الأحاديث التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والتي لا تزيد عن الستين ألف حديث بأي حال، والتي يختص نحو الألفين منها فقط بجميع أحكام الشريعة الإسلامية أو بالفقه، في أحاديث لا تتجاوز بأي حال من الأحوال ثلاثة آلاف حديث من مجموعة ستين ألفًا، والباقي يقعون في الكلام على العقائد وعلى الأخلاق.
النصوص محصورة والحوادث متجددة والحاجة إلى معرفة حكم الله في كل فعل
هذا الكمّ الذي نعيه - سواء الستين ألفًا كلها أو سواء الستة آلاف كلها - كل هذا كان محدّدًا معدودًا له عدد وحصر. وهذا معنى أنها محصورة عند الأصوليين.
في حين أن الأحداث والحوادث متجددة دائمة التغير في كل يوم وكل ساعة. فإن فعل الإنسان يحتاج منا إلى أن ننظر إليه ونعرف حكم الله فيه أو في مثله، حتى لا نخرج عن المنهاج الإلهي، المنهاج الرباني، في الحكم على الأفعال.
فأنا بين أمرين: الأمر الأول هو القول بأصحاب الأصل [أي استصحاب الأصل في الإباحة]، والأمر الثاني هو الإلحاق [أي إلحاق الفرع بالأصل عن طريق القياس].
الأصل في الأفعال الإباحة ثم تأتي الشريعة بالنواهي والمحرمات
فلو فرضنا أن الله سبحانه وتعالى بأصل الخلقة - ولأنه خلقنا - فإن جميع أفعالنا مباحة؛ لأنه هو الذي أذن لنا أن نكون في هذا الكون. فكل حركاتنا وسكناتنا وأفعالنا الصادرة منا - سواء كانت متعلقة بأنفسنا أو بالآخرين - تكون الأصل فيها الإباحة، حتى القتل، حتى السرقة، كل هذا مباح! إنه فعل من الأفعال الكائنة في هذا الكون، وهو فعل قد صدر منه بناءً على أنه مخلوق لله سبحانه وتعالى.
فلا بد أن هذه الأشياء مباحة، ولا أفرق بين ذبح إنسان وذبح دجاجة! فهذا ذبح وهذا ذبح، وتكون أفعال الإنسان كلها مباحة.
ثم تأتيني الشريعة على لسان الكرام [الرسل] فتقول لي: لا تفعل كذا، وتمنعني من فعل مساحة من هذه الأفعال.
النواهي الشرعية في القرآن الكريم وبقاء ما سكت عنه على أصل الإباحة
فعندما فكَّكتُ الشريعة وجدت أنها نهتني عن مساحة من الأفعال ثم سكتت عن الباقي؛ لأنني معي ستة آلاف آية وألفا حديث. فأذهب لأرى متى قال الله لي فيها: لا تفعل، وأمتنع. فقال:
﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ﴾ [الإسراء: 31]
﴿وَلَا تَقْرَبُوا ٱلزِّنَىٰٓ﴾ [الإسراء: 32]
﴿وَلَا تَقْتُلُوا ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33]
﴿وَلَا تَأْكُلُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّذِي هُوَ أَحْسَنُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الإسراء: 34]
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]
﴿وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: 37]
وهكذا: امتنعوا عن هذه الأشياء، ثم باقي الأفعال تكون مباحة بأصل الشرع.
مثال النهي عن البيع على بيع الأخ والخطبة على خطبته وغياب النص في الإيجار
فمثلًا لو جاء [النص] وقال:
قال رسول الله ﷺ: «لا يَسْعَى أحدكم إلى البيع على بيع أخيه، ولا يَتَقَدَّم لخطبة امرأة خُطِبَت من قبل، حتى يتركها الخاطب الأول، حتى يتنازل، حتى يترك، حتى يأذن له»
وفي الروايات المختلفة: حتى يدع، حتى يذر، حتى يأذن. فلقد قال: لا تَبِعْ على بيع أخيك، وأيضًا لا تتقدم لخطبة مخطوبة.
لكنه لم يقل: فإن كلمة "تستأجر" هذه ليست من المنهيات، لم ترد لا في القرآن ولا في السنة. وهنا اصطدم الأصولي بوضع عجيب، وهو أنه جالس وأتاه أحد المسلمين يستفتيه ويقول له: لي أخ مسلم ذهب يستأجر بيتًا، فذهبت أنازعه على استئجار هذا البيت.
شعور الفقيه بأن التنازع على الإيجار يخالف روح الشريعة في رفع النزاع
خطر في بال الفقيه أن هذا شيء لا يدوم، حاكَ في قلبه هذا. ما الذي جعله يشعر ويميل [إلى عدم جواز ذلك]؟ التربية الإسلامية التي نهته عن أن يبيع على بيع أخيه، وأن يخطب على خطبته، وأن ينازع الناس.
وكأن الدين قد أتى لرفع النزاع والخصام والقتال بين الناس، يريدنا أن يحترم بعضنا بعضًا وأن نكون إخوانًا، لا تحدث ضغينة في القلوب من أثر أفعالنا. إلى آخر هذا التصور الذي يستشعره في الكتاب وفي السنة:
﴿وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحجرات: 10]
﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]
﴿وَلَا تَنَـٰزَعُوا﴾ [الأنفال: 46]
وكذا، هكذا فهموه، هذا من الدين.
تطبيق استصحاب الأصل على التنازع على الشقق ونتيجته غير المرضية
لكنه إن طبق هذا - وهو قضية استصحاب الأصل - أن الأصل في هذه الأفعال أنها لم ترد ولم يُنهَ عنها في كتاب ربنا ولا في سنة نبينا، إذن فهي من المسكوت عنه، والمسكوت الأصل فيه الإباحة، إذن فالتنازع على الشقق جائز!
هو لمّا طبق هذا وجد نفسه أمام نتيجة لا يرضاها قلبه. فاستفكر وفكر: ما الفرق بين النزاع على شقة والنزاع على سلعة في البيع؟
الفرق هو الجامع الذي يجمع النزاع على سلعة والنزاع على امرأة يتزوجها. القضية هنا ليست هي مشابهة الشقة للسلعة أو للمرأة، بل القضية هنا هي النهي عن النزاع والخصام وإقرار المودة بين الناس، وإقرار صورة معينة للمجتمع المسلم من التواد والتراحم والأخوة وما إلى ذلك.
نشأة فكرة القياس في ذهن الأصولي بإلحاق الإيجار بالبيع لاشتراكهما في العلة
هكذا يبدو لي الرأي، وهكذا قضية القياس في ذهن الأصولي: أن ذلك الفرع غير المنصوص عليه بذاته بنفسه هكذا - وهي قضية الإيجار - شبيهة. وهنا ابتدأت قضية الإلحاق الصحيحة في ذهنه بقضية البيع.
شبيهة في ماذا؟ شبيهة في ذلك الوصف الذي من أجله أخذ هذا الأصل ذلك الحكم. الأصل هو البيع، الأصل هو الذي ورد في الشريعة وحكمها الحرمة، وسبب هذه الحرمة النزاع.
فالبيع على البيع حرام، وسبب ذلك هو أنه يفضي إلى التنازع والخصام بين الناس. لو تأملنا في ذلك الفرع - والفرع هو هذه الحادثة الجديدة التي لا أراها موجودة بذاتها وبنصها في الكتاب والسنة وفي النص الوارد تحت يدي - ومعي أرى نفس العلة هذه.
العلة هي الوصف القائم بالأصل الذي من أجله شُرع الحكم وإلحاق الفرع به
والعلة هو ذلك الوصف القائم بالأصل الذي من أجله قد شُرع الحكم. فأصبح لدى الفقيه رؤية أن هذا الوصف موجود أيضًا في الفرع.
إذن ما دام الله حكم على النزاع على بيع بأنه حرام، وعرفت أنا بظني وعقلي وتدبري في المسائل أن ذلك إنما هو من أجل النزاع، من أجل أن ذلك يفضي ويؤدي إلى النزاع، ورأيت النزاع متحققًا في فرع من الأصل، فإنني وباطمئنان ألحق وأشبه هذا الفرع بذلك الأصل؛ لأن هناك جامعًا بينهما وهو ذلك الوصف الذي يمكن أن أسميه السبب أو العلة في ذلك، والسبب في ذلك هو هذا الوصف.
أركان القياس الأربعة وتطبيقها على مسألة التنازع على الإيجار
ومن هنا تراءت للأصوليين أربعة أركان استطاع بها أن يصف ذلك الحادث الجديد بأنه حرام. فقالوا له: يا بني أو يا أخي أو نحو ذلك: إن النزاع على الإدارة [الإيجار] حرام، وذلك لأنه يؤدي إلى التنازع.
ها هنا تشبيه، كأنه يشبه شيئًا ممسكًا هو به في يده اليسرى بشيء آخر ممسك به في يده اليمنى، كالنزاع على البيع. فالنزاع على البيع إنه حرام لأنه يثير التنازع.
فلما رأينا أن هذا الحادث الجديد فيه ما في هذا المنصوص عليه القديم، أعطينا وجعلنا هذا يتعدى - مثل الفعل المتعدي هكذا - تعدينا ذلك الحكم إلى ذلك الفرع، فحكمنا على أنه حرام.
تعريف القياس لغة واصطلاحاً وحقيقته في المساواة والتقدير
ما للأصولي وما الذي يفعله؟ ما هذه الآلية التي يقوم بها؟ أنت الآن تقوم بآلية معينة، في ميكانيزم معين أنت تقوم به، فما تسميه؟ قال: أسميه القياس.
لأن "قاس يقيس قياسًا وقياسًا" أي: قاس النعل بالنعل أي ساواه به، وقاس المتر بذراع أي قدّره به. ويبدو أن ما أفعله فيه نوع مساواة وتقدير، كما أُقدّر الثوب بالمتر، وكما أُساوي بين أمرين، فيقال في اللغة أنني قد قِستُ بينهما.
ما حقيقة القياس إذن؟ قال: هو تشبيه فرع - وعرفنا الآن ماذا يعني هذا [الفرع وهو الحادث الجديد] - بأصله - وعرفنا أنه هو المنصوص عليه فيه حكم.
أين التشبيه؟ فيه حكم لعلة جامعة بينهما، يعني بين الأصل والفرع.
أركان القياس الأربعة وثمرته وحقيقة عملية الإلحاق
قلت له: إذن فأركان القياس أربعة: الأصل، وحكم الأصل، والعلة، والفرع.
إذن فما بال حكم الفرع؟ فقال لي: حكم الفرع هذا ثمرة القياس، وثمرة الشيء ليست هي الشيء. فعندنا الشجرة وعندنا الثمرة، فالمانجو مثلًا: ثمرة المانجو غير شجرة المانجو.
فنحن عندما نعرّف إنما نعرّف القياس، وتعريف القياس بهذا الشأن يجعلني في إطار الأركان الداخلة في حقيقة الشيء، وهي: الأصل، والفرع، وحكم الأصل، والعلة الجامعة بين ذلك الأصل والفرع.
لو توفرت لدى المجتهد هذه الأربعة فإنه يستطيع أن يقوم بعملية تسمى عملية القياس، وحقيقتها أنه يلحق أو يشبه فرعًا بأصل لاشتراكهما في العلة. هذا الإلحاق والتشبيه يتم للحكم، وبذلك تتم عملية القياس.
شعور المجتهد بالرضا لسيره مع المنهج الرباني في رفع النزاع
أنا أشعر الآن بالرضا لأنني أسير مع المنهج الرباني في رفع النزاع والخصام؛ لأنني لا أقف عند النصوص الجامدة جامدًا بطريقة حادة صلبة، بل إنني أتفهم مراد الشارع سبحانه وتعالى وأحاول أن أطبقه بيننا، بين الناس.
وأنا إذا لم أفعل ذلك فأتوصل إلى نتائج، هذه النتائج ساذجة أو غير محترمة أو أنها تعارض مبادئ وأصولًا كلية. ومن هنا يحدث عندي وفي قلبي عدم رضا عما أقول به.
أنا لم أكن راضيًا تمامًا أن أفتي لهذا الذي يسألني عن النزاع على شقة أن أقول له: ولا يهم، لم يرد في الشرع، ليس هناك ما يتعلق بالشقق أو البيوت أو الإيجار، اذهب فافعل ما شئت!
وجوب العمل بالقياس شرعاً لأنه يولّد ظناً راجحاً بحكم الله في المسألة
ومن هنا فإن جماهير الأصوليين قد قالوا: إن هذه العملية - وهي من درجة تحت الجواز العقلي - هي جائزة. أهي لأننا فكرنا فيها فهي جائزة عقلًا؟ هي واجبة شرعًا.
ولماذا هي واجبة؟ قالوا: لأنها تُحدث عند المجتهد ظنًا راجحًا أن هذا هو حكم الله سبحانه وتعالى في تلك المسألة.
ولماذا تحدث هذه الحالة؟ لأن المجتهد يشعر من نفسه أنه قد استقرأ وتتبع الشرع الشريف، وعرف ما فيه من النصوص، ولم يقف عند فهمها الظاهر فقط، ولا عند صلابة ألفاظها فحسب، بل أدرك الحِكَم والمعاني والمقاصد من هذا التشريع.
اطمئنان المجتهد إلى إدراك الواقع والعلة ومقارنتها بين الأصل والفرع
ثم أنه أيضًا مطمئن إلى أنه قد قام بعملية أخرى وهي عملية إدراك الواقع - وهو الفرع والحادث الجديد - وأنه قد استوعبه تمامًا، وعرف ما سوف يؤدي إليه من أمور، ورأى فيه ومن خلاله وصفًا جعل له الشارع مناطًا وسببًا وعلة للحكم في الأصل المنصوص عليه.
وأنه أيضًا قد قام بعملية مقارنة بين هذه العلة التي في الفرع وتلك العلة التي في الأصل، واطمأن إلى أن بينهما اشتراكًا.
وانظروا إلى كلمة "اشتراك" ولم يقل "تماثل"؛ لأنهم وجدوا عندما فكروا في هذا أن العلة في الفرع قد تكون أعظم منها في الأصل، أو قد تكون مساوية لها وهي المثل، أو قد تكون أقل منها.
أنواع القياس الثلاثة: قياس الأولى وقياس المساواة وقياس الأدنى
وعلى ذلك فالقياس عندهم ثلاثة أنواع أو أقسام أو درجات:
- قياس الأولى: وهو ما كانت فيه العلة في الفرع أظهر وأبين منها في الأصل.
- قياس مساواة: وهو ما كانت فيه العلة في الفرع مساوية للعلة في الأصل.
- قياس أدنى: وهو ما كانت فيه العلة في الفرع أقل وأدنى من العلة في الأصل.
إن هذه العملية تُطعم المجتهد أنه استوعب دقائقها، وأنه استطاع بذلك أن يُرضي نفسه وأن يطمئن، مما يحدث له وفي ذهنه ظنًا راجحًا أن هذا هو حكم الله في هذه المسألة.
لماذا يكون القياس واجباً شرعاً والعمل بالظن الراجح لازم عقلاً
نفترض هذا، فلماذا يصبح ذلك واجبًا؟ نعم، القياس يحدث - كما رأينا - اطمئنانٌ في نفس المجتهد يجعله يظن ويرجح أن هذا هو حكم الله سبحانه وتعالى في تلك المسألة. فلماذا يكون واجبًا؟
قال: لأن العمل بالظن واجب. وكيف هذا؟ قال: المجتهد عندما يفكر في تلك الأمور فإنه يكون أمام احتمالات أربعة، ثلاثة منها غير معقولة، والرابع هو المعقول.
كيف هذا؟ سألتني في حكم: إما أن أقول لك فيه "نعم"، وإما أن أقول لك فيه "لا"، وإما أن أقول لك فيه "لا نعم ولا لا"، وإما أن أقول لك فيه "نعم ولا". هذه هي القسمة العقلية الناشئة من موقف الشرع من فعل معين.
استحالة الجمع بين النقيضين في الأحكام الشرعية وبقاء احتمالين فقط
هل يقبل [الشرع] ما ويركبون؟ إما نعم فأقول، وإما لا يعني رفض.
هل يُتصوَّر في فعل من الأفعال أن يقف الشارع فيه فيقول: افعله ولا تفعله في نفس الوقت؟ هذا مستحيل، وهذا هو الجمع بين النقيضين، والجمع بين النقيضين نوع من أنواع المحالات. لا يمكن للشرع أن يقول لي: صلِّ ولا تصلِّ في نفس الوقت ونفس الجهة، ونفس هذا لا يمكن. أن لا تصلِّ، صلِّ، فهي هي.
إذ هناك احتمالان وهما: "لا ولا نعم" و"نعم ولا" في نفس الوقت، لسنا متوهمين بالعقل. عقل كل عاقل على وجه الأرض - مسلم أو كافر - ينفي هذا، يرفض هذا.
يتبقى له احتمالان: نعم ولا. نعم: اذهب ونازع على المسكن. لا: لا تذهب ولا تنازع على المسكن.
القياس يرجح أحد الاحتمالين ويوجب اتباع الراجح لا المرجوح
أنا القياس طمأن قلبي ورجّحه بذلك الاطمئنان، جعله يميل ميلًا. عندي احتمال واحد فقط، وهو ألّا تفعل هذا، وهذا هو الذي يطمئن إليه قلبي.
أقول له: هل هذا سمعته من ربك أو من رسولك؟ أقول له: لا، لم أسمع عدم النزاع على الشقق لا في الكتاب ولا في السُّنَّة. أنا سمعت أن عدم النزاع على البيع وعدم النزاع على الخطبة، أما حكاية الشقق فهي [لم ترد بنصها]. ولكن تربيتي على أوامر الله ورسوله، عقلية في أمور تتشابه مع بعضها في كثير من الأمور التي شرحناها الآن، تجعل قلبي مائلًا إلى أن أقول لك: لا تفعل هذا، فهذا من جنس ما حرّمه الله علينا وإن لم يحرمه بذاته وعينه ونصه وفصه هكذا.
وجوب العمل بالظن الراجح لأن اتباع المرجوح والتناقض ممنوعان عقلاً
قالوا إذن: فلو أن القياس يؤدي إلى الظن والرجحان فقط وليس إلى اليقين والقطعية، إلا أنه يجب العمل به؛ لأن العمل بالظن واجب.
هذا الكلام مُقَعَّد: لأن العمل بالظن واجب. لماذا هو واجب؟ لا، وماذا أفعل؟ ماذا أفعل هذا؟ أنا لا بد أن أفعل الصحيح، وأن أقوم بالظن دائمًا هكذا. لا بد عليّ أن أفعل الظن؛ لأنني دائر بين الجمع بين النقيضين - وهو ممنوع - وأن أتبع المرجوح - وهو ممنوع - أو أتبع الراجح.
الثلاثة أحلاهم مر، ومرفوضان: أبقى في تناقض والتناقض ممنوع، واتباع المرجوح ممنوع. إذن يجب عليّ أن أتبع الراجح.
توسع الأصوليين في دراسة أركان القياس وكيفية استنباط العلة وتحقيقها
وبدأ الأصوليون من هذه الآلية التي أسموها في القياس، بدأوا في دراسة كل جزء وكل ركن من أركان القياس، ووضعوا لهم ضابطًا، ووضعوا له كيفية عمل.
وتوسعوا جدًا في كيفية استنباط العلة: كيف نستنبط العلة؟ وكيف نحققها في الفرع؟ وما هي الأمور التي تشوش علينا ذلك الاستنباط؟ وما هي أنواع تلك العلل؟ وأن بعضها منصوص وبعضها مستنبط.
فما هي المسالك؟ يقولون هكذا: مثل المسالك التي تؤدي بنا - يعني الطرق التي تؤدي بنا - إلى العلل وإدراك العلل. كيف نفهمها؟ كيف نستنبطها؟ وهكذا.
مثال قياس الأولى: قياس ضرب الوالدين على قول أفّ لهما في التحريم
فمثلًا عندما تكلموا على ما ذكرناه من الأنواع الثلاثة للقياس، قالوا: نحن إن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23]
فلا تقل لهما أف. وهنا له وفي منطوقه: الألف والفاء التي تخرج من الفم تعبيرًا عن التذمر والضيق. أفٍّ.
إذن حسنًا، لم أقل لهما أفٍّ، ولكنني أمسكت بعصا صغيرة وضربتهما فقط! فأجيب للوالدين وكبار السن أنهم قد خرفوا، أنهم يعني يأمروننا بأوامر ويوجهوننا إلى نواحٍ عيب، هكذا فقط. الحمد لله تمسكت وأنا أضرب، لا أقل من أف أبدًا! هذا حرام!
لماذا يضحك الجميع من هذا المثال: العلة في الضرب أعظم منها في التأفف
الأستاذ يضحك والأخت تضحك وكلنا قد ارتسم على وجهه [الابتسامة]. لماذا؟ لماذا هذه الابتسامة التي حدثت؟ إنه غير معقول! هذا السبب ما هو؟ يحتاج فكرة.
لماذا؟ لأن العلة - وهي إيذاء الوالدين - التي من أجلها حرّم الله كلمة "أف" أن تصدر من الابن لوالده أو لوالدته، هذا الإيذاء إيذاء بسيط. يعني لو أجرينا هكذا إحصائية: من منّا لم يقل لأبيه وأمه أف؟ يعني ستكون النتيجة إما منعدمة أو منعدمة.
والأب والأم عندما يرى الولد يزعق وهكذا، يحاولون من أجل إثارة شفقته عليه. يعني لا تؤذِ أيضًا، لا يتراجع الأب والأم في كثير من الأحيان عن ذلك الأمر الذي قد توقف ابنهما أو ابنتهما عنه.
ضرب الوالدين إجرام أشد بكثير من التأفف وهذا هو قياس الأولى
يعني كأنه أيضًا الحكاية فيها ماذا؟ لا يبدأ يعني يُزال هذا الذي لا يكاد يُذكر به من الواقع هكذا، أنه لا يكاد يُذكر أمام هذه المصيبة التي لا تكاد تُتصور: أن يضرب ابنٌ - والعياذ بالله - أباه أو أمه!
هذا إجرام أشد من إجرام كثير. الشرك بالله وعقوق الوالدين، هذه كبيرة لدرجة أنه لا يمكن أن يقارن بينهم.
إذن فهذا ما يمكن أن يسميه قياس الأولى. وبعض الإسلاميين [العلماء] وصل به الأمر إلى أن يقول: قياس في معنى النص. وقياس كلمة يعني: عندما يقول لي الله [لا تقل لهما أف]، أين الغيظ من الضرب؟ فهذا هو الطريق.
ولا أقول له أف، فلا أقول له أف أبدًا. يقول لي: نعم، تَرَكَ ولكن ضرب! لأنني أريد أن أضرب. فأقول له: انتظر، في معنى النص كأنه نصٌّ، من شدة توفر العلة في ذلك الفرع الحادث المسكوت عنه الذي لم يُنص عليه، بمرحلة كبيرة ضخمة بينه وبين المنصوص عليه وهي كلمة أفٍ.
مثال قياس المساواة: إحراق مال اليتيم قياساً على أكله في التحريم
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الإسراء: 34]
﴿وَلَا تَأْكُلُوا مَالَ الْيَتِيمِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 10]
إن أكل مال اليتيم محرم. فالله سبحانه وتعالى جعلني وليًا وصيًا على ذلك اليتيم وماله، فأذهب وآكل منه وأتمتع به، آكل كل يوم كبابًا وتفاحًا وأستمتع من مال اليتيم، وأُطعمه أيضًا معي: تعال يا ولد، خذ قطعة طعام هكذا. ليس هناك مانع، ويكبر اليتيم نَفِدَ المالُ وضاعَ.
فبدلًا من أن يَجِدَّ ويجتهد ليحصل على ما يُغنيه من ميراث أمِّه أو أبيه أو أهله أو ما شابه، إذا به يبحث ولا يجد شيئًا، أو يجد الشيء ناقصًا. حذَّرَ الله من هذا تحذيرًا كبيرًا.
مقارنة بين أكل مال اليتيم وإحراقه والنتيجة واحدة على اليتيم
لكن افترض أن هذا الآكل - والعياذ بالله - أو المُضَيِّع هو أحضر طعامه مرة أخرى، والله تعالى يقول له: احذر أن تفعل ذلك. حسنًا، هذا كان فيه منفعة ولذة.
لكن نفترض أنه رجل حقير ذهب فأحرق المال وأشعل فيه النار! قال: لكي لا يجد هذا الطفل الصغير شيئًا عندما يكبر.
في صورتين: سواء أكله وغذّى به نفسه، أو أشعل فيه النار. موقف: ما هو العائد من هذين التصرفين على الولد؟ فواحد في الأولى: الولد لم يستلم ماله، وفي الثانية: الولد لم يستلم ماله.
الحقيقة أن النتيجة واحدة. ولذلك الأصوليون ضربوا هذا المثال مثالًا للقياس بالعلة المتساوية. فإن في الأصل نهانا ربنا عن الأكل بعدم تضييع المال على اليتيم، وفي الفرع قد ضاع المال على اليتيم. فضياع المال في كلتا الصورتين متساوٍ.
مثال قياس الأدنى: تحريم الربا في الأصناف الستة واختلاف العلماء في العلة
قد تكون العلة في الفرع أقل منها في الأصل، فنسميه قياس الأدنى. وصورة ذلك مثلًا أن النبي عليه الصلاة والسلام حرّم فقال:
قال رسول الله ﷺ: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرّ بالبُرّ - الذي هو القمح يعني - والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، يدًا بيد، مثلًا بمثل، سواءً بسواء، فمن زاد أو استزاد فقد أربى»
هل يا تُرى رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حرّم في هذه الأشياء، حرّم فيها فقط في الستة الأشياء هذه فقط - كما يقول ابن حزم الظاهري الذي ينكر القياس - أو أنه قد حرمها لمعانٍ؟
اختلاف الأئمة في علة تحريم الربا بين القوت والطعم والمماثلة
وذلك أن الذهب والفضة كانا وسيط التبادل بين الناس، وأراد [النبي ﷺ] ألا يحدث خلل في التعامل فيحدث اضطراب في قيم وسيط التبادل. وأراد أن يحفظ على الناس أقواتها أو مطعماتها، أو أنه أراد أن يحفظ على الناس التماثل فلا يحدث الخلل في البيع والشراء.
ذهب إلى كل واحد من هذه العلل فريق من العلماء؛ لأنه عندما فكروا اختلفوا:
- •فقال الإمام مالك: هو يريد أن يحفظ على الناس أقواتها، وقوت البلد هو القوت المدخر.
- •والإمام الشافعي قال: لا، نوسعها قليلًا [فالعلة هي الطعم].
- •وأبو حنيفة كان قال: لا، هو يريد المماثلة في الجنس والقدر.
مثال القوت عند الإمام مالك والفرق بين قوت البلد والكماليات
يعني إذا نزلنا مصر مثلًا الآن نجد قوت البلد هو الفول المدمس الذي يفطر به الناس ويصنعون منه طبق الشعبية وغير ذلك. ما هذا؟ والأرز الذي يأكل منه غالبية القاهريين، إنه من الشمال وليس سويسريًا. والقمح الذي يعتمد عليه غالبية أهل الصعيد في قوتهم.
تجد أن الصعيدي لا يفطر عندما يكون هناك أرز، بل لا بد أن يأكل خبزًا وهكذا. هذا هو قوت البلد.
لكن المارون جلاسيه ليست من قوت البلد بدرجة. فروة عندما نضعها في قليل من السكر هكذا، فهذا ليس من القوت. هو مُطعوم نعم، يُؤكَل نعم، لكنه ليس من القوت.
ولذلك جاء عبد الناصر ومنع استيراد هذه الأشياء ولم يشعر أحد، يعني لم يتأذَّ أحد كثيرًا بأن المارون جلاسيه لم يعد موجودًا في البلد، فهو ليس ضروريًا.
الفرق بين إزالة الكماليات وإزالة الأقوات الأساسية وأثرها على الناس
ما المارون جلاسيه موجود، لكن لو أُزيل القمح أو الأرز أو الفول من البلاد، فماذا سيكون؟ ستكون الحاجة أزمة حقيقية؛ لأن الناس قد تعودت على تناول هذه الأشياء يوميًا، بل وفي وجباتها كلها.
سيحدث عدم شبع، إذ تعوّد الجسم المصري منذ قديم الأزل أن يأكل القمح في صورة الخبز، يأكل الأرز أو يأكل الشعير أو يأكل الزرع أو يأكل الفول أو يأكل غير ذلك. لو أننا قلنا له: اكتفِ باللحوم مثلًا والطبيخ بالخضار المعتاد، لا يشبع، لا يحدث له شيء، لا يشبع وتحدث أزمة كبيرة.
إذن مالك يفكر ويقول: يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحفظ الأقوات على الناس، فلا يريد لعبًا فيها ولا زيادة وكذا، بحيث لا تحدث مضاربات حولها وعليها، يبقى في تسوية عليها هكذا، يجعلها كما هي هكذا.
اختلاف الشافعي وأبي حنيفة في علة الربا وأثره على تطبيق القياس
طيب، الإمام الشافعي قال: لا، نوسعها قليلًا؛ لأنه كان هناك أناس أيضًا يؤثر في نفسها المارون جلاسيه قليلًا، وعندما مُنعت تضايقت وقالت: الله يعني يجازي الثورة شرًّا أن منعت المارون جلاسيه! كنا في الماضي... ويحكي لك عن الماضي. كان ما أجمل الملبنة المخلوطة بالقشطة من عند الحاج بكر، والمارون جلاسيه من عند جروبي! فأنتم حرمتمونا الآن من هذه الأشياء اللطيفة.
في الحقيقة يعني كأنه يعامل الأطعمة كلها معاملة واحدة. فَفَهْمُ الشافعي كان هكذا [أن العلة هي الطعم].
لكن ذهب أبو حنيفة كان قال: لا، هو يريد المماثلة في الجنس والقدر. فهناك أشياء يضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم كمثال؛ لأنه أيضًا لم يعد التراب بالتراب ولا الأقلام الرصاص بالأقلام الرصاص، وإنما مثلًا بمثل وهكذا حتى تستقر المعاملات ويتحقق العدل.
اختلاف الأقيسة بين الأئمة في مسألة مبادلة الأمتار وعلة الربا
وأنت في غرر وفي أكله. وهنا ستختلف الأقيسة عند هؤلاء الأئمة.
إذا وسُئل سؤال: هل يدخل معنا مبادلة بعض الأمتار بأمتار أخرى أم لا؟ فسيقول مالك: لا، بِعْ عددًا من الأمتار بعدد آخر من الأمتار كيفما شئت، فإن الأصل هو القوت، أو الأصلي هو البُر أو القمح، وعلة ذلك هي كونه قوتًا. أما الأمتار فليست قوتًا، إذن فبِعْها كيفما شئت، إذ ليس الحصن [الحكم] ثلاثة في عملية القياس.
لكن الشافعي يقول: لا، علة التحريم في القمح هي الطعم، أي أنه مطعوم، أي أنه يؤكل بالفم. فالكمثرى تؤكل بالفم، والنتيجة أن الزيادة في الكمثرى حرام مثل القمح تمامًا عند النظر إلى علة الطعم التي استنبطها الشافعي.
العلة المستنبطة ظنية وليست قطعية ولذلك اختلف الأئمة في تطبيقها
هل هي علة يقينية؟ قطعًا لا، وإلا ما حدث خلاف بين المالكية وبين أبي حنيفة. لو كانت قطعية لاتفقوا عليها، لكن هذه أمور تعتبر باطلة [ظنية] وأمور معقدة أخرى فاختلفوا فيها، فاختلفوا في النتيجة.
هم متفقون على قضية القياس وآلياته، لكن عندما نأتي لنطبق نجد أن هذا قال: العلة هي الطعم، وهذا قال: العلة هي القوت.
وحينئذٍ نقول له: هناك ربا في الفاكهة هذه وإن لم تكن مقتصدة [قوتًا]؛ لأن القضية قضية الطعم. هذا مذهب وهذا مذهب.
إذن فهذا المذهب أو هذا اختلاف المذاهب، هذا يدل على أن العلة ليست كشأن الضرب قياسًا على التأفف، ولا حتى كشأن الإحراق قياسًا على الأكل، إنما هذه علة في القلب منها شيء في الاستنباط، فيها اختلاف، بل وقد يكون في التحقق فيها خلاف.
مثال البرسيم والخلاف في تحقيق علة الطعم بين الإنسان والحيوان
لأنه من الممكن أن تأتي له مادة هي مشتركة في الأكل بين الإنسان والبهيمة، فهل تدخل معي في الطعم أم لا تدخل معي في الطعم؟
هنا سيحدث بيني وبين أخي المتمذهب بمذهب الشافعي والمقتنع بكلامه خلاف. والخلاف هنا لم يكن في علة الأصل [بل في] توافر هذه العلة في الفرع. فهل هذه العلة متوافرة في الفرع أيضًا؟
حدث في مكة قبل خمسين سنة أن ازدحم الناس، ولمدة قصيرة كان البرسيم كعصير القطع والبرسيم. ولا أرى أحدًا قد حاول أن يتذوق عيدانه، إلا أن فيه مادة سكرية كاملة. يعني هو أشبه بعصير الجزر، عصير الجزر فيه من السكر الطبيعي.
البرسيم بين طعام البهائم وطعام البشر وأثر العرف في تحديد الطعم
فإذا ما عُثر على البرسيم وهو مادة خضراء كأي مادة أخرى فيها من الفيتامينات ومن المركبات ما في أي مادة أخرى، ولكن شاع في الاستعمال هذه النبتة في أكل البهائم وليس في أكل الإنسان.
فلو أنها كانت صالحة لأكل الإنسان - لأن الإنسان إذا ما أكل إنسان لا يدري بل ينتفع بل قد يتلذذ أيضًا وينبسط - وكثير من الناس في هذه الفترة أقبلوا وتهافتوا على عصير البرسيم، يشربونه لأنه رخيص ومفيد وطعمه لذيذ.
ومن الممكن جدًا أن نصنع إعلانات له ونضع سياسة تمنع التقاط الصور حتى لا يُقال إن المصريين يأكلون طعام البهائم. ولم يُمنع لا من جهة الصحة من قبيل التقزز أو الاشمئزاز ولا من قبيل كذا وكذا.
الفول المدمس بين طعام البشر في مصر وطعام البهائم في إيطاليا
بل صورة أشد واقعية من هذا، وهي قضية الفول المدمس. فإن الفول المدمس في إيطاليا مثلًا لا يأكله إلا البهائم والعصافير، ويتعذبون تعذبًا شديدًا ويصلون إلى حالة الاشمئزاز والتقزز لو أنهم قد أُخبِروا بأن أحدًا من البشر يأكل مثل هذا النبت.
إذن هذه - الفول أو البرسيم أو غيرها إلى آخره - وأنا أضرب هذه الأمثلة حتى نبين أنه قد يكون هناك شيء واقع في التعامل وفي الطعم ما بين الإنسان والحيوان.
فماذا يكون الحال؟ هل هذا يُقَوَّم بكذا ويُحاسَب على كذا إلى آخره، أو أنه لا يُقوَّم؟
الخلاف في تحقيق العلة في الفرع بين الشافعية أنفسهم في مسألة البرسيم
إذا اختلفوا فاتفق مع صديقي الشافعي هذا أن الفول يجري فيه [الربا] لأننا نحن الذين اعتدنا عليه، متفقين. وندرك أنه توجد أقوام أخرى لا تتصور أكله للبشر لأنها لم تجرب هذا ولم تتعود عليه.
وسأختلف مع صديقي الشافعي الآخر في قضية البرسيم. فهو يرى أنه طعام وأنه لا بأس به وما الذي يمنعه إلى آخره. وأنا أرى أن العرف حاكم وغالب على أنه ليس من طعوم البشر، وأنه ينبغي أن نفك عنه أسر التفاضل الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأصناف، ونجعله خارجًا عن هذه القضية، فلا نقيس على الربويات.
بالرغم من أننا نحن الاثنين نقول إن الطعم هو علة الربا، اختلفنا في تحقيق هذه العلة في الفرع وليس في الأصل.
القياس ظني في مجمله لكن العمل بالظن واجب شرعاً
ومن هنا كان القياس ظنيًا أيضًا. هل هذا الحكم بإزائه هذه العلة فعلًا؟ أظن ذلك. هل هذه العلة متحققة في الفرع؟ أظن ذلك.
هذه مجموعة الأمور تجعل القياس في مجمله ظنيًا، وإن وجب العمل به؛ لأن الظن يجب العمل به.
وقد توسع الأصوليون في شروط الأصل وشروط حكم الأصل وشروط العلة وشروط الفرع، بحيث تتم عملية القياس بطريقة منضبطة مفهومة واضحة، تحاول أن تبتعد عن مواطن الغموض، وتحاول أن تبتعد عن التكلف وعن المفارقة بين ذلك الفرع وهذا الأصل.
منكرو القياس وردهم على أمثلة الجمهور بأن النصوص تغني عن القياس
إلا أن بعض الناس أنكروا القياس. هذا فقه جيد، إلا أن بعض الناس أنكروا القياس. يعني سنقول شرحًا إن شاء الله، إن شاء الله، لكن اصبر عليّ قليلًا.
وقالوا: من قاس - كما تقولون أيها الجمهور - فقد شرع وأوجد حكمًا لشيء مسكوت عنه. وهذه الأمثلة التي قلتموها لنا نرد عليها.
تقولون: قِسنا النبيذ على الخمر، فالخمر حرامٌ لأنه مُسكر، والنبيذ مُسكر فهو حرام. الخمر في اللغة هو عصير العنب، لكن عصير التفاح المسمى بالشامبانيا لا يسمى خمرًا في اللغة، وعصير البصل المسمى بالويسكي لا يسمى خمرًا في اللغة، وعصير التمر أو غيره المسمى بالعرقي مثلًا أو الأنبذة المختلفة كنبيذ الذرة أو نبيذ الشعير لا يسمى في اللغة خمرًا، بل يسمى مسكرًا وقد يُسمى بأسماء أخرى.
أسماء الخمر في لغة العرب وكتاب الفيروزابادي في جمع الأسماء المتعددة
فالخمر قد ورد لها تسعون اسمًا في لغة العرب؛ لأن العرب كانت إذا أحبت شيئًا أو خافته أكثرت من أسمائه. فتجد الأسد له سبعمائة اسم، وتجد البحر له ثلاثون اسمًا، وتجد الخمر له تسعون اسمًا وهكذا.
حتى قام أحد العلماء وهو الفيروزابادي فقد جمع كتابًا سماه "الروض المألوف" في جمع ما له اثنان أو ثلاثة إلى ألوف. وهذا يعني أن بعض الأشياء كان لها ألف اسم في لغة العرب.
فالخمر - وهي بحروف الخاء والميم والراء - كانت تُطلق على نوع معين من المُسكر، وهو عصير العنب المتخمر الذي ظهرت فيه صفة [الإسكار].
رد منكري القياس بأن حديث كل مسكر خمر يغني عن قياس المسكرات على الخمر
يقيس [الجمهور] الويسكي على الخمر ويقول إنه حرام، ويقيس الشامبانيا على الخمر ويقول إنها حرام، ويقيس البيرة على الخمر ويقول إنها حرام.
فجاء منكرو القياس وقالوا: حسنًا، أنت في الحقيقة تفعلون شيئًا لا حاجة لنا به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «كل مسكر خمر»
انتهى الأمر! بهذا القول أصبح للخمر معنى في الشرع أوسع منه في اللغة. وحينئذ كان الويسكي والشامبانيا والعرقي ومشروبات البلد وكذا من أنواع المسكرات تكون مندرجة [تحت مسمى الخمر].
هذا كلامه، وهذه الكلمة التي يستغنون بها عن قضية القياس: أن تكون هذه الأشياء مندرجة تحت الخمر. فكل مسكر هو خمر، وكل خمر حرام، خلاص.
أحاديث نبوية أخرى تؤكد تحريم قليل المسكر وكثيره دون حاجة للقياس
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»
ها هو فتحها. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «ما أسكر منه الفَرَقُ فمِلْءُ الكف منه حرام»
هذا صحيح. يعني لو أن سائلًا بحجم البانيو المعتاد عندنا الآن شربته فأسكرت - شربت البانيو فأسكرت - فإن ملء الكأس منه هكذا يكون حرامًا.
حسنًا، وهل يوجد أحد سيشرب هذه الكمية الضخمة حوالي مائتي لتر؟ مائتي لتر! فإن الكوب منه يصبح حرامًا. ملء الكف يعني كوبًا تقريبًا، كوب صحيح.
إذن هذه النصوص تندرج تحتها هذه الأفراد من غير حاجة لنا للقياس.
رد منكري القياس على مثال الإيجار بأن النصوص العامة تغني عن القياس
تقول: الإيجار قِيس على [البيع]؟ ألم ينهنا الله عن التنازع والتخاصم وأمرنا بالأخوة؟ أليس من المفترض أن تصبح هذه الأشياء من أفراد هذا الكلي الذي هو محل النزاع؟
[وكذلك] يجعلك تقول أف، والله قال بعدها:
﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23]
هنا نعتبر الضرب من النهر. ثم إن هذا من بلاغة العرب وكلامهم. فلو قلت: ليس في جيبي مليم - كان في الماضي أحمر - ليس في جيبي مليم، يعني ليس في جيبي أكثر منه.
فتصبح مسألة سخيفة أن يكون في جيبي مائة جنيه ثم أدخل على السامع وأقول: ليس في جيبي قرش صاغ! فَهِمَ الناس هذا أننا في القليل، وزننا في الأكثر.
نفي الأقل يستلزم نفي الأكثر في بلاغة العرب وتطبيقه على النصوص الشرعية
عندما أقول: ليس معي قرش، فمعناه أنني ليس في جيبي شيء. وهذا يصح عند الناس.
أنا أقول لك: بعد قليل أُخرج المائة جنيه من جيبي، وبعدها أقول: أنا نفيت وجود القرش، أنا قلت ليس في جيبي قرش، لكني لم أقل أنه ليس في جيبي مائة جنيه! هذا النوع من التفكير وهذا النوع من اللغة غير معهود بين الناس، بل إن السامع سيتهمني حينها بالكذب.
كلمة "لا تقل لهما أف" هو أفضل [من باب أولى]. يعني إذا كان أفضل تلك الأذية التي لا تكاد تُذكر، التي عادة ما يعفو عنها الأب والأم لطفلها، فما بالك بما هو أكبر منها؟
وتقول أنه أكل مال اليتيم، لا يوجد عليه العذاب! أي عذاب هذا؟ هذان اسمان وليس اسمًا واحدًا؛ لأن الأكل هنا يندرج تحت كل إهلاك.
رد الجمهور على منكري القياس بأن الخلاف لفظي ومنهج القياس أكثر انضباطاً
وواضح من العبارة؛ لأن ظاهر العبارة أيضًا أنني أمسك المال نفسه وآكله هو نفسه، فكيف آكل الذهب والفضة أو كيف آكل الأرض؟ معنى العبارة أنني أتصرف فيها من غير قياس ولا شيء. لن أحرق أي شيء، لكن معنى العبارة أنه لا بد أن أتصرف فيها.
فالحقيقة أن قلبكم بالقياس هذا يعني لا حاجة لنا بهم.
قلنا لهم: إن اختلافنا إنما هو اختلاف لفظي فقط، وكلامنا أشد ضبطًا وانضباطًا من كلامكم؛ لأننا قد توصلنا جميعًا إلى نفس الأحكام، وهذا الذي نريده.
فإحراق مال اليتيم حرام، وضرب الوالدين حرام، والربا في المعاملات الفلانية حرام.
الخلاف الحقيقي يظهر في مسألة الربا حيث يقتصر الظاهرية على الأصناف الستة
قال لي: كفى، كفى. لا، ليست حرامًا! هذا فقط في الستة فقط، هو في الستة فقط؛ لأن مسألة الطعم والقوت وما شابه ذلك ليست مستوعبة في ذهني، وليست مثل مسألة الخمر والضرب والإحراق والأشياء التي كنا نتمسك بها الآن.
ولذلك سأقف على الستة فقط ولا في سوى هذه الستة.
قلت له: إذن بدأنا في الخلاف الحقيقي، وأن كلامي أقرب إلى التمنهج بمنهج الله من كلامك؛ لأنني أبحث عن المقاصد والعلل والحِكَم.
وهذه الأشياء لن نختلف فيها كثيرًا هذه الأمثلة. ها نحن قد أتينا بمثال وهو الربا، اختلفنا لأن منهجي مضطرد في فهم الشرع ومراده ومحاولة التطبيق. عندك وكلامه أكثر تفصيلًا، أكثر دقة، أكثر بيانًا، أقدر على نقله بين الأستاذ والتلميذ، أقدر على توصيله.
التفريق بين العلة التعبدية والعلة الواضحة وأهمية هذا التفريق في القياس
علة تعبدية: ماذا تعني العلة؟ تعني أنني عندما يُسأل عن لماذا، لا أستطيع أن أجيب. إذن هذا هو التعبد.
وهناك علة واضحة يمكن أن أعدها.
قضية هامة جدًا ينبغي أن نركز عليها وأن نستوضحها تمامًا، وهي تفرقة الأصوليين بين العلة والحكمة.
فهناك فارق عندهم بين ما يمكن أن نسميه بالحكمة وما يمكن أن نسميه بالعلة. في حين أن كلًا من العلة والحكمة إنما قد ورد في الإجابة على السؤال: لماذا؟
عندهم فالعلة فيها صفتان: أنها ظاهرة منضبطة. والحكمة ليست كذلك. يعني يمكن أن تكون ظاهرة غير منضبطة، ويمكن أن تكون من ضمن ليست ظاهرة ولكنها منضبطة إلى آخره. لكن العلة ظاهرة ومعنى الظهور: الرؤية بالعين، يمكن رؤيتها بالعين. هذا معنى الظهور. منضبطة أي أنها محددة حادة واضحة هكذا بيّنة لا اختلاف فيها.
مثال العقد والتراضي: الرضا حكمة خفية والألفاظ علة ظاهرة منضبطة
وضد اقتصاد [الانضباط]، ما هذه الخفية المتربة [المضطربة]؟ الظاهر ضد الخفي، والمضطرب ضد المنضبط.
فمثلًا: ما علة العقد؟ لماذا شرع الله سبحانه وتعالى آثار عقد البيع أو عقد الزواج أو عقد الإيجار بين المتعاقدين؟ لماذا؟
الإجابة على ذلك: التراضي. هناك رضا بيني وبين الطرف الآخر؛ لأن العقد في حقيقته هو توافق، هو اتفاقٌ وتوافقٌ حدث بين إرادتين في رضا بالاثنين: البائع والمشتري، الزوج والزوجة، المؤجِر والمستأجر إلى آخره.
أين الرضا هذا؟ هذا في القلب. إذن فهو ليس بظاهر لأنني لا أراه. إذن الله يصلح الرضا أن يكون علة؟ بالرغم أنه قد وقع في إجابة السؤال: لماذا؟ لماذا أحل الله هذا؟ أو لماذا بنى الله آثار العقود عليها؟ لأن فيها رضا. لكن هذه حكمة، الرضا هنا حكمة.
اضطراب الرضا الباطني وعدم انضباطه مقارنة بالألفاظ المحسوسة المنضبطة
فالرضا أمر باطن في القلب لا اطلاع لأحد عليه، وعلى ذلك فهو خفي. كما أنه مضطرب.
يتبين ذلك أنني إذا ما أردت أن أبيع ملكي هذا - أمتلك شيئًا وأريد أن أبيعه - لكنني أحب هذا الشيء أحبه حبًا جمًا ولا أريد أن أبيعه، لكنني سأبيعه لأنني محتاج إلى نقودي، لكنه عزيز عليّ.
وهكذا الحقيقة، يعني إذا ما سألتني: هل تريد أن تبيعه؟ نعم، أريد أن أبيعه، ولكن لا أريد أن أبيعه! يعني معناه هكذا: لو كان عندي مال لما بعته. أنا بائع.
أتشعر بالاضطراب؟ هل يوجد أحد يكرهك أبدًا؟ لقد أمسكت بيدي وذهبت إلى المشتري وتوسلت معه إلى أن يشتري لأنه في أزمة.
الألفاظ هي العلة الظاهرة المنضبطة والرضا هو الحكمة الباطنة المضطربة
حسنًا، إذا سألت هذا الإنسان: هل أنت راضٍ؟ في الحقيقة هو لا يستطيع أن يجيب، إذ إن الرضا مسألة مضطربة.
في حين أن شخصًا كان يقول لي: إن الله رزقك، أخذها وحملوها بجنيه فصارت تساوي عشرين جنيهًا، وهو فرحان أنه تم البيع. والآخر فرحان يقول: انظر إلى الساذج، أخذ البقرة (أو السلعة) بخمسين جزءًا، أخذها منه بعشرين. كلاهما فرحان.
لكن عندما هذا رضي وهذا رضي، فأين المكسب الحقيقي من هذه الألفاظ؟ بعتك واشتريت؟ الألفاظ محسوسة يمكن لك أن تشهد أما بالسمع وإما بالبصر وإما في محسوس. تقول: نعم، سمعت هذا يقول لهذا: بعتك هذا بثمن كذا، وهذا يقول له: قبلت فاشتريت منك. سمعتهم بفمي مثلًا، شهادة يزيد عليها الشهادة.
الرضا سبب حقيقي لشرع البيع لكنه ليس مناط الحكم والألفاظ هي العلة
فالثاني يقول: نعم، أنا فعلت هكذا، لكن يعني قلبي مكان حذائي! أقول له: ما أنا لم أطّلع على ما في قلبك. والقاضي أيضًا يقول له: ليس هذا هو مناط المسألة.
نعم، الرضا هو السبب الحقيقي الأساسي الذي من أجله شرع الله البيع بين الناس، ولذلك بيع الإكراه لا يجوز. لكن لا تلخصها هكذا يا محمود.
طيب، فهذا أمر خفي. هذه الحكمة إنما لها آثار خارجية وُجدت لما كانت يعني مندمجة في قضايا القياس والعلة.
حسنًا، إذن فعندي الرضا أمر خفي مضطرب، ولكن الألفاظ أمر ظاهر منضبط.
فما هي العلة وما هي الحكمة؟ الألفاظ هي العلة.
قاعدة: الحكم يدور وجوداً وعدماً مع علته لا مع حكمته
وهكذا الحكم يدور وجودًا وعدمًا مع علته. اكتبوا القاعدة، مهمة:
الحكم يدور وجودًا وعدمًا مع علته، لا مع حكمته.
لا مع حكمته. الحكم يدور وجودًا وعدمًا مع علته التي هي الظاهرة المنضبطة، لا مع حكمته. فقد تتخلف الحكمة ولكن أيضًا الشيء يظل بحكمه.
لماذا حرم الله الخمر؟ لأنها تغيب العقل الذي به العبادة والعمارة، مقصود الكون.
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
لن يعرف عابدهم [كيف يعبد بلا عقل].
﴿لَا تَقْرَبُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]
﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]
لن أعرف كيف أخلف [بلا عقل].
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
لن أعرف كيف أعمر الأرض. فالعقل الحقيقي هذا لا بد من الحفاظ عليه حتى يتحقق مقصود الخلق.
تطبيق القاعدة على الخمر: الحرمة تدور مع الإسكار لا مع فقدان العقل
حسنًا، ما رأيك أنني سأشرب كأسًا وكأسين من الشامبانيا ولن أسكر؟ والحاصل هكذا أن جميع أصحاب فيها الكأس والاثنان ويخرجون بعدم أهلية القيادة، وعدم أهلية القيادة هذا ليس في حالة سُكْر بَيِّن.
ولذلك في القانون عندما حرَّموا قالوا: ما هو السُكْر البَيِّن؟ يعني هناك فرق بين السُكْر والسُكْر البَيِّن. السُكْر البَيِّن هو الذي يترنح، خلاص أصبح في حالة الفتوى المسموحة.
لكن هكذا المشكلة كانت: شرب شامبانيا مخففة لدرجة أنه يستطيع أن يقود السيارة وهو راجع.
حسنًا، هذه المصيبة التي نواجهها. هل هذا حرام أو حلال؟ هذا حرام قطعًا. حسنًا، إنه لم يفقد عقله! لأن فقدان العقل حكمة.
أهمية التفريق بين العلل والحكم لسد المداخل الشيطانية في الأحكام
وهنا ما أقوله لكم أنه من المهم جدًا أن نفرق بين العلل والحِكَم؛ لأن هذا مدخل من المداخل الشيطانية أنه يقول لك: إن الأحكام متعلقة بحِكَمها.
ويقول لي: عقلك لا يذهب، وأنا لن أُذهب عقلي، وأنا سأشرب رشفة أو اثنتين فقط وانتهى الأمر، مجاملة. فهذا هو الحرام!
إن الذي حرم هو السكر الواضح؟ ولذلك لا! إن الله حرم الكثير منه والقليل:
قال رسول الله ﷺ: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»
فالقضية هنا أن الحكم يدور وجودًا وعدمًا مع العلة. والعلة: الإسكار، كونه مسكرًا. هذه الشامبانيا هذه مسكرة، فيها كحول، والكحول هذا مسكر، قلّت النسبة أو كثرت النسبة، هو مسكر وهو حرام، بغض النظر عن الحكمة [وهي فقدان العقل].
تطبيق القاعدة على السفر: العلة هي المسافة والحكمة هي المشقة
السفر: اقصر الصلاة جائز، أنك تفطر في رمضان. لماذا؟ للمشقة، تخفيفًا من ربكم ورحمة.
قال رسول الله ﷺ: «تلك صدقة قد تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»
إذن ما فيه يعني نوع من أنواع هذه المشقة. هذه [المشقة] لا تختلف باختلاف الأجساد وباختلاف المسافات وباختلاف البلدان وكيفية الطرق فيما بينها.
فالسير في الصحراء ليس كالسير في الطرق المأهولة التي فيها استراحات وغيرها. أتعلم ما الذي أشعر به عندما أسير في الطريق الصحراوي؟ يوجد مأمن في محطات بنزين وغيرها. لكن عندما أسير في طريق البحر الأحمر، لا يوجد مأمن مثل ذلك، مما يسبب الخوف، وهذا الخوف يؤثر في جسدي ويسبب المشقة.
اختلاف المشقة بين الأشخاص والأزمنة والأحوال وعدم انضباطها كعلة
لا يوجد فرق بين سفر الصعاليك وسفر الملوك. فليس لدى مثلًا خط قطار خاص بسيادة الرئيس يركب فيه مكيف الهواء، يعني يذهب ربما دون أن يعرف أنه ذهب إلى الإسكندرية مثلًا. بخلاف القطار القشاش الذي يقف في كل محطة من هنا إلى الإسكندرية، ويمكث في الطريق سبع ساعات أو ثمان ساعات، وقبل أن يصل الإنسان إلى هناك يكون قد تحول إلى إنسان آخر من كمية الأتربة والأحوال التي حدثت له.
أليس السفر في الشتاء مختلفًا عن السفر في الصيف ومختلفًا عن السفر في الربيع؟ أليس سفر الكبير مختلفًا عن الصغير، والغني مختلفًا عن الفقير؟
أي يعني هذا: ما هي المشقة؟ كيف تُضبط وهي غير منضبطة في الحقيقة؟ هذا قد يكون السفر متعة من المتع، وقد يكون عذابًا والعياذ بالله.
السفر قطعة من العذاب حتى بالطائرات والمشقة تختلف من شخص لآخر
والسفر قطعة من العذاب، وهذا حديث. تقول السيدة عائشة:
قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «لولا أني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: السفر قطعة من العذاب، لقلت: العذاب قطعة من السفر»
نعم، وحتى الآن، حتى السفر بالطائرات يُحدث تغييرًا في الساعة البيولوجية في الجسم، يجعل الإنسان لا يشعر بنفسه وهو في مشكلة. سواء كان السفر إلى الشرق أو الغرب، ولا الليل صار النهار، ولا حتى نفس السفر في حد ذاته صعب. فالطائرة وهبوطها فيه مشقة، وحمل الحقائب والفحص فيه مشقة، وهناك شعور نفسي بأن هذا كله مشقة.
إذن فهذه الأمور كلها متغيرة من شخص لآخر. فقد يكون الإنسان متعبًا نفسيًا من هذا، وإنسان آخر مرح يضحك ومبسوط أن الشنط انقطعت وأن بعضها ضاع إلى آخره. إذن المشقة تختلف.
المسافة ظاهرة منضبطة تصلح علة للقصر بخلاف المشقة غير المنضبطة
لكن الذي لا يختلف هو المسافة. فالمسافة من هنا إلى الإسكندرية محسوبة بالسنتيمتر وليس بالمتر، من مركز البريد إلى مركز البريد.
يعني العلامات التي ترونها في الطرق هذه تبدأ من مركز البريد بالعتبة إلى مركز البريد في الذي أنت ذاهب فيه. في نجد على الطريق الزراعي محسوب: يتبقى على الإسكندرية مائة وثلاثين كيلومترًا، هم مائة وثلاثون بالضبط ومحسوبة في قسم الجيوديسيا في المساحة، يقيسونها ويضعونها في الطرق وما إلى ذلك. في الطريق الصحراوي كذلك بالضبط.
إذن كانت ظاهرة محسوبة، يمكن أن أقيس وأراجع وراءهم، وعداد السيارة أمامي يتيح لي بالنظر أن كلامهم فعلًا صدق، وعند العلامة بالضبط العدادات تنزل بالضبط. محسوسة ظاهرة ومنضبطة. نعم، فتصلح أن تكون علة.
تحديد مسافة القصر بتسعة وثمانين كيلومتراً والأحكام تدور مع العلة لا الحكمة
سأقول: تقصر الصلاة وتفطر عندما تمشي تسعة وثمانين كيلومترًا. تسعة وثمانين كيلومترًا بالضبط. تسعون تُحتسب في تدخل في الرخصة، ثمانون وثمانون لا.
نعم، هذه منضبطة صحيح. هذه إذن فهي العلة، وإن كانت الحكمة هي المشقة.
وهكذا الأحكام تدور مع علتها لا مع حكمتها.
هذه إطلالة سريعة على نظرية قد استكملت في ذهن الأصولي، أدت وظيفة معينة بطريقة معينة، هي نظرية الإلحاق.
ملخص النظريات الأصولية السبع وما تبقى من نظريتي الاستدلال والإفتاء
وبذلك نكون قد أكملنا خمس نظريات:
- نظرية الحجية
- نظرية الثبوت
- نظرية الدلالة
- نظرية القطعية والظنية
- نظرية الإلحاق
وتبقى لنا نظريتان:
- •نظرية الاستدلال: وفيها الأدلة التي اختُلِف فيها والتي احتاج إليها الأصولي ليكمل بها منظومته.
- •نظرية الإفتاء: وهي كيفية تطبيق هذه المعلومات وفك التعارض وحصر قضية المقاصد وإدراك الواقع.
وهذا ما سنقرؤه إن شاء الله في المحاضرتين التاليتين، وبها تتم الدورة. ومن أراد منكم أن يسأل شيئًا فليتفضل.
سؤال حول العلاقة بين نظرية الإلحاق والقياس بمعناه الضيق وجريان النص
حسنًا، هنا ثم الذين جاء الفصم: إجراء الحكم العام على بعض أفراده، أو تطبيق القاعدة العامة، أو إلحاق الفرع بحكم الأصل لتشابك الأولى.
ولكن الذي حصل أولًا في لم يحصر، أي بقي الخلاف كما هو، وظل القياس الذي هو بالمعنى الضيق هو الأمر السابق.
يعني نعم، حضرتك أنا كده فهمت صح؟ ولا قبل الآن لم يرد لنا من المخالفين لنظرية القياس ما يساوي زخمها وثقلها وخدمتها.
قد يكون هذا لأن تلك الأفكار أفكار لم تُخدم، وقد يكون هذا لأن نظرية القياس هي نظرية أقوى بكثير جدًا مما يواجهها.
توضيح تسمية نظرية الإلحاق وأنها تشمل ثلاثة أساليب لا أسلوباً واحداً
لكن يدوم له كل ما يقولونه سواء إجراء المبدأ العام أو قضية جريان النص على أفراده من درجة اختلاف.
هذا يا حضرتك، يعني ما فهمت ما قلته حضرتك. قلت: نظرية الإلحاق بحيث أن القياس يكون مثلًا ثلث النظرية، لا وتدخل فيه.
لا، أنا سميتها الإلحاق حتى لا أجعل من يقول بجريان النص خارجًا عن الأصوليين، ولا من يقول بجريان المبدأ العام خارجًا عن الأصوليين، بل هم من الأصوليين.
إنما الأدلة يستعملونها في الإلحاق غير الأدلة التي يستعملها الجمهور. لكن في النهاية ماذا يفعلون؟ يفعلون ما يمكن أن نسميه بالإلحاق.
فليس الإلحاق مكونًا من ثلاث شعب، بل الإلحاق استُخدِم لأجل الوصول إلى ثلاثة أساليب: فأسلوب القياس، وأسلوب المبدأ العام، وأسلوب جريان النص على أفراد الواقع.
سؤال حول توسع العلماء في تعليل الأحكام التعبدية والفرق بين التعبدي والعبادات
الحاصل حضرتك في القرن الثاني بالنسبة لمسألة تعليل الأحكام، يعني أنا قرأت في الرسالة الخاصة بنظرية المقاصد للدكتور أحمد الريسوني أن العلماء توسعوا في مسألة تعليل الأحكام حتى أنهم أوجدوا عللًا للأحكام التعبدية. فهناك ذُكر أن التقسيم أن تظل الأحكام التعبدية ليست لها علل، ولكن هو حتى قال إن ابن القيم من العلماء الذين توسعوا في مسألة إيجاد علة لكل أمر سواء في المعاملات أو في الأمور التعبدية.
هنا الموضوع دقيق، وهو أنهم يخلطون بين كلمة "تعبُّدي" وبين "العبادات"؛ لأن "تعبدية" تعني كونه منسوبًا إلى العبادة، فظنوا أن تعبدية معناها هذا.
المقصود بالتعبدي ما لا يدرك العقل معقولية معناه وليس العبادات بالضرورة
لا! التعبد قد يكون موجودًا في كتاب العبادات أو في المعاملات أو في الجهاد أو في أي شيء. ويكون قصد كلمة "التعبدي" هنا هو: ما لا يُدرك له إلا معقولية المعنى.
معقولية المعنى يدركها العقل بنفسه، يستطيع أن يستنبطها، أن يعرف لماذا، يجيب عن السؤال: لماذا؟
لكن في كتب الفقهاء هناك عِلَل كثيرة لأمور متعلقة بالصلاة وأمور متعلقة بالزكاة وبالصيام وما إلى ذلك، وهناك أقيسة كثيرة. وباب الصلاة وحده في كتب الشافعية ثلاثة أرباعه قياس.
فعندما قرأ الأستاذ كلمة أن "الأمور التعبدية لا علة لها"، ظن أن الأمور التعبدية هنا معناها العبادات. وهذا ظن متسرع فيه شيء من التسرع.
الخلط بين المسائل التعبدية والعبادات سببه حمل اللفظة على غير معناها الاصطلاحي
الأمور ليس معناها العبادات، بل معناها الأمور التي لا يستطيع العقل أن يدرك لها معنى معقولًا. ولذلك نقول إنها غير معللة؛ لأن العلة هي الوصف الظاهر المنضبط المشتمل على ما يناسب شرع الحكم عنده، على معنى يناسب شرع الحكم عنده. هذا يدركه الإنسان بعقله وتأمله وتفكيره وضم هذه الأشياء بعضها مع بعض.
الناس عندما نظر في الكتب فوجد أن الأمور التعبدية لا علة لها، ظن أن العبادات لا علة لها. ثم بعد ذلك ذهب فوجد الفقهاء يعللون العبادات، فحدث عنده تعارض.
هو بالطبع في الواقع ليس هناك تعارض؛ لأنه قادم من حمله لهذه اللفظة على هذا المعنى. الحمل هو الذي أوقعه في هذا. وإننا نجده كثيرًا في كتب المُحدثين أنهم يخلطون كثيرًا في مثل هذه المواضع.
أمثلة على الخلط في المصطلحات عند المحدثين وأهمية التفريق بين التعبدي والعبادات
خذ قضية الإكراه واختلاف الحنفية مع الجمهور، هذه أشياء تُضحك الثكلى ويشيب منها الأقرع! فهكذا هذا خلط كبير ما بين المسائل التعبدية.
هنا يعني: لا يستطيع الإنسان [أن يدرك معقولية المعنى]، وليس معناها العبادات. نعم.
حاضر. المنضبط معناه أيضًا، وأيضًا يكون في تكرار؛ لأنه أيضًا إنما هو مصدر من "آض يئيض أيضًا" وآضى هنا يعني صار وتكرر. وكذلك فأيضًا طُبق على الأمس، ها ليس الأمس بل أول أمس. أول أمس نعم، المرة الثانية، المرة الثانية.
سؤال حول وجوب العمل بالظن شرعاً وعلاقته بالآية القرآنية عن الظن
طيب، بحضراتكم يا مولانا، هي بالنسبة للكلمة أن الجمهور راجح عقلًا وكذا كذا، هذا واجب شرعًا، جائز عقلًا أو جائز عقلًا واجب شرعًا. واجب شرعًا، واجب لأن العمل بالظن واجب. نعم.
هذه النقطة لم توضح لي، يعني القرآن يقول:
﴿إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا﴾ [يونس: 36]
مصطلحات، كيف تعسف معنى الظنية؟
الظن يُطلق ويُراد منه اليقين. الظن يُطلق على الإدراك. ظن، وهذه تُطلق على مسألة فيها إدراك للإنسان. إدراك الإنسان هذا قد يكون إدراكًا يقينيًا، وقد يكون إدراكًا متساويًا، وقد يكون إدراكًا للراجح، وقد يكون إدراكًا للمرجوح.
درجات الإدراك من اليقين إلى الوهم والفرق بين الاستعمال اللغوي والاصطلاحي
بالنسبة المئوية: يُصطلح على حالة الإدراك اليقيني بأنها مائة في المائة، يعني أنت متأكد مائة في المائة من المعلومة.
الظن: من خمسين إلى تسعة وتسعين يكون. الشك: [خمسون في المائة]. والوهم: أقل من تسعة وأربعين إلى صفر في المائة أو واحد؛ لأن الصفر يعني أنك لم تدرك فيكون جهلًا.
وهنا الظن، فكلمة ظن تُطلق ويُراد بها في مصطلحنا الذي نتحدث به: الإدراك الراجح من واحد وخمسين إلى تسعة وتسعين. طيب، النصف القريب.
الظن يُطلق في القرآن على الوهم، ويُطلق على الشك، ويُطلق على اليقين:
﴿ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 46]
بيقين. إذ أن بعض الظن يتعلق بالوهم، وقد يكون بالشك، وهكذا.
الفرق بين الاستعمال القرآني اللغوي والاستعمال الاصطلاحي الفني للظن
إذن فهذا استعمال قرآني لغوي، لكن استعمال هؤلاء [الأصوليين] استعمال اصطلاحي فني. كلام الأصوليين باصطلاحات فنية.
وكما قلنا قبل ذلك: قد سلّمه من استعمالها اللغوي إلى استعمال شرعي إلى استعمال عرفي خاص بأهل فن معين، كالتوبة أو كما لا أعرف الهندسة أو الفقه أو أي فن من الفنون.
سؤال عن ابن حزم الظاهري وكيف أنكر القياس رغم سعة علمه وقوة حجته
قضية الظاهرية وابن حزم الذين لم يأخذوا بالقياس، ابن حزم بالذات. يعني كيف يقع في هذه الأقوال التي وصفتها بالسخيفة، وهو رجل لا يوجد من هو موثوق مثله في حجته ومسائله وثباته وما إلى ذلك؟
هو رجل واسع الإدراك، قوي الحجة، بليغ العبارة وهكذا. كيف يُعقل أن هذا الكلام لا يصح؟ هل كان مقتنعًا بهذا الكلام أم أنه مجرد تجربة بسبب الخلاف الذي كان بينه وبين فقهاء عصره؟
في هذا الوقت وهذه القضية بالذات، أي أن الإنسان قد يتغير وليس على حالة واحدة دائمًا، وكل هذا جائز. يمكن أن يكون قد استُدرج إلى أن أفتى بهذا في شبابه وهو لم يكمل المرحلة وأكمل حزنه [حياته].
أمثلة على نسيان العلماء الكبار وأخطائهم البشرية كالقرطبي وابن حزم
فالقرطبي في تفسيره يقول: وسيأتي تفصيل ذلك في سورة كذا، فعندما يصل إليها يقول: وَقَدْ طَبَّقَ تَفْصِيلَهُ فِي سورَةِ كَذَا، وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْهَا لَا هُنَا وَلَا هُنَاكَ! هَذِهِ الْأَشْيَاءُ لِأَنَّهُ أَلَّفَ التَّفْسِيرَ فِي عِشْرِينَ سَنَةً.
وَهُوَ [ابن حزم] أَلَّفَ المحلى فِي عِشْرِينَ سَنَةً وَهَكَذَا. وَالْإِنْسَانُ ينسى، وَالْإِنْسَانُ يَضْعُفُ، وَالْإِنْسَانُ يُغْمَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنْسَانٌ.
اِبْنُ حَزْمٍ أَخْطَأَ أَخْطَاءً كَثِيرَةً جِدًّا لِأَنَّهُ لَمْ يَحِجّ مَثَلًا، فَقَالَ أَشْيَاءَ فِي الحج طبعًا هو خطأ محض، من دون أن يذهب الإنسان ويجيء. ما بين الصفا والمروة فتُحسب له واحدة، لم يقل أحدٌ بذلك إلا ابن حزم؛ لأنه لم يذهب إلى الحج ولم يتصور المناسك: أين الكعبة؟ أين مقام إبراهيم؟ أين زمزم؟ أين الحجر؟ أين نسير فيه؟ إنه لا يتصور المناسك.
علماء كبار لم يحجوا وأخطأوا في مسائل الحج والعوارض البشرية تصيب الجميع
محمد عبده لم يحج، والناس الكثيرون لم يحجوا، والشيخ الكوثري ذهب ولم يحج، وهكذا. فعلماء هم كبار وفضلاء وغيرهم، لكنهم لم يحجوا، فيأتي في الحج ويصدر منه هذا.
وكل العوارض البشرية هو بشر. ولذلك نحن نتحرى من هذا ونحتكم إلى العلم. فما كان يؤيده العلم والبرهان والدليل فندعه ونحوه [نأخذ به]، وما كان غير ذلك فبغض النظر أيضًا على حد إفصاح الثبوت هذا الأمر إلى هذا العالم الأبناء [الكبار].
لأن هناك قراءات كثيرة منسوبة لعلماء كثيرين وهم منها براء. فكل هذه الأشياء لا تشغل ذهنك عن أن تتجاوزها؛ لأن البشر بالجنة ومن جهنم، الذي هو في المجمل صحيح معتمد.
الله يثبت البشرية بإظهار النواقص ومثال الجاحظ الذي نسي كنيته
نعم، هو ثقة بدون شك وعالم بدون شك، لكن الإنسان تعرض عليه العوارض. والله سبحانه وتعالى يثبت البشرية بإظهار النواقص.
الجاحظ - وهو من أشد من عرفه التاريخ حفظًا - نسي اسمه أو كنيته عدة أيام! هذه من آيات الله: إن الإنسان يحفظ هذا الحفظ الرهيب العجيب - يعني غير المعقول - ثم بعد ذلك يقول: ما كنيتي؟ ما كنيتي؟ ثلاثة أيام وهو يطوف في الدار، لا يكتب ولا يفعل شيئًا ولا كذا، يقول: ما كنيتي؟
يسميه - ماذا؟ - الجاحظ نسي كلمة الجاحظ! كان اسمه عثمان، لكنه نسي كلمة الجاحظ. دائمًا هو يعني الجاحظ، لا تجعلها دائمًا هو، لكنه نسيها.
ابن مسعود والمعوذتين وتنزيه الله عن النقص وإثبات بشرية العلماء
ويقال أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه - وكان من القراء المعتمدين - مثل المعوذتين. وكل ما يفكرون به يتأملون فيه يقولون: أوهذا من القرآن؟ فنعم.
سبحان الله! إذن هذا التسبيح هو أن ننزه ربنا من النقص، هو هذا. إننا في حالتنا [البشرية] نعم.
سؤال حول العلة والحكمة في قصر الصلاة: المسافة هي العلة والمشقة هي الحكمة
بالنسبة لمسألته الأخيرة لمسألة العلة والحكمة وضرب مثلًا: هل يتعلق القصر في السفر بالمشقة، أي هل المشقة هي سبب القصر، أم المسافة، أم النفقة؟
لا، العلة هي المسافة والحكمة هي المشقة. العلة هي المسافة نعم، والحكمة هي المشقة.
حسنًا، نجد مثلًا في الواقع أيضًا في المسألة ستجد مثلًا مذكورًا في المسافات أقوال الصحابة السبعون، والفقهاء لديهم حوالي عشرين أو أربعين قولًا. وفي النهاية يخلص إلى أنه يقول لك: لا، هذا القصر فيما يتعدى مجال المدينة أو نحو ذلك.
حسنًا، هذا ونحن لدينا هنا خلاف حول ماهية السفر. لكنك هكذا تناقش في أمر آخر.
الفرق بين العلة المنضبطة وهي المسافة والحكمة غير المنضبطة وهي المشقة
لا، خذ أن الرد: العلة قد تظهر وقد لا تظهر، والحكمة تظهر وقد لا تظهر. لا، الحكم يدور وجودًا وعدمًا مع علته وليس مع حكمته. نعم.
لأجل أن نصحح: يقولون إنه يدور وجودًا وعدمًا مع وجود علته وعدم وجودها. لا، هذه قضية، هذه قضية ثانية. نعم.
الثلاثين قول أو الأربعين قول أو الذي كما وإن كنت لا أعرف، أي أنك قللت منهم قليلًا يعني عشرة كثيرة، ثم جعلتهم في بداية كلامك عشرين، ثم جعلتهم أربعين. فعلمت أنك لا تقصد؛ لأن العدد لا مفهوم له، فأنت رجل أصولي في طبعك!
الفرق بين كون العلة هي المسافة وبين تحديد مقدار المسافة قضيتان مختلفتان
فهذه الأقوال كلها في مسافة واحدة: شخص يقول تسعين وآخر يقول مائة وواحد يقول تسعة وثمانين وآخر يقول لا خمسة وسبعين.
مسافة! انظر إلى كلامي: المسافة ظاهرة منضبطة، بغض النظر عن كون المسافة كم. فالمسافة كم هذه قضية ثانية.
كون العلة هي المسافة هذه قضية، وكون المسافة كم هذه قضية ثانية.
فابن حزم يقول: إن السفر يُطلق في اللغة على الخارج من المدينة، يكون المسافة تُحدَّد بأنه تجاوز حدود المدينة.
وسنسأله: ما هي المدينة يا ابن حزم؟ سيقول: المدينة تُعرف بأسوارها، وهناك ما يسمى بقنطرة المدينة، بمعنى بوابة المدينة.
تعريف المدينة في عصرنا الحاضر بالمواصلات والمرافق ومفاتيح الهواتف
إذن كيف نعرف المدينة في عصرنا الحاضر؟ نعرفها بالمواصلات الداخلية، نعرفها بالمرافق، بالهواتف.
فالمدينة أصبحت تختلف عن مدينة أخرى باختلاف الرقم، باختلاف المفتاح. هل المدينة لها مفتاح أم لا؟
إذن حلوان وشبرا الخيمة من القاهرة. لماذا؟ لأن هاتفهم واحد.
لكن سبحان الله، لو خرجنا على الطريق الزراعي ولم نذهب إلى حلوان على الطريق الثاني، فإننا نجد المنوات: خذ صفر ثلاثة عشر، أو صفر أحد عشر. نعم، هذه انتهت، إذن خرجت. والحوامدية خرجت، بالرغم من أنها متصلة على الخريطة بما بعد المعادي.
فإذا خرجت من طريق الصعيد من المنيب، تقصر الصلاة عند ابن حزم وعند الجميع لأنك [خرجت من المدينة]. وإذا خرجت من طريق المعادي، فلا تقصر الصلاة إلا بعد التبين [أي بعد تجاوز حدود المدينة].
بوابات المدن الحديثة والفرق بين المسافة كعلة منضبطة والمشقة كحكمة غير منضبطة
هذا نصوص وهذا كلام منضبط. يقول لك: البوابة الآن وقفت عليها الشرطة العسكرية، سواء كانت في طريق شبرا الخيمة أو غيره إلى آخره. فعلًا توجد بوابات للمدن إلى الآن، وإن لم تكن بالطريقة القديمة المعهودة وما إلى ذلك.
فالقضية أن هناك فرقًا بين المسافة وبين كم هذه المسافة. فنحن نتكلم عن العلة المنضبطة بأكبرها: ما هي؟ المسافة. وليست الشيء غير المنضبط هو المشقة.
فهناك فرق بين المسافة وبين المشقة.
سؤال: هل يشترط أن يكون الفقيه مجتهداً حتى يقوم بعملية القياس؟
الرابع في التشريع: هل لا بد أن يكون الفقيه مجتهدًا حتى يستطيع أن يقوم بمسألة القياس أم لا؟
هل لا بد أن يكون الفقيه مجتهدًا - يعني مشهودًا له بالاجتهاد والرأي وكذلك - حتى يستطيع القيام بالقياس، بعملية القياس، يعني يستنبط الحكم من النصوص وكذلك؟
نعم. ومن الذي لا يستطيع أن يقيس من الناس؟ يعني من يقيس ومن لا يستطيع أن يقيس؟
المفروض أن القياس من عمل المجتهد. القياس من عمل من الأعمال المجتهد، وليس من عمل غيره.
أنواع المجتهدين: المطلق والجزئي ومجتهد المذهب والمستقل
ولكن من هو المجتهد؟ المجتهد عمل كمجتهد مطلق عنده القدرة على أن يفتي في كل المسائل.
وقد يكون مجتهدًا جزئيًا يعرف في جانب كالمعاملات. الآن هناك بعض الناس متخصصة في المعاملات المالية، وصلوا من التبحر وإدراك الواقع ومقاصد الشرع في هذا الجانب ما مكنهم من أن يفتوا للدول الإسلامية مثلًا فتاوى. بعض الناس هكذا، لكنه غير قادر على أن يفعل نفس الشيء في باب الصيام مثلًا أو في باب الأحوال الشخصية.
وهناك مجتهد مستقل له مذهب في الأصول. وهناك مجتهد مذهب مقيد في أصوله لإمام معين ومستوعب أصول ذلك الإمام ويعرف كيف يشغلها تشغيلًا جيدًا، إلا أنه ليس مستوعبًا لباقي الأئمة ولا لباقي المدارس الفقهية، ولا يستطيع أن يشغل كل الأصول في كل ذلك إلى آخره، وليس له رأي مستقل بالأصل المستقل.
شروط المجتهد الأدنى والعلم فتوحات ربانية وليس آلية جامدة
فهذا نسميه مجتهد المذهب، وهذا نسميه مجتهد مطلق، وهذا نسميه مجتهد جزئي، وهذا نسميه مجتهد مستقل، وهكذا.
وقد تكون التجزئة إلى أن يجتهد في مسألة واحدة. والقدر الأقل في ذلك المجتهد هو أن يكون:
- •عالمًا بالكتاب
- •عالمًا بالسنة
- •عالمًا بمواطن الإجماع
- •عالمًا بكيفيات القياس
- •عالمًا باللغة العربية
- •عالمًا بطرق ووسائل التفكير المسمى بالمنطق
وهذه المعلومات تكون في صورة متكاملة مستحسنة، وليس معنى هذا أن يكون متبحرًا في كل جانب من هذه الجوانب، بل يكفي أن يُلم بأصول هذا الجانب ويعرف مداخله ومخارجه، فيكون بذلك مجتهدًا ولو في مسألة واحدة.
والعلم لا يُقاس بالزراعة ولا بالمسجد، فالعلم فتوحات ربانية وأعراض تأتي وتذهب وهكذا إلى آخره.
أحوال العلماء تتغير والفتح الرباني يأتي ويذهب ومثال من الواقع
وليس كل أحد في كل حال على نفس الدرجة من الاستحضار والعلم والتنبه واليقظة. وهذا مُشاهَد في أنفسنا غيّرنا وكذا، مشاهد في الناس جميعًا أن أحوالهم مختلفة.
وكم جلسنا إلى شيخ ندرس عليه، فإذا به يفسح الله عليه سبحانه وتعالى بما لم يفسح عليه من قبل، وما لم يفتح عليه من بعد. فنعيد عليه الدرس فإذا يُغلق عليه.
إلى أن درسنا على بعضهم ما كتبه بيده وأملاه بلسانه فلم يعرفه! قال: أنا لا أفهم! فهو لم يفهم ما كُتِبَ، إلى أن فهمنا نحن وهو لم يفهم. هذا شهدنا بأعيننا.
فهذه أحوال: إما لكِبَر سن، وإما لملل، وإما لتعب، وإما لأن الله أغلق عليه في هذا الوقت.
قصة الشيخ الذي أخطأ في موعد الأضحية والعبرة منها في تواضع العالم
وشاهدنا الأئمة الكبار يخطئون في أشياء بسيطة. وأنا أتذكر أنني كنتُ في مجلس أحد الأساتذة وهو يُدرِّس لنا، فسأل: ما هو موعد الأضحية؟ فسكت الناس.
فسألني: الأضحية جائزة إلى متى؟ قلتُ له: هي جائزة إلى عصر اليوم الثالث من أيام التشريق.
فقال لي: يا شيخ! شيخ عليك! واعٍ! هي جائزة إلى مغرب يوم العيد!
قلتُ له: لعل هذا قول آخر، لكن الذي أعرفه في المذهب هو هذا. قال: لا، الذي أنت تعرفه خطأ، ومثلك لا يقع أبدًا في مثل هذا الخطأ البسيط.
وأنا كنت على صواب! وهذه أمور مثل أن الوضوء شرط [من بديهيات العلم]. الذي يعني مثل هذا هو الشخص الذي يشرح لنا في أمور غاية في الصعوبة والتعقيد والتركيب وهكذا، ولنا معهم سنوات، وهو إمام كبير لا يشك في إمامته أحد. لكن عندما أصل إلى هذه النقطة ينسى البديهيات.
العبرة من وقوع العالم في نفس الخطأ بعد أسبوع: التواضع وعدم العجب بالنفس
هذا ليس غريبًا، لكن الغريب هو ما سيأتي. فأنا صغير في السن، حدث في قلبي شعور بأنني أعلم شيئًا لا يعلمه الشيخ، وأن الشيخ قد أخطأ وأنا - والحمد لله - لم أخطئ. وذهبت لأتأكد من معلومتي حتى أعتز بنفسي، فوجدتها صحيحة ولا خلاف فيها وليس فيها قولان.
والكعب هو إلى نهاية يوم السائل ما بعد العصر وكذا إلى المغرب. نعم.
ليست هذه القضية هي المشكلة. القضية أنني جلست أدرس بعد أسبوع واحد وسُئلت نفس السؤال، حسبي أن أقول له: إلى مغرب يوم العيد! وأقسم على هذا!
وهذا من العجائب التي لا أعرف كيف حدثت وما الذي حصل له. فكان الله سبحانه وتعالى يريد أن يعلمني: انقص مكانك! يعني عيب عليك عندما تفعل هكذا ولو في قلبك.
المجتهد ليس على حالة واحدة والبشر صفتهم التقصير والقصور
ولو هذا الذي حدث مع شيخ بهذه المرتبة من أو كذا إلى آخره. المهم الحاصل أن هذا حدث هكذا ويحدث أمثال هذا.
فهنا المجتهد ليس هو على حالة واحدة. البشر صفتها التقصير والقصور، ولكن كل واحد يُؤخذ من قوله ويُرد. وكم من هذا يُقال له: وهذا سبق قلم، أو المجتهد غلب [عليه الأمر].
فإذن من الذي يجتهد؟ ومتى يجتهد؟ وكيف يجتهد؟ سندرسه في المحور الأخير.
لكن بالإجمال هذه القضية فيها فتح من الله سبحانه وتعالى، وقضية الاجتهاد متعلقة أيضًا بجانب كبير منها بالتقوى، وليست فقط أمورًا آلية يتعلمها كل أحد فيستطيع في كل وقت أن يفعل كل شيء. ليست هكذا، ليست بهذه الحدة.
الاجتهاد يحتاج تقوى وتواضعاً ومراجعة والأئمة كانوا يصلون لكل حديث يضعونه
إنما الإنسان يخطئ ويصيب ويتذاكر مع إخوانه، ويدعو الله سبحانه وتعالى أن يقيه الزلل ويقيه الخطأ، ثم يخطئ فلا يصمم على خطئه ويرجع عنه.
وهكذا كان الأئمة يصلون ركعتين - لا أعرف - لكل حديث يضعونه في الكتاب، ويصلون إلى آخره. كانت المسألة فيها اتصال بين العلم وبين التقوى في وجود هذا الشأن.
سؤال حول استخدام المعاريض والتورية وعلاقتها بالعلة والحكمة
في أيضًا بخصوص الحكمة والعلة، حضرتك استخدمت مثالًا في البداية من الحديث الذي هو: لو أحد سألني أنا أعطيه كم، وكل مرة لا تأتي بثواب ولا قرش ثابت، وأنا ما سألتك أنا جميل. فبالتالي لا تخبره، أنا أعطيه معلومة أنا أعرف أنها في باله وليس شيء آخر.
فما سيكون مخالفًا للحقيقة باطلُ يَدين. يعني مثالان من السُّنة ومن السيرة:
الأول: عندما كان الرسول عليه الصلاة والسلام ماشيًا هو وسيدنا أبو بكر وقت الهجرة، وفي الطريق قابلهم رجل من الكفار يسأل أبا بكر: من الذي معك؟ لا أعرف ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام. فقال لهم: إنه يهديني الطريق. كان في ذهنه أي أنه يهديني إلى طريق الله. هم وصلوا من هم دليل، من دليل، أي بالله في السحرة.
ومثال آخر أيضًا: الرسول عليه الصلاة والسلام كان المسلمون في حرب مع الكفار، وقابل واحدًا من الكفار وسأله: أين موقعهم الآن؟ فكيف سأله: من أنت؟ فقال له: قل لي بعد هكذا. أنا سأحوّل مواقعهم المشهورة في المنطقة كذا وكذا. وفي النهاية قال لهم، وفي النهاية ذهب وقال له: أنا ابن ماء.
الفرق بين المعاريض والكذب وبين العلة والحكمة: قضيتان مختلفتان تماماً
فهناك يعني العلم، أي كانت الحكمة. يعني هو مثلًا في الحكمة من موقف الرسول عليه الصلاة والسلام هذا أنه كان في خطر، كان أي أنه كان يجب أن نقوم بالإبراء من أجل ماذا؟ من أجل أن ينقذ نفسه. لكن هنا لا نحكم بالحكمة بل نحكم بالعلة.
في هذه الحالات الثلاث: المسح والحريق، استُخدمت في الاستحواذ في الحادث. فأين هذه الأمور؟ أي أن المعلومة وصلت بطريقة مخالفة للحقيقة.
وهنا يكون الذي يقول: ما شرعية ما الذي يجعله يقف معي فيكون تدليسًا أن يقف معي من ورائه مثل هؤلاء الواقفين؟
طبعًا لم أستعمل المثال في العلة والحكمة. ذكرتها مضافةً، والذي ذكرناه إنما كنا نتكلم فيه عن نفي الأقل من نفي للأكثر، لا علة ولا حكمة هنا أصلًا.
الفوارق بين الأمور المحسوسة المنضبطة والأمور الباطنة غير المنضبطة
انظر الفرق بين المسافة والمشقة، انظر الفرق بين الألفاظ والرضا، انظر الفرق بين الإسكار وذهاب العقل، انظر آه وأمور هي، انظر الفوارق بين هذه الأمور المحسوسة المنضبطة وهذه الأمور التي ليست منضبطة وليست محسوسة.
إذن هذه غير هذه تمامًا. لكنك أشرت إلى قضيتين:
القضية الأولى هي قضية المعاريض وعلاقتها بالكذب. وهذا هو ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال هو وأبو بكر: "هذا يهديني الطريق". هو لم يكذب.
وعدم الكذب هنا جاء من أنه قد استعمل المشترك، حمله على معنى فحمله السامع على معنى آخر. وقال: "أنا من ماء"، فقال: والله لا أدري أمن ماء العراق هو أُم من ماء مصر.
فالنبي صلى الله عليه وسلم حمله على:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾ [الأنبياء: 30]
وهو حمله على النهر، أنه يعني جاء من مكان فيه نهر؛ لأن "ماء" تطلق ويراد منها هذا وذاك.
نفي الأقل يستلزم نفي الأكثر قضية مفهوم الموافقة وليست قضية علة وحكمة
وهاجم [المشترك] تطلق ويراد منها هذا وذاك. لكن النفي بالأقل يستلزم النفي بالأكثر، فهذه قضية وهذه قضية أخرى.
هذه قضية فيها اشتراك لغوي، وهذه قضية فيها مفهوم بالموافقة.
عندما أقول: ليس معي درهم، فلا يكون معي أكثر. هذه قضية مفهوم الموافقة.
عندما أقول:
﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]
هذه قضية مفهوم الموافقة.
لكن في الناحية الثانية، هو لا يستعمل المفهوم الموافق أو المخالف، هذا يستعمل المشترك فيما يجعله. فهذا ليس كذبًا إطلاقًا.
لكن إنكار المفهوم هنا قد يكون تدليسًا.
التدليس ليس حراماً لذاته بل لغيره والفرق بينه وبين الكذب
فاعل ما لم أعرف ماذا به، ولا قفز، أي قفز. وفي ذهني أن القفز هو تلك القطعة المعدنية المستديرة. لو فعلتِ هذا لم تكوني كاذبة، ما كنتِ كاذبة. وإنما يكون هناك استهجان من الناس لكِ؛ لأن التدليس أيضًا مستهجن.
وهذا التعريض الذي فعله أبو بكر ورسول الله عليه السلام كان لغرض معين. وكان النبي يمزح ولا يقول إلا حقًا. فقال:
قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة عجوز»
لامرأة كبيرة في السن، فحزنت. فقال: علموها أنها تدخل الجنة شابة. يعني هكذا كان يريد أن يمازحها فلم تفهم، لكنه لم يقل إلا حقًا؛ حيث أنه لا يدخل الإنسان الجنة على هيئة الكِبر هذه التي كانت على المرء.
فكل هذه الأشياء وهي المتبادرات إلى الذهن من الكلام لا كذب فيها؛ لأنها موافقة للواقع، والكذب هو ما خالف الواقع.
قضية العلة والحكمة شيء وقضية التدليس والمعاريض شيء آخر مختلف تماماً
لكن قضية العلة والحكمة شيء آخر. هنا قضية تدليس ومعاريض وتورية وكذب. هذه قضية استعمال المشترك في غير ما وُضع له.
لكن القضية الثانية: قضية التحديد وعدم التحديد. أن الصفة المحددة اسمها علة، والصفة غير المحددة اسمها حكمة. وهذه الصفة لها ارتباط بشرع الحكم.
لماذا حرم الله الخمر؟ لماذا أحل الله البيع؟ لماذا أجاز الله القصر؟ لماذا أباح الله الإفطار لمن [سافر]؟ وهكذا.
ولكن قل: لماذا؟ لماذا في كل الأشياء؟ وتأتي الإجابة: إمكانية الإجابة في صورة محددة سميتها علة، أو غير محددة سميتها حكمة.
التدليس حرام لغيره لا لذاته وقد يصل إلى درجة الواجب إذا أنقذ مصلحة
خذ المخصوص لكي أسكت وأنا أقول له: لو سأكتب لماذا حرم الله التبليد [التدليس]، لماذا حرّمه؟ لأنه يوصل معلومة أو يعني تصبح أنك لا تنظر إلى المعلومة الحقيقية، بل أصبح الحكم وخلفه الحقيقة. فهي أيضًا يعني أمين على فكرة.
التدليس ليس حرامًا في كل وجه، إنما التدليس حرام إذا وقع في الآية [الشهادة]، وحرام إذا وقع فأنشأ ضررًا. فهو حرام لغيره وليس لذاته.
لكن الكذب حرام لذاته.
ومن هنا كان عمر بن الخطاب يقول:
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إن المعاريض لمندوحة عن الكذب»
أي إذا اضطررنا إلى أننا لا بد علينا أن نلجأ إلى المعاريض فهذا أفضل من الوقوع في الكذب؛ لأن المعاريض لا وصف لها إلا من حيث ما يترتب عليها من ضرر.
التدليس يدور بين الحرمة والإباحة والوجوب بحسب ما يترتب عليه من ضرر أو مصلحة
فالتدليس المحرم هو التدليس الذي ينشأ عنه ضرر. لكن الكذب حرام سواء نشأ عنه ضرر أو لا.
لكن التدليس حرام إذا نشأ عنه ضرر، فهو حرام لغيره. ففي فارق كبير بينهم.
وإذا نشأ عن التدليس مصلحة فقد يصل إلى درجة الواجب، كما لو أنقذت نفسي من عدوك، مثلما فعل رسول الله، ومثلما فعل أبو بكر حين أنقذ نفسه من عدوه. هذا هو الواجب.
يظهر عكس ذلك: فالتدليس ليس حرامًا لذاته بل هو حرام لغيره. فإن لم يتحقق هذا الغرض [الضرر] لم تتحقق الحرمة، فيصبح التدليس حلالًا، بل قد يكون مندوبًا إليه، بل قد يكون واجبًا.
مفهوم، طيبًا. شكرًا لكم.
