غاية الوصول شرح لب الأصول | حـ 1 | أ.د علي جمعة
- •بدأ المحاضر بالحديث عن برنامج علمي يضم مجموعة من العلماء الكبار لتدريس كتب تراثية مهمة، منها ثلاثة كتب سيتناولها المحاضر في علم أصول الفقه.
- •ركز المحاضر على رحلة ذهن المجتهد، موضحاً كيف بنى الأصوليون علمهم من خلال الإجابة على سبعة أسئلة منطقية متتالية.
- •السؤال الأول: ما الحجة؟ فكانت الإجابة: الكتاب والسنة.
- •السؤال الثاني: كيف نتأكد من ثبوت الحجة؟ فقامت علوم الرواية والقراءات والأسانيد.
- •السؤال الثالث: كيف نفهم النصوص؟ فوضع الشافعي الرسالة وأسس علم أصول الفقه.
- •السؤال الرابع: كيف نتعامل مع القطعي والظني؟ فكان الإجماع.
- •السؤال الخامس: كيف نستنبط أحكام الوقائع المتجددة؟ فكان القياس.
- •السؤال السادس: كيف نرجح بين الأدلة المتعارضة؟ فوضعوا قواعد التعارض والترجيح.
- •السؤال السابع: من الذي يقوم بالاستنباط؟ فبحثوا في شروط المجتهد.
- •عرّف المحاضر أصول الفقه بأنه معرفة دلائل الفقه إجمالاً وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد.
افتتاح الدرس والتعريف بالعلماء والكتب التي ستُدرَّس في هذا المحفل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
نبدأ في هذا الدرس، درس علم الأصول، أصول الفقه، وإن شاء الله سيكون في هذا المحل فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وسوف يدرِّس إن شاء الله المستصفى للإمام الغزالي من أوله.
وسوف يكون فضيلة الشيخ الدكتور محمد عبد الفضيل وزير الأوقاف، وسوف يدرِّس الكشاف للزمخشري في التفسير. وسوف يكون إن شاء الله الشيخ مسموع أبو طالب، وسوف يدرِّس حاشية الجمل على الجلالين.
وسوف يكون إن شاء الله الشيخ أسامة العبد رئيس الجامعة، وسوف يدرِّس الهداية في الفقه الحنفي. وسوف يكون إن شاء الله الشيخ حسن الشافعي عضو مجمع اللغة العربية، وسوف يدرِّس كتابًا في العقيدة.
وسيكون إن شاء الله هناك جملة من العلماء الكبار، كل واحد يدرِّس كتابًا من الكتب المهمة.
الكتب الثلاثة المقررة في أصول الفقه وتقسيم الوقت عليها
ونحن سنبدأ في جلستنا هذه في كتب ثلاث: في غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري، وهو مختصر جمع الجوامع للإمام ابن السبكي، وأيضًا في كتاب التمهيد للإمام الإسنوي الشافعي، وأيضًا كتاب الأشباه والنظائر للإمام السيوطي الشافعي.
نقسم وقتنا على هذه الثلاثة حتى تتم إن شاء الله تعالى. واليوم سوف نتكلم عن مقدمة لا بد منها للولوج إلى هذه الكتب الثلاثة.
ومن لم يستطع منكم الحصول عليها فأرجو أن يسجل اسمه عند الشيخ عماد الدردير حتى نحصل له عليها إن شاء الله.
جدول الدروس الأسبوعي وتوزيع الأيام على العلماء المشاركين
وسوف يدرِّس كل عالم إن شاء الله من العلماء مرة في الأسبوع أو مرتين، وسينزل بذلك جدول وسنعلقه في الأماكن المرئية التي يمكنكم الاطلاع فيها عليها. وندعو الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد.
وأنا سأحاول أن يكون الأمر أكثر من ذلك، أي ثلاثة أيام على الأقل أو يزيد حسب ما يطيقه جسمي. فسنأخذ اليوم وغدًا وبعد غد، أي كل يوم سبت وأحد واثنين.
والشيخ أسامة العبد سيكون يوم الثلاثاء، والشيخ عبد الفضيل سيكون يوم الاثنين والثلاثاء. يمكن أن يكون فضيلة الإمام يوم الثلاثاء أيضًا. المهم أنه سينزل جدول بالتفصيل بعد الاتفاقات النهائية مع الأئمة.
رحلة في ذهن المجتهد: كيف كان المجتهدون يفكرون في أصول الفقه
أما الذي نريد أن نقدمه بين يدي هذه الكتب فهو رحلة في ذهن المجتهد: كيف كان المجتهدون يفكرون؟
فكر المجتهدون، خاصة في علم أصول الفقه، بالإجابة على أسئلة منطقية متتالية وردت إلى أذهانهم.
السؤال الأول في ذهن المجتهد: ما الحجة لمعرفة مراد الله تعالى
السؤال الأول: إذا كنا قد آمنا بالله سبحانه وتعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم، فكيف نعلم ما يريد؟ كيف نعلم ما أراده الله منا؟
وهذا سؤال يمكن أن نلخصه فنقول: ما الحجة؟ وبعد بحث وتأنٍّ وتدبر وتأمل، جاؤوا بما عرفناه جميعًا الآن كمسلَّمات معلومة من الدين بالضرورة، وهي أن الحجة في الكتاب والسنة، وأن الكتاب والسنة لا يفترقان.
وأنه لا يجوز أن ننكر السنة أو أن نؤخرها تأخيرًا غير مستدلٍّ، بل لا بد علينا أن نستدل بالكتاب والسنة. وجعلوا الكتاب المصدر الأول، وجعلوا السنة المصدر الثاني.
حديث عرض السنة على الكتاب وحكم العلماء عليه بالوضع
حتى إن الإمام الشافعي ومعه يحيى بن معين ومعهما غيرهما من أئمة الحديث قالوا على هذا الحديث الذي يقول: «إذا جاءكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فذاك، وإلا ألقوا به في عرض الحائط» أو شيء من هذا القبيل، قالوا: هذا من وضع الزنادقة.
هذا من وضع الزنادقة، نصَّ على ذلك الشافعي في الرسالة، ونصَّ على ذلك يحيى بن معين وأبو زرعة وغيره.
الكتاب والسنة مصدران أساسيان أثبتهما المجتهدون بالمعقول والمنقول
فالكتاب والسنة المصدران. الكلمة هذه خفيفة الآن، نعرفها جميعًا، لكنها كانت أساسًا برهنوا عليه ووصلوا إليه بالمعقول والمنقول.
الله سبحانه وتعالى لا يكلمنا لأننا لسنا أنبياء، ونحن لم نسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأننا لسنا صحابة، فكيف نعلم؟ قالوا: الكتاب والسنة.
فائدة لغوية: النسبة إلى فعيلة وموقف مجمع اللغة العربية منها
فانتقلوا إلى السؤال الثاني الذي هو أيضًا بَدَهيٌّ عندنا. وتقول بَدَهيّ ولا تقول بديهيّ؛ لأن فَعيلة تُنسب إلى فَعْلِيّ إلا كلمة أو كلمتين نصَّ عليهما الشيخ الشُّمُنِّي والشيخ الصبَّان سليقيّ.
لكنها مجرد شيء بسيط. أما مدينة فهي مَدَنيّ، وطبيعة هي طَبَعيّ، وغريزة هي غَرَزيّ، وبديهة هي بَدَهيّ. وإن وجدنا كثيرًا في الكتب القديمة «بديهيّ»، فهو خطأ شائع.
ولكن قواعد اللغة كما هي في كتب النحو والصرف تنص على أن فَعيلة تكون النسبة إليها فَعْلِيّ. ولكن مجمع اللغة العربية جلب مائة وستة عشر كلمة على وزن فَعيلة والنسبة إليها فَعيليّ في كتب الأقدمين كالجاحظ وكالمبرد وأمثال هؤلاء الأوائل.
ولذلك أجازوا في مجمع اللغة فَعيليّ لكثرة الاستعمال الأول، يعني في القرنين الأولين كثيرًا جدًّا نجد أمثال الجاحظ وأمثال المبرد وأمثال هؤلاء موجودة في كلامهم هذا الخطأ إن صح التعبير أو خلاف الفصيح.
تمسك الأزهر بلغة القرآن والسنة وقاعدة هل في التشقيق
ولكن على كل حال كان الأزهر دائمًا يرجع إلى الأمر الأول دائمًا ويحاول أن ينقل ما كان من لسان القرآن والسنة، يعني لغة القرآن والسنة.
فلغة القرآن والسنة مثلًا لا تُدخل «هل» في التشقيق، إنما تدخلها على شيء واحد، فتقول مثلًا:
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]
لا يوجد «أم لا»، لا يصح أن تقول: هل أتيتَ أمس أم لا، هل أتيتَ أمس أو لا. لكنه كان يسأل عن شيء واحد: هل تعلم له سميًّا. فـ**«هل» لا تدخل على التشقيق**، هذا هو الأمر الأول.
أهمية التمسك باللغة لفهم القرآن والسنة على حقيقتهما
ثم نرجع إليه ونتمسك به. لماذا تمسكًا باللغة التي سوف نفسر بها القرآن والسنة؟ كل الذي يهمنا القرآن والسنة، يعني اللغة وسيلة وليست غاية.
ولذلك نريد أن نفهم الكتاب والسنة على حقيقتها وعلى وجهها، ولذلك نتمسك بالأمر الأول.
قاعدة عدم الاحتجاج بالحديث الطويل في العربية وحديث كعب بن مالك
فمثلًا هل وجدوا في البخاري حديث كعب بن مالك عندما تخلف في الثلاثة المخلَّفين في سورة التوبة؟ «فوالله لا أدري هل سلَّم عليَّ أم لا». قالوا: هذه رواية من الرواة وليست في العربية، هذا الكلام ممن نقل الرواية من الأعاجم وليس في العربية.
حديث صحيح، ولكن سيدنا كعب عندما تكلم قال: «هل سلَّم عليَّ» وسكت. الأعجمي لما جاء بعده لم ينظر إلى هذا فقال: «أم لا».
أجل، ولذلك قالوا إن الحديث إذا طال لا تقم به الحجة في العربية، قاعدة هكذا: أن الحديث إذا طال، يعني أصبح طويلًا كحديث سيدنا كعب الطويل، لا تقم به حجة في العربية.
المذاهب الثلاثة في الاحتجاج بالحديث في اللغة العربية
وقد فصَّل الاحتجاج بالحديث الشيخ عبد القادر البغدادي في كتابه الماتع خزانة الأدب ولبّ لباب لسان العرب.
العرب في البداية تكلموا عن: هل يُحتج بالحديث في اللغة؟ على ثلاثة مذاهب:
- مذهب قال: لا يُحتج بالحديث في اللغة.
- ومذهب قال: بل يُحتج بالحديث في اللغة.
- ومذهب قال: يُحتج بشروط.
وجعلوا من الشروط ألّا يطول الحديث.
السؤال الثاني في ذهن المجتهد: كيف نتأكد من ثبوت الحجة
نرجع إلى المجتهد الذي يفكر: السؤال الأول: ما الحجة؟ فأجاب: الكتاب والسنة.
فأتى السؤال الثاني: وكيف نتأكد أو تثبت عندنا تلك الحجة؟ كيف نتأكد أن هذا قرآن؟ كيف نتأكد أن هذه سنة؟
فقامت علوم الرواية.
تواتر القرآن الكريم عبر القراءات العشر وأسانيدها المتصلة
القرآن: القراءات، أسانيد متواترة ينقلها الخلف عن السلف والأصاغر عن الأكابر عبر العصور، آلاف آلاف مؤلفة من الأسانيد نقلت كتاب الله.
نقلت كتاب الله ليس من الصحف، نقلت كتاب الله الذي هو في الصدور. ولذلك الكتاب جاء إلينا متواترًا بعشر كيفيات في القراءة، فسُمِّيت بالقراءات العشر.
وعُيِّن على كل قراءة إمام، هذا الإمام نُسبت إليه القراءة لأنه كان أتقن الناس في رواية تلك القراءة ونقلها عن أشياخه إلى تلامذته، وليس أنه هو الذي أنشأها أبدًا.
الإمام الكسائي والدليل على أن القراءة سنة متبعة لا اجتهاد فيها
كان الإمام الكسائي إمام قراءة كبير، وكان مذهبه في النحو يخالف قراءته. مذهبه النحوي يخالف قراءته. أما القراءة فسنة متبعة، نقلٌ لا يستطيع أن يتصرف فيه، إنما هو له رأي آخر.
فإذا ما سُئل: كيف هذا الفرق؟ قال: يمكن لا أدري، لكن المذهب النحوي شيء والقراءة شيء. لو كانت القراءة من ابتداع الكسائي كان غيَّر، لكنه الله أقام هذه الأشياء في قلوب الناس.
وجعل الكسائي له مذهب آخر حتى يثبت للعالمين أن القراءة سنة متبعة، وأنه لا حيلة للكسائي ولا حمزة ولا حفص ولا غيره ولا عاصم فيها، إنما هي سنة متبعة.
علوم الحديث وأقسامه من الصحيح والحسن والضعيف والموضوع
إذا [انتقلنا إلى] الحديث، قامت علوم الرواية: علوم عن علم الرجال وعلم الجرح والتعديل وعلم الدراية والرواية وعلم كذا، علوم حديث نحو عشرين علمًا تخدم هذا المقام.
نقل سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصار من الحديث الصحيح والحسن والضعيف المعمول به وشديد الضعف الذي لا يُعمل به.
وصار هناك دفاع عن السنة، فأصبح هناك ما يسمى بالوضع، وذبٌّ عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
خطورة المساواة بين الحديث الضعيف والموضوع عند النابتة الجاهلة
حتى نبتت نابتة لا علاقة لها بالعلم ولا علاقة لها بالتقوى ولا علاقة لها بسيدنا صلى الله عليه وسلم، فساوت بين الضعيف والموضوع. مصيبة!
هؤلاء الناس يظنون أنه بمجرد أن تقول «هذا ضعيف» سيتم رميه. مصيبة! السلف رضي الله تعالى عنهم لم يكونوا كذلك، المجتهدون الأئمة الأعلام لم يكونوا كذلك.
الضعيف ضعيف في الرواية، لكنه يُؤخذ به إذا لم يكن في الباب غيره، أو يُؤخذ به في فضائل الأعمال، أو يُؤخذ به بشروط ثلاثة أو أربعة أو خمسة فصَّلها العلماء تفصيلًا. العلم شغلٌ صعب.
كتاب المعيار للأردبيلي وأحاديث ضعيفة استدل بها الأئمة الأربعة
لكن حكاية الآن: ضعيف ارمِ، ضعيف ارمِ، ضعيف ارمِ! الشيخ الأردبيلي ألَّف كتابًا مات عن اسمه المعيار، أورد فيه أكثر من ألف وخمسمائة حديث ضعيف استدل بها الأئمة الأعلام الأربعة.
لا نعرف [هذا الكتاب كما ينبغي]، لكنها بلوى والحمد لله رب العالمين، اللهم أجرنا في مصيبتنا. بلوى صدرت من العلماء؟ أبدًا، لم تصدر من العلماء.
صدرت من نابتة تفتخر أنها لم تتعلم على يد أحد قط، وتفتخر أنها ليس لديها سند موصول بسيدنا صلى الله عليه وسلم. تفتخر هذه النابتة أولًا [بأنها] خارج الجماعة العلمية التي أقامها الله لحمل دينه.
حوار مع أحد النابتة حول حديث يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله
مرةً سألوه، قالوا له: أنت خارج الجماعة العلمية. قال: حسنًا، ماذا يعني ذلك؟ إنه أفضل، أفضل!
فقالوا له: لكن هذا [الحديث يقول]: «يحمله هذا العلم من كل خلف عدوله، يصدّون عنه...» إلى آخر الحديث. قال: هذا حديث ضعيف، حديث ضعيف فنلقيه مباشرة.
وإذا ألقيناه ماذا نفعل إذن؟ فيصبح أنا - والله - شيء غريب عجيب أن نساوي بين الضعيف والموضوع.
كتاب ملا خاطر في خطورة المساواة بين الضعيف والموضوع وموقف ابن تيمية
ولذلك الشيخ ملا خاطر - وهو من الجماعة العلمية - ألَّف [كتاب] خطورة المساواة بين الضعيف والموضوع، وجمع كلام الأئمة.
لم يرفض الموضوع [أحد]، لم يرفض الضعيف بهذه الصورة التي عليها النابتة أحد من المسلمين. فحتى يحلّوا الكلام قالوا: لا، في البخاري ومسلم وأبو بكر بن العربي وابن حزم وما أدري، ليس صاحب الباعث، ما اسمه؟ أبو شامة، لا.
ابن تيمية، لا، هذا ابن تيمية يقول لك الحديث هو يقول يُستدل به، وصاحبنا يقول موضوع! وجمعنا له عشرات الأحاديث، الشيخ ابن تيمية يقول: هذا حديث موجود وهو صحيح ويُستدل به، والآخر يقول: موضوع! لا، لا، لا، هؤلاء نابتة، أي خرجوا عن كل حد.
قاعدة بطلان الدليل لا يعني بطلان المدلول وتطبيقها على مسألة السبحة
يأتيك مثلًا من يقول لك إن حديث «نعمة المذكِّر السبحة» حديث ضعيف، فهو مردود، فتكون السبحة بدعة. كيف؟
طيبًا، لنفترض أن هذا الحديث موضوع أو ضعيف، فلماذا يكون موضوع السبحة بدعة؟ كيف ذلك؟ يبدو أنه يعتقد أنه ما دام الحديث أصبح موضوعًا أو ضعيفًا أو مردودًا، فإن مضمونه لا يمكن أن يكون صحيحًا.
هذه خطورة ثانية، هذه خطورة أخرى فوق الخطورة الأولى؛ لأن بطلان الدليل لا يعني بطلان المدلول. انظر هذه القاعدة اكتبوها: بطلان الدليل - هذا هو كلام الجماعة العلمية الذي غاب عن هذا المسكين - بطلان الدليل لا يعني بطلان المدلول.
أدلة أخرى على مشروعية السبحة وبيان الفرق بين بطلان الدليل وبطلان المدلول
افترض أن الدليل، هذا الدليل ليس هو دليل السبحة، لكن توجد أدلة أخرى: دليل السيدة صفية، ودليل أبي هريرة، ودليل سعد بن أبي وقاص، في دليل فاطمة بنت الحسين، في أدلة ثانية.
طيب، بطلان الدليل هل يعني في عقلك وذهنك أنه بطلان المدلول؟ هو عنده هكذا: بطلان أي دليل تصبح الشيء الذي فيه بدعة. لا، هذا ممكن أن يكون ليس بدعة ولا شيء، هذا ممكن أن يكون حقيقة.
الفرق بين رد الحديث ونسبته وبين حقيقة مضمونه المؤيد بأدلة أخرى
عندما يأتي حديث يقول لك في حديث وموضوع، حديث موضوع، وبعد أن بحثنا وجدنا [أنه] موضوع: «يوم صومكم يوم فطركم، يوم صومكم يوم نحركم، يوم سنتكم الجديدة».
وبعد ذلك إذا تتبعت السنين تجدها صحيحة [من حيث الواقع]، لكن هذا ليس حديثًا، بل هو ظاهرة فلكية.
فهناك فرق بين حقيقة المضمون الذي قد يؤيده المعقول أو المنقول أو بدليل آخر، وبين رد الحديث ونسبته إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
السؤال الثالث: كيف نفهم النصوص ودور الإمام الشافعي في تأسيس أصول الفقه
ثالثًا: عرفنا أن هذا هو القرآن الذي بين دفتي المصحف، والحمد لله متواتر في كل شيء، وهذه السنة المقسمة بهذه الكيفية. فكيف نفهم هذه النصوص؟
وهنا وضع العلماء ما يسمى بـأصول الفقه. إذن السؤال الثالث: كيف نفهم؟
فوضع الشافعي لنا رضي الله تعالى عنه الرسالة، فكان أول من ألَّف في الأصول. كيف نفهم أصول الفقه وأسس الفهم.
الشافعي لم يخترع أصول الفقه بل رتب ما كان عند الصحابة وجعله قابلاً للتعليم
هل الإمام [الشافعي] اخترع هذا اختراعًا؟ أي أبدع هذا إبداعًا بحيث أنه لم يُذكر هذا الكلام من قبل؟ لا، هذا كلام مبثوث عند الصحابة الكرام، إنما هو أخذه فرتبه وجعل له بداية ونهاية وجعله قابلًا للتعليم.
هذا ما فعله إمامنا الإمام الشافعي، أنه جعل هذا الماء الذي سرى في ورد الصحابة قابلًا للتعليم؛ لأن ذلك كان ساريًا فيهم سريان الماء في الورد.
الخطيب البغدادي يسند جزئيات أصول الفقه إلى الصحابة في كتاب الفقيه والمتفقه
من يكتشف هذه الحقيقة؟ إنه الخطيب البغدادي في القرن الخامس الهجري، الذي ألَّف كتابه الجميل الفقيه والمتفقه.
كتاب الفقيه والمتفقه للإمام الخطيب البغدادي أسند فيه بالسند جزئيات ما ذكره الإمام الشافعي في الرسالة. تتكلم عن المطلق، عن المجمل، عن العام، عن الخاص، عن النسخ، وغير ذلك.
حسنًا، هذا الكلام موجود عند ابن عباس وابن عمر وغيرهما. فإلى أين يصل السند؟ ها هو السند. هكذا تتحدث عن القياس تتحدث، عن الإجماع تتحدث، عن أي شيء تحدث، ولكن هذا الكلام منسوب إلى كثير طبعًا من كلماته منسوب إلى الصحابة الكرام.
إبداع الشافعي في تحويل الفكر الأصولي إلى علم قابل للتعليم والتكرار
إذن هو [الشافعي] مبدع في التأليف، في تحويل الفكر إلى علم، في جعل هذا العلم قابلًا للتكرار، قابلًا للتعليم حتى نعلمه للأجيال وتُعلِّم هذه الأجيال بعضها بعض.
الرسالة للإمام الشافعي.
الحاجة إلى الإجماع كضابط يمنع الفهم المنحرف للنصوص الشرعية
تذهب بعد ذلك، قد فهمنا، ولكن بعد ما فهمنا وجدنا شيئًا غريبًا، وهو أننا لو اتخذنا تلك الأدوات التي ذكرها الشافعي وطبقناها على الكتاب والسنة حتى نفهم الأحكام، فإننا سنخرج بأحكام غريبة عجيبة تخالف ما ورثناه من الصحابة الكرام.
إذن نحن مضطرون إلى القول بـالإجماع حتى يكون ضابطًا لا يخالف ولا يغير.
هل يجوز لواحد منا أن يعتبر الأمر بالصلوات الخمس على سبيل الندب؟ لا. هل يجوز لواحد منا أن يفهم أن الصلاة المربعة المفروضة إنما هي على سبيل النفل؟ لا، لا يجوز.
أمثلة على ضرورة الإجماع في منع الفهم الخاطئ لآيات الوضوء والصلاة
لماذا لا يجوز؟ هل يجوز لأحد منا أن يتوضأ بعد الصلاة الآن؟ تقول هكذا، أو يظن بعض الجهلة أن الآية تقول هكذا:
﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا﴾ [المائدة: 6]
طيب، «قمتم» فعل ماضٍ والفاء للتعقيب، فيكون بعد الصلاة نذهب لنتوضأ! لم يقل أحد هكذا في المسلمين.
وهذا من أين أتى به؟ ما الذي يمنعني يعني؟ أنا أريد الحجة العقلية. فلا بد من الإجماع يا إخواننا.
إنكار الإجماع مصيبة تؤدي إلى الانفلات وعدم الانضباط في فهم الشريعة
الذي ينكر الإجماع لا ينتبه إلى هذه الأمور. ينكر الإجماع لأن الناس كثُر الكلام على ألسنتها، كل شيء يقول لك: هذا مجمع عليه. لا، ليس مجمعًا عليه، هذا مختلف فيه، لكن هذه الأشياء مجمع عليها ولا يجوز مخالفتها ولا يجوز فهم شيء آخر فيها.
فإنكار الإجماع مصيبة بجوار مصيبة، يعني نحن ننبه على المصائب التي تكون [في] عقل غير أهل السنة والجماعة الذين حافظوا على العلم من لدن الصحابة وإلى يومنا هذا.
إنكار الإجماع هذا مصيبة؛ لأنه هكذا يجعلك وكأنك تريد أن تتكلم بطريقة منفلتة غير منضبطة. لا، الإجماع يجعلك منضبطًا، لا تستطيع أن تتجاوزه، هو السقف الذي لا تستطيع أن تتجاوزه. الإجماع.
النصوص متناهية والأحداث غير متناهية فنشأت الحاجة إلى القياس
خامسًا: وجدنا أن النصوص متناهية: ستة آلاف ومائتان وستة وثلاثون آية، وألفا حديث - قل خمسة آلاف حديث كما هو موجود عند ابن تيمية الجد في [كتاب] منتقى الأخبار - وألفين حديث عند بلوغ المرام ومنار السبيل وكذا، لا يزيدون عن ألفين حديث في الأحكام، وثلاثمائة آية في الأحكام في القرآن.
فالنصوص متناهية قليلة والأحداث غير متناهية. فكيف أعلم حكم الله على ما أراده الله؟ فأنشأوا خاصية القياس: أن نقيس الحادث على الأصل القديم بطريقة مركبة.
القياس حقيقة الاجتهاد ويحتاج إلى ذهن صافٍ ونفس راقية وتقوى لله
هذه الطريقة المركبة طريقة علمية صعبة، بحثوا في كل جزئية منها وكوَّنوا كتاب القياس. والقياس هو حقيقة الاجتهاد، يحتاج إلى ذهن صافٍ ونفس راقية وتقوى لله سبحانه وتعالى.
كتبوا هذا من أجل أن أصدر حكمًا على مراد الله. الله لا يكلمنا والنصوص لا تسعفنا، فلا بد أن نكون في ظلال هذه النصوص، لا نخرج من تحت عباءة هذه النصوص، بل نكون دائمًا فيها وبها.
دائرة القطع ودائرة الظن وسبب اختلاف الأئمة المجتهدين
بعد ذلك وجدوا شيئًا غريبًا، وهو أننا إذا فعلنا ذلك وجدنا أنفسنا بين دائرتين للأحكام:
- •دائرة قطعية لا خلاف فيها، فيها إجماع، واضحة، اتفق عليها المسلمون كلهم.
- •ودائرة ظنية تحتمل وتحتمل وتحتمل، هذا أن يكون مراد الله وهذا أن يكون مراد الله.
الدائرة الظنية هذه هي سبب اختلاف الأئمة. الإمام مالك هذا كان رجلًا ورعًا تقيًّا، والشافعي كذلك، وأبو حنيفة كان كذلك، والأوزاعي وابن حنبل، هؤلاء أكابر الأمة. خمسة وثمانون مجتهدًا اختلفوا في دائرة الظن وليس في دائرة اليقين والقطع والإجماع.
التعارض والترجيح والمقاصد الشرعية وباب الاجتهاد وشروط المجتهد
قال: طيب، هذا الخلاف معناه أنه توجد أمور متعارضة، فكيف نرجح؟ فكتبوا التعارض والترجيح وجعلوه بابًا مستقلًّا. بعد القياس وفي أثناء القياس كتبوا المقاصد الشرعية.
ثم بعد ذلك قالوا: من الذي يبحث هذا؟ هذا الذي يفتخر أنه ليس له شيخ وأنه تلقى في الكتب، درس فيها ساعات طويلة؟ قالوا: لا، هذا لا بد فيه من مجتهد.
فذهبوا وكتبوا باب الاجتهاد: ما الاجتهاد، من المجتهد، أنواع هذا الاجتهاد وأنواع هذا المجتهد. وبحثوا فيه بحثًا طويلًا عن هذا المجتهد الذي يصلح لأن يكون فقيهًا مجتهدًا حاكمًا مستنبطًا للأحكام على مقتضى كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
الأبواب السبعة لأصول الفقه المبنية على أسئلة متتالية في ذهن المجتهد
حسنًا، يكون عندنا كم؟ سبعة: الحجة، الثبوت، الفهم القطعي والظني المؤدي إلى القياس، إلى الإجماع أو الإجماع، القياس، التعارض والترجيح، الاجتهاد.
وهذه هي أبواب أصول الفقه جاءت بناءً على أسئلة متتالية في ذهن المجتهد. هذه الأسئلة المتتالية أجابوا عنها بهذا التركيب.
تعريف أصول الفقه: معرفة دلائل الفقه إجمالاً وكيفية الاستفادة وحال المستفيد
أصول الفقه تُعرف بأنها: معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.
انظروا كيف أن هذه الثلاثة هي السبعة المذكورة: فـمعرفة دلائل الفقه إجمالًا هي الكتاب والسنة التي أخذناها من السؤال الأول، والقرآن والإجماع والقياس التي أخذناها من الرابع والخامس.
وبعد ذلك الأدلة المختلف فيها وهي أدلة واقعية غير مرئية التي سيأخذونها مع التعارض والترجيح. ومعرفة دلائل الفقه إجمالًا وكيفية الاستفادة منها التي سيجدونها في الفقه، في أصول الفقه أولًا هكذا: العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ وغيرها إلى آخره.
وحال المستفيد الذي هو في النهاية هو المجتهد، ما هي شروطه؟
أصول الفقه أسست المنهج العلمي للعقل المسلم: المصادر وطرق البحث وشروط الباحث
وقد أصبح هذا مكوِّنًا للمنهج العلمي وللعقل المسلم. المنهج ثلاثة: معرفة المصادر، وكيفية البحث، وشروط الباحث.
احفظوا هذا الكلام، تجدون هذا الكلام عند الغربيين عندما يتحدثون عن المنهج العلمي. اسأل أحدهم: ما هو المنهج العلمي؟ فيقول لك: مصادر، معرفة مصادر البحث، ومعرفة كيفية البحث وطرق البحث، ومعرفة شروط الباحث.
قلت لهم: والله هذه كأنكم سرقتموها منا! لماذا سرقناها منكم؟ ما هذا؟ نحن هذا روجر بيكون الذي يقول هكذا. حسنًا، أحضروا روجرز بيكون إذن، هل كان يعرف اللغة العربية أم لا؟ اتضح أنه كان يعرف اللغة العربية.
نسبة المنهج العلمي إلى مدرسة الرازي والبيضاوي قبل روجر بيكون
طيب، هذا الكلام الذي قلناه نحن الآن، يُنسب إلى من؟ مدرسة الرازي - مات ستمائة وستة [هجرية]، ألف ومائتان [ميلادية] - يعني قبل روجرز. ويُنسب لمن أيضًا؟ أيضًا إلى البيضاوي.
إذا هذا الكلام أسَّس العقل المسلم: مصادر البحث، طرق البحث، شروط البحث. التي هي ماذا؟ معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.
ثلاثة هم: نقل مسطرة. وهذا عمل المسلمين. ومن أين أتى الرازي بهذا الكلام؟ أتى به من رسالة الشافعي بعد أن صاغوها وناقشوها، وهكذا استخلصوا منها هؤلاء الأقطاب الثلاثة.
أصول الفقه حضارة من الطراز الأول ومكون عقلي ودين مبهر للعالمين
إذن نحن أمام حضارة من الطراز الأول، وأمام مكوِّن عقلي في المرتبة الثانية، وأمام دين مبهر نريد أن نخاطب به العالمين.
وعلى فكرة، العالمون مستعدون لأن يكلمهم أحد بالمنطق والعقل الذي تاه في وسط ركام النابتة. أبدًا، هذا عقل محرَّر علَّمنا إياه السلف الصالح، وغبَّش عليه المدَّعون.
المسبَّع الأصولي الذي ينبغي استحضاره عند قراءة كتب أصول الفقه
في كتبنا التي سنقرؤها يكون عندنا هكذا المسبَّع: الحجة، والثبوت، والإفادة، والقطعي والظني، والقياس، والتعارض والترجيح، والاجتهاد.
هذا المسبَّع يكون عندنا ونحن نقرأ كتبنا. ينبغي علينا أن نعرف الدلائل الفقهية إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.
إذا عرفنا ذلك عرفنا بعمق كيف رتبوا كتبهم وكيف تكلموا وبنوا ما هنالك.
مبادئ العلم العشرة المنظومة في بيتين من الشعر لحفظها وتعلمها
هناك ما يسمى بـمبادئ العلم العشرة. كل علم له مبادئ عشرة ينبغي أن تعرفها حتى تتشوق نفسك لطلبه وتريد أن تتعلمه:
مَنْ رَامَ فَنًّا فَلْيُقَدِّمْ أَوَّلًا عِلْمًا بِحَدِّهِ وَمَوْضُوعٍ تَلَا وَوَاضِعٍ وَنِسْبَةٍ وَمَا اسْتَمَدّ مِنْهُ وَفَضْلُهُ وَحُكْمٌ مُعْتَمَدْ وَاسْمٌ وَمَا أَفَادَ وَالْمَسَائِلُ فَتِلْكَ عَشْرٌ لِلْمُنَى وَسَائِلُ وَبَعْضُهُمْ فِيهَا عَلَى الْبَعْضِ اقْتَصَرْ وَمَنْ يَكُنْ يَدْرِي جَمِيعَهَا انْتَصَرْ
ستكتبها، هيا نكتبها.
إملاء أبيات مبادئ العلم العشرة وأهمية النظم في حفظ العلم
مَنْ رَامَ فَنًّا فَلْيُقَدِّمْ أَوَّلًا عِلْمًا بِحَدِّهِ وَمَوْضُوعٍ تَلَا وَوَاضِعٍ وَنِسْبَةٍ وَمَا اسْتَمَدّ مِنْهُ وَفَضْلُهُ وَحُكْمٌ مُعْتَمَدْ وَاسْمٌ وَمَا أَفَادَ وَالْمَسَائِلُ فَتِلْكَ عَشْرٌ لِلْمُنَى وَسَائِلُ وَبَعْضُهُمْ فِيهَا عَلَى الْبَعْضِ اقْتَصَرْ وَمَنْ يَكُنْ يَدْرِي جَمِيعَهَا انْتَصَرْ
علم شغل، علم حوله لنظم لكي تحفظه؛ لأن هذا لو كنا سنقول فيه ونقول: الحد، وبعد ذلك نسينا ماذا، نسينا ماذا، وفعلنا ماذا. لا، نكتب البيتين ونجلس نعمل عليهما. هو العلم هكذا لكي نوفر وقتًا.
النابتة يتضايقون من منهجية العلم ويرفضون التعلم المنظم
أما هذا المتشدد يا أخي يتضايق من هذه المسألة. النابتة يشعرون بالضيق، أول ما تقول له هذه المسألة تجده متضايقًا.
لماذا يا بني أنت مضايق؟ الله يهديك! يقول لك: هل هذا كتاب وسنة؟ نعم، هذا لا يفهم شيئًا على الإطلاق. لقد أصبح غير راضٍ أن يتعلم، غير قابل للتعليم.
تطبيق مبادئ العلم العشرة: الحد والموضوع وتعريف أصول الفقه
طيب، سنقول: ستقولون لي أنتم الآن لماذا أنا ستقولون لي كذا ونقول: يقول ماذا؟ من رام فنًّا فليقدم أولًا علمًا بحده.
حسنًا، عرفنا الحد الخاص به: معرفة الدلائل الفقهية إجمالًا، وكيفية الاستفادة من حال المستفيد. هذا هو تعريف الحد.
الموضوع: موضوع كل علم ما يُبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية. موضوع كل علم ما يُبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية.
موضوع علم الطب جسم الإنسان وفائدة لغوية في إعراب حيث
لنأتِ ونرى علم الطب: نجد مسائل قصيرة، مسائل في كتب الطب. تأملوا هذه المسائل وانظروا عمَّ يتحدثون. ما الموضوع؟ فوجدوا أن الموضوع الذي يتحدثون عنه هو جسم الإنسان من حيثُ الصحةُ والمرضُ.
جسم الإنسان من حيثُ الصحةُ والمرضُ. نعم، هي الصحةُ، حيثُ الصحةُ. لا تقل «حيثِ الصحةِ»؛ لأن حيثُ تُضاف إلى الجمل.
سيلوي شفتيه هكذا ويقول: انتظر يا شيخ أخطأت وما إلى ذلك. يريد أن أقول «من حيثِ الصحةِ» أو «من حيثِ»؛ لأن «من» تجر ما بعدها. لا، حيثُ مبنية، ولذلك عندما تدخل «من» لا تعمل فيها شيئًا، فهي دائمًا هكذا مكانها هكذا.
هل انتبهت كيف؟ وهي تُضاف إلى الجمل، فالذي بعدها يصبح مثل المبتدأ، ولذلك لن ينكسر. فتقول: من حيثُ الصحةُ والمرضُ. هل انتبهت؟ نعم، كن مجتهدًا أنت الآن في الأزهر، واترك النابتة.
موضوع علم الطب وموضوع علم الفقه فعل المكلف وأحكامه
جسم الإنسان حيثُ الصحةُ والمرضُ، نعم، هذه هي الجملة، هذا هو موضوع علم الطب.
عندما نُمسك الفقه، ما هو موضوع علم الفقه؟ قالوا: فعلُ المكلف. فعلُ المكلف هو الذي وجدوه في كل مسائل الفقه: الصلاة فعلُ المكلف، السرقة فعلُ المكلف، الصيام، البيع، الزواج.
نعم: واجب، حرام، حلال، مندوب، مكروه. نعم، إذن الأحكام تَصِفُ ماذا؟ تَصِفُ فِعْلَ المُكَلَّفِ. يبقى فعلُ المكلف هو موضوع علم الفقه.
موضوع علم أصول الفقه: الأدلة من حيث إثبات الأحكام
موضوع علم الأصول ماذا إذن؟ قالوا: الأدلة من حيثُ إثباتُ الأحكام، أو الأحكام من حيثُ ثبوتُها بالأدلة. من هذه الحيثية بالذات.
الأدلة الإجمالية من حيثُ أنها تُثبت الأحكام. ها هو ذا ما سنقوله: الكتاب كذا وكذا وكذا، السنة كذا وكذا. أدلة من حيثُ ماذا؟
هل الكتاب من حيثُ التلاوة أو من حيثُ اللغة أو من حيثُ أي حيثية أخرى؟ قال: لا، هذا عبارة عن حيثية معينة وهي إثبات الأحكام، أن الكتاب من حيثُ يُثبت الأحكام يكون هو كذلك. فيكون هذا الحد وهذا الموضوع.
فائدة نحوية في بناء حيثُ وإعرابها مع شواهد من ألفية ابن مالك
والاسم منه معرب ومبني لشبه من الحروف مدني، كالشبه الوضعي في اسمي جئتنا، والمعنوي في متى وفي هنا، أو كنيابة عن الفعل بلا تأثر، أو كافتقار أُصِّلا.
ومنه ذو فتح وذو كسر وضم، كأين أمس حيثُ وساكن كم. يبقى حيثُ جاءت إنها معك.
من حيثُ انتهى. احذر أن تفعل لي هكذا [أي تكسرها]. طيب، نعم.
واضع علم أصول الفقه الإمام الشافعي ونسبته إلى العلوم الشرعية
وواضع [علم أصول الفقه هو] الرسالة، الإمام الشافعي، ولا نعلم سواه. قيل لك إن الإمام جعفر الصادق [له كتاب]، ليس له كتاب، لكن الرسالة مطبوعة وكان لها في دار الكتب الأصل الذي كتبه الربيع حتى سُرقت.
طيب، ماذا أيضًا؟ واضع، نعم. نسبته إلى العلوم: أولًا هو منتمٍ إلى العلم الشرعي، ثانيًا هو أساس للدخول إلى الفقه.
فائدة أصول الفقه وثمرته واستمداده من المعقول واللغة والأحكام الشرعية
ولذلك فائدته أنه ينظم الذهن، وثمرته إنتاج المجتهد. إذا درس أصول الفقه على ما ينبغي أن يكون، يُنتج المجتهد.
وماذا أيضًا؟ استُمد أصول الفقه من:
- أولًا: المعقول.
- وثانيًا: اللغة العربية.
- وثالثًا: الأحكام الشرعية.
فأصول الفقه مستمد من هذه الثلاثة. وأحيانًا يقول في المعقول هذا يقولون عليه التوحيد أو علم الكلام أو نحو ذلك. وبهذه الثلاثة يتكون أصول الفقه.
هل أصول الفقه علم مستقل أم علم بيني وموقف ابن السبكي
هل أصول الفقه علم مستقل أم أنه علم بيني؟ علم بيني أي أنه من كل بستان زهرة، بعض من هنا وبعض من هنا وبعض من هنا وانتهى الأمر.
فيقول ابن السبكي: لا؛ لأن الأصوليين لهم معانٍ في اللغة لم يذكرها أهل اللغة، فهذا علم مستقل.
أهل اللغة مثل سيبويه والخليل لم يتكلموا عن العموم والخصوص ولا المطلق ولا المقيد ولا هذا الترتيب ولا المجمل ولا المُبَيَّن بهذا الترتيب الذي تكلم عنه الأصوليون.
ولذلك هو علم مستقل، والذي ذهب إلى أنه علم بيني جانبه الصواب. هو علم مستقل مستمد ويعتمد ويأخذ المعلومات ثم يطورها وينظمها من تلك الثلاثة التي استمد منها، كاستمداد كل علم.
فضل أصول الفقه وحكمه أنه فرض كفاية لا بد من القيام به
نعم، فضله: أحسن العلوم ما دمنا ندرسهم.
إذن حكمه: أنه فرض كفاية، لا بد في الأمة من يتعلمه حتى ينقله إلى من بعده بصورة لافتة للنظر. يعني لا يكفي فيه واحد واثنان وعشرة، لا، ككل العلوم، كل علم يجب أن يقوم به من يبلغه للعالمين بصورة لافتة للنظر.
اسم أصول الفقه ومعنى كلمة أصول وكلمة فقه لغة واصطلاحاً
نعم، اسمه: أصول الفقه. كلمة أصول معناها أسس، وكلمة فقه معناها الفهم، فهو أسس الفهم، وهو فعلًا هكذا، خاصة في طرق البحث؛ لأنها مبنية على أسس الفهم.
كيف تفهم كلمة أصول؟ جمع أصل. والأصل في اللغة معناه القاعدة، في الاصطلاح معناها القاعدة المستمرة، وأصل معناها المقيس عليه، وأصل في اللغة معناها ما منه الشيء أو ما يحتاج إليه شيء أو ما يُبنى عليه الشيء.
وبحث الأصوليون كثيرًا فيما نختار من هذه المعاني وفيما نبني عليه.
لماذا سُمي أصول الفقه بالجمع ولم يُسمَّ أصل الفقه
لكن الحاصل هو أن أصول سُميت بذلك لأن في التعريف مثلثًا [ثلاثة أصول]: معرفة دلائل الفقه إجمالًا هذا أصل، ومعرفة كيفية الاستفادة منها هذا أصل ثانٍ، ومعرفة حال المستفيد [هذا أصل ثالث].
ولذلك لم يُسمَّ بـأصل الفقه إنما سُمي بـأصول الفقه. فلما سُمي بالجمع لأنه ثلاثة أصول التي هي التي في التعريف هذه، فلا بد أن نقول أصول الفقه وليس أصل الفقه.
معاني الفقه الثلاثة: الفهم المطلق وفهم غرض المتكلم وفهم الشيء الدقيق
أما الفقه فهو إما أن يكون الفهم مطلقًا، وإما أن يكون فهم غرض المتكلم من كلامه، وإما أن يكون فهم الشيء الدقيق.
فلا يجوز لك أن تقول: فَقِهتُ أو فَقَهتُ أو فَقُهتُ أن السماء فوقي وأن الأرض تحتي؛ لأن هذه أشياء غير دقيقة يعلمها كل أحد، إنما لا بد أن يكون شيئًا دقيقًا.
هذه ثلاثة تعريفات: أما الفهم مطلقًا يجوز أن تقول: فَقِهتُ أن السماء فوقي والأرض تحتي. وأما فهم كلام المتكلم فهو غرض المتكلم من كلامه. وأما أن يكون فهم الشيء الدقيق [فهو المعنى الاصطلاحي].
تصريف فعل فَقِهَ وفَقَهَ وفَقُهَ وقاعدة أفعال السجايا
والفعل هناك فَقِهَ كفَهِمَ وعَلِمَ وزنًا ومعنًى، فَقِهَ. وهناك فَقَهَ أي سبق غيره إلى الفهم. وهناك فَقُهَ ومعناها أن الفقه صار له سجية وطبيعة وملكة.
والملكة كيفية راسخة في النفس، فَقُهَ. وهذه تسمى بـأفعال السجايا: شَجُعَ، كَرُمَ. يعني عندما تصير الشجاعة سجية لا أتكلفها، أنا شجاع بطبعي هكذا.
كَرُمَ يعني لا يفكر أأُخرج أم لا أُخرج، بل يخرج ويبذل مباشرة، لا يفكر، ليس لديه تفكير في الكرم. كَرُمَ.
إذن فأفعال السجايا تكون متعلقة بالسجية وتكون مضمومة العين، مثل: كَرُمَ، شَجُعَ، فَقُهَ. وهي يسمونها قاعدة أفعال السجايا، يعني هذا الوزن بهذه الكيفية حتى يعطي هذا المعنى.
الفعل فَقِهَ مثلث العين واسم الفاعل منه والفقيه لا بد أن يكون الفقه له سجية
يبقى من الممكن أن نقول إن هذا الفعل مثلث العين: فَقِهَ، فَقُهَ، فَقَهَ. والثلاثة صحيحة.
اسم الفاعل من فَقِهَ: فاقِهٌ بمعنى فاهم. ومن فَقُهَ: فقيه. ولذلك الفقيه لا بد أن يكون الفقه له سجية وليست تعلُّم مسألة ومسألتين.
وبعد ذلك حضر هنا في الأزهر مرة ومرتين وظن نفسه أنه عالِم مثل الشيخ سيد. لا، ليس هكذا، إنها معاناة.
خطورة النابتة الذين يدّعون تعليم الفقه في ساعات معدودة
ولذلك فإن النابتة نجحت في هذا الضحك على الناس. نحن نقول إننا نريدكم أن تجلسوا معنا عشر سنوات حتى تتعلموا، عشر سنين.
هذا يقول: اثنتا عشرة ساعة وستصبح فقيهًا! لا، اثنتا عشرة ساعة وستصبح مجرمًا، اثنتا عشرة ساعة وستصبح ممن يُحشرون في غير دين الله، اثنتا عشرة ساعة وستصبح وقود النار؛ لأنك تصدرت قبل أن تتعلم. هذه هي المصيبة.
ولذلك يقول الناس: أنتم غاضبون لماذا؟ دعوهم. نعم، هؤلاء يُضلون الناس! هم يقولون: تعال عندي اثنتي عشرة ساعة أو يومين، وبعضهم تمادى والعياذ بالله فجعلها شهرًا. يا جماعة ليس هكذا!
نموذج الشيخ خليل الجندي الذي حبس نفسه عشرين سنة في الأزهر للتعلم
العلماء جلسوا هنا منقطعين. الشيخ خليل الجندي صاحب مختصر خليل عند المالكية حبس نفسه هنا عشرين سنة، لم يرَ الخليج.
الخليج كان في بورسعيد، شارع بورسعيد هكذا، وكان في أزقة أمام الأزهر. لم تكن الدنيا واسعة كما هي الآن، هذه الدنيا الواسعة أُنشئت عام ألف وثمانمائة وتسعين.
كان شارع الأزهر كله بيوتًا. لم يخرج من الأزهر مدة عشرين عامًا، عشرون عامًا وهو جالس هنا. هؤلاء الناس إلى الآن خليل هو المعتمد، عمل بشكل صحيح وبنى بشكل صحيح.
عندما حدث الزلزال انهدمت بيوت كثيرة، والمباني هذه التي بُنيت بشكل صحيح لم تنهدم. فهذا هو التقوى.
التقوى الحقيقية في التواضع والتعلم المستمر من المحبرة إلى المقبرة
اتقوا الله، نحن نعلم أنكم تريدون تقوى الله، لكن لا يخدعنكم أحد. تقوى الله ليست في أن تتعلم بسرعة هكذا، تقوى الله أن تزداد تواضعًا لله كلما تعلمت، وأن تدرك أن ما تجهله أكبر بكثير جدًّا مما تعلمت الذي تعلم.
ولذلك يجب عليك مع المحبرة إلى المقبرة، والعلم لا يعرف الكلمة الأخيرة.
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]
طريق طويل لا نهاية له. لكن الدكتور يقول: لا، سأعطيك إجازة بالفساد اثني عشر ساعة! إنا لله وإنا إليه راجعون.
المسائل في أصول الفقه هي الجمل المفيدة المكونة من الموضوع والمحمول
إذا لم يبقَ من العشرة شيء [إلا المسائل]: المسائل الجمل المفيدة مكونة من المبتدأ والخبر أو من الموضوع والمحمول، هي هي، أو قول من الفعل والفاعل، هي هي.
ما هي المبتدأ والخبر والفعل والفاعل والموضوع والمحمول؟ هي الجملة المفيدة.
طبعًا الفقه في جمل مفيدة، أصول الفقه في جمل مفيدة: الكتاب حجة - هذا من أصول الفقه - السنة حجة - هذا من أصول الفقه - الإجماع دليل - وهو من أصول الفقه - وهكذا.
يعني أصول الفقه هو عبارة عن جمل، فهذه الجمل هي مسائله.
خاتمة الدرس: ملخص ما تم تناوله والتمهيد لاستكمال الدروس القادمة
إذا عرفنا السبعة [أبواب أصول الفقه]، ثم عرفنا التعريف المثلث للأصول، وعرفنا المبادئ العشرة، هذا هو كان لقاء اليوم.
الذي نبدأ غدًا إن شاء الله وبعد غد في استكمال ذلك، أن تلين عرائكنا حتى نصل إلى المقصود.
هذا وبالله التوفيق.
