اكتمل ✓
تفسير سورة المائدة آية الحرابة وفن القضاء في تقدير العقوبات الإسلامية - تفسير, سورة المائدة

ما تفسير آية الحرابة في سورة المائدة وكيف يراعي القاضي الفاعل والفعل والمفعول به عند تقدير العقوبة؟

آية الحرابة في سورة المائدة (الآية 33) تُقرر نظام العقوبات في الإسلام لمن يحارب الله ورسوله ويسعى في الأرض فسادًا، وتشمل القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي. ونوَّع الله العقوبة لأن تقديرها يختلف باختلاف الفاعل وقصده واختياره، وطبيعة الفعل وخطورته، والمفعول به ومكانته. ولذلك يجب على القاضي أن يراعي الزمان والمكان والأحوال والمقاصد والمآلات عند اختيار العقوبة المناسبة.

3 دقائق قراءة
  • هل يجوز للغني أن يشتري حق إهانة الفقير بدفع المال؟ هذا ما كشفه خطأ قاضٍ قدَّر كرامة الإنسان بالدنانير.

  • تفسير سورة المائدة الآية 33 يُقرر نظام الحرابة كعقوبة لمن يحارب الله ورسوله ويسعى في الأرض فسادًا.

  • نوَّع الله العقوبة في جريمة الحرابة لأن كل جريمة تختلف بحسب الفاعل وقصده واختياره ودرجة إفساده.

  • الفقه الإسلامي يُفرق بين الاعتداء على إنسان عادي والاعتداء على من تحتاج إليه الأمة، إذ الثاني يُعدّ جريمتين في آنٍ واحد.

  • التعزير هو فن القضاء الذي يُتيح للقاضي اختيار العقوبة المناسبة من حبس أو ضرب أو تجريس وفق الزمان والمكان.

  • التجريس عقوبة اجتماعية تتطور بتطور الوسائل، فقد تكون اليوم عبر الصحافة بدلًا من الجرس في الطرقات.

مقدمة في آية عقوبة الحرابة من سورة المائدة وحكمتها

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر نظامًا من نظم العقوبات في الإسلام، من أجل الحماية والرعاية والعناية للمجتمع:

﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا أَوْ يُصَلَّبُوٓا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ ٱلْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33]

تنويع العقوبة في جريمة الحرابة وتسميتها في الفقه الإسلامي

نوَّع الله سبحانه وتعالى العقوبة بإزاء فعلٍ واحد: يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا. وهي جريمة يمكن أن توصف بها مجموعة من الأفعال والسلوكيات، تُسمى في الفقه الإسلامي بـالحرابة، وسُمِّيت بذلك لأنهم يحاربون الله ورسوله.

ثم نوَّع [الله سبحانه وتعالى] العقوبة بإزائها، وذلك لأن الفعل عندما يصدر من الإنسان فإن هناك فاعلًا يقوم بالفعل، وهناك فعلٌ يقع في الكون، وهناك مفعولٌ به يتلقى هذا الفعل.

العلاقة بين الفعل والانفعال وأثرها في تقدير العقوبة

وهذا ما يقوله بعد ذلك وقبل ذلك المناطقة عندما يتكلمون عن الفعل والانفعال: كسرَ الرجلُ الخشبَ فانكسر؛ فكسرَ هو الفعل، وانكسرَ هو أثر الفعل.

ولذلك تكتنف كلَّ ركنٍ من هذه الأركان [الفاعل والفعل والمفعول به] ظروفٌ وأحوالٌ مختلفة. من جهة الفاعل: هل هو قاصدٌ عالمٌ بما يفعل وبأثر فعله بعد ذلك؟ وهل هو مختارٌ لم يُضغط عليه شيء ولم يدفعه ويحثه شيء؟ ولم يكن واقعًا تحت تأثيرٍ قوي أو شرعي.

اختلاف تقدير العقوبة باختلاف الفعل والمفعول به والزمان والمكان

ومن جهة الفعل: مدى إفساده، مدى خطورته، مدى أثره على الناس. وهذا يختلف باختلاف كل زمان وباختلاف المكان وباختلاف الأحوال وباختلاف الأشخاص.

ومن الذي وقع عليه الفعل؟ هل هو إنسان أو هو حيوان محترم؟ وفي الفقه الإسلامي سمَّى الفقهاء الحيوانَ الذي لا يجوز الاعتداء عليه الحيوان المحترم، وجعلوا وجود الحيوان المحترم واحتياجه إلى الماء مبررًا للتيمم.

حكم التيمم لأجل الحيوان المحترم ومنهج الفقهاء المنضبط

فإذا كان معك ماءٌ تتوضأ به فيموت حيوانٌ محترم كالغنم والبقر والإبل والغزال، فإنك تحرم نفسك من الوضوء وتتيمم وتترك الماء للحيوان المحترم وجوبًا.

إذن هؤلاء الناس [الفقهاء المسلمون] كانوا يفكرون بطريقة منضبطة بقواعد ورؤى وتوجهات ومناهج، يجب علينا أن نكتشفها أو أن نعيد اكتشافها في حياتنا.

تفاوت جريمة الاعتداء بحسب مكانة المعتدى عليه في الأمة

الفاعل والفعل والمفعول به، هل هو [المعتدى عليه] إنسان؟ هل هذا الإنسان من هو؟ فاعتداؤك على من تحتاج إليه الأمة ليس كاعتدائك على شخصٍ لا تحتاج إليه الأمة، واعتداؤك على شخصٍ لا تحتاج إليه الأمة يُدخلك النار، فما بالك بمن تحتاج إليه الأمة؟

فإنك تكون قد ارتكبت جريمتين: جريمة الاعتداء على الإنسان كإنسان لأنه إنسانٌ قد كرَّمه الله وإن لم يكن له نفعٌ أبدًا، وجريمةٌ [أخرى أنك] تُضيِّع نفع هذا الإنسان إن كان صاحب نفعٍ على الأمة.

فن القضاء ومراعاة القاضي للفاعل والفعل والمفعول والظروف المحيطة

ومن هنا برزت قضية فن القضاء، أن القاضي ينبغي عليه أن يكون عنده فنٌّ في حكمه وقضائه، يراعي فيه الفاعل والفعل والمفعول، ويراعي فيه ظرف الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، يراعي فيه المقاصد والمآلات، يُراعى فيها العلم والقصد والاختيار. وكل ذلك مسطورٌ عند فقهاء المسلمين.

وعندما جاءوا إلى أمورٍ لم يتكلم عنها الشرع، وإلى عقوباتٍ لم يقررها، ولكنه علَّمنا أنه ينبغي ألا نفوتها، وأسموا هذا الباب بـالتعزير. فقالوا: والتعزير فن القضاء؛ لأن القاضي ينبغي عليه أن يكون واعيًا عندما يطبق العقوبة على المذنب.

قصة الغني الذي سبَّ الفقير وخطأ القاضي في تقدير العقوبة بالمال

وضربوا لذلك مثلًا، ومن أمثلة ذلك أن رجلًا غنيًّا قد سبَّ رجلًا فقيرًا، فذهب الفقير يشكو الغني إلى القاضي أنه قد سبَّني وشتمني ظلمًا وعدوانًا ولا ذنب لي. فحكم القاضي على الغني بدفع دينار للفقير.

والغني أمام القاضي قال مرة ثانية [أي سبَّه مرة ثانية] أمام القاضي: وهذا دينار الثالث، وسبَّه مرة ثالثة أمام القاضي، فمعه دنانير عديدة.

انتقد العلماء على القاضي فعله هذا ونسبوه إلى الغفلة، وأن أعراض الناس لا ينبغي أن تُقوَّم بالأموال بهذا الشكل؛ فإن الغني القادر عرف أن ديته [أي عقوبته] دينارٌ للسبَّة الواحدة، قال: حسنًا، خذ خمسة دنانير وسأشتمك خمس مرات!

خطأ تقدير كرامة الإنسان بالمال وبدائل العقوبة التعزيرية المناسبة

يا الله! وأين كرامتي إذا أهانني فقير؟ تُهان كرامتي؟ إلى هذا الحد! نعم، الخطأ هو خطأ تقدير القاضي، حيث قدَّر كرامة الإنسان بالأموال، والأمر ليس كذلك، والله أعلم بالقلوب وبما هنالك.

ولذلك قالوا: أبدًا، له أن يؤدبه حبسًا، أو يؤدبه تجريسًا، أو يؤدبه ضربًا. يقول له: افتح يديك أمام الناس هكذا، فالغني يأخذها في نفسه: أنا أفتح يديَّ! وأنا [القاضي يقول:] افتح يديك، سأضربك ضربةً على يديك فيها إهانةٌ لا تليق، ليتوقف في المرة القادمة عن شتم الفقراء لأجل فقرهم، وقد يكونون أعزَّ عند الله منه.

التجريس كعقوبة تعزيرية وتطورها بتغير الزمان والمكان

والتجريس كان يأتي من الجرس، وهو أن يُفضح [المعتدي] أمام الناس عندما يُصرُّ على عدوانه على الآخرين. فيُجرِّسونه بوضعٍ معين، بمعنى أنهم يسيرون في الطرقات بجرسٍ يضربونه، يضربون الجرس ويقولون: هذا الذي فعل كذا وكذا. وهو نوعٌ من أنواع الرقابة الاجتماعية التي تتغير بكل زمانٍ ومكان.

يعني لا يأتي أحدٌ ويقول لي: لكن نحن نريد تجريسًا الآن! لا، ليس ضروريًّا. قد يكون هذا التجريس يتم في الصحافة مثلًا، ليس ضروريًّا أن يكون بالجرس، بل مع كل زمانٍ ومع كل مكان [تتغير الوسيلة].

خلاصة فن القضاء في اختيار العقوبة المناسبة لجريمة الحرابة

رسم ربنا سبحانه وتعالى هذه العقوبة وهذا الفن للقضاء: أن العقوبة تختلف باختلاف الفاعل والمفعول والفعل، والزمان والمكان، والأشخاص والأحوال، والمقاصد والاختيار، والعلم والمآلات والمقاصد.

لا بد أن يكون القاضي واعيًا حتى يختار: هل هذه الحرابة من نوع ما يُقتل فيه، أو من نوع ما يُصلب فيه، أو من نوع ما تُقطع الأيدي فيه، أو من نوع ما يُنفى من الأرض فيه؟ فهذا اختيار القاضي يتم بتقويم هذه الأشياء.

وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

كم عقوبة ذكرتها آية الحرابة في سورة المائدة؟

أربع عقوبات

لماذا سُمِّيت جريمة الحرابة بهذا الاسم في الفقه الإسلامي؟

لأن أصحابها يحاربون الله ورسوله

ما الأركان الثلاثة التي يراعيها القاضي عند تقدير عقوبة الحرابة؟

الفاعل والفعل والمفعول به

ما الحيوان المحترم في الفقه الإسلامي؟

الحيوان الذي لا يجوز الاعتداء عليه

ماذا يجب على المسلم إذا كان معه ماء يحتاجه حيوان محترم للبقاء؟

يتيمم ويترك الماء للحيوان وجوبًا

كم جريمة يرتكب من يعتدي على شخص تحتاجه الأمة؟

جريمتان

ما الذي يُسمى في الفقه الإسلامي بـ'فن القضاء'؟

التعزير واختيار العقوبة المناسبة

ما وجه الخطأ في حكم القاضي على الغني الذي سبَّ الفقير بدفع دينار؟

أن تقدير كرامة الإنسان بالمال يُتيح للغني شراء حق الإهانة

ما العقوبات التعزيرية التي ذكرها الفقهاء بديلًا عن الغرامة المالية في قضية السب؟

الحبس والتجريس والضرب

ما أصل كلمة 'التجريس' كعقوبة تعزيرية؟

من الجرس الذي يُضرب لفضح المعتدي أمام الناس

كيف يمكن تطبيق التجريس في العصر الحديث وفق مبدأ تغير الوسيلة بتغير الزمان؟

عبر الصحافة والإعلام

ما العقوبة التي تنتظر من يحارب الله ورسوله في الآخرة وفق آية الحرابة؟

الخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة

ما المثال الذي ضربه المناطقة للتعبير عن العلاقة بين الفعل وأثره؟

كسر الرجل الخشب فانكسر

ما الآية القرآنية التي تُقرر عقوبة الحرابة وفي أي سورة وردت؟

الآية 33 من سورة المائدة، وتنص على أن جزاء المحاربين هو القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض.

ما معنى الحرابة في الفقه الإسلامي؟

الحرابة جريمة محاربة الله ورسوله والسعي في الأرض فسادًا، وسُمِّيت بذلك لأن أصحابها يحاربون الله ورسوله.

لماذا نوَّع الله عقوبة الحرابة بدلًا من تحديد عقوبة واحدة؟

لأن الجريمة تتفاوت بحسب الفاعل وقصده واختياره، وطبيعة الفعل وخطورته، والمفعول به ومكانته، فاقتضت الحكمة تنويع العقوبة.

ما الظروف التي يراعيها القاضي عند تقدير عقوبة الحرابة؟

يراعي القاضي الفاعل والفعل والمفعول به، والزمان والمكان والأشخاص والأحوال، والمقاصد والمآلات والعلم والقصد والاختيار.

ما الحيوان المحترم في الفقه الإسلامي وما أثره على أحكام الطهارة؟

الحيوان المحترم هو الحيوان الذي لا يجوز الاعتداء عليه كالغنم والبقر والإبل والغزال، واحتياجه للماء يُبيح التيمم وجوبًا.

ما الجريمتان اللتان يرتكبهما من يعتدي على شخص تحتاجه الأمة؟

الأولى: الاعتداء على الإنسان بوصفه إنسانًا كرَّمه الله. الثانية: تضييع نفع هذا الإنسان على الأمة.

ما التعزير في الفقه الإسلامي ولماذا سُمِّي فن القضاء؟

التعزير هو العقوبة في الجرائم التي لم يُقرر لها الشرع عقوبة محددة، وسُمِّي فن القضاء لأنه يستلزم وعيًا كاملًا من القاضي عند اختيار العقوبة المناسبة.

ما الدرس المستفاد من قصة الغني الذي سبَّ الفقير وحكم القاضي بالدينار؟

أن تقدير كرامة الإنسان بالمال خطأٌ فادح، لأنه يُتيح للغني شراء حق الإهانة، وأن العقوبة التعزيرية يجب أن تكون رادعة حقيقية.

ما العقوبات التعزيرية الثلاث التي ذكرها الفقهاء في قضية السب؟

الحبس، والضرب، والتجريس، وكلها عقوبات تُحدث أثرًا رادعًا في نفس المعتدي.

ما التجريس وكيف كان يُطبَّق قديمًا؟

التجريس فضحٌ للمعتدي أمام الناس، وكان يتم قديمًا بالسير في الطرقات بجرس مع الإعلان عن جريمة المعتدي.

كيف يتطور التجريس بتغير الزمان والمكان؟

وسيلة التجريس تتغير بتغير الزمان والمكان، فقد تكون اليوم عبر الصحافة والإعلام بدلًا من الجرس في الطرقات.

ما الفرق بين الاعتداء على إنسان عادي والاعتداء على من تحتاجه الأمة من حيث الجريمة؟

الاعتداء على إنسان عادي جريمة واحدة تُدخل صاحبها النار، أما الاعتداء على من تحتاجه الأمة فهو جريمتان: انتهاك كرامته وتضييع نفعه.

ما المعيار الذي يحدد نوع عقوبة الحرابة من بين الأربع المذكورة في الآية؟

اختيار القاضي الواعي بعد تقويم الفاعل والفعل والمفعول به والزمان والمكان والأحوال والمقاصد والمآلات.

ما الرقابة الاجتماعية وكيف ارتبطت بعقوبة التجريس؟

الرقابة الاجتماعية آلية لضبط السلوك في المجتمع، والتجريس أحد أشكالها الذي يفضح المعتدي أمام الناس ويردعه ويردع غيره.

ما أثر قصد الفاعل واختياره على تقدير العقوبة الشرعية؟

القصد والاختيار ركنان أساسيان في تقدير العقوبة، فمن فعل الجريمة مختارًا عالمًا بأثرها يختلف حكمه عمن كان مضغوطًا أو جاهلًا.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!