اكتمل ✓
كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون والمسارعة إلى مغفرة الله - تفسير, سورة آل عمران

ما معنى كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون وكيف نسارع إلى مغفرة الله؟

كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون معناه أن الإنسان كثير الخطأ بطبعه، وأن العبرة ليست في الوقوع في الخطأ بل في المراجعة والمحاسبة والعودة السريعة إلى الله. الإسلام فتح باب التوبة والمغفرة لأنه يعرف طبيعة الإنسان، والله وعد بأن يغفر لمن جاءه تائبًا ولو بلغت ذنوبه قُراب الأرض. المسارعة إلى مغفرة الله تعني الفرار إليه بالطاعة والتوبة والاستغفار دون تأخير.

3 دقائق قراءة
  • هل يجوز للإنسان أن يخطئ مرارًا ثم يتوب؟ الإسلام يجيب بنعم لأنه يعرف طبيعة البشر.

  • آية ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ تُرسي مبدأً عامًّا في العلاقة بين العبد وربه قائمًا على المسارعة.

  • حديث «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» يؤكد أن كثرة الخطأ طبيعة بشرية لا عيب فيها ما دامت تعقبها توبة.

  • العبرة ليست في الوقوع في الخطأ بل في المراجعة والمحاسبة والعودة السريعة إلى الله.

  • الله وعد بمغفرة ذنوب تبلغ قُراب الأرض، وهو عدد يستحيل على الإنسان بلوغه مهما عاش.

  • الجنة التي عرضها السماوات والأرض أُعدّت للمتقين الذين يحاسبون أنفسهم ويسارعون إلى الطاعة.

المسارعة إلى مغفرة الله مبدأ عام في علاقة الإنسان بربه

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]

وهذه الآية تصلح لأن تكون مبدأً عامًّا في العلاقة بين الإنسان وبين ربه، مبنيةً على المسارعة؛ فلا بدّ أن تفرّ إلى الله لا أن تفرّ من الله، فلا بدّ عليك أن تفرّ إلى الله، والفرار يقتضي المسارعة.

المسارعة تشمل الطاعة والعبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس

فلا تتأخر، لا تتأخر في الطاعة ولا تتأخر في البعد عن المعصية، لا تتأخر في العبادة ولا في عمارة الأرض ولا في تزكية النفس ولا في المراقبة والتوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى.

﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران: 133]

وهذا [الأمر بالمسارعة إلى المغفرة] مبناه قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«كلُّ بني آدمَ خطَّاء، وخيرُ الخطَّائين التوَّابون»

كل بني آدم خطّاء، وخطّاء على وزن فعّال، وهو وزنٌ يقتضي الكثرة، يعني كثير الخطأ.

العبرة ليست في الخطأ بل في المراجعة والمحاسبة والتوبة

فإن الإنسان ما دام يعمل فلا بدّ أن يخطئ، وليست العبرة في أننا نخطئ، ولكن العبرة في أن نستمر على الغلط والخطأ بعد أن ندرك خطأنا. وليست العبرة في أن نخطئ، ولكن العبرة هي في المراجعة والمحاسبة؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا.

فالعلاقة بين العبد وربه مبنية على المسارعة، وطبيعة الإنسان مبنية على الخطأ وكثرة الخطأ، وعلى ذلك فلا بدّ علينا من العودة سريعًا [إلى الله بالتوبة والاستغفار].

سعة رحمة الله بفتح باب التوبة والرد على المعترضين على ذلك

والله سبحانه وتعالى قد فتح لنا الأمر فتحًا ظنّ به بعض القاصرين أن فيه تهاونًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

«يا ابنَ آدم، لو جئتني بتُرابِ الأرضِ ذنوبًا ثم جئتني تائبًا لغفرتُ لك»

فبعض الناس يقول: الله! يعني أنتم تسمحون للإنسان دائمًا أنه يخطئ؟ عندما قالوا هكذا فيما اعترضوا به على الإسلام: أنتم تعترضون على الإسلام أنه فتح باب الرحمة، أنه فتح باب العودة، أنه فتح باب التوبة! شيء غريب!

الإسلام عرف طبيعة الإنسان؛ لأن الإسلام من عند الله والإنسان من خلق الله.

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]

ففتح له أن يعود إذا أذنب، وإذا أذنب مرة ثانية يعود أيضًا، وعشر مرات أيضًا يعود.

طبيعة البشر بين الخطأ والتوبة وفتح باب المغفرة لهم

ماذا سنفعل إذن؟ إن طبيعة البشر أنه يأتي تائبًا اليوم باكيًا ومنتحبًا وفاعلًا كل شيء، يبكي ثم بعد ذلك في آخر النهار يعصي أيضًا، لا توجد فائدة!

ماذا نفعل به إذن؟ أنذبحه أم نفتح له باب المغفرة [والتوبة]؟ فالله سبحانه وتعالى يقول:

«يا ابنَ آدم، لو جئتني بتُرابِ الأرضِ ذنوبًا - وفي رواية البخاري في إحدى الروايات: بقُرابِ الأرضِ ذنوبًا - ثم جئتني تائبًا لغفرتُ لك»

استحالة أن يبلغ الإنسان ذنوبًا بقدر تراب الأرض مهما عاش

قال العلماء: وهل هذا يُتصوَّر؟ هو يُتصوَّر أن تأتي بقُراب الأرض ذنوبًا؟ حسنًا، افعلها هكذا: انظر كم يومًا ستعيش إلى أن يكون عندك مائة وخمسين سنة، وانظر كم ساعة في اليوم وكم دقيقة في الساعة وكم ثانية في الدقيقة، واضرب وانظر الرقم.

وسترتكب ذنبًا كل ثانية، سترتكب ذنبًا كل ثانية! ما رأيك أنه لا يوازي مترًا مكعبًا من التراب! هكذا متر مكعب من الرمل، وعُدَّ حبّاته ستجدها أكبر بآلاف المرات من عمرك لمدة مائة وخمسين سنة باعتبار الثواني.

عجز الإنسان عن بلوغ ذنوب تراب الأرض وسعة رحمة الله الواسعة

ما رأيك أنك لا تستطيع أن تعصي الله بهذا العدد! تراب الأرض، اعصِ الله بتراب الأرض ولا تعرف [أن تبلغ ذلك]، يعني أنّ [الإنسان] لا يعرف أن يعصي الله [بهذا القدر]. شخص يريد أن يعصي الله لا يعرف [كيف يبلغ هذا العدد] لكي يتمتع بهذه الميزة [ميزة المغفرة الواسعة]، لا يعرف!

لماذا فتح الله هكذا؟ إن الله واسع [الرحمة والمغفرة]؛ إذا كنت أنت لا تعرف كيف تعصي إلا في متر مكعب، فما بالك بالأرض كلها، ملايين الكيلومترات المكعبة!

الحياء من الله الكريم يقتضي المسارعة إلى الطاعة لا المعصية

أهذا الإله الكريم يستحق منك قلة الحياء والتسارع في المعصية؟ ألا تخجل وتستحي من الله الكريم الذي وسَّعها لك كثيرًا هكذا؟ [هذه السعة في الرحمة] يقتضي منك شيئًا من الندالة، يعني أنك أول ما قال لك هكذا [بأنه يغفر لك مهما بلغت ذنوبك]، الشخص السويّ يقول: أنا عمري لا أعصي الله! هذا [ربٌّ] كريم جدًّا.

﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133]

نحن سارعنا إلى مغفرة من ربنا، وربنا قَبِلَ المغفرة، انتهى.

الجنة عطاء الله الأعظم بعد المغفرة أعدت للمتقين لا للغافلين

لا يكون لنا ولا علينا، سقانا ورزقنا ومتّعنا في الحياة الدنيا، وصار يُطعمنا بعض الفواكه وبعض اللحم وبعض الطعام وبعض كذا وانتهى الأمر، لا لنا ولا علينا؟ لا! بل يقول لك:

﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ﴾ [آل عمران: 133]

الله سيغفر لك ولن يكتفي بذلك، بل سيعطيك أهنأ العطية، وعطيتك أعظم العطايا وأهنأها؛ أعظم العطايا جنة عرضها السماوات والأرض.

ماذا تريد بعد ذلك؟ ولذلك يجب عليك أن تتقي الله في نفسك، ولذلك ختمت الآية بقول: أُعدّت للمتقين، وليست أُعدّت للفاسقين ولا للغافلين، بل لمن حاسب نفسه قبل أن يُحاسَب، ووضع لنفسه منهاجًا مع ربه أساسه:

﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ﴾ [آل عمران: 133]

بما يشتمل عليه من تقديم الشكر والحمد والخضوع والحب لله رب العالمين. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

على أي وزن صرفي جاءت كلمة «خطّاء» في حديث «كل بني آدم خطاء» وماذا يدل هذا الوزن؟

وزن فعّال ويدل على الكثرة

ما الذي تُرسيه آية ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ في العلاقة بين الإنسان وربه؟

مبدأ المسارعة كأساس عام في العلاقة مع الله

ما الذي يُعدّ العبرة الحقيقية في نظر الإسلام عند وقوع الإنسان في الخطأ؟

المراجعة والمحاسبة والعودة السريعة إلى الله

ما الآية القرآنية التي استُشهد بها لتأكيد أن الله يعلم طبيعة الإنسان لأنه خالقه؟

﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾

ماذا يقول الحديث القدسي عن مغفرة الله لمن جاءه تائبًا ولو بلغت ذنوبه قُراب الأرض؟

يقول إن الله يغفر له جميع ذنوبه

لماذا قال العلماء إن بلوغ ذنوب بقدر قُراب الأرض أمر مستحيل عمليًّا؟

لأن حبّات الرمل في متر مكعب واحد أكبر بآلاف المرات من عدد ثواني عمر الإنسان

ما الموقف الذي ينبغي أن يتخذه الشخص السويّ حين يعلم بسعة رحمة الله ومغفرته؟

يزداد حياءً من الله ويعزم على عدم معصيته

لمن أُعدّت الجنة التي عرضها السماوات والأرض وفق ختام الآية الكريمة؟

للمتقين الذين يحاسبون أنفسهم

ما الذي يشمله منهاج المسارعة إلى مغفرة الله وفق ما جاء في تفسير الآية؟

الطاعة والعبادة وتزكية النفس والتوبة وعمارة الأرض

ما الذي يعنيه الفرار إلى الله في سياق آية ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾؟

المسارعة إلى الطاعة والتوبة لا الفرار من الله

ما العطية التي وعد الله بها عباده بعد المغفرة وفق الآية الكريمة؟

جنة عرضها السماوات والأرض

ما نص حديث «كل بني آدم خطاء» كاملًا؟

«كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون»، وهو يعني أن الإنسان كثير الخطأ بطبعه وأن أفضلهم من يتوب ويرجع إلى الله.

ما دلالة وزن «فعّال» في كلمة «خطّاء»؟

وزن فعّال يدل على الكثرة، فخطّاء تعني كثير الخطأ، مما يؤكد أن الوقوع في الخطأ طبيعة بشرية متكررة.

ما الفرق بين الخطأ المذموم والخطأ الذي لا يُعاب عليه الإنسان؟

الخطأ المذموم هو الاستمرار على الغلط بعد إدراكه، أما الخطأ الذي لا يُعاب هو الوقوع فيه مع المراجعة والمحاسبة والتوبة.

ما معنى المسارعة إلى مغفرة الله في الحياة اليومية؟

تعني عدم التأخر في الطاعة والعبادة وتزكية النفس والتوبة وعمارة الأرض، والعودة السريعة إلى الله عند كل خطأ.

لماذا يُعدّ الاعتراض على فتح باب التوبة في الإسلام موقفًا غريبًا؟

لأن المعترض في الحقيقة يعترض على سعة رحمة الله وفتح باب العودة، وهو أمر يُحمد لا يُذمّ، فالإسلام يعرف طبيعة الإنسان لأنه من عند الله خالق الإنسان.

ما الرواية الواردة في البخاري في الحديث القدسي عن المغفرة؟

رواية البخاري تقول «يا ابن آدم لو جئتني بقُراب الأرض ذنوبًا ثم جئتني تائبًا لغفرت لك»، وقُراب الأرض تعني ما يقارب ملء الأرض.

كيف أثبت العلماء استحالة بلوغ ذنوب بقدر قُراب الأرض؟

بحساب عدد الثواني في عمر مائة وخمسين سنة ومقارنتها بعدد حبّات الرمل في متر مكعب واحد، فتبيّن أن حبّات الرمل أكبر بآلاف المرات، فكيف بتراب الأرض كلها.

ما الحكمة من فتح الله باب المغفرة بهذه السعة الهائلة؟

لأن الله واسع الرحمة والمغفرة، ويعلم أن الإنسان عاجز أصلًا عن بلوغ هذا العدد من الذنوب، فسعة المغفرة تعكس عظمة رحمة الله لا تشجيعًا على المعصية.

كيف ينبغي للمؤمن أن يتعامل مع سعة رحمة الله بدلًا من التجرؤ على المعصية؟

ينبغي أن يزداد حياءً من الله الكريم ويعزم على عدم معصيته، فالشخص السويّ حين يعلم بكرم الله يقول: أنا عمري لا أعصي الله.

ما الصفات التي ختمت بها الآية الكريمة وصف أصحاب الجنة؟

ختمت الآية بـ﴿أُعدّت للمتقين﴾، أي لمن حاسب نفسه قبل أن يُحاسَب ووضع لنفسه منهاجًا مع ربه أساسه المسارعة إلى المغفرة.

ما العناصر التي يشملها منهاج المؤمن مع ربه وفق ختام الآية؟

يشمل تقديم الشكر والحمد والخضوع والحب لله رب العالمين، إلى جانب المسارعة إلى المغفرة والتقوى ومحاسبة النفس.

ما الفرق بين الفرار من الله والفرار إلى الله؟

الفرار من الله هو الهروب من طاعته وأوامره، أما الفرار إلى الله فهو المسارعة إلى طاعته وتوبته ومغفرته، وهو المطلوب من المؤمن.

ما الآية القرآنية التي تدل على أن الله يعلم طبيعة من خلق؟

﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ من سورة الملك، وهي تدل على أن الله فتح باب التوبة لأنه يعلم ضعف الإنسان وطبيعته.

ما وصف الجنة الوارد في آية آل عمران 133؟

وصفت الآية الجنة بأن عرضها السماوات والأرض، وهو وصف يدل على عظمتها وسعتها التي تفوق كل تصور بشري.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!