الأربعون الغمارية في شكر النعم | المجلس الأول | أ.د علي جمعة
- •كتاب "الأيام الحاملة والعين الغمارية" للشيخ عبد الله الغماري يتضمن ستة وأربعين حديثاً أخذها من كتاب الشكر للحافظ ابن أبي الدنيا ولخصها.
- •جواز العمل بالحديث الضعيف مشروط بثلاثة شروط: ألا يكون شديد الضعف، وأن يندرج تحت أصل شرعي عام، وألا يعتقد العامل به ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم.
- •مسألة الأخذ بالضعيف سار عليها علماء الأمة كالبخاري في كتبه غير الصحيح مثل الأدب المفرد.
- •تناول النص عشرة أحاديث عن الشكر والنعم، منها: "ما أنعم الله على عبد نعمة فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فيرى آفة دون الموت".
- •الحديث الرابع يؤكد أن الإسلام نعمة عظيمة، والسادس يذكر استعاذة النبي من زوال النعمة.
- •إذا لم تشكر النعمة تأخذ من حسناتك يوم القيامة، وإعطاء الله العاصين ما يشاؤون استدراج لهم.
- •من أعطي قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً وجسماً صابراً وزوجة وفية فقد أعطي خير الدنيا والآخرة.
مقدمة الجلسة والتعريف بكتاب الأربعين الغمارية للشيخ الغماري
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
في هذه الجلسة المباركة نقرأ ما سطّره مولانا الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري في تأليفه الذي أسماه بالأربعين الغمارية، نقرأ ما تيسّر منه ونواصل إن شاء الله كل أسبوع شيئًا حتى ينتهي.
عدد أحاديث الكتاب ومصدرها ومنهج تأليف الأربعينيات عند العلماء
وعدد الأحاديث في هذا الكتاب ستة وأربعون حديثًا، أخذها من كتاب الشكر للحافظ ابن أبي الدنيا ولخّصها ورتّبها، مقتفيًا بذلك أثر من كتب أربعين حديثًا في سائر المناحي.
فمنهم من كتب أربعين حديثًا في موضوع بعينه، ومنهم من كتب أربعين حديثًا في أصول الإسلام كما فعل الإمام النووي، ومنهم من كتب حديثًا عن أربعين شيخًا، ومنهم من كتب أربعين حديثًا في أربعين بلدًا، ومنهم من كتب أربعين حديثًا، وهكذا وطالت الكتابة في هذا.
آخذين ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا حُشر يوم القيامة مع العلماء»
وهو حديث في سنده ضعف.
شروط العمل بالحديث الضعيف عند علماء الحديث وأولها ألا يكون شديد الضعف
ولمّا اشتُهر عليه [على ابن أبي الدنيا] من إيراد الأحاديث بأسانيدها، وفي بعض الأحيان لا يشير إلى سندها، تكلّم الشيخ [الغماري] عن جواز العمل بالحديث الضعيف، وأن علماء الحديث قد اشترطوا شروطًا ثلاثة في هذا المقام.
قال: أولها أن يكون ضعف الحديث غير شديد؛ إذن فالحديث الضعيف الذي يُؤخذ به ويُحتجّ به [هو ما] أن يكون غير شديد [الضعف].
الرد على منهج الألباني في رد جميع الأحاديث الضعيفة ومخالفته لمنهج السلف
أما من فعل مثل الأستاذ ناصر الدين الألباني بردّ جميع الأحاديث الضعيفة، فهذا ليس من منهج السلف.
فإن البخاري رضي الله تعالى عنه ألّف الصحيح الذي أصبح في الآفاق مصدرًا معتمدًا عليه عند جميع المسلمين بإجماع، وكذلك الإمام مسلم. إلا أن الإمام البخاري ألّف أيضًا الأدب المفرد، وألّف التاريخ الصغير والأوسط والكبير، وألّف في القراءة خلف الإمام، وألّف في رفع اليدين في الصلاة، وألّف في أفعال العباد، وألّف كثيرًا من المؤلفات التي أورد فيها الضعيف؛ لأن الضعيف يُؤخذ به إذا لم يكن شديد الضعف.
فلمّا جاء الأستاذ ناصر [الألباني] وكأنه رحمه الله تعالى استسهل المسألة، ففرّق السنة، فأخذ ما قَبِلَه ورفض للأمة فوائد كثيرة سار عليها السلف الصالح.
مناقشة الألباني والاحتجاج عليه بمؤلفات البخاري ومسلم وأقوال العلماء
وعندما سألناه [الألباني] وناقشناه قال: إن هذا هو مذهب البخاري، فاحتججنا عليه بتخريج البخاري للأحاديث الضعيفة في كتاب الأدب المفرد، وقرأناه على المشايخ بالأسانيد المتصلة.
فقال: مسلم كذلك، فلمسلم كتاب الوحدان وفيه أحاديث ضعيفة، بل إن مقدمة صحيحه فيها كلام، ولذلك كان الذي ينسب [الأحاديث إلى] مسلم قديمًا يقول: "أخرجه في المقدمة" حتى يميّز بين ما أخرجه في صلب الصحيح وما أخرجه في المقدمة.
قال [الألباني]: أبو شامة، فأتينا له بنصوص من أبي شامة تبيّن أنه لم يكن كذلك. قال: أبو بكر بن العربي، فأتينا له من أبي بكر بن العربي ما يقدح هذا الكلام. قال: ابن حزم، فأتينا له من المُحلّى ما يقدح في هذا الكلام.
فلم يبقَ له أحدٌ إلا نفسه، هو فعل هذا مخالفًا لجميع الأمة عبر القرون من الأئمة الأعلام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
الشرط الأول متفق عليه ومثال الضعف الشديد الذي لا يُقبل معه الحديث
وهذا الشرط [ألا يكون الضعف شديدًا] متفق عليه كما قال الحافظ العلائي والإمام التقي السبكي.
ومثال الضعف الشديد: أن يتفرّد [بالحديث] أيّ كاذب أو متّهم به، أو من فَحُشَ غلطه. فَحُشَ غلطه، فَحُشَ غلطه؛ هذه نسمّيها من أفعال السجايا.
يعني صار الفحش له سجية؛ فالفرق بين الفتح والكسر والضم في الأفعال أن الضم يُستفاد منه السجايا. تقول: كَرُمَ، أي صار الكرم له سجية. شَجُعَ، أي صارت الشجاعة له سجية. فَحُشَ، أي كثر فحشه حتى صار له سجية والعياذ بالله تعالى. أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه ونحو ذلك.
الشرط الثاني للعمل بالحديث الضعيف أن يندرج تحت أصل عام من أصول الشريعة
ثانيها: أن يكون الحديث مندرجًا تحت أصل عام من أصول الشريعة. يعني ما دام الحديث يندرج تحت أصل عام ولو كان ضعيفًا وليس شديد الضعف نأخذ به.
فعندما يأتي حديث يتكلم فيقول:
قال رسول الله ﷺ: «إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملًا أن يتقنه»
حديث ضعيف، ولكننا نأخذ به؛ لأن الإتقان مرغوب فيه في الدين. أما عدم الإتقان فهو أمر سلبي مردود حتى عند جميع العقلاء أن تُتقن عملك.
وقال تعالى:
﴿وَقُلِ ٱعْمَلُوا فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]
إذن، كل شخص يتقن عمله.
الرد على من يرفض العمل بحديث الإتقان بحجة ضعفه وبيان غفلة هذا المنهج
لا يا أخي، والله هذا حديث ضعيف، ثم ماذا بعد ذلك؟ إذن فلماذا لا نتقن العمل؟ والله لِمَ لم يقل: يا أيها الذين آمنوا أتقنوا العمل؟ آه، هذا مغفّل حقًا، إنه عمل يدل على الغفلة.
المنهج الذي سار عليه الأستاذ الألباني رحمه الله تعالى كان هكذا، يقول لك: نعم، المُذَكِّر (السبحة)، قال: حديث ضعيف، فالسُبحة بدعة!
إنا لله وإنا إليه راجعون! كيف تكون بدعة؟ كيف والسُبحة واردة عن فاطمة بنت الحسين، وواردة عن أبي هريرة، وواردة عن سعد بن أبي وقاص. وفقدان الدليل لا يعني بطلان المدلول.
ولكن ماذا نفعل وهذا هو الضجيج العالي الآن في مواقع التواصل.
نقد ظاهرة تصحيح الألباني للأحاديث وكأنه مصدر مستقل عن الأئمة المتقدمين
"صحّحه الألباني" مسألة خطيرة ليست صحيحة، لم يصحّحه العلائي ولا ابن حجر ولا غيرهما، لِمَ صحّحه الألباني حتى صار وكأنه مصدر آخر؟
حتى أن الألباني في بداية حياته كان يقول: "أخرجه البخاري وهو صحيح"، يعني صحّحه! فيصير الذي صحّحه ليس البخاري، بل الذي صحّحه الألباني! شيء يُعدّ وكأنه مهزلة.
مثال على الحديث الضعيف الذي لا يندرج تحت أصل شرعي عام كحديث إتيان البهيمة
كما إذا كان [الحديث الضعيف] يقتضي إحداث شيء ليس في قواعد الشرع ما يشهد له، كحديث ابن عباس مرفوعًا:
قال رسول الله ﷺ: «من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة» رواه أحمد والأربعة
فهذا الحديث مع ضعفه ليس في قواعد الشرع ما يشهد له، وهذه مسألة حدود ومسألة دماء، فلا نأخذ بها في هذا الحديث؛ لأنه ليس مندرجًا - بالرغم أنه ضعيف فقط - ليس مندرجًا تحت قاعدة شرعية وأصل عام يتيح له أن يتصرّف في دماء المسلمين.
الشرط الثالث للعمل بالحديث الضعيف ألا يعتقد العامل به ثبوته عن النبي
ثالثها: ألا يعتقد العامل به ثبوته عن سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه لا يقع في نسبة ما لم يقله إليه [صلى الله عليه وسلم].
يبقى أنني عندما آخذ حديث الإتقان أعمل به؛ لأن ذلك مندرجًا تحت أصول الشرع، وليس متأكدًا من نسبته لسيدنا صلى الله عليه وآله وسلم.
ذكر هذين الشرطين [الثاني والثالث] الإمامان الكبيران عز الدين بن عبد السلام وتلميذه تقي الدين ابن دقيق العيد.
أحاديث الأربعين تتعلق بشكر النعم وهو أصل شرعي ثابت بالقرآن الكريم
ولا يخفى أن أحاديث هذه الأربعين تتعلق بفضيلة من فضائل الأعمال وخصلة من سنيّ الخصال، هي شكر النعم الذي دلّت قواعد الشرع ودلائله على طلبه من عموم الناس.
وكفى دليلًا قوله تعالى:
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
فالله أمرنا بالشكر:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]
فينبغي العمل بما كان ضعيفًا من هذه الأحاديث، بل يتأكد لاستيفائه الشروط المقررة. على أن ما كان منها شديد الضعف يجب تركه عملًا بالشرط الأول المتفق عليه، والله الموفق لا رب غيره.
الحديث الأول في فضل قول ما شاء الله لا قوة إلا بالله عند النعمة
ثم يورد الحديث الأول: عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:
قال رسول الله ﷺ: «ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل أو مال أو ولد فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فيرى فيه آفة دون الموت»
يعني إذا جاءتك نعمة فقل: هذا ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وتعوّد عليها كلما أكرمك الله سبحانه وتعالى بنعمة أو آتاك من مِنّه، فقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
فإن الله يجعل ذلك حصنًا حصينًا من حولك يقيك السوء. فإذا كان الأمر كذلك فإن السوء المصروف عنك لا علاقة له بالأجل والموت، يعني يُصرف عنك كل السوء إلا الموت؛ هذا متعلق بالأجل.
والحديث له طرق تقوّيه، فهو ليس ضعيفًا جدًا، أوردها السيوطي في الدر المنثور.
الحديث الثاني في حسن جوار نعم الله وعدم الاستهانة بالنعمة
الحديث الثاني: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
دخل عليّ النبي ﷺ فرأى كسرة ملقاة فمسحها وقال: «يا عائشة، أحسني جوار نعم الله عز وجل، فإنها قلّما نفرت عن أهل بيت فكادت أن ترجع إليهم»
يعني أنه [صلى الله عليه وسلم] وجد كسرة خبز فلم يستهن بها، وكان صلى الله عليه وسلم فيما صحّ من الحديث يقول:
قال رسول الله ﷺ: «أكرموا الخبز ولا تستهينوا بنعمة الله»
ولذلك فمن يرمي الأطعمة هكذا فإنه لا يجوز، بل يجب أن نصنع على قدر ما نحتاج.
الحديث الثالث المرسل في أن الله لا يحرم الزيادة من شكر وطرقه المقوية
الحديث الثالث: حدّثنا أبو زهير يحيى بن عطارد القرشي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذا [كان] أبو يحيى لم يكن صحابيًا فهذا حديث مرسل، يعني التابعي يقول: قال رسول الله -:
قال رسول الله ﷺ: «لا يرزق الله عز وجل عبدًا الشكر فيحرمه الزيادة؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]»
قال الشيخ [الغماري]: هذا مرسل لكن له طرق تقوّيه، منها عن ابن مسعود مرفوعًا:
«من أُعطيَ الشكر لم يُحرم الزيادة؛ لأن الله يقول: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]، ومن أُعطيَ التوبة لم يُحرم القبول؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: 25]»
إذن فنشكر كلما جاءت النعم؛ لأن الله سبحانه وتعالى وعدنا أن يزيدنا منها إن نحن شكرنا.
الحديث الرابع المرسل في حمد الله على نعمة الإسلام العظيمة
الحديث الرابع: عن الحسن [البصري] قال: سمع نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلًا يقول: الحمد لله بالإسلام، فقال:
قال رسول الله ﷺ: «إنك لتحمد الله على نعمة عظيمة»
قال الشيخ [الغماري]: هذا مرسل وفي إسناده ضعف. يعني سيدنا الحسن [البصري] توفي النبي وهو صغير، ولذلك فهو مرسل أيضًا؛ لأن الحسن يروي عن النبي أحاديث كأنه رآه أو أمسك به أو نحو ذلك، لكن ليس هكذا، فهو سمعه من الصحابة.
سمع النبيُّ رجلًا قال: الحمد لله بالإسلام - يعني على الإسلام - فقال: إنك لتحمد الله على نعمة عظيمة.
وكانت الصحابة [يقولون]: لم يمنّ الله علينا بعد نعمة الإسلام إلا كذا وكذا، فكانت نعمة الإسلام بالنسبة لهم هي مفتاح كل خير ومغلاق كل شر.
الحديث الخامس الصحيح في دعاء النبي بعد الطعام وحمد الله على نعمه
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في هذا الحديث الخامس قال: دعا رجلٌ من الأنصار من أهل قباء النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فانطلقنا معه - أي دعاه إلى وجبة الغداء أو العشاء، أي إلى طعام - فانطلقنا معه، ذهبوا مع النبي.
فلمّا انتهى من الطعام وغسل يده - أو قال يديه - انتهوا من الأكل وغسلوا أيديهم، قال سيدنا [رسول الله ﷺ]:
«الحمد لله الذي يُطعِم ولا يُطعَم، مَنَّ علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا وكُلًّا وبالإحسان اتلانا»
"اتلانا" يعني أردفنا وتابعنا، أعطانا نعمة بعد نعمة.
«الحمد لله غير مُوَدَّع ربي ولا مكافئًا ولا مكفور ولا مستغنًى عنه، الحمد لله الذي أطعم من الطعام وسقى من الشراب وكسا من العُري وهدى من الضلالة وبصَّر من العمى وفضّلنا على كثير ممن خلقه تفضيلًا، والحمد لله رب العالمين»
قلت [قال الشيخ الغماري]: إسناده صحيح. يقول الشيخ أن هذا الحديث إسناده صحيح.
الحديث السادس في الاستعاذة من زوال النعمة وفجأة النقمة وتحول العافية
الحديث السادس: عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول:
«اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك، وتحوّل عافيتك، وجميع سخطك»
قال الشيخ [الغماري]: وإسناده صحيح.
الحديث السابع في أن النعم تأخذ حقها من حسنات العبد يوم القيامة إن لم يشكرها
الحديث السابع: عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:
قال رسول الله ﷺ: «يُؤتى بالنعم يوم القيامة والحسنات والسيئات، فيقول الله عز وجل لنعمة من نعمه: خذي حقك من حسناته، فما تترك له حسنة إلا ذهبت بها»
قلت [قال الشيخ الغماري]: إسناده ضعيف.
هذا الحديث معناه أن النعمة التي لا تُشكر عليها تغضب منك. ففي يوم القيامة يجسّد الله المعاني، كأن يقول سيدنا علي [رضي الله عنه]: لو كان الفقر رجلًا لقتلته، لكن الفقر ليس رجلًا.
فيجسّد [الله] هذه المعاني، فيجعل النعمة مجسّدة، والسيئة مجسّدة، والحسنة مجسّدة في صورة تراها لا تعيشها، إنما تراها. فيقول للنعمة: خذي حقك منه؛ لأنك أتيتِ إليه وأخذكِ ولم يوفِ المقابل وهو الشكر.
الحديث الثامن في أن إعطاء الله للعاصين ليس رضا بل استدراج
الحديث الثامن: عن عقبة بن عامر [رضي الله عنه] قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «إذا رأيت الله عز وجل يعطي العباد ما يشاءون على معاصيهم إياه، فذلك استدراج منه لهم»
قلت [قال الشيخ الغماري]: إسناده حسن.
يعني إذا أحيانًا نرى الفاسق والباغي والطاغي ربنا يرزقه بسعة، فتقول: هل هذا علامة رضا؟ ليست النعم علامة رضا، إنما النعم علامة فضل من الله وحجة من الله على عباده.
الحديث التاسع في أربع خصال من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة
الحديث التاسع: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
قال رسول الله ﷺ: «أربع من أُعطيهن فقد أُعطي خير الدنيا والآخرة: قلب شاكر، ولسان ذاكر، وبدنٌ على البلاء صابر، وزوجة لا تبغيه خونًا في نفسها ولا ماله»
فإذا رزق الله الإنسان هذه الأربع فقد حاز الدنيا والآخرة؛ لأن القلب الشاكر واللسان الذاكر من موجبات الجنة، ولأن البدن الصابر والزوجة الصالحة من موجبات الدنيا والآخرة.
الحديث العاشر في أهمية شكر الله عند السؤال عن الحال وأثره في دعاء النبي
الحديث العاشر: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أن رجلًا كان يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيسلّم عليه، فيقول النبي: كيف أصبحت؟ فيقول الرجل: إليك أحمد الله، أو أحمد الله إليك - يعني الحمد لله - فكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو له: ربنا يفتح عليك، ربنا يغفر لك، ربنا كذا إلى آخره.
فجاء يومًا فقال له النبي: كيف أنت يا فلان؟ قال: بخير إن شكرت. فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال الرجل: يا رسول الله، كنت تسألني فتدعو لي، وإنك سألتني اليوم فلم تدعُ لي. قال [النبي ﷺ]:
«إني كنت أسألك فتشكر الله، وإني سألتك اليوم فشككت في الشكر»
يعني الرجل قال: بخير إن شكرت. حسنًا، أنت شكرت أم لم تشكر؟ لا نعرف، على الشك. هكذا كان يقول [سابقًا]: ماذا؟ أحمد الله إليك، خلاص شكر، ها هو. وهذه [المرة] لا، "بخير إن شكرت"، قال له: طيب خلاص.
عندما تصبح تشكر، إذن ففي كل مرة كان يدعو له إلا في هذه المرة.
قال الشيخ [الغماري]: هذا مرسل صحيح الإسناد، والله تعالى أعلى وأعلم.
