الأربعون الغمارية في شكر النعم | المجلس الثاني | أ.د علي جمعة
- •استمرار للأربعين الجمارية، يشرح الحديث الحادي عشر أن العبد إذا علم أن النعمة من الله كُتب له شكرها، وإذا ندم على ذنبه غُفر له قبل استغفاره.
- •الأحاديث تدور حول رؤية أثر نعمة الله على العبد، حيث أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده في مظهره ومأكله ومشربه.
- •من أُعطي خيراً فظهر عليه سُمي حبيب الله محدثاً بنعمة الله.
- •التحدث بالنعم شكر وتركها كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.
- •سورة الرحمن تذكر الجن تقول عند "فبأي آلاء ربكما تكذبان": "ولا بشيء من نعمة ربنا نكذب".
- •النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم لله حتى تورمت قدماه، وعندما سُئل عن ذلك قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً؟".
- •من لبس ثوباً جديداً وحمد الله وتصدق بثوبه القديم على مسكين لم يزل في جوار الله وفي كنفه حياً وميتاً.
مقدمة المجلس الثاني من الأربعين الغمارية والحديث الحادي عشر عن شكر النعمة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
استمرارًا في الأربعين الغمارية التي ذكرنا في المجلس الأول عشرة أحاديث منها، نتلو الحديث الحادي عشر، وهو عن عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
«ما أنعم الله على عبدٍ نعمةً فعلم أنها من عند الله إلا كتب له شكرها، وما علم الله من عبدٍ ندامةً على ذنبٍ إلا غفر له قبل أن يستغفره، وإن الرجل ليشتري الثوب بالدينار فيلبسه فيحمد الله، فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر له»
وهو حديث فيه ضعف.
بيان عظيم فضل الله في قبول الشكر والتوبة من العبد
فهذا الحديث يبين عميم فضل ربنا سبحانه وتعالى علينا، وأنه ينظر إلى ما في القلوب، وأن العبد إذا شكر أو تاب بادره ربنا سبحانه وتعالى بالثواب، وبادره بقبول التوبة. فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين.
الحديث الثاني عشر في فضل التوكل على الله وضمان الرزق للعبد المتعبد
الحديث الثاني عشر: وهو عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
«ما من عبدٍ توكل بعبادة الله إلا غُرِّمَ السماوات والأرض»
أي رزقه السماوات والأرض، غُرِّمَ: أي وفّر له رزقه، فجعله في يدي بني آدم يعملونه حتى يدفعوه إليه. فإن قَبِلَه أوجب عليه الشكر، وإن أباه وجد الغنيُّ الحميدُ عبادًا فقراء يأخذون رزقه ويشكرون له.
الشيخ عبد ربه الفلسطيني وشيخه لا يُعرفان، فهو حديث إسناده ضعيف.
الحديث الثالث عشر في استحباب إظهار أثر نعمة الله على العبد في لباسه
الحديث الثالث عشر: عن عمران بن ملحان قال: خرج علينا عمران بن حصين رضي الله عنه وعليه مِطرف خَزٍّ - يعني ثوب معين من حرير - لم نرهُ عليه قبل ذلك ولا بعده، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
«إذا أنعم الله على عبدٍ نعمةً أحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده»
قال الشيخ: رجال إسناده ثقات. ولبس الرجل للحرير محل خلاف منذ عهد الصحابة، والجمهور [جمهور العلماء] على حرمته.
الحديث الرابع عشر في الأمر بالأكل والشرب والتصدق من غير إسراف ولا مخيلة
الحديث الرابع عشر: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
«كلوا واشربوا وتصدقوا في غير مخيلة ولا سَرَف؛ فإن الله عز وجل يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»
قال الشيخ: رجال الإسناد ثقات على كلام في بعضهم لا يضر، والحديث علّقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم، يعني قال: قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم].
لكن لو قال: "رُوِيَ"، ففيه كلام؛ فمنه الصحيح ومنه ما دون ذلك، بل ومنه الضعيف؛ لأنه لم يُسنده. الإمام البخاري لم يورد لهذا الحديث إسنادًا، لكن ذكره في الصحيح.
الحديث الخامس عشر في أمر النبي بإظهار النعمة لمن أنعم الله عليه بالمال
الحديث الخامس عشر: عن عوف بن مالك بن نضلة عن أبيه مالك بن نضلة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا قَشِف الهيئة - يعني رثّ الثياب، هيئته غير مضبوطة، فعليها ملامح الفقر -.
فقال [النبي صلى الله عليه وسلم]: هل لك من مال؟ كان رسول الله رحيمًا بأصحابه فسأله: هل لك من مال؟ قلت: نعم. قال: من أي المال؟ وكان المال يُطلق ويُعنى به ليس فقط النقود ووسائل الأموال، بل الماشية من المال، والزروع من المال، والعقارات من المال، وهكذا.
فقال: من أي المال؟ قلت: من كل المال، يعني معه نقود ومعه ماشية ومعه بساتين وزرع وثمار، والحمد لله كل شيء. قال له: كل شيء موجود يا رسول الله.
أمر النبي بإظهار أثر النعمة على الهيئة وعدم التقشف مع الغنى
قد آتاني الله من الإبل - وهذا هو المال، وها هو سيُفسَّر - وها هي الخيل والرقيق والغنم. قال صلى الله عليه وسلم:
«فإذا آتاك الله مالًا فلْيُرَ عليك»
يعني أنت لماذا ترتدي هكذا؟ جئته في قَشَفٍ من الثياب. احفظ إذن كلمة "قَشَف" هذه، فهي لغة عربية قديمة، قَشَف من الثياب يعني متقشف، أي مثل المتواضع الذي يُظهر للناس أنه فقير.
ولذلك كان الصحابة الكرام إذا أنعم الله عليهم بشيء أحبوا أن يُظهروه أمام الناس حتى يتعرض الفقير إليهم. فالفقير أول ما يرى صاحب هيئة قادمًا نحوه هكذا، يقول: نعم، هذا هو الذي سيحل لي مشكلتي، فيذهب إليه. لا يخاف بنفسه من الناس، هذا يتصدر للناس.
قال الشيخ: رجال إسناده ثقات.
الحديث السادس عشر في أن الله يحب أن يرى أثر نعمته في المأكل والمشرب
الحديث السادس عشر: حدثنا علي بن شعيب، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز - هو ابن أبي رواد - عن ابن جريج عن علي بن زيد بن جدعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربه»
عندما تعزم أي شخص قم بإحضار شيء جيد، ليرى أثر نعمته في مأكله وفي مشربه؛ لأن إكرام الضيف من الإيمان.
حدود الإسراف في الأكل والشرب وضوابطه الشرعية
وربنا يقول:
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
حد الإسراف أن تأكل ما يُسمنك فيُعطلك؛ أن تأكل ما يُسمنك بدلًا من أن تكون سبعين كيلو تصبح تسعين كيلو ولا تستطيع الحراك. هذا هو حد الإسراف: أكل كثير طوال اليوم والليل حتى البطن - الكرش - اثنان متر، يصبح هذا ماذا؟ فيه إسراف.
حكم الحديث الضعيف إذا تأيد بالقرآن والأحاديث الأخرى وعدم رده
الحديث هذا الذي قاله أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربه، قلت: هذا مرسل في إسناده ضعف، لكنه يتأيد بالأحاديث قبلها.
انظروا هذا كلام العلماء؛ إنما في كلام آخر: "ضعيف موضوع ارمِه"، ما هذه؟ لم تعش الأمة في هذه الفترة من حياتها أبدًا - هذا كلام أهل الله وأهل السلف الصالح وأهل الديانة - إنما ليس كذلك، وإلا فقد ذهب على الأمة خير كثير.
حسنًا، إنه حديث ضعيف وكل شيء، لكنه يدعو إلى ما يدعو إليه القرآن:
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]
أي ما الذي خرج؟ يعني خرج من إطار الشريعة؟ لم يخرج من إطار الشريعة. ألم يكن يكفينا القرآن؟ يكفينا القرآن، فعندما تأتي هذه الأحاديث لا تردها، خاصة إذا رددتها فرددت معها معناها تكون مصيبة، فنكون قد جمعنا بين المصيبتين.
الحديث السابع عشر في فضل من أُعطي خيراً فظهر عليه وسُمي حبيب الله
الحديث السابع عشر: حدثني سويد بن سعيد، حدثني عبد الله بن يزيد المقري عن أبي معمر عن بكر بن عبد الله يرفعه. يكون إذن هذا مرسلًا عن بكر بن عبد الله؛ لم يكن من الصحابة. "يرفعه" يعني ينسبه إلى سيدنا النبي [صلى الله عليه وسلم]، فيكون هناك صحابي مفقود من السند، فيكون مرسلًا.
والمرسل منه [ما سقط منه] الصحابي سقط، وقلّ غريب ما روى راوٍ فقط، فأي شخص يسقط منه الصحابي يصبح اسمه مرسل.
«من أُعطي خيرًا فرُؤي عليه، سُمي حبيب الله محدَّثًا بنعمة الله»
في السماء يسمونه ماذا؟ هذا حبيب الله.
معنى تسمية العبد الشاكر حبيب الله من جهتي النعمة والشكر
هذا هو [حبيب الله]؛ لأن الله عندما وهبه ومنحه تلك المنة والفضل والنعمة، حمد الله، فيصبح حبيب الله. لماذا؟ لأنه عندما أعطاه فهو يحبه، لكن قد يكون يحبه من الناحية الكونية أنه من خلقته وصنعته كما يرزق الكافر.
فعندما وفقه لحمده فإنه يحبه مرة أخرى؛ لأنه وفقه للطاعة. فيصبح هذا حبيب الله من الجهتين: ذهابًا وإيابًا؛ النعمة وهي نازلة، والشكر وهو صاعد من هذا الإنسان، فيصبح هو حبيب الله.
قلت: هذا مرسل أيضًا، وسويد بن سعيد مختلف فيه.
قصة غضب يحيى بن معين من سويد بن سعيد بسبب حديث من عشق فعفّ
هو [الشيخ الغماري] قال: "مختلف فيه" إشارة للرد على الإمام يحيى بن معين عندما قال لحديث رواه سويد: لو كان معي فرس ورمح لغزوت بهما سعيدًا.
يغزو سعيدًا لماذا؟ هل سيقتله؟ بالطبع هذه كناية وليست حقيقة، إنما هي كناية تعبر عن غضب سيدنا يحيى بن معين من سيدنا سويد بن سعيد. هم كلهم سادتنا، ولكن هذا كان غاضبًا من هذا.
ماذا فعل سويد بن سعيد؟ الواقعة هذه أنه روى حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر فيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«من عشق فعفّ فكتم فمات، مات شهيدًا»
في السند بعد ذلك كان كله صحيحًا، فيحيى قال ماذا؟ قال: هذا عمل سويد، هذا جاء من أين؟ من سويد؛ لأنه شيخ سويد في السند وشيخ شيخه وشيخ شيخه كلهم جيدون طيبون ثقات. إذن من أين جاء هذا الكلام؟ يتبين أنه هو [سويد].
تحقيق الشيخ أحمد بن الصديق لحديث من عشق فعفّ وتبرئة سويد بن سعيد
فلما جاء سيدنا الشيخ أحمد بن الصديق [الغماري]؛ ذلك لأن هذا الحديث مهم لأنه يُظهر للناس أن الإسلام ليس ضد الحب، وإنما الإسلام ضد التفاهة وقلة التدين والأدب.
في الإسلام يحدث الحب، ما يحدث [أي لا مانع]، لكن لا تتجاوز به إلى أن ترتكب حرامًا ومخالفة ومعصية عند الله.
«من عشق فعفّ فكتم فمات، مات شهيدًا»
فيكون إذن هناك احترام لأعمال القلوب. فذهب الشيخ أحمد فبحث فوجد أنه قد رُوي من تسع طرق سوى طريق سويد، تسع طرق ليس فيها سويد. فيكون سويد بريئًا، ويكون أنهم ضعّفوه لأجل من؟ لأجل سويد.
حسنًا، سويد بريء، فيكون الحديث قويًا، وألّف كتابًا أسماه "درء الضعف عن حديث من عشق فعفّ"، ومال إلى تحسين الحديث وأنه مقبول غير مرفوض.
الحديث الثامن عشر في أن التحدث بالنعم شكر وتركها كفران
الحديث الثامن عشر: عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه - والنعمان بن بشير هذا من الصحابة الكبار - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«التحدث بالنعم شكر»
يعني عندما تقول: والله ربنا له فضل كبير عليّ، لقد صنع لي وصنع لي وصنع لي، فهذا شكر. يعني ليس ضروريًا أن يكون الشكر محصورًا في كلمة "الحمد لله" أو "الشكر لله"، حتى التحدث بالنعمة وإظهار أن هذا من عند الله وبفضل الله، وكما قال تعالى:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]
يُعد هذا أيضًا شكرًا. فالتحدث بالنعم شكر، وتركها كفر.
بيان أن الكفر في الحديث كفران نعمة لا كفر ملة وأنواع الكفر الثلاثة
والكفر هنا ليس كفرًا مخرجًا عن الملة كما يفهمه الدواعش، بل عن كفر بمعنى كفران العشير وكفران النعمة.
في [الشريعة] ثلاثة أنواع [من الكفر]:
- كفر الملة [وهو الخروج من الإسلام].
- كفر العشير [وهو جحود فضل الزوج أو القريب].
- كفر النعمة [وهو عدم شكر نعم الله].
فهذا من قبيل كفر النعمة.
حديث النبي في نصح النساء بعدم كفران العشير وبيان المراد منه
وعندما دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لينصح النساء فقال:
«وتكفرن»
فقلن: أنكفر بالله يا رسول الله؟ يعني: أكثر النساء يكفرن بالله؟ قال: لا، بل يكفرن العشير. فيكون الكفر هنا ليس كفرًا بالله، بل كفر العشير.
وكفر العشير هذا معناه أنه يأمرهن ألا يكفرن العشير، فيكون هنا خبر أُريد به الإنشاء، كقوله تعالى:
﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: 97]
أي آمِنوا من دخل فيه. الذي يدخل البيت الحرام نؤمّنه حتى لو كان مجرمًا هاربًا، خلاص، الشرطة تقف عند بوابة الحرم لا يدخل أحد حتى يخرج الآخر.
معنى الخبر المراد به الإنشاء في آية ومن دخله كان آمناً
﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: 97]، حسنًا، افترض أن الشاب بالداخل يرتعش، فهذا يعني أنه ليس آمنًا. قالوا: نعم، فهذا ليس خبرًا، بل هو خبر أُريد به الأمر والإنشاء.
معناه ليس أن من يدخل يزول خوفه، بل من يدخل أمِّنوه ولا تمسوه بسوء.
يقول [النبي صلى الله عليه وسلم] للنساء: "وتكفرن العشير" أي إياكن أن تكفرن العشير، لا تفعلن هذه الخصلة.
مثال عملي على كفران العشير في الحياة الزوجية ونصيحة النبي بسعة الصدر
لأنه من الممكن أن المرأة وهي توازن بين أمور بيتها وأولادها ونفسها أن تفعل هكذا: أحضر يا سيد اثنين كيلو سمك معك من أجل الغداء، فيقوم هو وينسى ولا يرضى أن يجلب السمك.
فتقول له: والله ما رأيت منك يومًا جيدًا أبدًا، يعني ألن نتناول الغداء اليوم؟ أم ماذا سنفعل؟ ألم أقل لك أن تحضر معك اثنين كيلو من السمك؟
فمسكينة، التوفيق بين احتياجات المنزل والأولاد ورغبات الزوج هذا الذي نسي، وصاحبنا لأنه منشغل وفي عالمه الخاص نسي إحضار السمك. فتقول له: ماذا رأيت منك خيرًا قط؟ أنت طوال عمرك تتعبني هكذا!
فالنبي [صلى الله عليه وسلم] يقول لها: لا، وسّعي صدرك، اصبري على أبا حسين، هذا هو الذي نسي السمك، ودعها تمشي جميلة، تأكلوا جبنًا اليوم والسمك غدًا، قم!
يعني كانوا يعلموننا جميعًا سعة الصدر والحلاوة في المعيشة.
المودة والرحمة بين الزوجين وتحذير النبي من المهاترات وكفران العشير
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]
﴿لِّتَسْكُنُوٓا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]، لا خصامًا ولا كفران عشير.
لأنه عندما يقول الرجل لها: بعد كل الذي فعلت، ونبدأ في المهاترات: كل الذي فعلته لأجلك، فتقول له: ماذا فعلت أنت؟ وسندخل في تسلسل لا ينتهي. فقطع هذا التسلسل.
والمقصود: لا تكفرن العشير، وليس "وتكفرن العشير" يعني هم جنسهم هكذا. لا، وإنما يرشدهم أن في حياتكم الدنيا وأنتم أثناء المواءمات لا تنسوا وتقلبوها نكدًا وتجعلوها كفران عشير.
تتمة الحديث الثامن عشر في شكر القليل وشكر الناس وضعف إسناده
نصيحة نبوية:
«من أُعطي خيرًا فرُئي عليه سُمي حبيبًا»
لا، نحن قد انتهينا منها. حسنًا:
«التحدث بالنعم شكر وتركها كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير»
وهذه تميّز بها المسلمون أنهم كلما يعملون شيئًا ولو كان قليلًا يقولون: جزاك الله خيرًا، شكرًا، الحمد لله، وهكذا.
«ومَن لا يشكر الناس لا يشكر الله، والجماعة بركة والفرقة عذاب»
فينبغي دائمًا أن نجمع أنفسنا. ثم قيل إن الشيخ عمر بن إسماعيل - وهو أحد رواة السند - متروك، فيصير كأن كل جزء بسند صحيح، ولكن هذه التركيبة هي التي جاءت إلينا عن عمر بن إسماعيل.
الحديث التاسع عشر في عتاب النبي لأصحابه لعدم الرد كما ردت الجن عند سماع سورة الرحمن
الحديث التاسع عشر: عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن أو قُرئت عنده فقال:
ما لي أسمع الجن خيرًا منكم جوابًا لربها؟ ما أتيت على قول الله وجل:
﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 13]
إلا قالت الجن: ولا بشيء من نعمة ربنا نكذب.
قال [النبي صلى الله عليه وسلم] لهم: أنتم لماذا لا تفعلون مثلما تفعل الجن أثناء قراءتكم لهذه السورة؟ كل مرة ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، قوم الجن تقول ماذا؟ ولا بشيء من نعمة ربنا نكذب، يعني يقولون: لا، لسنا نحن سائرون هكذا، لا نكذب ولا بشيء من نعمة ربنا نكذب.
فكأنه ينصحنا أن نفعل مثل صالح الجن، فكلما نسمع هذه السورة - سورة الرحمن - وفي المرات المتكررة دائمًا نقول ماذا؟ ولا بشيء من نعمة ربنا نكذب.
حكم إسناد حديث ابن عمر في سورة الرحمن وكلام ابن حجر في عمرو بن سعيد
قلت: رجال الإسناد ثقات إلا عمرو بن سعيد بن العاص فلم أرَ فيه توثيقًا، بل رأيت في التقريب - يعني [تقريب التهذيب] لابن حجر - أنه كان مُسرفًا على نفسه.
وهذه كلمة قد لا تقدح في التوثيق، لكنها كلمة سلبية؛ أنه كان مُسرفًا على نفسه، تُقال عندما ينسى الإنسان نفسه ويرتكب بعض المعاصي.
الحديث العشرون عن جابر في عتاب النبي لأصحابه عند قراءة سورة الرحمن
الحديث العشرون: عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما - وهو الأنصاري - قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سورة الرحمن على أصحابه، وقال حين فرغ منها:
ما لي أراكم سكوتًا؟ لقد كان الجن أحسن منكم ردًا. ما قرأت عليهم في مرة:
﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 13]
إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب. قال: ولا أعلمه إلا قال: فلك الحمد.
قلت: رجال إسناده ثقات إلا أن الوليد بن مسلم شديد التدليس عن الضعفاء وغيرهم، ولم يصرح هنا بالسماع.
الحديث الحادي والعشرون في دعاء النبي عند شرب الماء وبيان إرساله
الحديث الحادي والعشرون: عن أبي جعفر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا شرب الماء قال:
«الحمد لله الذي جعله عذبًا فراتًا برحمته ولم يجعله ملحًا أجاجًا بذنوبنا»
أبو جعفر هو سيدنا محمد الباقر بن علي زين العابدين ابن سيدنا الحسين ابن سيدنا علي بن أبي طالب عليه وعلى آبائه وأبنائه السلام.
ومحمد الباقر سُمي بأبي جعفر أو كُني بأبي جعفر لأن ولده كان هو جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وهذا يقول الشيخ: قلت هذا مرسل.
بيان إرسال حديث أبي جعفر الباقر وعدم رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم
وهو مرسل باعتبار الظاهر. قال أبو جعفر، أبو جعفر لم يرَ النبي [صلى الله عليه وسلم]. أبو جعفر من رجال البخاري، أخرج له البخاري أكثر من عشر أحاديث، إحدى عشرة أو ثلاث عشرة.
أبو جعفر محمد الباقر لم يرَ النبي، ابن زين العابدين لم يرَ النبي، ابن الحسين رأى النبي صغيرًا طفلًا. فإذن لا هو ولا أبوه ولا جده يستطيعون الرواية عن النبي [صلى الله عليه وسلم].
فيكون إذن السند فيه سقط، أو فيه الصحابي غير مذكور والذي بعده غير مذكور، فهو باعتبار الصنعة [الحديثية] مرسل.
سلسلة الذهب في رواية أهل البيت وكيفية وصل السند المرسل عندهم
لكن هناك كلام تحدث عنه هؤلاء الأكابر [من أهل البيت] يصل السند. قالوا: كل ما حدثناكم به عن رسول الله فهو عن آبائنا عن رسول الله.
إذن يكون جعفر الصادق إذا قال: قال رسول الله، يعني حدثني أبي محمد، قال: حدثني علي زين العابدين، قال: حدثني أبي الحسين، قال: حدثني أبي علي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول. فيكون إذن السند موصولًا دائمًا عندما يتناقله الناس.
هذه تقول إنه كان السند موصولًا، هذا باعتبار الحقيقة. لكن باعتبار الظاهر، نعم سأحكم عليه بالإرسال، والمرسل هو ما سقط منه الصحابي.
تصحيح الحديث المرسل بسلسلة الذهب من رواية أئمة أهل البيت
إذا انتبهت إلى هذه النقطة، فإنه يمكنني تصحيح هذا الحديث بالرواية الثانية التي تقول: كل ما ذكرناه لكم معشر المسلمين مما فعله رسول الله فعن آبائنا عن رسول [الله صلى الله عليه وسلم].
طيب، هذه سلسلة الذهب، ماذا؟ جعفر عن محمد عن علي عن الحسين عن سيد [الخلق رسول] الله! الله! هؤلاء الأئمة الكبار من أهل البيت رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
الحديث الثاني والعشرون في قيام النبي حتى تورمت قدماه شكراً لله تعالى
الحديث الثاني والعشرون: عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى تورمت قدماه؛ لأن الإنسان إذا طال وقوفه ستجد رجله تورمت وانتفخت قدماه.
فقيل له: يا نبي الله - وفي رواية أن القائل عائشة [رضي الله عنها] -:
أتتكلف هذا وقد غفر لك؟ فماذا سيفعل الذي لم يُغفر له؟ أتتكلف هذا وقد غفر لك؟ فقال:
«أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»
قلت: هذا حديث صحيح رواه البخاري ومسلم.
الحديث الثالث والعشرون في دعاء عمر بن الخطاب عند لبس الثوب الجديد
الحديث الثالث والعشرون: أن عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] لبس قميصًا، فلما بلغ ترقوته - الترقوة التي هي هذه [العظمة التي تحت الرقبة] يعني - وهو يلبس هكذا، أدخل رأسه ولمّا وصل إلى كتفيه قال:
«الحمد لله الذي كساني»
أول ما أدخل رأسه هكذا وهو في هذه الفتحة التي تسمى الجيب، أدخل رأسه وقال:
«الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي»
ثم مدّ يده فنظر إلى كل شيء يزيد على بدنه فقطعه [أي قصّ الزائد من الثوب].
حديث النبي في فضل من لبس ثوباً جديداً فحمد الله وكسا القديم مسكيناً
ثم أنشأ [عمر رضي الله عنه] يحدث قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
«من لبس ثوبًا - أحسبه قال - جديدًا فقال حين يبلغ ترقوته - أو قال - قبل ذلك، ثم عمد إلى ثوبه القديم فكساه مسكينًا، لم يزل في جوار الله وفي كنف الله حيًا وميتًا، حيًا وميتًا، حيًا وميتًا» ثلاثًا، «ما بقي من الثوب شَلْوٌ»
قال ياسين: قلت لعبيد الله: من أي الثوبين؟ قال: لا أدري.
قلت: إسناده ضعيف. هذا حديث رواه البيهقي.
شرح فعل عمر بن الخطاب في تعديل ثوبه وحمد الله عند لبسه
فسيدنا عمر [رضي الله عنه] لما الجلباب دخلتُ [يده] إلى الترقوة - هذه العظمة هذه التي تحت الرقبة - قال:
«الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي»
وروى هذا الحديث أنه مدّ يده فوجد الثوب كبيرًا عليه، فأحضر المقص وقص قطعة من الكُمّ وقطعة من الكُمّ هنا، ووجدها طويلة من الأسفل فقص قطعة من الذيل حتى يضبط منها هيئته. أي المصريون يقولون ماذا؟ هيئة من المظهر، يعني ضبط هذا الشيء وهو الثوب عليه.
فضل حمد الله عند لبس الثوب الجديد وإعطاء القديم للمسكين واستمرار الثواب
ثم ذكر [عمر رضي الله عنه] الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أن الذي يفعل هكذا قبل أن يصل إلى ترقوته يحمد ربنا، هناك الحديث الذي ذكرناه أنه سيكون شيئًا آخر عند الله سبحانه وتعالى.
فإنه يحمد الله سبحانه وتعالى ويذهب إلى الثوب القديم الذي سيستغني عنه ويعطيه لشخص مسكين يستر به عوراته ويتجمل به للحياة الدنيا، فإنه لا يزال في بحبوحة ورحمة وبجوار الله حتى يبلى الثوب.
فالرجل التابعي يسأله قائلًا له: أي ثوب، الجديد أم القديم؟ قال له: والله إنني لا أعرف الاثنين؛ لأن المشترك يعم.
استمرار الثواب ما دام الثوب باقياً حتى آخر قطعة منه والختام
ما دام هناك فائدة، نعم، ثوب بعد ثوب، سواء الثوب القديم أو الثوب الجديد، حتى يصبح منه قطعة صغيرة، أي يتبقى منه قطعة قماش صغيرة هكذا؛ لأنه يمكن استخدامها للتنظيف ونعمل بها وننظف بها الأشياء وما شابه.
وهكذا يظل الثواب مستمرًا حتى هذه [القطعة الأخيرة].
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
