والله أعلم | الدكتور علي جمعة يتحدث عن الأحاديث القدسية وحقيقة الكذب على رسول الله | الحلقة الكاملة
- •الحديث القدسي هو ما نسبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى، ومعناه من عند الله ولفظه من عند النبي.
- •بلغت الأحاديث القدسية حوالي ألف وخمسمائة حديث، لكن الصحيح منها لا يزيد عن مائتي حديث.
- •يختلف الحديث القدسي عن القرآن الكريم الذي لفظه ومعناه من عند الله، ويختلف عن الحديث النبوي الذي لفظه ومعناه من عند النبي.
- •الأحاديث النبوية بلغت حوالي ستين ألف حديث، منها ثلاثون ألفاً في الكتب العشرة المشهورة.
- •نحو 97% من الأحاديث تتناول موضوعات الأخلاق والتزكية المرتبطة بالعقيدة، والباقي يتعلق بالأحكام الشرعية.
- •الأحاديث تنقسم إلى مقبول ومردود، والمقبول يشمل الصحيح والحسن والضعيف.
- •الأحاديث القدسية تتميز بأنها تتحدث عن إخلاص العبادة لله والتوحيد وتزكية النفس.
- •تمتاز الأمة الإسلامية بمنهج فريد في توثيق السنة النبوية عبر واحد وعشرين علماً لخدمة هذا التوثيق.
مقدمة البرنامج والترحيب بالشيخ علي جمعة وموضوع الأحاديث القدسية
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، باسمك اللهم نمضي على طريقك، فثبت اللهم أقدامنا على طريقك، وما أجمل أن نستفتح بها كل حياتنا، اللهم ارزقنا أسرارها وبركاتها دائمًا ودومًا.
أهلًا بكم في والله أعلم لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. نواصل هذه القراءة المتأنية في منهجه الإصلاحي ليجيبنا دائمًا على أسئلة التجديد والإصلاح.
في هذه الحلقة سوف نناقش كل الأسئلة المتعلقة بالأحاديث القدسية، وما الفرق بينها وبين الحديث النبوي، وما الفرق بينها وبين القرآن الكريم؟ مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم وكل عام وأنتم في أفضل صحة وسعادة وهناء.
أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا مولانا الإمام.
تعريف الحديث القدسي والفرق بينه وبين الحديث النبوي في الرواية
[المذيع]: يعني مفهوم الحديث القدسي ما معناه؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. عندما جاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجدنا أنها على نوعين:
يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوع الأغلب الأكثر كذا، يعني هو نفسه يتكلم عن نفسه:
قال النبي ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان»
مثلًا:
«ثلاث من كن فيه فهو منافق خالص»
النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم:
«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»
«الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
وهذا هو أغلب ما رُوي عن سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولما عددناه وجدنا أنه باختلاف الروايات وصلت إلى ستين ألف حديث أو نحو ذلك، يعني يمكن أقل قليلًا.
النوع الثاني من الأحاديث وهو الحديث القدسي المنسوب إلى الله تعالى
وبعد ذلك وجدنا نوعًا آخر من الصياغات يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصدر الكلام: قال الله تعالى، أو قال ربنا، أو يقول الله، ثم يأتي بكلام.
منها مثلًا يقول: عبدي في بداية الحديث، هكذا: قال الله تعالى: عبدي إذا... فالنبي لم يقل للآخرين "عبدي"، إنما يقول لهم: قال الله تعالى:
«عبدي أطعني تكن عبدًا ربانيًا»
مثلًا. يعني لما عددنا هذه الأحاديث [القدسية] طلعت حوالي ألف وخمسمائة حديث.
تمحيص الأحاديث القدسية وتمييز الصحيح من الضعيف منها
وبعد ذلك أتينا لنفرزها، ونفرزها يعني ماذا؟ يعني ننظر في الصحيح من الضعيف ومن كذا إلى آخره، فوجدنا أن الصحيح منها لا يزيد عن مائتي حديث من ألف وخمسمائة إلى مائتي حديث، مائتي حديث، أرأيت؟
الباقي في بعض الأحيان يكون معناه صحيحًا، المعنى صحيح، ولكن السند ليس صحيحًا. فعندما يأتي حديث مثلًا ويقول:
«قال الله: كنت كنزًا مخفيًا فأردت أن أُعرف فخلقت الخلائق»
وما إلى ذلك؟ عندما نذهب ونبحث عن "كنت كنزًا مخفيًا" هذه، نجده ضعيف السند وليس صحيحًا، مثل هذه الأحاديث الأخرى.
الكتب الستة والعشرة الكبرى التي تضم دواوين الإسلام في الحديث
ولكن الأحاديث المائتين نجدها في الكتب الستة المشهورة التي هي دواوين الإسلام الكبرى العظمى. نقول الكتب الستة وأحيانًا نقول الكتب السبعة وأحيانًا نقول الكتب العشرة، وهي:
- البخاري
- مسلم
- أبو داود
- الترمذي
- النسائي
- ابن ماجه
- موطأ مالك
ثم بعد ذلك مسند الإمام أحمد بن حنبل، ومسند عبد بن حميد، وبعد ذلك يضيفون إليها سُنن الدارقطني أو يضيفون إليها عاشرًا وهو المستدرك أو يضيفون إليها سُنن الدارقطني ونحو ذلك، فيصبحون عشرة.
هم العشرة هؤلاء الذين فيهم أغلب الأحاديث. هذه العشرة فيها نحو ثلاثين ألف حديث من الستين ألف حديث، ثلاثون ألف حديث موجودة في هذه الدواوين العشر.
منظومة التوثيق الإسلامية للسنة النبوية وعدد الروايات والرواة
نحن نقول الروايات التي وردت عن رسول الله في أيّ كتاب، أيُّ كتاب الذي هو، إذ عندنا مائتان وخمسون كتابًا ذكرت الأسانيد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. يعني عندنا مائتان وخمسون كتابًا ذُكرت فيها الأسانيد.
هذه الأسانيد عددها مليون سند، ألف ألف سند، وعدد الأفراد الذين في هذه المليون نحو عشرين ألف إنسان، كل إنسان له ملف عندنا؛ الضعيف ضعيف والقوي قوي، وأمير المؤمنين في الحديث، أمير المؤمنين في الحديث.
والحكاية وصلت إلى نحو واحد وعشرين علمًا يخدم هذا التوثيق للسنة النبوية المشرفة، ألهمه الله للمسلمين ولم يلهمه لأحد من قبله.
تفرد المسلمين بعلوم التوثيق وفشل المورمون في تقليدها
[المذيع]: غير مسبوق بالمرة يا مولانا أن يكون في ملف لكل رجل من الرجال! هذه علوم جديدة لا يعرفها أحد في علم الحديث يا مولانا، ولا يعرفها أهل اليونان، ولا يعرفها أهل الهند، ولا يعرفها المصريون القدماء، ولا يعرفها أهل أنطاكية أو قبرص أو نحوها، لا يعرفها أحد، لا يعرفها في العالَمين أحد حتى يومنا هذا لا يعرفه أحد أيضًا.
[الشيخ]: يعني لم نرَ أحدًا حاول هذا. حاول المورمون في أمريكا أن يقلدوها وفشلوا، حاولوا أن يقلدوها عن طريق النسب؛ من أنا، فيقولون فلان ابن فلان، ويريدون أن يصلوا إلى فلان حتى آدم، فقد فشلوا في هذا فشلًا ذريعًا.
ولكن الله ألهم المسلمين بهذه العلوم من التوثيق.
توزيع الأحاديث بين الدواوين الكبرى وبقية الكتب المائتين والخمسين
ولذلك عندما بحثنا فيها ووجدنا الستين ألف، منهم ثلاثون ألفًا في العشرة الكبار هؤلاء، وبقية الثلاثين ألفًا الأخرى وردت في المائتين وخمسين هؤلاء.
يعني مثلًا:
قال النبي ﷺ: «من قال لأخيه أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغا»
هذا موجود عندنا في الكتب الصحيحة الواردة. و«من لغا فلا جمعة له»، الزيادة هذه جاءت من أين؟ أخرجها ابن بحشل في تاريخ واسط. دعونا نعد من المائتين وخمسين، ابن بحشل في تاريخ واسط لأجل هذه الزيادة التي تقول إلى هذا الحد من التدقيق المهم.
حصر الأحاديث الستين ألفًا بين الدواوين الكبرى وبقية المصنفات
الحاصل أن الستين ألف حديث منهم ثلاثون ألفًا موجودة في الدواوين الكبرى، وثلاثون ألفًا في بقية المائتين والأربعين عنوانًا الذين ما زالوا تحت أيدينا في الغالب الأعم.
يعني ما ضاع من المائتين وخمسين عنوانًا هؤلاء شيء حوالي ثلاثين أو أربعين كتابًا، وبقية الكتب موجودة إلى الآن معنا.
[المذيع]: وربما يكون العنوان الواحد يا مولانا عدة مجلدات.
[الشيخ]: كلها عدة مجلدات تقريبًا، يعني تاريخ واسط هذا مجلد واحد، لكن تاريخ بغداد عشرة مجلدات، لا أعرف، مسند الإمام أحمد طُبع في أربعين مجلدًا، البيهقي طُبع في عشرة مجلدات كبيرة، وهكذا.
الانتقال إلى فاصل إعلاني والعودة لاستكمال الحديث عن الأحاديث القدسية
[المذيع]: اسمح لي مولانا أن نخرج في فاصل قصير ثم نعود.
[الشيخ]: حسنًا.
[المذيع]: نكمل المسيرة ونفهم أكثر وأكثر، والإجابة على كل هذه التساؤلات المتعلقة بالأحاديث القدسية. ابقوا معنا.
التفريق بين القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي عند ابن العربي
[المذيع]: من فهم الحديث القدسي، وهل حينما يرويه سيدنا صلى الله عليه وسلم، هل رواه بمعناه أم بلفظه من الله سبحانه وتعالى؟
[الشيخ]: تكلم سيدي محيي الدين بن العربي في التفريق بين الحديث النبوي الشريف والحديث القدسي والقرآن:
- •القرآن: لفظه ومعناه من عند الله سبحانه وتعالى.
- •الحديث القدسي: معناه من عند الله ولفظه من عند النبي صلى الله عليه وسلم.
- •الحديث النبوي الشريف: لفظه ومعناه من عند النبي صلى الله عليه وسلم تحت عصمة الله له أن لا يقول إلا حقًا.
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]
النبي صاحب الوحيين المتلو وغير المتلو عند بعض العلماء
ولذلك كان بعض العلماء - منسوب ذلك إلى الشافعي - كانوا يسمّون النبي صاحب الوحيين: الوحي المتلو وهو القرآن الكريم، والوحي غير المتلو وهو الحديث؛ سواء كان منسوبًا إلى النبي في لفظه ومعناه، أو كان مما أوحى الله إليه معناه فصاغه النبي وهو أفصح العرب.
ولذلك عندما تأملنا وجمعنا ما في الكتب الستة الأوائل هذه التي هي البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من الأحاديث [القدسية]، جمعوا حوالي مائتي حديث.
جمع الأحاديث القدسية عند الشيخ المدني والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية
وكان الشيخ محمد المدني - وهو من علماء القرن الثاني عشر الهجري تقريبًا، أي سنة ألف ومائة وقليل من الهجرة - قد جمع الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية، فبلغت ألفًا وخمسمائة حديث.
وعندما جمعها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مجلدين وعدّوها، وجدوا أنها بلغت مائتين وقليلًا. هؤلاء المائتان الموجودون في الكتب الستة.
غلبة الأخلاق في السنة النبوية بنسبة سبعة وتسعين في المائة
فالحديث النبوي صياغته من عند النبي، وعندما نبحث في الستين ألف حديث عن موضوعه، نجد أن الأخلاق تشكل ما يقرب من ستة وتسعين في المائة منه، أو سبعة وتسعين في المائة من السنة المشرفة تتحدث عن الأخلاق.
وتتحدث عن أنه:
قال النبي ﷺ: «لا يزال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»
تتحدث عن:
قال النبي ﷺ: «يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه»
تتحدث عن حديث بسند ضعيف:
«اتق فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله»
تتحدث عن الأخلاق، سواء كانت صحيحة مقبولة أو كانت حتى ضعيفة، وهذا الضعف له تفصيل.
أحاديث الأحكام ألفان فقط من ستين ألفًا وأهم مصادرها
كل هذا الخضم الهائل من الستين ألفًا، ألفان فقط يتحدثان عن الأحكام. نجد هذين الألفين أين؟ نجدهما في بلوغ المرام من أدلة الأحكام لابن حجر العسقلاني، ونجدهما مثلًا في إرواء الغليل في أحاديث السلسبيل في معرفة الدليل.
فالسلسبيل في معرفة الدليل هذا هو عبارة عن حوالي ألفي حديث. نجده في المنتقى، منتقى الأخبار من كلام سيد الأخيار في الأحكام الذي شرحه الشوكاني في نيل الأوطار.
أيضًا سنجدهم مع التكرار خمسة آلاف قطعة، لكن مع عدم التكرار والضم الذين هم أنفسهم الألفان الخاصان ببلوغ المرام وهم الألفان الخاصان بالسلسبيل.
نسبة أحاديث الأحكام ثلاثة في المائة وأهمية الأخلاق عند النبي
إذن يعني المسألة واضحة جدًا وحصر. طيب، هؤلاء ألفان من ستين ألفًا، يعني اثنان من ستين، يعني واحد من ثلاثين، واحد من ثلاثين، أي ثلاثة في المائة.
هذه الثلاثة في المائة تعني أن الباقي سبعة وتسعون في المائة في الأخلاق المرتبطة بالعقيدة. فانظر إلى مدى أهمية الأخلاق عند النبي ومدى أهمية:
قال النبي ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
الرد على من يحاول هدم السنة النبوية بجهله بخريطة العلوم الشرعية
ولذلك الذي يأتي ليأخذ حديثًا من هنا أو لم يفهمه من هنا أو شيئًا من هنا ويريد أن يهدم به السنة المشرفة كلها، نرثي له.
[المذيع]: يعني هو يستحق الرثاء، لماذا يا مولانا؟
[الشيخ]: لأنه لا يفهم شيئًا، لأنه ليس فاهمًا هذه الخريطة كلها، ولأنه يريد أن يحطم منظومة الأخلاق بغباوة؛ لأنه ينكر العلوم وينكر أن الدين علم.
[المذيع]: وماذا لو جاء لأهل العلم يا مولانا؟
[الشيخ]: إنه لن يأتي لأنه أتى لغير أهل العلم، وانتهينا من هذه الحكاية وهي حكاية مدفوعة الأجر. ودعنا لا نخوض فيما نعلمه لأننا سنعلم كثيرًا جدًا في هذا المقام، والحمد لله الذي كشف لنا الحال وأوضح لنا المآل، فنحمده سبحانه وتعالى على نعمائه على كل حال.
التحذير النبوي ممن يثير الشبهات وهو متكئ على أريكته بلا علم
فهذه الخريطة التي نتعلمها والواحد والعشرين علمًا الذي ندرسه، يأتي شخص وهو متكئ على أريكته، يعني لا هو عالم ولا هو كما يقول سيدنا صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام: لا قرأ عن ولا قرأ في، فيثير شبهة هنا وشبهة هنا وشبهة هنا.
فهو أمر مضحك، مسألة تقتضي منا الرثاء وأن نرثي لحاله. أما دعوته إلى أن يعود إلى العلم، فهو يعلم أنه لن يعود إلى العلم ولن يعود إلى الحق الذي ذكرناه من قبل هكذا.
الفرق بين النص وتفسيره وتطبيقه وخطورة فقدان القواعد المنهجية
مرارًا وتكرارًا [بيّنّا] أن هناك فارقًا بين النص وبين تفسير النص وبين تطبيق النص، وأن النص يحتاج إلى قواعد حتى نفسره، والتفسير يحتاج إلى قواعد حتى نطبقه.
فمفتقدو هذه القواعد سيكونون نصيين كما يفهمون يطبقون، وهو هذا شأن الإرهابية وشأن داعش وشأن هذا الالتباس المقيت الذي شوش على المسلمين أمر دِينهم، وشوَّش على العالمين فَهْمَ الإسلام، وصدُّوا عن الله بغير علم أو بعلم، حسيبُهم ربُّهم.
خلاصة الحديث القدسي وموضوعه في التزكية والتوحيد وإخلاص العبادة
فهذه هي الخريطة: الحديث القدسي هو حديث نسبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربنا عز وجل، وعادةً ما يكون يتحدث عن إخلاص العبادة لله والتوحيد، وكلام راقٍ في:
قال الله تعالى: «لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يرى به، ورجله التي يمشي بها، ويده التي يبطش بها»
التزكية مرتبطة بالعقيدة دائمًا، التزكية مرتبطة دائمًا بالعقيدة، دائمًا التزكية مرتبطة بالعقيدة.
ارتباط الأخلاق بالعقيدة والإيمان في الأحاديث النبوية الشريفة
العقيدة التي هي الإيمان، الذي هو بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. دائمًا السبعة والتسعون في المائة من الأخلاق دائمًا مرتبطة بالعقيدة.
قال النبي ﷺ: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»
ما لنا والإيمان الآن؟ فهذا سلوك! قال لك: لا والله لا يؤمن:
«من بات شبعانًا وجاره جائع وهو يعلم»
لا:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»
لماذا يصدّرها هكذا؟ لأنه يريد أن يربط [الأخلاق بالإيمان]، فلا يؤذي جاره. فما هذا؟ ما علاقة الإيمان بأن لا أؤذي جاري ولا أرمي القمامة أمام بابه ولا غير ذلك إلى آخره؟ لا، هناك علاقة [وثيقة بين الإيمان والسلوك].
حديث أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز وارتباط الأخلاق بدخول الجنة
قال النبي ﷺ: «أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز»
ما هي منيحة العنز هذه؟ أعطي المعزة خاصتي لجاري كي يحلبها ليشرب منها هو وأولاده ويعيدها لي في آخر النهار. حسنًا، وما الخسارة في ذلك؟ لا شيء فيها على الإطلاق؛ لأن اللبن الذي كان في الضرع ولم أشربه كان سيبقى في الضرع، وعندما استعدتها، هل أخذت هذا اللبن منه؟ كلا، فهي ستلد مرة أخرى من عند الله، لا يوجد تخزينه ولا يوجد شيء، ولم أدفع شيئًا ولا سحتوت.
والسحتوت هذا كان عملة بسيطة جدًا هكذا، مثل ما يقال لك نصف بارة أو يارة أو نحو ذلك.
العمل بخصلة واحدة من الأربعين رجاء ثوابها يدخل صاحبها الجنة
المهم أنه عندما نأتي هنا يقول لك ماذا؟
«أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، العامل بواحدة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها أدخله الله الجنة»
آه، أربعون خصلة، لكن أدخله الله الجنة! أدخلني في قضايا العقيدة. أخلاق متصلة بالعقيدة، متصلة بالإيمان بالله، متصلة بأنني مدرك أن بعد هذه الحياة الدنيا التي هي دار اختبار وابتلاء، فيه دار جزاء، متصلة باليوم الآخر.
وهكذا الأحاديث القدسية محلها التزكية، أغلبها المائتان حديث هؤلاء ليس فيها أحكام وإنما فيها تزكية مرتبطة بالعقيدة. هذا هو شأن الحديث القدسي وشأن الحديث النبوي.
الفرق بين القرآن والحديث القدسي في التلاوة والصلاة والتواتر
أما القرآن فهو ما ورد إلينا متواترًا، الذي هو القراءات العشرة التي نقرأ بها، نقرأ بها في الصلاة. لا يصح في الصلاة أن أقول آمين بعد الفاتحة ثم أقول:
«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»
لا يصح [ذلك]، لماذا؟ لأنه حتى لو كان وحيًا في الحديث القدسي مثلًا، ولأنه مثلًا في الحديث القدسي - لأنه من عند الله سبحانه وتعالى - لا يجوز أن يُعامَل معاملة القرآن.
يقول [الحديث القدسي]:
«ومن تقرب إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إليّ ذراعًا تقربت إليه باعًا»
وهكذا. لماذا لا يصح؟ لأنه ليس وحيًا متلوًا، يعني ما يجوز تلاوته في القرآن [أي في الصلاة].
الأصناف الثلاثة مما ورد عن النبي وتسمية أبي هريرة لها بالتراث
هذه هي الأصناف الثلاثة مما ورد إلينا عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. وكان أبو هريرة يسمي هذا تراثًا، إلى أن احتلت كلمة تراث بالتراث اليوناني، وليس هو كل شيء موروث.
ولكن قال: من أراد، مَنْ أراد منكم أن يأخذ تراث محمد فليذهب إلى المسجد، فذهبوا إلى المسجد جميعًا ليروا ما الذي تركه النبي، فوجدوا الناس يقرؤون القرآن، فهذا هو تراث محمد.
على كل حال، هذا في اللغة. أما اصطلاحًا فلا، فقد أصبح التراث يُطلق على الإنتاج الفكري البشري بخلاف المصادر التي هي الكتاب والسنة.
المحجة البيضاء التي تركها النبي تتمثل في الكتاب والسنة المشرفة
الحاصل عندنا الآن هو أن هذا مما تركه لنا [النبي ﷺ]، المحجة البيضاء التي تركها لنا رسول الله تتمثل في الكتاب الشريف الذي وصل إلينا بالتواتر، ليس فيه همسة ولا لمسة إلا وقد حُفظت.
والسنة المشرفة وهي على نحوين أساسيين: مقبول ومردود. فعندما نروي حديث سيدنا صلى الله عليه وسلم، البعض يمكن أن يرويه ليس باللفظ.
[المذيع]: هل تصح هذه الرواية بالمعنى؟
حكم الرواية بالمعنى وأثرها على حجية الحديث في النحو واللغة
[الشيخ]: الرواية بالمعنى تفقد الحديث حجيته في النحو، نعم. انتبه، يعني فأنا الآن أروي بالمعنى فاستخدمتُ لغتي أنا، لا لغة الرسول. ربما يكون المعنى صحيحًا، لكن هذه نكتشفها أين؟
نكتشفها من مقارنات إزائية كما يسميها العلماء. لماذا المقارنات الإزائية؟ ماذا تعني إزائية؟ تعني أن أضع شيئًا بإزاء شيء، في مقابلة يعني بإزاء شيء آخر.
فأنا عندما يأتي حديث حاطب بن أبي بلتعة مروي بواحد وعشرين رواية، أضعهم جنبًا إلى جنب، ثم أرى هنا زيادة وهنا نقصًا، هنا تقديمًا وهنا تأخيرًا، هنا معنى استُعملت حروف للمعاني وهنا استُعملت حروف أخرى للمعاني.
المقارنات الإزائية للوصول إلى ما قاله النبي بالضبط وما لم يقله
وأدرس باستفاضة حجة الوداع هكذا أيضًا. انتبه، وكلها مروية، ولكن نضعهم جنب بعضهم البعض، والهدف من ذلك هو أن نتوصل منهم إلى ما الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم بالضبط، وماذا كان يعني.
انتبه، وما الذي لم يقل. نعم، يعني مثلًا أعطيك مثالًا، ليت، لأن بالمثال يتضح المقال مثل ما يقولون، والحال أيضًا، والحال نعم يتضح المقال ويتضح الحال.
مثال على حديث العمل بعمل أهل النار ثم الجنة وتوضيحه بالرواية الثانية
عندما يأتي النبي عليه الصلاة والسلام ليقول لك:
«وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى إذا ما قرب الكتاب عمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى إذا ما قرب الكتاب»
يعني اقترب أجله، حسنًا:
«عمل بعمل أهل النار فيدخل النار»
[المذيع]: كيف نفهم هذا الحديث يا مولانا؟ هناك أسئلة كثيرة عن هذا الحديث تحديدًا.
[الشيخ]: دعنا نرى الرواية الثانية التي ستوضح الأمر. نعم، قال:
«فإن أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس»
حسنًا، حُلت المسألة هكذا.
معنى فيما يبدو للناس وسقوط الأقنعة وانكشاف حقيقة القلوب
نعم، فيما يبدو للناس - كما أرى بعيني القاصرة - أنهم رأوه ذاهبًا إلى المسجد وعائدًا من المسجد، وهو لا يدري، ملتحٍ وهو يذكر الله ويمسك سبحة. قال: تمام، حسنًا.
وبعد ذلك، وبعد ذلك، يتبين أن ما في القلب في القلب، والله هو المطلع على القلب، إذ:
قال النبي ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم»
هذا القلب لم تنفعه الصلاة:
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]
فهذا القلب صلى ولم تنهه صلاة عن الفحشاء والمنكر. إذن إذا ارتكب خللًا فبموجبه سينكشف الحال التي يسمونها في الأدبيات المعاصرة تسقط الأقنعة.
سقوط القناع عمن يعمل عمل أهل الجنة ظاهرًا وهو من أهل النار باطنًا
نعم، سقوط الأقنعة. هل انتبهت لهذا الرجل؟ كان يعمل عمل أهل الجنة لكن يسمونه قناعًا في اللغة الإنجليزية، أي قناعًا يضعه على وجهه، ثم سقط هذا القناع وانكشف حاله، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها لأنه يستحقها.
حسنًا، ويا رب كان يصلي طوال الوقت! كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:
«أول من يدخل النار يوم القيامة شهيد!»
ما هو إذن؟ عليك بالصبر قليلًا. لم يقاتل في سبيل الله، إنما قاتل من أجل أن يُقال عنه فارس مغوار، وقد قيل، فذهبوا به [إلى النار].
قارئ القرآن الذي يقرأ رياءً وأهمية الإخلاص في العبادة
وقارئ القرآن، نعم، هل هناك أشرف من ذلك؟ لا يوجد. كيف يكون قارئ القرآن الذي هو كلام الله الذي خالط جسمه وقلبه وهكذا حتى يُقال عنه أنه قارئ، وقد قيل.
يعني أنا هنا لم تكن في النية الخالصة:
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [غافر: 14]
لم تكن موجودة، يعني سيادتك كنت تفعل ذلك مراءاة للناس، والرياء هذا هو نوع من أنواع الشرك الخفي.
على كل حال، الله هو الذي يحكم، لست أنا. أنا أناديه يا سيدنا، وأنا أعتز بكل القرّاء أرفعهم فوق رأسي.
تعظيم كبار القراء لكتاب الله وفضل القارئ المخلص يوم القيامة
عندما كان واحد من الأكابر مثل الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ الحصري والشيخ رفعت، كانوا عندما يسافرون إلى باكستان ونحو ذلك، كانوا يحملون سياراتهم ويرفضون أن تسير السيارات على الأرض لأنها تحمل كتاب الله.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وأيضًا القارئ المخلص أمثال هؤلاء إن شاء الله سيقال له في يوم القيامة:
«اقرأ وارتقِ»
فها هو حافظ القرآن أصبح كالشيخ المنشاوي يقرأ هكذا ويرتقي إلى عنان السماء، شيء آخر.
غضب المسلمين من الجماعات الإرهابية التي ترفع راية الدين لغير وجه الله
أما شخص يقرأ القرآن ويتظاهر بذلك، ولكن نيته ليست للقرآن، وهذا هو الذي نحن غضبنا وجعلنا غاضبين.
[المذيع]: والناس يتساءلون: لماذا نحن غاضبون من هذه الجماعة الإرهابية؟
[الشيخ]: نعم، إنهم يفعلون ما يفعلون، لكنهم أثبتوا حتى في حياتهم الدنيا عندما فضحهم الله سبحانه وتعالى أنهم يرفعون راية الدين لغير وجه الله.
[المذيع]: وأنت دخلت قلبهم؟
[الشيخ]: ما يظهر على الوجه ينبئ عما في القلب. أنا لا شأن لي بالقلب، الله هو من يحكم بشأن القلوب. أنا لا أحكم عليهم في قلوبهم، أنا أحكم على أعمالهم وسلوكهم، وأحكم على مقارنتها بالحجة البالغة البيضاء النقية التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مخالفة الجماعات الإرهابية لمراد النبي واحتيالهم على الأمة بالحزبية
فعندما أجد هؤلاء الناس قد خالفوا سيد الخلق في مراده وفي منتهاه، وذهبوا رافعين راية لكي يحتالوا بها علينا وعلى الخلق، ما بين الحزبية وما بين الأمة التي تحتاج إلى العمل، عرفنا أنهم دجالين ونصابين.
وهذه هي القضية.
تقسيم الأحاديث إلى مقبول ومردود وشروط رد الحديث
فالمهم، وعودة إلى الموضوع، الأحاديث منها ما هو مقبول ومنها ما هو مردود.
وهذا القبول يشمل الأحاديث الصحيحة والحسنة والضعيفة، وهذا المقبول يشمل الأحاديث النبوية والأحاديث القدسية.
وأن المردود يكون:
- •لا سند له ولا قيمة له.
- •أو مخالفًا لأصلٍ من أصول الدين.
- •مخالفًا للقرآن.
- •مخالفًا لما تواتر.
- •مخالفًا لأصل حديث رسول الله.
- •مخالفًا لمقاصد الشريعة.
- •يترتب عليه الضرر دون النفع.
وهكذا.
حكم الرواية بالمعنى وشروط جوازها وأثرها على الاحتجاج اللغوي
الرواية بالمعنى، الرواية بالمعنى تعني أنها جائزة إذا كانت من فقيه عالمٍ باللغة ضابط لألفاظها. حينئذٍ ستجوز، مع أنها ستخرج الحديث حينئذ من حد الاحتجاج النحوي اللغوي إلى حد عدم الاحتجاج، ولكن المعنى سيكون واحدًا.
[المذيع]: سيدي، هل تسمح لي أن نأخذ فاصلًا ثم نعود لنقف على حقيقة الكذب على سيدنا صلى الله عليه وسلم، وحقيقة بعض الناس الذين كنا نسمعهم دائمًا يقولون "ضعفه الألباني" على هذا النحو من غير الأزهريين على وجه التحديد؟ سؤال مهم ننتظر الإجابة، ولكن بعد الفاصل. ابقوا معنا.
سؤال المذيع عن أدوات الألباني في تضعيف الأحاديث وموقف غير الأزهريين
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، أسمح لي أن نطلب من حضرتك الإجابة على سؤال مهم غاية الأهمية. كنا نسمع من غير الأزهريين كثيرًا حينما يقرؤون حديثًا لسيدنا صلى الله عليه وسلم يقولون في نهايته: ضعَّفه الألباني. ما أدوات الألباني في تضعيف الحديث أو نحو ذلك مما كنا نسمعه كثيرًا على وجه التحديد من غير الأزهريين؟
[الشيخ]: رحمه الله، الأستاذ ناصر الدين الألباني، يعني هو لم يتلق علمًا قابلًا للتكرار.
نشأة الألباني كساعاتي وعدم تلقيه العلم على يد شيخ
يعني هو كان يعمل بصناعة وإصلاح الساعات، وكان له دكان صغير هكذا بجوار المكتبة الظاهرية بدمشق، فهو ساعاتي أصلًا، وكَبُرَ وكَبُرت معه.
وأبوه رحمه الله كان من الألبان وما زال ينطق باللغة الألبانية، وكان حنفي المذهب باعتبار أن هذه المنطقة كلها في البلقان وتركيا وكذا كان المذهب الحنفي هو الأساس فيها.
وحاول كثيرًا مع ابنه أن يكون دارسًا للفقه الحنفي، فأبى واستقل بنفسه ولم يكن له شيخ.
إجازة الألباني من راغب الطباخ وتمزيقه لها ودلالة ذلك على نفسيته
حتى أنه مرة يذكر لي - رحمه الله تعالى - أنه ذهب إلى السيد راغب الطباخ، والسيد راغب الطباخ كان له كتاب عن حلب الشهباء، تاريخ حلب الشهباء كبير، وكان عنده مكتبة يبيع فيها كتبًا، لكنه كان مشتغلًا بالعلم.
فأعطاه إجازة، والإجازة محفوظة إلى يومنا هذا على سبيل التبرك، وكلنا نفتخر بها لأنها لنا بها سبب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«ينقطع كل سبب ونسب يوم القيامة إلا سببي ونسبي»
صلى الله عليه وسلم. فلأن الإجازة هي نوع من أنواع ذلك السبب الذي نلتمسه لرسول الله، نحافظ عليها.
مشايخ الإجازة في أنحاء العالم الإسلامي وأهمية سلسلة السند
ولنا مشايخ في الأرض جميعًا:
- •كان شيخنا الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري من طنجة.
- •كان شيخنا الشيخ ياسين الفداني من مكة.
- •وكان شيخنا الشيخ حامد أبو العلا الشهير بحامد في مصر.
- •وكان شيخنا الشيخ محمد الحافظ التيجاني رحمه الله تعالى.
- •وكان شيخنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى.
مشايخنا في الأرض كلها، هذا من الشام وهذا من الحجاز وهذا من المغرب وهذا من السودان وهذا من مصر وهذا من الهند. ونفتخر بهذه الإجازات حتى أن المسلمين حوَّلوا الدفاتر نفسها إلى إجازات، وهذه كانت سُنَّة مطَّردة حميدة للمسلمين.
تمزيق الألباني للإجازة ودلالته على نفسيته وعدم وجود شيخ له
فلما أخذ الشيخ ناصر الدين - أو الأستاذ ناصر الدين رحمه الله - الإجازة من راغب الطباخ، أخذها ولما مزَّقها! فهذا يدلك على النفسية فقط؛ لأن هذه النفسية مهمة للغاية.
فهو لم يكن له شيخ، وعندما سألته رحمه الله تعالى عن المنهج الذي يمكن أن نسير عليه، قال: هذا شيء صعب للغاية لأنني لم أتلق العلم على يد شيخ.
[المذيع]: يعني أنتم تسألون عن الأدوات التي كان يستخدمها كمنهج.
[الشيخ]: نعم. العلم لا بُدَّ فيه من خمسةٍ: من الكتاب، ومن المنهج، ومن الشيخ، ومن الأستاذ، ومن الجو العلمي، حتى نأخذها وننقلها لمن بعدنا.
أهمية العلوم المساعدة في دراسة الحديث وعدم قابلية منهج الألباني للتكرار
فما هو المنهج الذي سِرتَ عليه حتى تتعلم الحديث وتتعلم الأدوات المساعدة له من لغة، من فقه، من سيرة، من تاريخ، وما إلى ذلك؟
كان عبد الحميد العبادي رحمه الله يقول: لا يصير الفقيه فقيهًا إلا إذا درس التاريخ، ولا يصير المؤرخ مؤرخًا إلا إذا درس الفقه، حتى يستوعب بعمق هذه المادة الصماء بعلوم مساعدة وأدوات مساعدة له.
فكان [الألباني] يقول لي: ليس هناك، هذه المسألة صعبة جدًا. إذن، فغير قابل للتكرار، غير قابل للتكرار. هذا شيء يعني اسم، إذن فهو ليس علم [بالمعنى المنهجي المنضبط].
بداية نشاط الألباني في تضعيف الأحاديث ومنهجه في فحص الأسانيد
بدأ [الألباني] في نشر ما يُسمى بالأحاديث الضعيفة وأثرها السيء في الأمة في جريدة كانت تُسمى بالشهاب، له عمود فيها. يمسك الحديث من أوله، يرى فيه شخصًا أو يظن فيه ظنًا أو ما شابه ذلك إلى آخره.
ينظر إلى السند على ما هو موجود في بعض كتب الحديث من مصطلح، يتبنى مدرسة من المدارس ويطبق بها هذا على السند الذي أمامه عن طريق الملفات التي تحت أيدينا للرواة، ويقول أن هذا الحديث إذا هو ضعيف.
ظهور الألباني على يد زهير الشاويش ونشر كتبه في السبعينيات
بعد ذلك وبعد ما نشر مجموعة كبيرة، لم يكن له شيوع ولا معرفة ولا أحد يعرفه في العالم كله، حتى أتى واحدٌ اسمه زهير الشاويش في المكتب الإسلامي، فنشر له بعض هذه المسائل في السبعينيات.
كنّا أول ما رأينا الألباني هذا وعرفنا عنه كان في سنة ثلاثة وسبعين. أنا التقيت به، وحضرتك قابلتُه سنة خمسة وسبعين، لكن وردت هنا في مصر كتبه كانت سنة ثلاثة وسبعين.
وكان له من الكتب كتب بسيطة، كانت مجلدًا في خمسمائة حديث في السلسلة الضعيفة، ولم يكن قد طُبعت الصحيحة بعد، ولم تكن قد طُبعت هذه الأشياء بعد.
طباعة صحيح وضعيف الجامع الصغير وتفرغ الألباني لدراسة الأسانيد
ثم بعد ذلك، وتحديدًا بعد عام ثلاثة وسبعين، وبعد خمسة وسبعين، في عام خمسة وسبعين طُبع كتاب صحيح الجامع الصغير وضعيف الجامع الصغير في ثلاثة مجلدات وثلاثة مجلدات.
ناصر الدين فرغ حياته لهذه الدراسة وتتبع كل شيء له سند وطبق عليه ما فهمه، وهذه هي الخطورة؛ منفردًا بما فهمه من كلام علماء الحديث.
عرفت شيئًا وغابت عنك أشياء، كل من يدعي في العلم فلسفة فقد عرف شيئًا وغابت عنه أشياء. هي الأزمة التي بيننا وبين الألباني إلى حين إذ، أي إلى حين ذلك الوقت.
الخطأ الثاني للألباني بتنصيب نفسه فقيهًا وتوقفه عند حد الصيدلة الحديثية
بعد ذلك ارتكب الخطأ الثاني وهو أنه بدأ يُقدِّم نفسه فقيهًا. وهو إلى الآن عندما يقول لك هذا صحيح وهذا ضعيف، فإنه توقف عند حد الصيادلة المحدثين؛ فيقول هذا في ناحية الصناعة الحديثية صحيح وهذا ضعيف.
ويقع في الأخطاء التي سيلومه عليها المحدثون بعد ذلك، مثل الشيخ الأعظمي، مثل الشيخ الغماري.
[المذيع]: لَاموه يا مولانا.
[الشيخ]: والشيخ أبو غدة أيضًا، كلهم ألفوا في شذوذ الألباني وألفوا في أمور كثيرة.
لو اكتفى الألباني بالتوثيق لشكرناه لكنه تجاوز حدوده إلى الإفتاء
ولكن ليست هذه هي القضية، يعني لو كان اكتفى هنا لكنا قلنا له: جزاك الله خيرًا يا أستاذ ناصر أن جعلت الناس تهتم مرة أخرى بعلم الرواية الذي كاد أن يفقد مكانته عند الناس.
لأن الناس بدأت تتكلم بعموميات قد توقعها فعلًا في الاستدلال بما لا يُستدل به، وينشأ عن هذا الاستدلال الضعيف الذي لا يُستدل به - الذي هو المردود - مشكلات نحاول أن ندافع عنها مرة ونحاول أن ننكرها مرة أخرى.
فكنا حينها سنقول له: جزاك الله خيرًا أن أحييت في الناس توثيق السنة المشرفة والروايات المنيفة عن سيد الخلق.
مثال على فتوى الألباني بتحريم السبحة وجهله بقاعدة ضعف الدليل لا يدل على ضعف المدلول
لكنه تجاوز حدوده إلى الخطأ الثاني وهو أنه نصّب نفسه بذلك فقيهًا. فمثلًا يأتي لك في الأحاديث الضعيفة ويقول لك: نعم، المذكر السبحة حديث موضوع.
طبعًا هناك أسانيد وليس هو موضوعًا، إنما هو قد يكون حسنًا لغيره أو ضعيفًا، لكن لا عليه، يعني هكذا نختلف حديثيًا. لكن عندما يتم تحقيق الأمر، ما هذا؟
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: المذكر السبحة موضوع، فالسبحة بدعة! أنت لا تعرف كلام الأصوليين من أن ضعف الدليل لا يدل على ضعف المدلول؛ لأنه قد يكون له دليل آخر أنت لست منتبهًا إليه. أين؟ لم تقرأ كلام السيوطي وكذا.
أسلوب الشغب عند الألباني في الرد على العلماء كالسيوطي والنووي
وكان يا أخي له رد على كل شيء. هذا الرد نسميه في المنطق بالشغب؛ كلام يظهر عليه أنه كأنه من أهل العلم وليس كذلك.
فيقول مثلًا: السيوطي حاطب ليل وجارف سيل. لماذا؟ ليصد نفسه بقول: السيوطي. نعم، حاطب ليل وجارف سيل، فيكون قد انتهى: أنا لن آخذ بكلام السيوطي ولا بأي كتاب من كتبه لأنني قد تخليت عنه.
حسنًا، إن النووي إمام المحدثين يقول عن هذا...
لقاء شخصي مع الألباني ومناقشته في فتوى تحريم إزالة شعر جسد المرأة
أنا مرة في بيته رحمه الله تعالى بعد ما أكرمنا وأطعمنا وكذا إلى آخره.
[المذيع]: هذه لقاءات شخصية بين فضيلة مولانا الإمام وبين الألباني.
[الشيخ]: نعم، بعض السرابيت ينكرونه أو هكذا، لا عليه، فليعيشوا حياتهم. لكنني جلست وقلت له: يعني أنت أفتيت فتوى سببت مشكلة في الشام، وسببت مشكلة أيضًا ستسمع عنها هنا عندنا في مصر وما إلى ذلك، وهي أن المرأة لا تزيل الشعر الذي يخرج في رجلها؟
لماذا هكذا؟ قال: لأنه نمص. قلت له: النمص في الوجه فقط، ولكن ما الذي قال أنه في الجسم كله؟ وهذا يعني من أين أتيت بهذا؟ النمص هو في الوجه فقط، وبقية شعر الجسد يمكن إزالته.
استدلال النووي بحديث النورة على جواز إزالة شعر الجسد ورد الألباني عليه
ولذلك من السنة إزالة شعر الإبط (هكذا بالتسكين) وشعر العانة، الاستحداد من السنة، فمن أين أتيت بهذا الكلام أيضًا؟
فيه حديث استدل به النووي على هذه الإزالة وكذا، أنه [النبي ﷺ] كان يطلي جسده بالنورة، وسائر جسده كان يطلي عورته بالنورة، كان يطلي عورته بالنورة وسائر جسده أهله.
فقال لي: هذا حديث أنا لم أسمع به من قبل! ما هذا الحديث الغريب هذا؟ قلت له: هذا حديث موجود استدل به النووي. قال: ما عليّ بالنووي! هكذا، ما عليّ بالنووي.
حسنًا، إذن أنت تقول لنا شيئًا عجيبًا غريبًا.
فتنة الألباني بجعل كل ضعيف مردودًا مخالفًا لمنهج ابن حجر والنووي
هذا شيء جديد يحرمنا من أن نقول له جزاك الله خيرًا، لقد أعدت الناس إلى التوثيق وجعلتهم أكثر... لا، لم يفعل هكذا، بل أحدث فتنة بأن كل ضعيف فهو مردود.
وهو ما لم يقل به ابن حجر العسقلاني أمير المؤمنين [في الحديث]، ولا النووي سيد المحدثين، ولا هكذا.
وذهب إلى ضعيف الجامع الصغير، وبعد ذلك فتح عليه، ها، إنه ضعيف، خلاص! هو نفسه كان مضّعِفه وهو لا يشعر.
المصيبة الثالثة والرابعة للألباني تناقضه في التصحيح والتضعيف وطبعه محرفًا
بعد ذلك ارتكب المصيبة الثالثة، والمصيبة الثالثة هذه هي أنه بعدما ضعَّف صحَّح، وبعد ما صحَّح ضَعَّف، وبعد ما ضعَّف صحَّح، في ستة وثمانين في المائة مما ذكره.
البلوى الرابعة والأخيرة هي أنه طبع كل ذلك طبعًا محرَّفًا. أتنتبه؟ طبعًا محرَّفًا.
في آخر حياته رحمه الله تعالى، نرجو الله أن يسامحه بأنه قد أيقظ في الناس الاهتمام بالتوثيق، ويسامحه عن هذه الأخطاء الفظيعة.
خلاصة أن الألباني ليس حجة معتمدة عند العلماء وختام الحلقة
ولذلك هو ليس حجة تُعتمد عند العلماء.
[المذيع]: مولانا الإمام الدكتور علي جمعة وكبار العلماء بالأزهر الشريف، رضي الله عنكم وشكر الله لكم دائمًا مولانا، شكرًا لكم، دمتم في رعاية الله وأمنه. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. اشتركوا في [القناة].
