سورة المائدة | ح 955 | 32| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 955 | 32| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

14 دقيقة
  • يشرح القرآن في سورة المائدة أن من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً، وهذا يؤسس لمبدأين أساسيين في الإسلام.
  • المبدأ الأول: المسؤولية الفردية حيث لا تزر وازرة وزر أخرى، فكل إنسان مسؤول عن أعماله وليست هناك خطيئة موروثة.
  • يجب فهم النصوص القرآنية في ضوء بعضها، وعدم التناقض بينها بل فهم الكتاب بالكتاب.
  • جريمة القتل تكبر مع تقدم الزمن ووضوح قبحها، فمن يقتل اليوم بعد معرفة حرمة الدماء فإثمه أكبر ممن قتل في البداية.
  • الإحياء في الآية يشمل المعنى الحقيقي كإنقاذ النفس من الغرق أو الحريق أو كفالة اليتيم، والمعنى المجازي بترك القتل.
  • يجوز استعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز معاً كما أوضح الإمام الشافعي بدليل قوله تعالى "إن الله وملائكته يصلون على النبي".
  • الصلاة من الله تعني الرحمة والإكرام، ومن الملائكة تعني الدعاء للنبي.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة تفسير آية تحريم القتل بغير حق من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]

يعني من أجل ما حدث بين ابنيْ آدم من قتلٍ بظلم.

القاعدة الأولى: المسؤولية الشخصية ونفي الخطيئة الموروثة في الإسلام

وهنا يُقرّ ربنا سبحانه وتعالى ويعلّمنا رسوله صلى الله عليه وسلم أمرين:

الأمر الأول: تكوين عقل المسلم وحقيقة شريعة الإسلام، أنه:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

إذن ليس هناك خطيئة موروثة؛ فكل واحد معلّق من رقبته، ونُخرج له كتابًا يلقاه منشورًا. اقرأ كتابك، لا كتاب غيرك ولا كتاب أخيك ولا أبيك ولا جدك، كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا.

يقول [الله تعالى]:

﴿وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا * ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13-14]

قاعدة المسؤولية المباشرة الشخصية وعدم انتقال الذنب إلى الغير

قاعدة تجعل المسؤولية مباشرة محددة شخصية، لا تنتقل إلى أخيك ولا تنتقل من أبيك ولا من جدك ولا إلى أبيك وجدك؛ كل واحد يُؤاخذ بما فعل.

هذه القاعدة لا بد أن تستقر في الذهن عند فهم النصوص؛ فعندما نفهم هذا النص الذي معنا [آية سورة المائدة]، نفهمه من خلال:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

ولا نناقض به هذه القاعدة. لا نتناقض؛ ممنوع أن نناقض الكتاب بالكتاب، بل يجب أن نفهم الكتاب بالكتاب. تضع على عينيك هكذا نظارة تقول فيها العبارة الخاصة بها: لا تزر وازرة وزر أخرى.

الفرق بين إثم ابن آدم الأول والتحذير من تكرار جريمة القتل

فإذا كان فعلك مسجلًا عليك في نفسك، فأنت فعلك هو هذا [أي: ذنبك الشخصي]. فإذا كان ابن آدم الأول عندما قتل أَثِمَ وترتب عليه إثم من الدرجة الأولى، كبيرة سببت الخسران والندم، نعم سببت الخسران والندم.

لكن احذر أنت الآن أن ترتكب نفس الخطأ؛ لأنه بعد كل هذا التاريخ تبين لنا شرعًا، وتبين لنا وضعًا، وتبين لنا عرفًا، وتبين لنا بكل طريق للبيان أن القتل فساد.

ابن آدم الأول لم يكن يعرف كل هذه المعلومات؛ ابن آدم الأول غضب وقتل، سمع الكلمة أول مرة، ربما كان عقله مشوشًا ولم ينتبه إليها:

﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ﴾ [المائدة: 29]

لم ينتبه إليها، هو فقط تلقى البلاغ.

الفرق بين من سمع التحذير أول مرة ومن تكرر عليه العلم بحرمة القتل

لكن انتبه أنت؛ فعندما تولد وهذه الكلمة [تحريم القتل] تتردد عليك كل حين، فأنت مختلف عمن سمعها أول مرة.

ومن أن عرفنا أن الذنب شخصي لا يتعداك، وأنه:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

ولكن نعرف أن ذنب القتل بالنسبة إليك من أكبر الكبائر؛ فأنت سترتكب جريمة الآن فظيعة جدًا، وستأخذ إثمًا ليس من الدرجة الأولى بل من الدرجة المليون؛ لأنك ستقتل الناس جميعًا، وكأنك قتلت الناس جميعًا.

معنى فكأنما قتل الناس جميعاً والاعتداء على فكرة الحياة التي أرادها الله

يعني أنت قتلت شخصًا واحدًا، ولكنك اعتديت على فكرة الحياة التي أرادها الله، فكأنك قتلت الستة مليارات، فيبقى عليك ستة مليارات إثم.

حسنًا، أين أنا؟ أنا لم أرتكب هذا الإثم. لا، إن إثمك يساوي ذلك. هل يوجد شخص زائد؟

هذه لفتة يجب أن تفهمها: أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، ولكن في الوقت [نفسه] في شيء آخر وهو أن الجريمة في حقك كبيرة جدًا بقدر وضوح مفهوم القتل عندنا في زمننا؛ حيث إننا جربناه فوجدناه أنه فساد كبير وأنه يخل بالاجتماع البشري، فالتجرؤ عليه تجرؤ على شيء يخالف مراد الله.

﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]

هذا ترهيب.

معنى الإحياء الحقيقي في قوله تعالى ومن أحياها بالإنقاذ والتربية

في المقابل:

﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ [المائدة: 32]

وهنا كلمة أحياها جاءت على سبيل الحقيقة والمجاز.

حقيقتها: أنَّك ساعدت في إحيائها، كما لو ربَّيت ابنك فتكون هذه التربية حجابًا لك عن النار، كما لو أنَّك أنقذت إنسانًا من الموت أو الغرق أو الحريق.

ولذلك رجل المطافئ هذا هو أعلى أنواع الفرسان النبلاء، أعلى أنواع الفرسان النبلاء. وتجد عندما يكون الصبي الصغير تسأله في البلاد التي احترمت الإنسان وفهمت ما الإنسان عما يطمح إليه، فيقول لك: رجل إطفاء! فإن هذا أعلم من الطبيب وأعلم من السياسي وأعلم من كذا وكذا؛ رجل الإطفاء يضحي بنفسه ويعرض نفسه للخطر.

الإحياء الحقيقي والمجازي في معنى ومن أحياها وأنواع الإنقاذ

الإحياء هنا حقيقي؛ لأنك أنقذت حياته من الغرق أو من الحريق أو من غير ذلك. ربَّيتَهُ أو جدَّتُهُ وربَّيتَهُ الذي هو ابنُكَ، أو كَفَلْتَ اليتيمَ؛ إحياءٌ حقيقيٌّ، إنقاذٌ من الموتِ الحقيقيِّ أو الموتِ المعنويِّ.

ومجازُها: هذه حقيقتُها إحياءٌ. مجازُها أنَّكَ تتركُهُ ولا تقتلُهُ. أتنتبهُ أنَّكَ أنتَ تتركُهُ؟ فهذا إحياءٌ مجازيٌّ؛ لأنَّهُ في الحقيقةِ لستَ أنتَ مَن أحييتَهُ، أنتَ امتنعتَ عن الأذى. الحقيقةُ أنَّكَ أنتَ لم تنقذ حياته، إنما أنت لم تتسلط عليه بالفساد والقتل، فيكون هذا مجازًا.

رأي الإمام الشافعي في جواز استعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معاً

هل يجوز استعمال الكلمة الواحدة في الحقيقة والمجاز معًا؟

فالإمام الشافعي يقول: نعم. الإمام الشافعي إمام أهل اللغة يقول: نعم، يجوز استعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز.

معنى أحياها يكون لها معنى حقيقي ولها معنى مجازي، وأن ربنا يمكن أن يريد في هذا الموطن الحقيقة والمجاز معًا، ما يحدث شيء [أي: لا إشكال في ذلك].

قلنا له: حسنًا، ما هو الدليل يا فضيلة الإمام الشافعي؟ ما الدليل؟

قال: قوله تعالى:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ﴾ [الأحزاب: 56]

وبعد ذلك قال: ما خلاص، لقد ذكرت لكم الدليل.

تحليل معنى الصلاة من الله ومن الملائكة على النبي والفرق بينهما

حسنًا، نريد أن نفهم. أن الله، دعونا نحللها: يصلي على النبي يعني ماذا؟ يصلي: يرحمه، يُعلي قدره؛ لأن هذه هي الصلاة من الله. هكذا الصلاة في حق الله أنه يرحم النبي، أنه يستجيب لدعائه، أنه يكرمه، أنه يعطيه، هكذا يعني شيئًا يليق بجلال الله.

لئلا يظن الناس أن ربنا يقف يصلي للنبي أو عنا، هذا لا يصح، ليس الأمر كذلك، بل نحن الذين نصلي لله أن الله يصلي على النبي.

والملائكة تصلي على النبي، ماذا تعني تصلي؟ تعني تدعو: يا رب بارك في محمد، يا رب ارحم محمدًا، يا رب أَعْلِ شأن محمد، يا رب أعطِ محمدًا.

الصلاة هكذا، ما هي؟ صلاة الملائكة تكون مختلفة عن صلاة ربنا.

استدلال الإمام الشافعي بالمشترك اللفظي على جواز الحقيقة والمجاز معاً

فيجوز استعمال لفظ واحد في معنيين مختلفين. ما معنى أن الله وملائكته يصلون؟ أصبحت كلمة يصلون هنا تعني: يرحم ويدعو ويطلب الرحمة؛ يرحم ويطلب الرحمة.

قلنا له: كفى يا فضيلة الإمام الشافعي، هذا من قبيل المشترك [اللفظي]، وليس من قبيل الحقيقة والمجاز.

قال [الإمام الشافعي]: إذا صح في المشترك، ففي الحقيقة والمجاز أولى.

هل تنتبه كيف؟ انتظر قليلًا: إذا صح في المشترك، إذا كان المشترك يصح، فيكون في الحقيقة والمجاز أولى منه. إذن هو قد أتى لنا بالشيء الذي لم أستطع أن أتكلم بعده في الشيء الثاني؛ فما دام صحيحًا في الاشتراك، يصح في الحقيقة والمجاز ويكون أولى.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.