سورة المائدة | ح 937 | 19 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 937 | 19 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • يشرح النص معنى "أنْ" في قوله تعالى "أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير"، حيث تأتي بمعنى النفي أي "لا تقولوا".
  • استعمال صيغة "فعيل" في "بشير" تصلح للدلالة على اسم الفاعل والمفعول معاً، فالنبي مبشِّر للناس ومبشَّر من الله بالشفاعة والجنة.
  • صيغة "نذير" تصلح للدلالة على اسم الفاعل فقط، أي مُنذِر وليس مُنذَراً.
  • يقرر العلماء قاعدة "الاقتران ليس بحجة" أي أن الألفاظ المقترنة لا تأخذ نفس الحكم بالضرورة.
  • يمثل لذلك بـ"خمس من الفطرة" حيث يجب الختان وتسن بقية الخصال.
  • في قوله تعالى "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" العدل واجب والإحسان مستحب.
  • الاقتران ليس حجة في الأوامر، بينما يكون حجة في النواهي، فالمنهيات المقترنة كلها محرمة كما في "وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي".
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية من سورة المائدة في مخاطبة أهل الكتاب

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم، الحمدُ للهِ والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا رسولِ اللهِ وآلِهِ وصحبِهِ ومَن والاه.

مع كتابِ اللهِ وفي سورةِ المائدةِ يقولُ ربُّنا سبحانَهُ وتعالى:

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 19]

بيان أن حرف أنْ في الآية يأتي بمعنى النفي لا المصدرية فقط

وهنا هذا التَّركيبُ ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ استُعملت فيه «أنْ» في إحدى مهامها ووظائفها ومعانيها، وهو معنى النفي. فمعنى «أنْ» هنا بمعنى «لا» نفي، حتى لا تقولوا.

يعني أنَّ «أنْ» لو شئنا أن نضع مكانها «حتى لا» فظهرت الكلمة «لا»، إذن تكون «أنْ» كما أنها تأتي لتكون مسبوكة في الفعل من بعدها في قوة المصدر، فإنها تأتي للتأكيد، فإنها تأتي أيضًا للنفي.

شاهد على مجيء أنْ بمعنى لا من قول أم هانئ للنبي ﷺ

ومن ذلك قول أم هانئ لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حدَّثها [بخبر الإسراء والمعراج]:

«أُناشدك اللهَ أنْ تُحدِّث به قريشًا فيُكذِّبوك»

انظر إلى الكلام: «أنْ تُحدِّث به» وليس «تُحدِّث به»، أي لا تُحدِّث به قريشًا فيُكذِّبوك.

إذن، «أنْ» هنا بمعنى «لا»، فهي تأتي بمعنى النفي: لا تُحدِّث به قريشًا. فيمكن أن تكون في قوة الناهية أو النافية: لا تُحدِّث به قريشًا. فـ«أنْ» تأتي بمعنى «لا»، و«لا» تأتي إما ناهية أو نافية.

تفسير الآية بمعنى النهي عن ادعاء عدم مجيء بشير ونذير

﴿أَن تَقُولُوا مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: 19]، يعني لا تقولوا هذا، لا تقولوا هذا، فقد جاءكم بشير ونذير.

ذلك سبب نهيكم عن القول؛ لأنه غير الواقع، إذ جاءكم بشير ونذير، فلا تقولوا إنه لم يأتنا بشير ونذير.

وصف بشير على وزن فعيل ودلالته على اسم الفاعل واسم المفعول

وكلمة «بشير» من الأوصاف التي وصف الله سبحانه وتعالى بها نبيه في كتابه، وهي على وزن فعيل. وقد ذكرنا أن صيغة فعيل تُطلق ويُراد منها اسم المفعول، أو تُطلق ويُراد منها اسم الفاعل.

فيكون «بشير» إما بمعنى مُبشِّر [اسم فاعل]، فإذا كان مُبشِّرًا فهو يُبشِّر غيره ويقوم بعملية البشرى لغيره، يُبلِّغ البشرى لغيره: أبشِر ستدخل الجنة إن شاء الله. و«بشير» بمعنى مُبشَّر [اسم مفعول] يعني أن شخصًا يُبشِّره.

صيغة فعيل تصلح للدلالة على اسم الفاعل والمفعول معاً أو استقلالاً

وقد ذكرنا أن هذه الصيغة «فعيل» تصلح للدلالة على اسم الفاعل استقلالًا، أو للدلالة على اسم المفعول استقلالًا، أو للدلالة معًا.

فهل يصلح أن يكون النبي ﷺ مُبشِّرًا ومُبشَّرًا؟ نعم؛ لأنه يُبشِّر الناس بالعفو والمغفرة والرحمة الربانية، وهو مُبشَّر بشَّره الله سبحانه وتعالى بالشفاعة وبالجنة وبالفردوس الأعلى، وبأنه يعصمه من الناس، وبأنه قد فتح له فتحًا مبينًا، وبأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

النبي ﷺ مُبشِّر ومُبشَّر به وبشارات القرآن الدالة على ذلك

﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلْأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰٓ﴾ [الضحى: 3-5]

يكون كل هذا في ماذا؟ في بُشرى. إذن هو مُبشِّر، وكذلك فهو مُبشَّر به:

﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى ٱسْمُهُٓ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6]

فهو المُبشِّر المُبشَّر عليه الصلاة والسلام.

دلالة كلمة بشير على الأمرين معاً وكلمة نذير على اسم الفاعل فقط

إذن «البشير» هنا تصلح للدلالة على الأمرين، ولا [تقتصر] الدلالة على واحدة منهما، [بل] للدلالة على الأمرين معًا، ولا بالتبادل، معًا. هذا هو ذاته قام به ما اقتضى أنه مُبشِّر، وقام به ما اقتضى أنه مُبشَّر، بل وقام به ما اقتضى أنه مُبشَّر به هو نفسه، بُشِّر هو، بشَّروا به، فهو مُبشَّر به. الله! هذا يكون من ماذا؟ من كل جانب هو بشير صلى الله عليه وسلم.

أما «نذير» فصيغة فعيل هي فقط تصلح للدلالة على مُنذِر. فهل أحد أنذره [النبي ﷺ]؟ لا، [لا] يصح أن يكون نذيرًا بمعنى مُنذَر، لا تصلح إلا أنه مُنذِر، يُنذر الناس بعواقب أمورهم وما يفعلون، يقول لهم: انتبهوا، إنَّ ما [تفعلونه خطأ]، ويقول: هذا الخطأ الذي أغضب الله، دعنا نترك هذا الأمر.

فما هو «نذير»؟ إنه بمعنى واحد فقط وهو مُنذِر.

قاعدة أصولية: الاقتران ليس بحجة في باب الأمر مع التطبيق على بشير ونذير

إذن نعمل بالصيغ اللغوية عندما يمكن العمل بها، فلا يأتي أحد ليقول لك إن «نذير» مثل «بشير»، فهذا يُعدُّ خلطًا لا يصح. وهذا يُفهم بناءً على الإمكان: هل هذا ممكن أم غير ممكن؟ لا، غير ممكن، خلاص، لا يمكن.

ولذلك كلمتان وراء بعض: «بشير ونذير»، «بشير» تأتي اسم فاعل واسم مفعول، و«نذير» تأتي اسم فاعل فقط. ولذلك العلماء من خلال هذا التأمل والتدبر واللغة قالوا: الاقتران ليس بحجة.

انظر إلى هذا الكلام: الاقتران ليس بحجة، بينما أنت وحدك أخذت أحكامًا معينة، فإن بعض الأحكام الأخرى ليست بالضرورة تأخذ نفس الحكم.

تطبيق قاعدة الاقتران ليس بحجة على حديث خمس من الفطرة

انتبه عندما قال النبي ﷺ - لكي نوضح الكلام -:

قال النبي ﷺ: «خمسٌ من الفطرة: الختان، ونتف الإبط...»

أو الإبط والختان. فـالختان واجب للذكور، ونتف الإبط هيئة [أي] سنة. فهل عندما ذكرهما معًا وكان نتف الإبط هيئة، يصبح الختان هيئة؟ لا، الاقتران ليس بحجة.

هل أنت منتبه؟ حسنًا، نقطة أخرى لتوضيح الأمر لك: بالطبع الخمسة الباقون مثلًا الاستحداد، يعني غسل البراجم أي غسل ما بين الأصابع، هي هيئة أيضًا وشيء [مستحب]. إذن هذه واحدة فقط التي هي واجبة [وهي الختان] والباقي كله ماذا؟ سنة.

تطبيق قاعدة الاقتران على آية إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [النحل: 90]

بماذا [يأمر]؟ قال: بالعدل، هذا العدل واجب عليَّ. من الممكن أن أعدل مرة وأظلم مرة؟ لا، هذا واجب ليس [مرة واحدة بل] أحد [يلتزم به] على الدوام كما هو واجب.

طبعًا بالعدل والإحسان، الإحسان يعني العطاء، الإحسان معناه الخلق الكريم، يجب أن تُبرز الخلق الكريم. أليس هذا من فضائل الأخلاق؟ هذا من فضائل الأخلاق، التبسم في وجه أخيك صدقة.

وإيتاء ذي القربى هذه أحسن أن تعطي، طبعًا وأثوب أن تعطي. هل العدل في وجوبه مثل إيتاء ذي القربى في وجوبه؟ لا، بل مثل الإحسان.

هذا يقول:

﴿مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91]

خلاصة قاعدة الاقتران ليس بحجة في الأمر وحجة في النهي

إذن إذا اقترنوا بجانب بعضهم: العدل، الإحسان، إيتاء ذي القربى، وكانت أحكامهم مختلفة، قال العلماء: كل هذا من باب البشير والنذير. افهم: «بشير» نفعت للاثنين [اسم فاعل واسم مفعول]، «نذير» ما نفعت إلا لوحده [اسم فاعل فقط]، فالاقتران ليس حجة.

فليذهبوا ويبحثوا ليجدوا فعلًا أن الاقتران ليس حجة. قالوا: لكن عندما يكون هناك نهي، فالاقتران يصبح حجة. عندما يكون هناك نهي يصبح الاقتران حجة:

﴿وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ﴾ [النحل: 90]

كله حرام، وليس واحدة مكروهة والأخرى حرام والثالث خلاف الأولى، لا، هذا كله حرام.

ففي حالة الأمر، الاقتران ليس بحجة، وفي حالة النهي، الاقتران حجة.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.