سورة المائدة | حـ916 | 12 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ916 | 12 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • القرآن الكريم يبين سنن السابقين ليس للقصص فقط، بل للهداية والتكليف والبناء الحضاري.
  • ذكر الله ميثاقه مع بني إسرائيل ليكون عبرة لنا، فنلتزم بما أمرهم به ونتجنب ما نهاهم عنه.
  • وعد الله بأن يكون مع عباده إذا أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فالصلاة ميثاق بين العبد وربه.
  • الزكاة واجب على الأغنياء، ومن تركها فقد نقض ميثاق الله.
  • يجب على المسلم الإيمان بجميع الرسل دون استثناء، فلا يصح أن نكفر بأحدهم أو نسبهم.
  • لا يجوز للمسلم أن يسب سيدنا موسى بسبب النزاع مع بني إسرائيل، كما لا يجوز الرد على من سب النبي محمد بسب سيدنا عيسى.
  • المسلم الحقيقي ليس عنده غل، بل يحترم جميع الأنبياء ويؤمن بهم.
  • من يشك أو يقل أدبه مع الأنبياء فحسابه عند الله، والله يكفي المؤمنين شر المستهزئين.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة في بيان سنن الأولين في سورة المائدة والتحذير من الوقوع فيما وقعوا فيه

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدنا رسولِ اللهِ وآلهِ وصحبهِ ومَن والاهُ.

معَ كتابِ اللهِ وفي سورةِ المائدةِ يقولُ ربُّنا سبحانه وتعالى وهو يبينُ لنا سُنَنَ الذينَ خَلَوْا مِن قبلِنا، فيُحذِّرُنا أن نقعَ فيما وقعوا فيهِ، ويأمُرُنا أيضًا بما أمرَهُم بهِ؛ مِن أجلِ النجاةِ في الدنيا، ومن أجل أن ننجو في الدنيا، ومن أجل أن نتقي العذاب في الآخرة.

القرآن ليس كتاباً تاريخياً بل كتاب هداية وتكليف وبناء إنسان

يبين لنا [ربنا سبحانه وتعالى] سنن السابقين ليس على سبيل القصة فقط، بل على سبيل الأمر لنا في قابل أيامنا. ولذلك كان القرآن ليس كتابًا تاريخيًا يروي أساطير، بل هو كتاب هدى وتكليف وتشريف ودفع حضاري وبناء إنسان.

كتاب هدى للمتقين، فيه شفاء لكل الناس.

آية ميثاق بني إسرائيل وموقف المسلم من قراءتها بعيداً عن العنصرية

قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ [المائدة: 12]

على طول أول شخص يقرأ الآية يقول: نعم، انتظر حتى نرى كيف تكون معاداتنا لبني إسرائيل؟ كيف نريد أن نعادي بني إسرائيل؟ العبرة ليست هكذا، بل إننا ما أحببناهم إلا لصفاتهم الطيبة التي تميزوا بها عن الكافرين ففضلهم الله بها على العالمين، وما كرهناهم إلا لصفاتهم الخبيثة الدنية التي أفسدوا بها في الأرض.

فنحن أقوامٌ لا نعرف التفرقة العنصرية ولا التمييز بين الناس، نحن أقوامٌ نعرف الصراط المستقيم وندعو إليه، فمن انحرف مغضوبًا عليه أو ضالًا عنه كرهناه، نصحناه، وعظناه، أمرناه بقدر انحرافه عن الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم سبحانه وتعالى.

البحث عن أوامر الله لنا في قصص بني إسرائيل والمبادرة بالطاعة

ولذلك فعندما نقرأ هذا [ميثاق بني إسرائيل] نبحث عن الأوامر التي يوجهها الله لنا نحن أول شيء.

﴿وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ [المائدة: 12]

أخذ الله إذن، فالله يريد أن يصنع ميثاقًا مع فئة من البشر، نحن هنا على الفور، نحن يا رب هنا، سمعنا وأطعنا، إياك أن تقول سمعنا وعصينا. نعاهدك يا رب بما كنت ستعاهد به بني إسرائيل، عصى من عصى وآمن من آمن.

وجّه الكلام لنفسك، انظر ماذا أراد ربنا وعلى الفور تمسك بمراد الله فتجعل القرآن كتاب هداية.

شرط معية الله للعبد إقامة الصلاة كما جاء في ميثاق بني إسرائيل

﴿وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: 12]

بعثنا منهم اثني عشر نقيبًا.

﴿وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ﴾ [المائدة: 12]

إذا الميثاق ترتب عليه أن أقامني الله سبحانه وتعالى فيما أرادني أن أقوم فيه، بعث مثل الرسالة، هكذا مثل مقام الرسالة.

ثم وقال الله إني معكم، يا أنا أحب هذه، أحب أن يكون ربنا معي! نريد أن يكون ربنا معنا، هذه هي القضية.

ماذا نفعل إذن؟

﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [المائدة: 12]

نعم، هذا هو الكلام! ربنا يكون معك يا مسلم عندما تقيم الصلاة.

الصلاة ميثاق بين العبد وربه والتحذير من التشبه بعصيان بني إسرائيل

إياك أن تفعل كعصيان من سبقك [من بني إسرائيل]، أُمروا بالصلاة فرفضوا، والمسلم الذي لا يصلي يكون متشبهًا بهم في عصيانهم، لا يتشبه بهم في الحفاظ على ميثاقهم.

فلتعلم أيها المسلم أن الصلاة ميثاق بينك وبين ربك، وأن الله يريد منك أن تقيم الصلاة وأن تتمسك بها وأن تجعلها على الوجه الأكمل.

﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [المائدة: 12]

نعم، هذه هي التي أريدها حتى يكون الله معي.

إيتاء الزكاة ميثاق مع الله ونقضه بتركها من الأغنياء

﴿وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [المائدة: 12]

عبادة قاصرة وعبادة متعدية، لا ينسى الأغنياء واجبهم الذي أقامهم الله فيه، فإن نسي الأغنياء أو تناسوا إخراج الزكاة فقد نقضوا ميثاق الله.

فإن ادّعوا أنه لم يواثقهم على ذلك فقد كذبوا؛ فإن الله ما قص علينا القصص إلا عبرة لأولي الألباب. لقد كان لكم في قصصهم عبرة، فهو لا يقصها علينا هكذا، بل يقصها علينا لكي نقيم أنفسنا مقامهم، فننتهي عما نهاهم عنه، ونقيم أنفسنا مقامهم فيما أمرهم به.

قل له [لربك]: يا رب، لقد جعلتنا خلفًا لهؤلاء فلا نعصيك كما عصوك، بل نقوم بمرادك كما أردت.

وجوب الإيمان بجميع الرسل وحرمة سب أي نبي من أنبياء الله

﴿وَءَامَنتُم بِرُسُلِى﴾ [المائدة: 12]

فينبغي علينا أن نؤمن بكل الرسل، لا يجوز لنا أن نكفر بأحدهم. كان هناك شخص، ونحن مؤمنون بكل الرسل، فلا يصح أن نشتم سيدنا موسى لأنني في نزاع بيني وبين بني إسرائيل وصل إلى الحرب وسفك الدماء، لا يصح هذا.

أقول: سيدنا موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. لا يصح إذا تجرأ أحد من أتباع السيد المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فسب محمدًا، أن ننتقم منه فنسب سيدنا عيسى، لا يصح هذا.

فهذا [سيدنا عيسى] سيدنا وهو جزء من إيماننا، فلا بد أن نؤمن بسيدنا عيسى كما هو إيماننا بسيدنا محمد، هكذا فلا بد علينا أن نؤمن برسل [الله جميعًا].

قصة الشاعر الذي سب السيد المسيح وأمه وتكفير العلماء له ثم توبته

مرة شخص ما (لا داعي لذكر اسمه لأنه انتقل إلى جوار ربه) من الشعراء، جاء المبشرون في الجامعة الأمريكية في بيروت وبدأوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم، فحصلت له نوع من أنواع العصبية والغيرة غير المحمودة وكان شاعرًا، فذهب وكتب قصيدة طويلة عريضة هكذا في سب السيد المسيح والسيدة الصديقة [مريم عليها السلام].

فقالوا له: لماذا يا فلان أنت تسبهما؟ لصالح مَن؟ لصالح الإسلام؟

قالوا له: لكنك لست مسلمًا هكذا أصلًا، وكفّروه لأنه سب السيد المسيح وأمه عليهما السلام. كفّروه وقالوا: أنت لست مسلمًا أصلًا.

فلصالح مَن أنت تكتب هذه؟

لا، أنا كتبتها لأفشّ غِلّي. قال له: لا يصح ذلك، فالمسلم أصلًا ليس عنده غِلّ، فأنت لست مسلمًا أيضًا. وهكذا كفَّروه، فتاب إلى الله.

وجوب الإيمان بكل الرسل وأن الله يكفي المستهزئين بنبيه

ولذلك لا نجد هذه القصيدة حتى في ديوانه، ولم يريدوا نشرها لأنه تاب إلى الله منها، الحمد لله أنه تاب إلى الله.

لكن انظر، المسلمين يجب عليهم أن يؤمنوا بكل الرسل، ومن يشتم [نبيًا] فحسابه عند ربه، ومن سيقل أدبه ومن سيطول لسانه:

﴿إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ﴾ [الحجر: 95]

فسيكفيكهم الله وهكذا، لا تلتفت إلى الأسافل من الخلق.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.