سورة المائدة | ح 939 | 19| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 939 | 19| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • تفسير قوله تعالى "والله على كل شيء قدير" يتطلب تحديد معنى "الشيء" عند أهل السنة والجماعة وهو الموجود، وعند المعتزلة هو الممكن.
  • القدرة صفة من صفات المعاني السبع الثابتة لله تعالى وهي: القدرة، الإرادة، السمع، البصر، العلم، الحياة، الكلام.
  • هذه الصفات ذاتية قائمة بذات الله، ونفيها عنه يترتب عليه نقص، بخلاف صفات الأفعال كالرزق والإحياء والإماتة.
  • قدرة الله تعالى تتعلق بالممكن فقط وهو ما له طرفان: الوجود والعدم، فتتسلط عليه إيجاداً وإعداماً.
  • القدرة لا تتعلق بالواجب ولا بالمستحيل لأن كلاً منهما له طرف واحد.
  • الأسئلة حول قدرة الله على فعل المستحيل خاطئة لأن المستحيل لا تتعلق به القدرة أصلاً.
  • معرفة هذه القواعد تجعل العقل صافياً وتجيب عن كثير من الأسئلة العقدية.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الحلقة واستكمال تفسير آية من سورة المائدة عن قدرة الله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى في نهاية الآية التي بدأنا في تفسيرها في حلقات سابقة:

﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 120]

معنى الشيء عند أهل السنة والمعتزلة وسيبويه واختلاف الاصطلاحات

تكلمنا عن معنى الشيء، وأن الشيء هو الموجود عند أهل السنة والجماعة، وهو الممكن عند المعتزلة، وهو الأقسام الثلاثة في اللغة عند سيبويه. وهذا اصطلاح، وكما يقول العلماء: لا مُشاحّة في الاصطلاح؛ فيمكن أن نسير على أي اصطلاح كان.

والشيء هو الحاصل عند أهل السنة والجماعة، ولذلك فإنه يُطلق على رب العالمين، بناءً على قوله تعالى:

﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدَةً قُلِ ٱللَّهُ﴾ [الأنعام: 19]

فسمّى [الله سبحانه وتعالى نفسه] الشيءَ وأطلقه، أو سمح به سبحانه وتعالى.

ورود لفظ شخص الله في البخاري وحمله على المعنى المجازي

وورد في البخاري عن سيدنا رسول الله ﷺ أنه قال:

«فمن جاهد في سبيل الله... شخصُ الله»

كلمة «شخص» يعني في استعمالاتنا الدارجة هكذا لا نستعملها في حق ربنا؛ لأن شخصًا معناه له مُشخَّصات، وربنا لا توجد مُشخَّصات [له سبحانه وتعالى]. لكن ورد في الحديث «شخصُ الله».

ماذا يعني ذلك؟ يعني ذات الله، يعني في سبيل الله. فيكون من قبيل المجاز؛ لا نأخذه على أنه قامت به مُشخَّصات، بل إننا نأخذه على معناه المجازي الذي هو ذات الله سبحانه وتعالى. ومن هنا نعرف كلمة شيء.

موقف أهل السنة من كلام المعتزلة والأخذ بالحكمة أينما وُجدت

والمعتزلة قالت: هو [أي الشيء] الممكن، من أجل أن تردّ على الفلاسفة. وفي بعض الأحيان - وليس في كل الأحيان - يرضى أهل السنة والجماعة بكلام المعتزلة، لا رضًا بمذهبهم، وإنما أخذًا بكلامهم إذا كان نافعًا للبشرية وللمفكرين من غير المسلمين وللفلاسفة وما إلى ذلك، في عرض صحيح عقائدنا وصحيح أفكارنا.

ولذلك وإن كانت المعتزلة من المسلمين، إلا أن أهل السنة لا يرضون بأصولهم - بأصول المعتزلة - لكن يأخذون - ولا بأس - من كلامهم ويرضون به. وهذا على سبيل: الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها؛ فالحكمة يأخذها المؤمن من أي مكان.

كلمة قدير اسم من أسماء الله وصفة القدرة من صفات المعاني السبع

وكلمة «قدير» هي اسم من الأسماء القرآنية التي سمّى الله بها نفسه، وصفة من الصفات السبع الثابتة. وهذه السبع تُسمّى بـصفات المعاني:

  1. قدرة
  2. إرادة
  3. سمع
  4. بصر
  5. علم
  6. حياة
  7. كلام

استمرّ [الشيخ يعدّها]: القدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والعلم، والحياة، والكلام. سبع صفات هي صفات ذاتية لرب العالمين.

الفرق بين صفات الذات وصفات الأفعال وضابط التفريق بينهما

هناك صفات أفعال، هذه شيء آخر: أنه رحمن، أنه يُحيي، أنه يُميت، أنه يخلق، أنه يرزق. هذه يُسمّيها صفات أفعال.

وما ضابط الصفات والأفعال؟ الصفات والأفعال: له أن يفعلها وله ألّا يفعلها. افترض أنه لم يرزقك الولد، ليس فيها نقص. هذه ليس فيها نقص؛ إذن لا يترتب على فعلها أو عدمها نقص، هذا هو تعريفهم [أي تعريف العلماء لصفات الأفعال].

لم يرزقك وأفقرك، فالفقر أحيانًا يكون سترًا لبعض الناس. أغناك؟ إذن الإغناء والإفقار هي من صفات الأفعال. لماذا؟ لأنه لا يترتب على نفيها نقص. إذا لم يرحم الله تعالى شخصًا طاغيًا، فإن ذلك لا يترتب عليه نقص.

صفات الذات السبع لا يجوز نفيها عن الله لأن نفيها يستلزم النقص

فما هي صفات الأفعال؟ التي إذا نفيناها عن رب العالمين لا يترتب عليها نقص. أما الصفات الذاتية يترتب [على نفيها نقص].

فلا تستطيع أن تقول أن ربّنا غير قدير؟ لا، هذا غير صحيح. غير مريد؟ لا، هذا غير صحيح. غير سميع أو غير عليم؟ لا، هذا لا يصح.

ولذلك هذه الصفات السبع، ماذا نسمّيها؟ صفات الذات أو صفات المعاني، وهي قائمة بذاته سبحانه وتعالى: قدرة، إرادة، سمع، بصر، علم، حياة. هل تستطيع أن تقول ربنا غير حيّ؟ لا يجوز [ذلك مطلقًا].

صفة الكلام الإلهي الدائم والفرق بين الدال والمدلول في القرآن الكريم

وكلمة [الكلام] تستمر، ماذا يعني؟ كلام دائم لا يتوقف، وأنها صفة من صفاته [سبحانه وتعالى]، وأن القرآن الكريم الذي بين أيدينا إنما هو دالٌّ على هذه الصفة.

فهناك دالّ وهناك مدلول. فعندما تكتب كلمة «الله» على لوحة هكذا، تكون هذه دالًّا، أما ذات الإله فهذا شيء آخر. فالذات الإلهية [شيء] والعبد عبد والرب رب، هناك فارق بين المخلوق والخالق.

الذات الإلهية هذه ليست في الأكوان، هي خارج الأكوان. والأشاعرة يقول [بعضهم]: لا خارج ولا داخل، هذا شيء آخر. حسنًا، لكن القضية هي أن الله سبحانه وتعالى مستقل بذاته، قدرة قائمة والعلم قائم.

تعلق القدرة الإلهية بالممكن دون الواجب والمستحيل إيجادًا وإعدامًا

القدرة هذه ما هي؟ قال [أحدهم]: ليس هناك شيء اسمه ممكن. قال له: نعم. قال: القدرة تتعلق بالممكن. حسنًا، وهذا الممكن عبارة عن ماذا؟ قال: إما موجود وإما معدوم. قال: إذن القدرة تتسلط على الممكن إيجادًا في الموجود وإعدامًا في المعدوم.

إذن القدرة تكون هكذا متسلطة على دائرة الممكن.

هل القدرة تتعلق بالواجب جلّ جلاله؟ لا. أي لا يوجد شيء يُسمّى أن الله قادر على أن يُميت نفسه، لا يوجد شيء مثل هذا. القدرة لا تتعلق أصلًا من الناحية العقلية إلا بما له طرفان. واجب الوجود هذا طرف واحد وليس طرفين، طرف واحد.

إذن القدرة تتعلق بما له طرفان، لا تتعلق بالمستحيل ولا تتعلق بالواجب.

الإجابة على سؤال هل يستطيع الله فعل المستحيل وبيان خطأ السؤال

بل هذه [القاعدة] إذا فهمناها سنُجيب على ستين ألف سؤال. كل الأسئلة تتعلق بمسألة:

هل يستطيع الله أن يفعل المستحيل؟ يعني هذه القدرة لا تتعلق [بالمستحيل]. هذا السؤال خاطئ قبل أن تسأله؛ كانت هذه القدرة معناها قدرة متعلقة بالممكن، لأنها تعمل واحدًا من شيئين: إما إيجاد أو إعدام، إما إعدام أو إيجاد. يوجده ثم يعدمه ثم يوجده، هكذا طرفان.

أما المستحيل فهو طرف واحد، إنه لا يوجد أصلًا؛ فتكون القدرة لا علاقة لها به.

تشبيه القدرة بذات العينين وعدم تركيبها على ذي الطرف الواحد

لذلك عندما تسأل: هل يستطيع ربنا أن يفعل المستحيل؟ فهذا سؤال خاطئ. لماذا؟ لأن المستحيل له طرف واحد هكذا، هو عود واحد هكذا.

والقدرة لها عينان، تُركَّب على هيئة العينين [أي تحتاج إلى طرفين: الإيجاد والإعدام]. لكن هذا [المستحيل] بعين واحدة. الواجب عود واحد فقط، فلا تُركَّب عليه القدرة. تُركَّب [القدرة] على ما له عينان.

فأنت تأتي وتقول: نريد أن نركّب القدرة على ذي العين الواحدة، هذا لا يصلح. فلا يصح أن تتعلق [القدرة] بالمستحيل، ولا تتعلق بالواجب. القدرة تتعلق بالممكن.

أهمية دراسة العقيدة في الأزهر وختام الحلقة بذكر صفات المعاني السبع

نعم، ما هذه العبارة؟ الذين عرفوها في الأزهر فتجد عقولهم صافية وواضحة، ولا يسألون أسئلة كثيرة؛ لأنه قد تمت الإجابة على كل أسئلته [أي أسئلة الطالب الأزهري]. تتعلق القدرة بذي الطرف الواحد [أي لا تتعلق]، وهكذا تحفظ فتجد نفسك أنك تفهم أشياء كثيرة:

قدرة، إرادة، سمع، بصر، علم، كلام، علم، حياة. الكلام استمرّ [أي صفة الكلام دائمة لا تنقطع].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.