سورة المائدة | ح 949 | 30| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 949 | 30| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • تتدرج النفس البشرية عبر سبعة مستويات: الأمارة بالسوء، اللوامة، الملهمة، المطمئنة، الراضية، المرضية، والكاملة.
  • النفس الأمارة بالسوء تدفع صاحبها للشر كما فعلت مع قابيل حين طوعت له قتل أخيه فأصبح من الخاسرين.
  • الإسلام يدعو للانتقال من النفس الأمارة إلى المراتب الأعلى بمجاهدة النفس ومقاومة شهواتها.
  • الكمال البشري ممكن وقد وصل إليه الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون والعلماء والأتقياء.
  • أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الكمال في الرجال كثير، وفي النساء وصل إلى أربع منهن مريم وآسية وخديجة.
  • يختلف الإسلام عن نظريات فرويد في أن الأخير وصف النفس الأمارة وصفاً صحيحاً لكنه أمر بإطلاق شهواتها دون ضوابط.
  • الإسلام يتفق مع فهم طبيعة النفس البشرية لكنه يدعو لمقاومتها وتهذيبها بدلاً من الاستسلام لها.
  • مجاهدة النفس تشريف للإنسان وليست تضييقاً عليه، وهي طريق الراحة والسعادة الحقيقية.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

تفسير قوله تعالى فطوعت له نفسه قتل أخيه في سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ [المائدة: 30]

طوّعت له نفسه أي إنّ نفسه دفعته وسوّلت له وزيّنت له أن يقتل أخاه.

أنواع النفوس في القرآن الكريم من الأمّارة إلى المطمئنة

فطوّعت له نفسه، والنفس منها ما هو أمّارة بالسوء:

﴿إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوٓءِ﴾ [يوسف: 53]

ومنها نفسٌ لوّامة تعاتب صاحبها وتجعله مترددًا بعد فعل الذنب، ومنها نفسٌ ملهمة يُلهمها الله سبحانه وتعالى الطريق الصحيح، ومنها نفسٌ مطمئنة:

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الفجر: 27-28]

ولذلك فمنها الراضية ومنها المرضية ومنها النفس الكاملة.

مراتب النفوس السبعة عند العلماء والنفس الكاملة في الإسلام

قالوا إنّ في النفوس سبعة أنحاء:

  1. النفس الأمّارة
  2. النفس اللوّامة
  3. النفس الملهمة
  4. النفس المطمئنة
  5. النفس الراضية
  6. النفس المرضية
  7. النفس الكاملة

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء - يعني إلى عصره - إلا أربع»

وعدّ منهن مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وفاطمة بنت محمد عليها السلام وعليه الصلاة والسلام، وخديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها أم المؤمنين.

إمكانية بلوغ النفس الكاملة وقلة نسبتها في النساء وأسباب ذلك

فالحقيقة أنّ كَمُلَ من الرجال [كثير]؛ إذن توجد نفوس كاملة تكتمل، وإن كانت في البشر قليلة، لكن نسبتها في الرجال أكثر من نسبتها في النساء.

وذلك لصفات تتمسك بها النساء؛ فإذا تخلّت المرأة عن الصفات [السلبية] ووسّعت قلبها للعالمين، وامتنعت عن الغيبة والنميمة، ورتّبت أولوياتها مرة أخرى ترتيبًا آخر يتّسق مع أوامر الله سبحانه وتعالى، تكمل كما كملت نساء الأولين.

من وصل إلى مرتبة الكمال من الأنبياء والصديقين والصالحين وأهل القرآن

فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يشير إلى أنّ الإنسان يكمل وأنه قد يصل إلى مرتبة الكمال. وصل إلى مرتبة الكمال الأنبياء، ووصل إليها الصدّيقون، ووصل إليها الشهداء، ووصل إليها الصالحون، ووصل إليها العلماء، ووصل إليها الأتقياء، ووصل إليها أهل الله وأهل القرآن الذين اشتغلوا بحمل هذا الدين لمن بعدهم.

ووصلوا إليها أولئك الذين لم يريدوا فسادًا ولا علوًّا ولا طغيانًا في الأرض، ووصلوا إلى الكمال كثيرًا:

﴿أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: 62]

تميّز الحضارة الإسلامية بتدرج مراتب النفس مقابل الحضارات الأخرى

فطوّعت له نفسه تُعدّ هذه من النفس الأمّارة بالسوء، والنفوس السبعة غاب تدرّجها عن كثير من الحضارات غير الإسلام.

في الإسلام التفت المسلمون إلى تنوّع الناس، ولذلك كتبوا في مراتب النفس وفي صفاتها وفي كل مرحلة، ولم يجعلوا غاية الإنسان النفس الأمّارة بالسوء، بل وصفوها وأمروا الإنسان أن ينتقل منها إلى النفس اللوّامة ثم النفس الملهمة.

ولكن هناك في حضارات أخرى نظروا إلى النفس الأمّارة بالسوء على أنها هي النفس الإنسانية الأصيلة، فأمروها أن تبقى كما هي وسهّلوا لها كل ما يُدخل الانبساط والسرور عليها.

نتيجة إطلاق النفس الأمّارة بلا ضوابط من اكتئاب وانتحار

فماذا كانت النتيجة في النهاية؟ الاكتئاب، وأمراض النفوس كلها، وأمراض المجتمع كلها، ثم الانتحار في نهاية المطاف بعد أن ييأس [الإنسان] من القلق الذي يصيبه.

فرويد وصف النفس الأمّارة بالسوء خير وصف، وعندما نتحدث إليه نقول له: انتبه يا فرويد، نحن متفقون معك مئة في المئة، ولكن في ماذا؟ في الوصف وليس في العلاج.

أنت وصفتَ النفس أنها قد زُيِّنت لها الشهوات، أجل، فربنا قال هكذا:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ [آل عمران: 14]

ولكنك أمرتَه أن يفعل هذه الشهوات بلا ضابطٍ ولا رابطٍ، ونحن لا نأمره بذلك.

منهج الإسلام في مجاهدة النفس والشيطان وعدم الاستسلام لهما

بل نقول له: والنفس كالطفل، إن تهمله شبّ على حب الرضاع، وإن تفطمه ينفطم. فحاذر النفس والشيطان واعصهما، وإن هما محّضاك النصح فاتّهم، ولا تُطع منهما خصمًا ولا حكمًا، فأنت تعلم كيد الخصم والحكم.

وقفوا مع النفس يقول [الإنسان]: ما أنا أعرف أنها تأمرني بالسوء، وأنا أعرف أنها تجعلني أفكر تفكيرًا غير صحيح، ولكن أترك نفسي هكذا؟ فرويد يقول له: نعم، لكي ترتاح. لكن هذا ليس طريق الراحة، ولكي تسعد، فهذا ليس طريق السعادة، لأجل أن تنطلق، هذا ليس طريق الانطلاق.

الاصطدام بالفطرة الربانية ومنهج العلاج المادي للاكتئاب وفشله

هذا الذي حدث بعد ذلك أنني [أي الإنسان] اصطدمت بخلقة الله في فطرته. فكثير مما صار في هذا [المنهج] أن يأتي لشخص اكتئاب، فيقول له [المعالج]: حسنًا، تعال وسأعطيك حبوبًا للاكتئاب لكي تزيد الدم في مخك، فتصبح هكذا، أي ترى الدنيا جميلة. فأدخله في دورة إدمان واصطدم في النهاية مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

إنما أنا عندما قلت له: لا تستسلم، قاوم نفسك، اعصها، افعل كذا، قم، يجد حلاوة ذلك في قلبه ويبدأ ينتقل من خطوة إلى خطوة، وتجادله نفسه مرة أخرى فيقاومها، فينال ثوابًا ويشعر بلذة.

حديث غض البصر والفرق بين منهج الإسلام ومنهج التفلت

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في شأن غض البصر:

«النظرة الأولى لك والثانية عليك»

مَن الذي لا يريد أن يغض بصره؟ هذه خاصية متأصلة في الفطرة البشرية، ولكن آخر يقول له: لا يهمك، لماذا تحرم نفسك من الجمال؟ انظر وأرح نفسك، حدّق. والآخر يقول له: لا، غُضّ البصر.

الفرق بين المنهجين أنّ كليهما قد اعترف بالنفس الأمّارة، لكن هذا وصف العلاج بالتفلّت، وهذا وصف العلاج بالالتزام. فتنبّه؛ فإنه يُشكل على كثير من الناس، وهذا هو مدخل من المداخل التي يختلف فيها المسلمون مع غيرهم.

منهج ترك النفس حرة يصطدم مع الفطرة الربانية وأوامر الله تعالى

والآخر يقول لك: يا الله، ما أشدّ ما أنت عليه! لماذا ستخنقوننا؟ دعوها هكذا حرة كمنهج. ولكنه منهج يصطدم مع الفطرة الربانية، ويصطدم مع أوامر الله، ومع مراد الله في خلقه، ومع المنظومة بأكملها.

والآخر يلتزم:

﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ﴾ [النور: 30]

أبدأ بالغض.

قال النبي ﷺ: «لا يخلونّ رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما»

والآخر في هذا يكتب ويسخر من هذه الأمور ويستهزئ بها. لماذا؟ لأنه لا يريد تكليفًا، ولكن التكليف هو في الحقيقة للإنسان تشريف؛ يريد أن يجعله إنسانًا، والثاني يريد أن ينظر إلى جانب الحيوانية فيه.

الفرق بين الإنسان والحيوان في العقل الذي يلجم النفس ويرتقي بالروح

نعم، صحيح أنّ الإنسان كالحيوان في الحركات المريدة؛ تجد الحيوان فيه دم ودورة دموية وقلب وكُلى وكبد وكل شيء، والإنسان كذلك أيضًا. ولكن الإنسان تميّز بعقل يعقله.

وماذا يعني يعقله؟ يعني يحبسه. وماذا يعني ذلك؟ يعني يلجمه؛ وذلك كي يصبح إنسانًا، يُعطي فرصة للروح أن تتدرّج في مدارج السالكين إلى رب العالمين.

عاقبة من أطاع نفسه الأمّارة وسنّ سنة القتل إلى يوم القيامة

فطوّعت له نفسه قتلَ أخيه فقتله؛ لم يتوقف ويقول: لا، شهوة القتل التي لديّ هذه لا بد أن أوقفها.

فأصبح من الخاسرين، لا من الفائزين ولا الرابحين ولا من الناس الطيبين؛ لأنه سنّ سُنّة سيئة وسوف يتحمّل وزر كل قاتل إلى يوم القيامة.

فالقضية ليست أنه خسر منفعة فحسب، بل أصبح من الخاسرين [خسرانًا مطلقًا في الدنيا والآخرة].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.