سورة المائدة | حـ928 | 15 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ928 | 15 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • النبي صلى الله عليه وسلم وُصِف بالنور في قوله تعالى: "قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين"، وهو نور في الهداية وفي القلب.
  • أُزيل من قلبه الشريف نصيب الشيطان عندما شق الملكان صدره، فخلا قلبه من رحمة الشيطان كشأن الرحمن سبحانه.
  • امتاز قلبه بأنه كان مستيقظاً دائماً حتى أثناء نومه، فكانت تنام عيناه ولا ينام قلبه.
  • هيأه الله لتحمل الوحي الثقيل الذي كان ينزل عليه فتكاد فخذ من تحته تنخلع.
  • أعد الله جسده ليتحمل رحلة الإسراء والمعراج واختراق السماوات السبع بسرعة فائقة دون أن يتأثر بضغط الهواء.
  • تحمل جسده الشريف الجوع لأيام وربط الحجر على بطنه، وقيام الليل والجهاد نهاراً دون تأثر.
  • كان نوراً في الظاهر والباطن رغم بشريته التي تقتضي إصابته بالمرض والتألم ونزف الدم وسعيه للرزق.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

تفسير النور في سورة المائدة وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ﴾ [المائدة: 15]

والمقصود بالنور - أو لعل المقصود منه عند جمهور المفسرين - ولأنه في نهاية الآية التي تتكلم إلى أهل الكتاب أنه قد جاءهم رسولنا يبين لهم كثيرًا مما عندهم، فقد قال في أول الآية:

﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [المائدة: 15]

أن هذا النور هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع المسلمين موصوف بالنور، ومن أسمائه بناءً على هذه الآية أنه نور؛ فهو نور في الظاهر ونور في الباطن.

إخلاء قلب النبي من نصيب الشيطان عند شق صدره الشريف

كان قلبه [صلى الله عليه وسلم] منيرًا، قد أخلى الله سبحانه وتعالى منه نصيب الشيطان من البشر، أو نصيب الرحمة التي تخص الشيطان.

فلما شقّ الملكان صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزعا منه مضغة وقالا: «هذه نصيب الشيطان». بعضهم قال: «هذه نصيب الشيطان»؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة كله، وطالما رحمة فهو رحيم بالكل بما فيهم الشيطان إبليس الكبير.

فهل يصح أن يُخرج الله سبحانه وتعالى الشيطان من رحمته وتبقى الرحمة في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لخلقته على ذلك ولفطرته على ذلك بإزاء الشيطان فيرحم الشيطان؟ ماذا يحدث؟ تناقض.

إزالة الملك لرحمة الشيطان من قلب النبي كشأن الرحمن سبحانه

ولذلك الملك لما جاء أزال الرحمة التي في مواجهة هذا الشيطان المصيب، ذاك الرحمة الذي ضد الشيطان، الذي بإزاء الشيطان.

ولذلك فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خلا قلبه من رحمة الشيطان كشأن الرحمن سبحانه وتعالى؛ فإن الله يرحم خلقه لكنه توعّد إبليس بالعذاب.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم نور في الهداية ونور القلب، حتى إن قلبه الشريف كان مستيقظًا دائمًا لا يغفل ولا يسهو، بل هو في حالة تعلق دائم بالله رب العالمين في الليل والنهار، في اليقظة والمنام، في الحل والترحال، في الأرض والسماء.

يقظة قلب النبي الدائمة وخصوصيته مع بشريته صلى الله عليه وسلم

ولذلك لما جاء الملكان، قال أحدهما للآخر: ما شأن هذا الرجل؟ قال: «هذا رجل نامت عيناه واستيقظ قلبه».

فقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حالة يقظة حتى عندما تُغمَض العينان باعتبار البشرية؛ فقد كان بشرًا لكنه مؤيَّد من عند الله ومُهيَّأ من عند الله لتلقي الوحي، ولأن يكون المصطفى المختار، ولأن يكون سيد الخلق أجمعين.

فكانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، وهذه خاصية من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم تميّز بها مع بشريته.

بشرية النبي وتهيئته الجسدية لتحمل أعباء الوحي والنبوة

فالبشرية تقتضي أنه يصيب المرض كشأن البشر، وينام ويقوم بيقظة العينين أو منامهما، وأنه يسعى لتحصيل رزقه فيعمل، وأنه منقهر تحت الأسباب وتحت سلطان الرب الكريم سبحانه وتعالى.

ولكن على الرغم من هذه البشرية - فيما إذا جُرح لنزف الدم، وفيما إذا وقع من على الفرس فتألّم من كشحه - فإنه صلى الله عليه وسلم مع هذا قد تهيّأ لهذا المجهود الجسماني العظيم الذي يحتاجه النبي عند نزول الوحي.

فكان الوحي إذا نزل عليه وهو يركب ناقة أو جملًا - وهذا الجمل شديد القوة - فإن الجمل لا يستطيع حملها ويبرك من شدة [ثقل الوحي على] رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي ورجله على فخذ زوجة من زوجاته تكاد تنخلع؛ لأنه قد نزل عليه القول الثقيل.

رحلة الإسراء والمعراج وتحمل الجسد النبوي لها بلا آلة

رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بنص القرآن:

﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَـٰرَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]

كيف يتم ذلك بهذه السرعة بجسد من غير آلة مخترعة تراعي ضغط الهواء وسرعة الحال كالطائرة مثلًا، التي علّمنا الله إياها بعد مئات السنين من عصر النبي المصطفى؟ فيصل إلى هناك في دقائق، ولا الطائرة الآن التي سرعتها سرعة الصوت تصل في الدقائق؛ لأن المسافة بعيدة، تصل في ساعة، في نصف ساعة، وليس في دقيقة أو في دقيقتين.

ما هذا الجسد النبوي الذي تحمّل هذه الرحلة؟ إنه جسد من نوع خاص، إنه جسد مهيّأ لهذه الرحلة.

المعراج واختراق السماوات السبع ووصف اتساعها العظيم

والإسراء أمر أرضي لم يخرج عن قوانين الأرض، ولكن المعراج خرج عن قوانين الأرض. ورأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخترق السبع الطباق سبع سماوات، وهو يصف أن السماء الأولى بالنسبة للسماء الثانية كحلقة في فلاة - حلقة هكذا صغيرة في صحراء كبيرة.

إذن فنسبة مساحة ومسافة وحجم السماء الأولى حلقة في صحراء كبيرة بالنسبة للثانية، والثانية بالنسبة للثالثة حلقة في فلاة، والثالثة بالنسبة للرابعة حلقة في فلاة. إذن نحن في اتساعات ضخمة ومسافات يمضي بها الضوء في مئات السنين وآلاف السنين الضوئية.

فما هذا الجسد الذي اخترق كل ذلك إلى العرش؟ إنه [جسد مهيّأ من الله] بلا آلة.

مرض الصندوق وعجز البشر عن الصعود بلا آلة وتهيئة الله للنبي

إذا صعد الإنسان من الأرض فقط، في كل مائة وخمسين مترًا يزداد [الضغط] حتى يحدث ما يُسمى عندهم بمرض الصندوق. ومرض الصندوق أن يعرق دمًا؛ الدم يبدأ الذي بداخلك يبرز على وجهك، تبدأ تنزف من المسام.

لماذا؟ من الضغط! كأن شخصًا يعصرك مثل عصر عود القصب.

حسنًا، لماذا لم يُعتصر النبي [صلى الله عليه وسلم]؟ إذن هيّأه ربه لهذه الرحلة، كما هيّأه ربه للوحي، كما هيّأه ربه للتعامل مع الكائنات، مع الخير، مع الشر، مع الناس.

جسد النبي المهيأ للعبادة والجهاد والجوع وكونه نورًا ظاهرًا وباطنًا

هذا النبي الكريم كان يجوع لأيام ويشد على أحشائه الشريفة الحجر. فأي جسد هذا يقوم الليل فردًا ويجاهد في سبيل الله نهارًا دون أن يتأثر ذلك الجسد؟ إنه قد هُيِّئ [من الله سبحانه وتعالى].

فهو صلى الله عليه وسلم كان نورًا في الظاهر وكان نورًا في الباطن. فالحمد لله الذي جعلنا من أتباعه، والحمد لله الذي جعلنا مسلمين.

الصلاة والسلام على النبي المختار والدعاء بلقائه على الحوض الشريف

وصلى اللهم يا رب العالمين، على نور الأنوار وسر الأسرار وترياق الأغيار ومفتاح باب اليسار، سيدنا محمد المختار، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، صلاةً وسلامًا دائمين أبديين إلى أن نلقاه على حوضه الشريف في يوم القيامة فيسقينا من يده شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا.

صلِّ اللهم يا رب على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.