سورة المائدة | حـ909 | 8 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ909 | 8 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • العدل صفة أساسية مطلقة في حياة المسلم، لا يجوز التنازل عنها حتى مع الأعداء وأشد الكارهين.
  • قوله تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" يوضح أن كراهية الآخرين لا تبرر الظلم.
  • الشنآن مرتبة عالية من الكراهية مقترنة بالخصومة والمنازعة، لكنها لا تبيح ترك العدل أبداً.
  • العدل ليس نسبياً ولا متغيراً حسب الظروف أو الأشخاص، بل هو مكون أساسي لتصرفات المسلم في كل الأحوال.
  • تعذيب الإنسان وانتهاك كرامته من أشد صور الظلم التي يجب التوبة منها قبل فوات الأوان.
  • لا يصح ترك العدل بحجة منع الفساد أو بسبب فجور الفاجر، فالغاية لا تبرر الوسيلة.
  • القضاء يجب أن يُبنى على العدل المطلق، فلا يُحاكم الشخص على جرائم سابقة لم تثبت.
  • العدل أقرب للتقوى، وهو أمر إلهي مطلق لا يقبل التأويل.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تفسير آية العدل والقسط من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وعند قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 8]

معنى الشنآن في القرآن الكريم وأنه أعلى درجات الكراهية

﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ يعني: لا يدفعنَّكم، شنآن أي: كراهية. كما قال تعالى:

﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 3]

أي: إنَّ كارهك هو الأبتر. والشنآن هو كراهية مع خصومة ومنازعة، تقتضي أن تسلك أيَّ طريق من أجل الانتصار عليه [أي على العدو].

فالشنآن أعلى درجة من الكراهية الدافعة لأذى المدفوع بها لأذيتك [أي أنه ليس مجرد كراهية عادية، بل كراهية تدفع صاحبها إلى إيذائك بكل وسيلة].

الأمر بالعدل مع العدو رغم شدة عداوته وكراهيته

لا تجعل هذا الحال [أي شنآن العدو] يدفعك إلى ترك العدل، وهو كذلك [أي أن العدو يكرهك فعلًا]؛ نحن لا نقول لك أنه لا يكرهك بهذا القدر، لا، هو يكرهك ويرضى بإيذائك ويحاربك ويقاتلك ويريد قتلك وإبادتك، هذا واقع هكذا، هو يريد هذا.

ولكن إياك أن تتنازل عن العدل مع هذا العدو الفاجر الكافر المفسد أبدًا.

العدل صفة مطلقة في حياة المسلم لا تقبل الانتقائية

فالعدل صفة أساسية مطلقة وليست نسبية؛ لا نقوم بها في بعض الأوقات ونتركها في بعض الأوقات، ولا نقوم بالعدل في بعض الحالات ونتركه في حالات أخرى، ولا نطبقه مع بعض الأشخاص دون الآخرين أبدًا.

العدل مكوِّن أساسي لحياة المسلم ولعقله ولتصرفاته ولمُلكه حالًا ومآلًا. عليك ألا تترك العدل؛ فالعدل أساس من الأسس التي ينبغي ألا ينساها الناس.

الاعتداء على الآخرين وتعذيبهم ليس من العدل والتوبة واجبة فوراً

الاعتداء على الآخرين ليس من العدل، وتعذيب الناس والجسد الذي خلقه الله سبحانه وتعالى ليس من العدل. من عذَّب إنسانًا فعليه أن يتوب وأن يرجع فورًا قبل الفوت وقبل الموت، وقبل أن يقسو قلبه فلا يستطيع التوبة.

وقبل أن يستجيب الله للمظلوم فيحلَّ عليه غضب الله سبحانه وتعالى، وإذا حلَّ عليه غضب الله سبحانه وتعالى لا يستطيع أن يخرج منه. وقبل أن يحول الله بينه وبين قلبه فيريد أن يُقلع عن ذلك الذنب العظيم فلا يستطيع.

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]

نداء إلى كل من عذب إنساناً بالتوبة والعدل وإلا فالله بالمرصاد

ولذلك نداء إلى من عذَّب الإنسان في العالم وانتهك كرامته: أن يرفعوا أيديهم عنه وأن يعاملوه بالعدل، وإلا فإن الله سبحانه وتعالى بالمرصاد؛ يُمهل ولا يُهمل.

ومن أراد التوبة فإن باب التوبة مفتوح، ومن أراد أن يتلاعب مع الله وأن يسخر بكل قيمة وألا يستمع إلى أمر الله لنا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

ارفعوا أيديكم عن تعذيب الإنسان، وإلا فإن الله سبحانه وتعالى يغضب من فوق سبعة أرقُع [أي سبع سماوات]، وإذا غضب الله فلا رادَّ لغضبه.

إشكالية العدل مع الفاجر وأن العدل لا يُترك بسبب فساد المفسد

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

إذا العدل في بعض الأحيان، إذا ما عدلنا مع الفاجر، عدلنا مع الفاجر فإنه يخرج ويستمر في فجوره. لكن أيضًا سأعدل ولا شأن لي بهذه المسألة [أي مسألة استمراره في الفجور]؛ يستمر في فجوره وسيُفسد في الأرض.

أقول له: هذا له وضع ثانٍ؛ الأمور المتعلقة بالله لها وضع آخر. عندما يُفسد [الإنسان] نقوم بضبطه ومحاكمته مرة أخرى، لكنني لا أترك العدل بناءً على فساد المفسد وفجور الفاجر. إنني لن أترك العدل أبدًا.

العدل أساس القضاء العادل ولا يجوز الحكم على بريء بجريمة لم يرتكبها

وهذا هو أساس القضاء العادل. أقول له: حضرة القاضي، هذا الرجل لم يقتل هذا القتيل، ولكن يُخيَّل إليَّ أنه قتل قديمًا ولم يثبت عليه، أفلا يمكنك قتله؟ لا يصحُّ [ذلك أبدًا].

هذا الرجل لم يسرق، لكنه لصٌّ، لقد سرق من قبل أشياء كثيرة، لكنه في هذه الحادثة الحقيقة لم يسرق. ثم يُخرجه القاضي وهو بريء؛ لأنه لم يسرق [في هذه القضية بعينها].

التحذير من التلبيس الشيطاني بترك العدل بحجة التقوى أو منع الفساد

فانظر إلى التعبير القرآني: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. احذروا أن تظنوا أنكم لن تعدلوا من أجل أن تنالوا التقوى؛ فإن هناك شيئًا كذلك [وهو] أنني لا أعدل ابتغاء التقوى! احذر أن يُضلَّك عقلك ويلعب الشيطان به فتصل إلى هذا التلبيس الشيطاني.

العدل عدلٌ ولا شأن لي بغيره. حسنًا، إنني لن أعدل لأمنع الفساد، فما معنى ذلك؟ أي سأُفسد لكي أعمل من أجل منع الفساد؟! الغاية لا تبرر الوسيلة؛ لا يصحُّ أبدًا أن أُفسد لكي أمنع الفساد، لا يصحُّ. أنا أعدل فقط، ثم أقاوم الفساد بوعي.

احذر أن تقع في هذا التلبيس، ولذلك جاءت هنا قوله تعالى: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.