سورة المائدة | حـ 879 | 4 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •الأصل في الأشياء الإباحة، فالله تعالى أحل لنا الطيبات في قوله: "يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات".
- •كل ما خلقه الله مباح إلا ما حرمه بنص صريح، والمسكوت عنه يُعد مباحاً.
- •مصطلح (Goods) في اللغة الإنجليزية يعني الطيبات، وهي البضائع التي يتناولها الإنسان.
- •أسباب التحريم خمسة: أولها مذهبات العقل وتشمل المسكرات والمخدرات.
- •ثانيها النجاسات كالبول والدم والخمر، فهي محرمة لنجاستها.
- •ثالثها الاستقذار، وهو ما كان طاهراً لكن تناوله مستقبح كاللعاب.
- •رابعها الضرر، فكل ما يضر بالإنسان كالسموم محرم.
- •يستثنى من المحرمات ما كان للضرورة كالبنج للتخدير الطبي.
- •كل ما لم يندرج تحت هذه الأسباب الخمسة فهو من الطيبات المباحة.
- •هذه القاعدة تسهل التعامل مع المستجدات والمخترعات الحديثة في الأطعمة وغيرها.
إباحة الطيبات في القرآن الكريم وأصل الإباحة في الأشياء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ وَمَا عَلَّمْتُم﴾ [المائدة: 4]
إلى آخر الآية. إذن فربنا سبحانه وتعالى أحلّ لنا الطيبات، يعني حرّم علينا الخبائث، فكل ما أحلّه الله هو طيب.
والأصل فيما خلق الله سبحانه وتعالى في هذا الكون أن الله يقدّمه لخلقه على سبيل الضيافة، فنحن ضيوف على الرحمن سبحانه وتعالى، فأحلّ لنا كل شيء إلا أشياء محددة قليلة هي التي حرّمها علينا، حتى قال الأصوليون في أصول الفقه: الأصل في الأشياء الإباحة.
نظرية المسكوت عنه في الشريعة الإسلامية وتأثيرها في القانون
وهذه نظرية [الأصل في الأشياء الإباحة] تجعلنا نتعامل مع المسكوت عنه في الشريعة بشكل جميل، وهذه النظرية تجعلنا نتعامل مع المسكوت عنه في الشريعة الإسلامية.
والمسكوت عنه هذا أخذه القانونيون بعد ذلك، فعلماء القانون تعلّموا من علماء الشريعة قضية المسكوت عنه، لكن علماء الشريعة يُجرونها في النص المقدس من كتاب أو سنة.
أحدهم يقول: هل السنة نص مقدس؟ صحيح، السنة نص مقدس، يعني مطهّر، يعني حجة، وحجية السنة أجمع عليها علماء المسلمين بكل طوائفهم، لم ينكرها أحد.
ثغرات القانون في كليات الحقوق وعلاقتها بنظرية المسكوت عنه
المسكوت عنه مادة يدرسونها في كليات الحقوق في سويسرا اسمها ثغرات القانون. ماذا تعني ثغرات القانون؟ تعني أن القانون لم يتطرق إلى هذا الجانب، ماذا يعني؟ غير مذكورة، أي مسكوت عنها، والمسكوت عنها يُعَدُّ مباحًا؛ لأنه مسكوت عنه.
نظرية قوية جعلت ابن حزم رضي الله تعالى عنه ورحمه الله يركّز عليها كثيرًا، أن الأمور التي لم ترد أيضًا لا يُعمل قياس عليها؛ لأنه يأخذ بظاهر النص والباقي يقول إنه مسكوت عنه، والمسكوت عنه مباح.
معنى الطيبات وشمولها لكل ما يتناوله الإنسان من البضائع
الأصل في الأشياء الإباحة هي نظرية المسكوت عنه، هي لأن المسكوت عنه يكون مباحًا.
كلمة الطيبات هذه أطلقوها على كل شيء، كل سلعة، كل ما يتناوله الإنسان طيب. يبقى إذن البضائع طيبات؛ لأنها يتناولها الإنسان، فهي من الطيبات المباحة التي أحلّها لنا الله سبحانه وتعالى.
تأثير اللغة العربية في المفاهيم الشرعية وكلمة Goods الإنجليزية
ويأتي الكلام بعد ذلك عندما ننظر تأثير اللغة العربية في مفهوماتها الشرعية في اللغات الأجنبية: بضائع، ماذا تعني كلمة (Goods) باللغة الإنجليزية؟ وكلمة (Good) بمفردها ماذا تعني؟ جيد.
إذن (Good) تعني جيد، إذا قال لك (Good Boy)، فماذا تعني؟ ولد طيب. إذا جمعناها، فما هي؟ الطيب أصبحت طيبات (Goods).
إذن، و(Goods) هذه ترجمة ماذا؟ الطيبات. ما علاقة الطيبات بالبضائع؟ إن البضائع من مستهلك الإنسان ومن متناوله، ولذلك فهي طيبات. نسوا الطيبات، هذه كلمة الطيبات، ونسوا من أين أتت، وإنما الطيبات أحلّها الله لنا.
معنى إحلال الطيبات وتحريم أشياء محددة كالميتة والخنزير والخمر
فانظر ماذا تعني كلمة الطيبات:
﴿أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ﴾ [المائدة: 4]
قل أحلّ لكم الطيبات، فهذا يعني أنه أحلّ لكم كل شيء إلا أشياء لم تُحَلّ، فذكرها مثل الميتة والخنزير والخمر، أشياء محددة، والذي غير محدد الأصل في الأشياء الإباحة.
أسباب التحريم الخمسة التي تجعل الشيء غير طيب ومحرم التناول
ما سبب التحريم إذن عندما تكون كل شيء مباحة فيما لم يُذكر؟ ما سبب التحريم؟ فقال: أسباب التحريم خمسة، فلنحفظها إذن لكي نرى أن هذه الخمسة هي التي ستجعل الشيء غير طيب وستجعله محرّم التناول.
أي فاكهة من الفواكه تُجَد علينا وليست في بلادنا، سنأكلها؛ لأنها من الطيبات، من مائدة الله مما أباحه الله. أي شيء جديد سيصنعه الإنسان ويخترعه سنأكله ونشربه ونلبسه، لماذا؟ لأنها من خلق الله ولأنها ليس فيها الخمسة التي سنذكرها الآن.
السبب الأول للتحريم: الإسكار ومذهبات العقل من مخدرات وخمر
حسنًا، قل لنا الخمسة؛ لأنهم مهمون جدًا:
رقم واحد: الإسكار أو مُذهِبات العقل. فقال [أحد الحاضرين]: لماذا تقول "أو"؟ قال: لأن هذا السُّكر لا يتم إلا بالكحول، لكن مذهبات العقل يمكن أن تتم بالمخدرات.
والمخدرات طاهرة، طاهر نبات، حتى أنني لا أعرف شكله، فيمكنني أن أقطف منه ورقة هكذا وأضعها في جيبي، فهو طاهر أصلّي بها هكذا، وهو حرام التناول.
فماذا نقول إذن؟ مذهبات العقل، وتحتها نوعان هما المخدرات والخمر. إذن يقع في المرتبة الأولى الأشياء التي تُذهب العقل والتي حرّمها الله.
إباحة البنج للضرورة الطبية رغم كونه مذهبًا للعقل
هناك أشياء تُذهب العقل لا تُباح إلا للضرورة مثل البنج، فهذا البنج هو نبات لكننا استطعنا أن نصنع منه شيئًا مفيدًا للبشرية، نعطيه للمريض كي يدخل ويُجري العملية دون أن يموت.
نعم، هذا حلال ولكنه يُذهب عقلي وكأني يُغمى عليّ أو أُخدَّر، وحتى الطبيب الذي يعطيني الحقنة اسمه طبيب التخدير.
حلال؛ لأنه لو لم نفعل ذلك سنموت، فالعملية تقتل الإنسان من شدة ألمها، فيكون لم يمت من العملية بل مات من ألمها. الإسكار أو ذهاب العقل هو رقم واحد هنا: مذهبات العقل.
السبب الثاني للتحريم: النجاسة وتحريم تناول الأشياء النجسة كالخمر
والأمر الثاني: الأشياء النجسة، فكل النجاسة حرام أن يتناولها الإنسان - أعزّكم الله - مثل البول - أعزّكم الله - ومثل الدم - أعزّكم الله.
الأشياء التي ليست طاهرة، والتي ليست طاهرة لا ينبغي أن يتناولها الإنسان؛ لأنها نجسة، ومنها الخمر، فالخمر نجسة أيضًا والله.
فالخمر هذه حُرِّمت لسببين: الأول أنها مُسكِرة، والثاني أنها نجس.
السبب الثالث للتحريم: الاستقذار وتحريم الأشياء المستقبحة رغم طهارتها
الأمر الثالث: الاستقذار. الأمر الثالث الاستقذار هو أن تكون الأشياء طاهرة ولكن يحرم تناولها. مثل ماذا؟ ضربوا مثلًا مثل اللعاب، هذا اللعاب الذي يخرج من شخص (بصق) هكذا خارجًا، لا يمكن تناوله ثانيًا.
لماذا؟ لأنه مستقذر، شيء مستقذر. فشخص يقول: هل هي نجسة؟ قلنا له: لا، لكنها مقذّذة، فيكون اسمه الاستقذار.
هذه [الأشياء المستقذرة] ليست لها أي تأثير مُسكِر ولا مُذهِب للعقل ولا نجسة، لكنها مستقذرة مستقبحة، فيحرم تناولها للاستقذار.
السبب الرابع للتحريم: الضرر كالسموم والمواد الكاوية
النقطة التي بعدها: الضرر. شخص قال لي: حسنًا، سأحضر سمّ عش الغراب، فمنه نوع سام ومنه نوع غير سام. الذي غير سام نأكله في أمان الله. حسنًا، والسام؟ إنه يقتل، فيصبح حرامًا.
ما الذي حرّمه؟ لماذا تحرِّمونه؟ قلنا إننا نحرِّمه لأنه يضرّ، فالشيء الذي يسبب التسمم والشيء الذي يسبب الهلاك [محرّم]. أحدهم يريد أن يشرب ماء النار أو البوتاس، الأطفال عندما كانوا قديمًا يستخدمون هذا البوتاس، ثم ينزل إلى بطونهم فيشوّه بطونهم من شدة الأذى والنار التي فيه.
حسنًا، إنه طاهر ونصنع به الملابس، لكن يُحرَّم لأنه فيه ماذا؟ فيه ضرر.
ملخص أسباب التحريم الخمسة وقاعدة الطيبات في الإسلام
إذن هذه خمسة أشياء إجمالية: إن مُذهِب العقل فيه اثنان: مُسكِر وماذا؟ ومُخدِّر، وبعد ذلك النجاسة، وبعد ذلك الاستقذار، وبعد ذلك الضرر.
إذن هذه الأشياء عندما توجد في شيء ما لا يكون من الطيبات، وعندما يخلو منها الشيء يكون من الطيبات [المباحة التي أحلّها الله لنا].
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
