سورة المائدة | حـ 864 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •الآية الكريمة "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ" جاءت بصيغة المبني للمجهول لأن الفاعل معلوم لدى المخاطبين، وهو الله سبحانه وتعالى.
- •سبب بناء الفعل للمجهول هو العلم اليقيني بأن الحاكم هو الله، وهذا أمر متفق عليه بين جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم.
- •نص القرآن على تحريم لحم الخنزير، وثبت بالسنة تحريم باقي أجزائه كالجلد والعظم والشعر، فالخنزير محرم بالكامل.
- •يجوز التداوي بالمحرم عند الحاجة الملحة إليه، كما أباح الرسول ﷺ التداوي بأبوال الإبل.
- •الضرورة هي ما إذا لم يتناولها الإنسان يهلك أو يقارب الهلاك، والحاجة ما إذا لم يتناولها أصابته مشقة.
- •الحاجة قد تنزل منزلة الضرورة سواء كانت عامة أو خاصة، لكن الأصل في المحرم أنه حرام لا يقترب منه.
مقدمة تلاوة آية تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير من سورة المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3]
إلى آخر الآية.
لماذا بُني الفعل للمجهول في قوله تعالى حُرِّمَتْ عليكم الميتة
وعندما قال [الله تعالى]:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3]
ولم يقل: حرَّم الله عليكم الميتة، فلماذا؟ لماذا قال: حُرِّمَتْ عليكم، ولم يقل: حرَّمَ الله عليكم؟
قالوا: يُبنى الفعل للمجهول - أو أحيانًا عبارة أخرى للنحاة - يقولون: يُبنى الفعل للمعلوم أو للمفعول، مرة يقولون المجهول ومرة يقولون المفعول.
ماذا يعني ذلك؟ يعني يجعل المفعول به فاعلًا؛ فـ"حرَّمَ اللهُ الميتةَ" تكون الميتةُ ماذا؟ مفعولًا به، جعلها هنا كأنها نائب فاعل: حُرِّمَتْ عليكم الميتةُ. حُرِّمَتْ الميتةُ، حرَّمَ اللهُ الميتةَ، هذا هو أصلُ العبارةِ؛ فالميتةُ التي كانت مفعولًا به أصبحت نائبَ فاعلٍ عن فاعلٍ أُضمِر.
السبب الأول لبناء الفعل للمجهول وهو العلم بالفاعل وهو الله وحده
لماذا أُضمِر الفاعل؟ قال: لأسبابٍ، أولُ هذه الأسباب ماذا؟ هو الأولُ: العلمُ بالفاعل.
فعندما يقول [الله تعالى]:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3]
فكأنه قال إنَّ الحاكمَ وحدَه باتفاقِ العقلاء وباتفاقكم ومعروفٌ لديكم أنه الله وحده لا شريك له؛ فلا حكم إلا لله.
﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57]
ولا حاكم إلا الله، وهذا أمرٌ معروف.
جواز حذف الفاعل المعلوم في البناء للمجهول عند اتفاق المسلمين على أن الحاكم هو الله
وهو [أي الفعل] يُبنى للمفعول أو للمجهول؛ يريد أن يقول: أنت أخونا السامع متفقٌ طبعًا، وتعرف من الذي حرّمه، ولا يحتاج ذلك توضيحًا. ولو كان محتاجًا لقال: حرّم [الله] الميتة.
إذن في هذا معلومة جديدة، يأتي بها [الله تعالى] في بعض الآيات، لا ضير في أن الذي حرّم هو الله؛ لكي يؤسس قاعدة لا نختلف فيها تأسست، إذن انتهى الأمر.
فأصبح معروفًا لدى كافة المؤمنين الموجه إليهم الخطاب أن الحاكم هو الله. ولذلك ابن الملك يقول: أيجوز حذف ما يُعلم؟ جائز.
من المعلوم أنه في هذه الحالة لن يسأل أحدٌ مَن الذي حرَّم، لا أحد سيسأل. ولذلك يجوز استخدام المبني للمجهول أو للمفعول له أسباب، أول هذه الأسباب العلم، يعني الإدراك اليقيني والقطعي الذي لا خلاف فيه. العلم معناه هكذا: القدر اليقيني من المعرفة.
اتفاق جميع طوائف المسلمين على أن الحاكم هو الله وحده لا شريك له
وأنت متيقنٌ أن الحاكم هو الله، أم فيها كلامٌ ومذاهبُ واختلافٌ وآراءٌ؟ أبدًا!
لقد اتفق المسلمون سلفًا وخلفًا، شرقًا وغربًا، بجميع طوائفهم: سنةً ومعتزلةً وشيعةً وإباضيةً وكل المذاهب الإسلامية - ما داموا من أهل القبلة - أن الحاكم هو الله.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ﴾ [المائدة: 3]
النص القرآني على تحريم لحم الخنزير وتحريم سائره بالسنة النبوية
إذن هنا نصٌّ على لحم الخنزير، يعني نصُّ الكتاب على لحم الخنزير؛ فهذا اليقيني في تحريم الخنزير هو لحمه.
وماذا عن جلده وعظمه وشعره ودمه وهكذا؟ قيل لك إنه ثبت بالسنة أن كل هذه الأشياء محرمة، ويُمنع الاستفادة منها، ويُمنع الاقتراب منها، ويُمنع الأخذ بها، ومنهيٌّ عنها.
وما ثبت بالسنة إنما هو كما ثبت بالقرآن؛ لأن مصادرنا هي الكتاب والسنة. فحرَّم الله نصًّا لحم الخنزير، وحرَّم رسوله صلى الله عليه وسلم سائر الخنزير.
تحريم الخنزير بالكامل من جلده وشعره وعظمه ونجاسته حياً وميتاً
فيأتيني شخص ويقول لي: والله صنعوا فرشاة أسنان من شعر الخنزير، حرام؟ طيب. ودهن الخنزير الذي ندهن به السفن، حرام؟ طيب. وعظم الخنزير، لا أعرف ماذا سنفعل به، حرام؟
قال: طيب، ولكن أرجو أن توسِّع صدرك قليلًا: الخنزير محرمٌ أي كله بالكامل من أوله إلى آخره، كله بالكامل حرام.
وعند جماهير العلماء هو نجسٌ في حال حياته وحال موته، انتهى الكلام.
حكم استخدام عظم الخنزير في التداوي وجواز التداوي بالمحرم عند الحاجة
ثم قال: حسنًا، نريد قطعة عظم من رجل الخنزير لنصنع بها جبيرة لشخص، أيجوز ذلك أم لا يجوز؟
فقال: نعم، هذه مسألة أخرى؛ بهذه الصورة أنت تريد أن تتداوى بالمحرم. فقال الإمام الشافعي: ويجوز التداوي بالمحرم عند الحاجة إليه.
إذن لابد أن نشترط: ما هي الحاجة إليه؟ نعم، عظم الخنزير يقولون لك إنه أفضل عظم يصلح لهذا الأمر، وهو المناسب وله مزايا كذا وكذا. حسنًا، أنا محتاج إليه لإصلاح هذا [الكسر].
لكن هل هذا الكسر يصل بنا [إلى الضرورة]؟ نعم، هذا يجعلني أمشي جيدًا وأجاهد في سبيل الله جيدًا ويعتدل جسمي جيدًا وهكذا.
الدليل على جواز التداوي بالمحرم من إباحة النبي التداوي بأبوال الإبل
ما الدليل على ذلك [جواز التداوي بالمحرم]؟ قال: الدليل هو أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح لبعض المرضى أن يتداوى بطب زمانهم بأبوال الإبل، وبول الإبل عنده - عند [الإمام] الشافعي - نجسٌ.
قال: إذن فقد بالطبع وعندئذ يكون التداوي مستثنى من الاستعمال [العام للمحرم]. أن يشربوا هكذا يعني من غير تداوٍ؟ لا. يشربونه [للتداوي]، أما من أجل التداوي فيكون جائزًا استعمال المحرم حتى نصل إلى الشفاء.
قال النبي ﷺ: «ما خلق الله داءً إلا وخلق له دواء»
الخنزير محرم لا يُقرب إلا عند الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلتها
فالخنزير محرمٌ وسيظل محرمًا، لا نأكله ولا نقربه، أي لا نبيعه ولا نشتريه ولا نربيه ولا نفعل أي شيء ولا نستفيد منه أبدًا إلا عند الضرورة.
قال: حسنًا، أنت لم تفهم معنى الضرورة بعد. مرةً قلتَ أن الضرورة هي ما إذا لم يتناولها الإنسان يهلك أو يقارب على الهلاك، وهو برِجْلٍ مكسورة، هل سيموت؟ ما الذي سيقتله يا أخي؟ وسيعيش أيضًا.
قال: لا، أنت هكذا أصبح هناك قاعدة ثانية تقول: والحاجة ما لم يتناولها الإنسان أصابته مشقة، ما لم يتناولها الإنسان أصابته مشقة، تنزل منزلة الضرورة عامةً كانت أو خاصة.
الحاجة تنزل منزلة الضرورة والتحريم مشروط بشروط مع بقاء الأصل
بقية الكتاب هكذا، فأحيانًا يقرأ المرء ربع الكتاب ويترك ثلاثة أرباعه، وهذا ما ابتُلينا به في زماننا هذا من أن يقرأ المرء سطرًا ويترك الباقي.
والحاجة التي تنزل منزلة الضرورة عامةً كانت أو خاصة، فسنلحق بالضرورة الحاجةَ التي تنزل منزلتها.
فالتحريم هنا إذن مشروطٌ بشروط، لكنه تحريمٌ وسيظل الأصل فيه أنه حرام لا نقترب منه، حتى قال الشيخ خليل في [كتابه] المختصر: والنظر إلى الحرام حرام.
وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
