سورة المائدة | حـ 848 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •البسملة وضعها الصحابة في أول كل سورة، واختلف القراء في كونها آية أم لا، والراجح في قراءة حفص أنها ليست آية إلا في الفاتحة.
- •العقود التي أمر الله بالوفاء بها في سورة المائدة يجب أن تكون صحيحة منعقدة، ولا قيمة للعقد الباطل.
- •أركان العقد ثلاثة إجمالاً وستة تفصيلاً، والركن هو جزء الشيء الداخل في حقيقته المحقق لهويته.
- •الركن الأول للعقد هو الصيغة وتشمل الإيجاب والقبول باللفظ الصريح، ويجب أن يكونا متوافقين.
- •كتابة العقد ليست ركناً بل هي توثيق وإثبات للعقد، فالعقد الحقيقي يتم بالألفاظ.
- •الركن الثاني هو المحل كالبضاعة والنقود في البيع، والزوجين في النكاح، ويشترط خلوهما من الموانع الشرعية.
- •الركن الثالث هو العاقدان ويشترط فيهما العقل والبلوغ والملكية.
افتتاح الدرس بسورة المائدة وآية الوفاء بالعقود
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]
حكم البسملة هل هي آية من كل سورة أم من الفاتحة فقط
والبسملة هل هي جزء من كل سورة أو أنها ليست كذلك سوى سورة التوبة؟ لأنها [سورة التوبة] نزلت بالشدة، شدة محمودة لضبط الأمور، وليس عنفًا مذمومًا.
هل هي آية من كل سورة، أو أنها آية من الفاتحة دون سواها، أو أنها ليست آية حتى من الفاتحة؟ اختلف القراء في ذلك، وعلى كل حال فقد أجمع الصحابة على وضعها في المصحف، وكانوا حريصين على ألا يُضاف إلى المصحف ما ليس منه؛ فوضعهم البسملة في المصحف يُؤذن بتلاوتها في أول السور.
الراجح في حكم البسملة من طريق حفص عن عاصم
إذن بسم الله الرحمن الرحيم نذكرها في أول السورة، ولكن الراجح خاصة من طريق حفص عن عاصم أنها لا تُعدُّ آية من السورة.
ولذلك لا نجد عليها آية رقم واحد إلا في الفاتحة؛ تفتح المصحف هكذا تجد: بسم الله الرحمن الرحيم (واحد)، يعني هذه الآية رقم واحد. أما في البقرة وفي آل عمران وفي النساء وفي المائدة وهكذا إلى آخر القرآن، لا نجد لها رقمًا، والرقم في الآية الأولى بعد ذلك:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]
شرط صحة العقود للوفاء بها ومعنى العقد لغة واصطلاحًا
العقود لا بد حتى نمتثل للوفاء بها، لا بد أن تكون صحيحة؛ فإذا كان العقد باطلًا فالعقد الباطل كالعدم. يجب أن تنشأ العقود أولًا وتنعقد حتى تُسمى عقدًا.
فالعقد يعني هذا الاتفاق، وهذا الاتفاق انعقد، اتفقوا مع بعضهم هكذا. والعقدة [في اللغة]: تمسك طرف الحبل وطرف الحبل وتصنع عقدة؛ فالعقد اتفاق الإرادتين، يحصل من اتفاق الإرادتين شيء واحد هو العقد.
تعريف الركن وبيان أركان العقد الثلاثة إجمالًا والستة تفصيلًا
أركان العقد ثلاثة إجمالًا، ستة تفصيلًا، هكذا يقول الفقهاء. أركان العقد، عقود جمع عقد.
ما هو ركن هذا العقد؟ وماذا يعني الركن؟ ما معنى الركن؟ الركن هو الجزء من الشيء الداخل في حقيقته، المحقق لهويته. جزء الشيء الداخل في حقيقته، هذا هو الركن، المحقق لهويته.
تطبيق مفهوم الركن على أركان الوضوء الستة عند الشافعية
إذن ما هو ركن الوضوء؟ غسل الوجه، غسل اليدين إلى المرفقين، ومسح بعض الشعر، وغسل الرجلين (القدمين) إلى الكعبين، وقبل ذلك النية، وبعد ذلك الترتيب على ما ذكرناه. الشافعية يقولون هكذا، فتكون هذه هي الأركان.
إذا لم توجد واحدة من هذه الستة، فإذا رششت وجهي ببعض الماء وغسلت يدي وتلاعبت برجلي، فهذا لا يصح. بل لا بد [من استيفاء جميع الأركان]. الشافعية والحنفية يقولون لك: ليس ضروريًا النية. حسنًا، نويت وفعلت هذه الأشياء، يجب أن ترتب، يجب أن ترتب، فتكون أركانه [أركان الوضوء] ستة.
تطبيق مفهوم الركن على أركان الصلاة وبيان بطلانها بفقد ركن
وماذا عن أركان الصلاة؟ تكبيرة الإحرام: افترض أنك لم تكبّر، ووقفت وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، هذا لا يصح؛ لأن هذا ركن [من أركان الصلاة].
وإذا كبّرت ولم أقرأ الفاتحة، لا يصح. حسنًا، كبّرت وقرأت الفاتحة ولم تركع، لا يصح. حسنًا، لم تسجد، لا يصح. حسنًا، سجدت سجدة واحدة، لا يصح.
فما هي الأركان إذن؟ ركن الشيء هو جزء الشيء الداخل في حقيقته وليس الخارج عنها. يعني الوضوء ليس ركنًا للصلاة، لكنه لازم للصلاة، إنه شرط من شروط الصلاة، لكنه [خارج عن حقيقتها].
الركن الأول من أركان العقد وهو الصيغة أي ألفاظ الإيجاب والقبول
تكون بنود العقد إذن، ما هي الأمور التي تُعد أركانًا فيه؟
الأول: الصيغة (ألفاظ العقود). فالألفاظ عندما يأتي رجل ليزوج ابنته لرجل آخر فيقول له: زوّجتك ابنتي، هذا يُعتبر لفظ [الإيجاب]، فيرد الآخر قائلًا: قبلت وتزوجتها منك، وهذا يعتبر لفظًا آخر [القبول].
إذن أول شيء هو الصيغة؛ لأن العقود ألفاظ.
اشتراط التلفظ بالعقد وعدم صحة النية القلبية أو الوعد المستقبلي
طيب، افترض أنني نويت في قلبي أن أزوجك ابنتي، وأنت نويت في قلبك أنك تتزوجها، لا يصح ذلك، لا يصح.
افترض قلت لك: إن شاء الله، البنت عندما تنهي دراستها سأحفظها لك إن شاء الله، وأنت كذلك قلت هكذا: لن أتزوج إلا فلانًا الفلانية، لا يصح ذلك.
افترض قلت: سوف أزوجك بنتي، هذا ماذا يعني؟ المستقبل، سوف يكون، لا يصح. يجب أن أقول لك ماذا؟ زوّجتك بالتأكيد، هكذا هو في الماضي، فأنت تقول ماذا؟ قبلتُ.
اشتراط توافق الإيجاب والقبول وعدم صحة التأخير أو الرفض
حسنًا، افترض أنني قلت لك: زوّجتك، قلت لي: أنا غير موافق، انتهى الأمر، لا يصح. قلتُ: حسنًا سأفكر وأستشير أمي وأقول [لك لاحقًا]، لا يصح.
الصيغة العقدية هكذا. نحن نتحدث في الزواج، لا، دعنا نتحدث في البيع. يكون العقد هو عقد سواء كان في زواج، في طلاق - هو طلاق عقد؟ قالوا: نعم، عقد فسخ - في بيع، في شراء، في مقاولة، في أي شيء، العقد عقد.
اشتراط توافق الثمن بين البائع والمشتري في عقد البيع
أول شيء الألفاظ: بعتك هذا بألف، قلت له: أنا اشتريت بتسع مئة، لا يصح. يجب أن تقول: وأنا اشتريت بألف.
حسنًا، لنفترض العكس: قلت لك بعتك هذا بألف، فقال: وأنا اشتريت بألفين. أيصح ذلك أم لا يصح؟ هناك خلاف بين الفقهاء؛ قال بعضهم: لا، ربما لا يصح. وقال آخرون: يصح؛ لأن الألف موجودة في الألفين، فيصح.
صور الإضرار المترتبة على عدم توافق الثمن في عقد البيع
قالوا: لا، هذا كيف يمكن لهذا أن يضرني؟ كيف؟ قال لك: صورة التسعير الخاصة بالحاكم: بعتك هذا بألف، وقلت اشتريت بألفين، وتودي بي إلى الهلاك [بسبب مخالفة التسعير].
صورة ثانية: الاتفاقيات التي في النقابات أنك لا تبيع كذا بأعلى من كذا. صورة ثالثة: الإضرار بالسوق. صورة رابعة وصورة خامسة.
المهم أن هناك غرض [مشروع]؛ لأنني أبيع لك بالألف، أنت الآن أضعت هذا الغرض، فالبيع لا ينعقد. يجب أن يكون القبول والإيجاب متوافقين، أي لا بد عليهما أن يكونا متوافقين.
الفرق بين العقد الشرعي اللفظي وتوثيقه الكتابي
الركن الأول هو الصيغة، الكلام واحد [يقول لي]: طيب، والورقة التي نكتبها؟ لا، هذا ليس له علاقة بالعقد، هذا إظهار للعقد، هذا إثبات للعقد، هذه الصورة الخاصة به. العقد الحقيقي ألفاظ.
ولذلك في العامية عندنا يقولون ماذا؟ إن الإنسان منا يُربط من لسانه؛ لأنه يُربط من لسانه في العقود. فيكون العقد الشرعي يحدث عندما يقول الرجل له: زوّجتك ابنتي، والآخر يقول: قبلت.
حسنًا، والمأذون هذا يوثق وليس يُنشئ. ما الذي أنشأ الزواج؟ "زوّجتك" و"قبلت" هي التي أنشأته، أنشأت الزواج. حسنًا، والمأذون ماذا يفعل؟ إنه يكتب هذا الزواج، فهو يوثق هذا الزواج.
الركن الثاني من أركان العقد وهو المحل واشتراط خلوه من الموانع الشرعية
كذلك عقود البيع، كذلك عقود الوصية، أي شيء: الوكالة، الكفالة، أي عقد من العقود صيغته [هي الركن الأول].
رقم اثنين: المحل. محل العقد ما هو؟ البضاعة والنقود، أو في الزواج: الرجل والمرأة. ولذلك لا بد يكونوا خاليين من الموانع الشرعية؛ ألا تكون أخته في الرضاعة، ألا يكون عمها ولا خالها ولا ما شابه ذلك. لا بد أن يكون الاثنان خاليين من الموانع الشرعية.
المحل [هو الركن الثاني]، تكون الصيغة والمحل.
الركن الثالث من أركان العقد وهو العاقدان واشتراط أهليتهما
وبعد ذلك رقم ثلاثة ماذا؟ صحيح، رقم ثلاثة: العاقدان. لكن شيخنا قال إن العاقدين تصح أيضًا في النحو [أي من حيث الإعراب].
في البيع يجب أن يكون المالك لهذه السلعة والمالك لما يقابلها عاقلين، ويجب أن يكونا بالغين، ويجب أن يكون [مستوفيًا لشروط الأهلية] وهكذا.
ثلاثة إجمالًا [الصيغة والمحل والعاقدان]، وسنقول ستة تفصيلًا في الحلقة القادمة إن شاء الله.
