سورة المائدة | حـ 874 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 874 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • الإسلام هو دين كل الأنبياء والمرسلين، فجميعهم في طريق واحد هو تبليغ رسالة الله.
  • معنى الإسلام هو الإخلاص لله والطاعة له، وفي هذا إعلاء وتكريم للإنسانية.
  • قمة الإنسانية أن يسجد الإنسان لربه وأن يؤمن بالوحي الصحيح من الله لأنبيائه.
  • الإسلام يتميز بأنه يؤمن بجميع الأنبياء والمرسلين، وإنكار أي منهم يخرج المرء من الإسلام.
  • المسلمون يؤمنون بعيسى وموسى ومريم وغيرهم كأنبياء ومصطفين من الله.
  • حفظ الله النبي محمداً صلى الله عليه وسلم وقبره من أن يُعبد، بخلاف غيره ممن عُبدوا.
  • استجاب الله لدعاء النبي: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد".
  • المسلمون حماهم الله من الوقوع في الوثنية رغم تقديسهم للكعبة والحجر الأسود.
  • التأييد الإلهي حفظ الإسلام من الشرك وجعل العبادة خالصة لله رب العالمين.
  • ذلك كله من نعم الله على المسلمين حين رضي لهم الإسلام ديناً.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

افتتاح الدرس بآية إكمال الدين ورضا الله بالإسلام ديناً

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 3]

فالله سبحانه وتعالى قد سمّى ما أرسله للبشرية من دينٍ وهدايةٍ: سمّاه إسلامًا.

الإسلام دين جميع الأنبياء والمرسلين عبر التاريخ

ولذلك فـالإسلام عند المسلمين هو دين كل الأنبياء والمرسلين، فكل الأنبياء في طريق واحد؛ هو طريق التبليغ عن رب العالمين، وكلهم أعلن الإسلام.

قال الله تعالى في شأن إبراهيم [عليه السلام]:

﴿هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [الحج: 78]

فالإسلام دين الأنبياء، فكل الأنبياء أسلموا وجههم لله. فالإسلام معناه الإخلاص لرب العالمين، معناه الطاعة؛ فالرب ربٌّ والعبد عبدٌ، الله يأمر والعبد يطيع.

السجود لله إعلاء للإنسانية وتكريم لبني آدم

وهذا [الإسلام والطاعة لله] فيه إعلاء للإنسانية، وفيه تكريم لبني آدم، ولذلك قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]

فعندما يسجد ابن آدم لرب العالمين، مخلصًا له، خاضعًا لأوامره، طالبًا منه الرحمة، فإنه يكون قد تحقق تمامًا في إنسانيته.

الفرق بين نظرة الإسلام والمذاهب الأخرى لمكانة الإنسان في الكون

بعض المذاهب والأديان لا ترى هذا [تكريم الإنسان بالعبودية لله]؛ فبعضهم يريد أن يقول إن الإنسان إنما هو سيد ذلك الكون، وسيد ذلك الكون في اعتقاد المسلمين هو الله سبحانه وتعالى.

وبعضهم يرى أن الإنسان ما هو إلا جزء لا يتجزأ من الكون، فشأنه هو شأن البقرة والشجرة والحجر.

وعند المسلمين أن هذا الكون، وإن كان يسبح بحمد ربه، وإن كان يسجد لله رب العالمين، وإن كان:

﴿قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11]

إلا أنه قد سُخِّر للإنسان، فسخر الله لنا ما في السماوات وما في الأرض، وذلك من تمام الإكرام لابن آدم، حتى إنه [سبحانه] قد أشار لذلك بإسجاد الملائكة إليه [سيدنا آدم] عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

قمة الإنسانية في السجود لله والإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين

قمة في الإنسانية أن تسجد لرب العالمين، قمة في الإنسانية أن تعتبر أن الوحي الصحيح من عند رب العالمين لعباده المرسلين عبر القرون إنما هو جزء من إيمانك.

فأنت لست في عداء مع أحد من البشر، لست في عداء مع أحد من الأديان. كل دينٍ يحمل مشكلةً في نفسه مع الذي بعده، إلا الإسلام؛ فإنه يؤمن بكل الأنبياء والمرسلين.

ليس هناك مشكلة عندي، ولا تؤرقني، أن أقول بملء فمي، ومن كل قلبي: سيدنا عيسى، سيدتنا مريم، سيدنا موسى، أقولها، بل إنني إذا لم أقلها فإنني أتشكك في إسلامي.

إنكار نبوة عيسى أو مكانة مريم أو موسى يُخرج من الإسلام

فإن اسم المسلم الذي ينكر مثلًا نبوة سيدنا عيسى، أو ينكر عظمة شأنه، أو ينكر على العذراء عليها السلام حالها عند الله، من كونها قد اصطفاها الله سبحانه وتعالى وجعلها سيدة نساء العالمين، أو ينكر أن سيدنا موسى إنما هو كليم رب العالمين، فإن ذلك الشخص يخرج من الإسلام.

قد يكون عند بعض الأديان مشكلات؛ فإنهم يكذبون محمدًا صلى الله عليه وسلم.

مكانة النبي المصطفى بين المسلمين وإيمان أهل السنة به

والذي بيننا وبين العالمين هو ذلك النبي الكريم، والذي بين أهل السُّنَّة والجماعة وسائر الفرق والمذاهب هو النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم.

فنحن نؤمن أنه رسول من رب العالمين، وأنه قد تنزّل عليه الروح الأمين، وأنه سيد الخلق أجمعين، وأنه قد حافظ الله سبحانه وتعالى على قبره الشريف، وأنه قد أحياه فيه، يردّ الله عليه روحه حتى يردّ على الناس السلام.

حفظ الله للنبي من أن يُعبد رغم وجود من عبد غيره من البشر

وأنه صلى الله عليه وآله وسلم، بخلاف سائر الأنبياء، قد عُلِمَ قبره وظهر، وأنه قد حُفِظَ من عند الله، فلم يعبده أحدٌ أبدًا من المسلمين.

بالرغم من أن عبادة البشر ليست بعيدة عن ضُلَّالهم، ولا عن من كفر بدينهم؛ فهناك من عَبَدَ عليَّ بن أبي طالب من السبئية، وهناك من عَبَدَ الحاكم بأمر الله الفاطمي، وهناك من عَبَدَ البهاء، وهناك من عَبَدَ هذا أو ذاك.

ولكن أحدًا لم يعبد محمدًا أبدًا صلى الله عليه وسلم، وكان أجدر بضُلَّال أولئك الكفار، الذين خرجوا عن ملة المسلمين وأنكروا المعلوم من الدين بالضرورة، إذا ما أرادوا أن يضلوا أن يعبدوا محمدًا صلى الله عليه وسلم.

حفظ الله للنبي وأبنائه وكتابه وقبلته ورضاه بالإسلام ديناً

لكن الله سبحانه وتعالى قد حفظه، وحفظ أبناءه، وحفظ كتابه، وحفظ قِبلَته. حفظه صلى الله عليه وسلم، ورضي لنا الإسلام دينًا.

فالحمد لله الذي جعلنا من أتباع من أيَّده ربه بالمعونة، فإن هذا [الحفظ من الشرك] ليس بيد أحدٍ: لا بيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا بيد أهله الكرام، ولا بيد أُمَّته، من لدن صحابته إلى أتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

تحرير العبادة لله وحده وعدم وقوع المسلمين في عبادة النبي

كذلك فإنه ما كان لأحد منّا، في أفرادنا ولا جماعاتنا، أن يمسك بقلوب الخلق أجمعين، فيحرر العبادة لله رب العالمين، دون الوقوع في الشرك به بعبادة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ولمّا يضرب الله لنا الأمثال؛ فيجعل بعض الناس يعبدون عليًّا وقد بادوا، أو يعبدون الحاكم بأمر الله ومن هو الحاكم بأمر الله حتى يُعبد، أو يعبدون بهاء الله ومن هذا حتى يُعبد، وكل أولئك من عباءة الإسلام قد خرجوا.

دعاء النبي بحفظ قبره من الوثنية ودلالة التأييد الإلهي

فيضرب الله لنا المثل بهم على أنه كان من الممكن أن يحدث [أن يُعبد النبي ﷺ]، فلمّا لم يحدث، دلّ ذلك على التأييد [الإلهي].

والتأييد أتى من استجابة الله للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي دعا وقال:

«اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد»

﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]

حماية الله للمسلمين من الوثنية في السجود للكعبة والحجر الأسود

فمن المُحَرَّم [أن نعبد غير الله]؛ سجدنا إلى الكعبة وأمامها، كما سجدت الملائكة لآدم واتجاهه، ولكننا لم نعبد الكعبة، ولم يقل أحد من المسلمين أبدًا، ولم يقع في هذه الورطة الوثنية أن عَبَدَ الكعبة أو عَبَدَ الحجر الأسود الأسعد، الذي هو يمين الله في أرضه، والذي تقبيله يدل على مغفرة الله؛ لما أنه محل نظر الله سبحانه وتعالى.

وبالرغم من ذلك وهذا التقديس، إلا أن المسلمين حماهم الله سبحانه وتعالى من كل طرف من الوثنية يكون.

الحمد لله على نعمة الإسلام والختام بالسلام

فالحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينًا، والحمد لله الذي جعلنا مسلمين.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.