سورة المائدة | حـ 861 | 2 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 861 | 2 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • الآية الكريمة "وتعاونوا على البر والتقوى" تأمرنا بمخافة الله وجعله في منظومة حياتنا، فمن أخرج الله من حياته ضل ضلالاً بعيداً.
  • التقوى كما بيّنها أُبيّ بن كعب لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما تشبه الحذر عند المشي في طريق به شوك، حيث لا فرق بين الشوك الصغير والكبير في وجوب الاتقاء.
  • صاغ ابن المعتز هذا المعنى شعراً: "دع الذنوب كبيرها وصغيرها، ذاك التقى"، وقال: "لا تحتقرن صغيرة، إن الجبال من الحصى".
  • الآية اشتملت على أوامر متعددة وختمتها بالأمر بالتقوى وتحذير "إن الله شديد العقاب".
  • بدأت الآية بالجمال "يا أيها الذين آمنوا" وختمتها بالجلال للوصول إلى الكمال، فيجمع بين الترغيب والترهيب.
  • من دعاء الصالحين: "اللهم انقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك" لنصل إلى الجمع بين مخافة الله وحبه.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

افتتاح الدرس بآية التعاون على البر والتقوى من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]

معنى التقوى في ختام الآية ووجوب استحضار مخافة الله في الحياة

عندما يأمرنا ربنا سبحانه وتعالى بالتقوى بعد أمره لنا بما أمر بأي شيء أمر، وعندما يقول بعدها:

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]

فالتقوى هنا تأمرنا بمخافة الله سبحانه وتعالى، وأن نضعه في منظومة حياتنا؛ فإن الذي أخرج الله جل جلاله من منظومة حياته ضلَّ ضلالًا بعيدًا، ضلالًا مركبًا حتى أنه إذا أراد أن يعود لا يستطيع.

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]

التقوى تعني استحضار الله في الحياة والحذر من الحجب والشهوات

فتقوى الله هنا والأمر بها إنما معناها أن نخاف الله، ومن خاف الله وفكَّر فيه فإنه يجعله في منظومة حياته ويجعله معتبرًا، لا أن يُخرِجه بكل خفة واستهزاء.

حتى إنَّ أحدهم بينه وبين مخافة الله شهوات كثيرة زُيِّنت له، وحُجُب كثيرة حجبته عن الله سبحانه وتعالى. فهو المحجوب؛ الإنسان هو المحجوب، والله لا يحجبه شيء. فالحجاب دائمًا يحجب قلب الإنسان من أن يصل إلى الحقيقة.

حوار عمر بن الخطاب وأُبَيّ بن كعب في تعريف التقوى بمثال الشوك

ولذلك لما سأل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه أُبَيَّ بن كعب عن التقوى وقال له:

ما التقوى يا أُبَيّ؟

قال له: أسرتَ يا أمير المؤمنين في طريقٍ فيه شوك؟ قال: سرتُ في طريقٍ فيه شوك. قال: فماذا فعلت؟ قال: شمَّرتُ ثيابي وأخذتُ أحذرُ ما أرى؛ حتى لا يضع قدميه على الشوك فيُشتاك ويُؤذى ويُضار.

قال: هذه هي التقوى. يعني أنت وأنت تمشي اتقيت، لكن هنا اتقيت ماذا؟ الشوك. أما هناك [في حق الله] فستخاف وتراعي وتحذر وتستحضر وتنتبه وتراقب ربنا.

لا فرق بين صغير الذنوب وكبيرها في التقوى كما بيَّن أُبَيّ بن كعب

قال [أُبَيّ بن كعب]: هذه هي التقوى يا أمير المؤمنين.

أكنتَ تفرِّق بين الشوك الصغير والكبير؟ الصغير لا مانع منه والكبير لا؟

قال له: لا، أفرِّق بين الصغير والكبير، كلاهما مؤذٍ.

أبيات ابن المعتز في التقوى وترك الذنوب صغيرها وكبيرها

فأخذ ابن المعتز هذا الكلام الذي جرى بين عمر رضي الله تعالى عنه وأُبَيٍّ رضي الله تعالى عنه وصاغه شعرًا وقال:

دع الذنوب كبيرها وصغيرها، ذاك التُّقى واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك حَذِرًا مما يرى لا تحتقرنَّ صغيرةً، إنَّ الجبال من الحصى

حتى صار قول ابن المعتز هذا مثالًا: إنَّ الجبال من الحصى. لا تحتقرنَّ صغيرة، لا يوجد فرق بين الشوك الصغير والكبير، إنَّ الجبال من الحصى.

ختام الآية بالتقوى لأن الامتثال لأوامر الله لا يتجزأ بين كبير وصغير

فلما اشتملت الآية على أوامر عدة وكانت هذه الأوامر مختلفة في مراتبها، أنهاها ربنا بالأمر بالتقوى؛ أن كبيرها كصغيرها وأن الامتثال لا يتجزأ:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ﴾ [المائدة: 2]

هذه واحدة.

﴿وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2]

هذه ثانية، ولكنها ليست بمقدار الأولى فقد تكون أشد.

﴿وَلَا ٱلْهَدْىَ﴾ [المائدة: 2]

هذه ثالثة وقد تكون أخف.

﴿وَلَا ٱلْقَلَـٰٓئِدَ﴾ [المائدة: 2]

وهذه أخف وأخف.

﴿وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًا﴾ [المائدة: 2]

وهذه كبيرة أن تصدَّ عن البيت الحرام.

﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2]

وهذه ترجع الأمر إلى ما كان عليه قبل الحظر.

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2]

والعدوان يعني مرفوض، لا تقولوا كبيرة؛ فهو كبير عند الله.

المعاصي مراتب كثيرة لكن التقوى تقتضي عدم التفريق بين صغيرها وكبيرها

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾ [المائدة: 2]

المعاصي مراتب كثيرة؛ بعضها كبائر، وبعضها يتعلق بالإنسان، وبعضها يتعلق بالآخر، وبعضها يتعلق بغرض القول كله، وبعضها إنما هو تفاصيل وجزئيات.

والكل لا بد وأنت تعمل أن لا تفرِّق بين صغيرة وكبيرة؛ فكله من عند الله سبحانه وتعالى. فيقول:

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]

تجلي الله بالجمال في بداية الآية وبالجلال في نهايتها لتحقيق الكمال

وهنا يتجلى ربنا سبحانه وتعالى في نهاية الآية بالجلال بعد أن بدأها بالجمال:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [المائدة: 2]

هذا هو الجمال. وبعد ذلك في الآخر:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]

هذا هو الجلال.

إذن إذا تجلى الله عليك أولًا بالجمال حتى تطمئن، ثم في النهاية بالجلال، ذلك يخوِّف الله به عباده:

﴿يَا عِبَادِي فَاتَّقُونِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الزمر: 16]

الغرض منه الكمال. ماذا يعني أن تبدأ بالجمال وتنتهي بالجلال؟ قال: حتى يصل بك إلى الكمال.

الجمع بين الترغيب والترهيب يوجب الثقة بالله مع الحياء منه

يعني الحاصل ما بين الترغيب والترهيب؛ يعني لا بد عليك أن تثق في الله، وأن تسلِّم لله، وأن تتوكل على الله، وأن تحب الله سبحانه وتعالى، وتعلم أنه الرحمن الرحيم.

ولا بد عليك أيضًا أن تحتشم من الله وتخجل من الله، وأن لا يراك في موطن معصيته، وإنما يراك دائمًا في موطن رضاه.

دعاء الصالحين بالانتقال من دائرة السخط إلى دائرة الرضا وضبط لفظ نُقلة

ولذلك كان من دعاء الصالحين: اللهم انقُلنا من دائرة معصيتك إلى دائرة رضاك. انقُلنا - وانتبه - فهذا من دعاء الصالحين، هكذا: يا رب انقُلني من هنا [من دائرة المعصية] إلى هنا [إلى دائرة الرضا].

فـ"نَقَلَ يَنقُلُ" بالضم، نُقلة. كثير منا يخطئ ويقول "نَقْلة"، لا؛ نصَّ صاحب القاموس بأنها نُقلة. يعني تقول: وهذه نُقلة نوعية - الكلام الذي يقولونه في الأدبيات الحديثة - تقول فيها نُقلة. وتقول: اللهم انقُلنا، ليس انقِلنا، من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك.

استجابة الله لدعاء العبد بأن يكون في موطن الرضا لا في موطن المؤاخذة

فالإنسان إذا استجاب الله له هذا الدعاء [الانتقال من دائرة السخط إلى دائرة الرضا]، يكون قد قال: اللهم اجعلني حيث ما ترضى، ولا تجعلني حيث ما تؤاخذني. كلام جميل هكذا.

وكل هذا من دعاء الصالحين: انقُلني من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك. هذا من دعاء الصالحين.

الدعاء النبوي للإعانة على التقوى والجمع بين الخوف والحب لله الجميل

والنبي صلى الله عليه وسلم علَّمنا أن ندعو بهذا الدعاء من أجل أن يعيننا ربنا سبحانه وتعالى على أن نتقيه وأن نخافه، مع مزيد حبنا له سبحانه وتعالى ورغبتنا في جماله؛ فهو الجميل.

قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله جميلٌ يحب الجمال»

وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.