سورة النساء | حـ 843 | 176 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 843 | 176 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • الفتوى هي بيان الحكم الشرعي في واقعة معينة، والاستفتاء هو طلب هذا الحكم الشرعي.
  • السؤال أعم من الاستفتاء، فالسؤال يشمل الاستفسار عن أمور تاريخية أو وصفية لا تتعلق بالأحكام الشرعية.
  • الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالطلب أو التخيير، وليس له علاقة بذوات الأشياء.
  • الخلط بين السؤال والفتوى يؤدي إلى سوء فهم، فعندما نخبر عن أن النبي ﷺ كان لا يأكل الضب أو الأرنب، فهذا خبر وليس فتوى بالتحريم.
  • يجب التمييز أيضاً بين الفتوى والرأي، فالرأي متغير ويختلف باختلاف الأشخاص في أمور السياسة والفن والأذواق.
  • المفتي قد يحب أو يكره شخصاً بحسب مشاعره، لكن هذا ليس له علاقة بالحكم الشرعي الذي يبينه في الفتوى.
  • العبرة في الفتوى هي بيان الحكم الشرعي المتعلق بأفعال المكلفين وليس بالأخبار أو الآراء الشخصية.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة تفسير آية الكلالة ومعنى الاستفتاء والفرق بينه وبين السؤال

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، وفي آخرها، آخر آية يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ﴾ [النساء: 176]

وقوله يستفتونك معناه طلب الحكم الشرعي في واقعة معينة، وهذا هو حقيقة الاستفتاء، وحقيقة الفتوى هي بيان للحكم الشرعي في واقعة معينة.

وهذا بخلاف السؤال؛ يسألونك عن المحيض، يسألونك ماذا ينفقون، يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، وهكذا. السؤال أعم من الاستفتاء، فالاستفتاء هو السؤال المتعلق بطلب حكم شرعي.

مثال توضيحي للفرق بين السؤال والفتوى في مسألة مارية القبطية

فلو جاءني أحدهم وسألني: هل تزوج النبي ﷺ من مارية رضي الله تعالى عنها أو كانت في ملك يمينه؟ هذا ليس فتوى، هذا سؤال نُجيب عليه ونقول له: إنه لم يثبت في السيرة ولا في الحديث ولا في الأثر المروي أن رسول الله ﷺ تزوج مارية.

في حين أنه قد ثبت أنها قد أنجبت منه ولدًا، وذلك بأنها كانت حلالًا له ﷺ فيما كان يُسمى بملك اليمين، وقد أباح الله له ذلك ولأمته من بعده.

إلغاء الرق في الإسلام وموقف الشريعة من تحرير العبيد

وهذا ملك اليمين أُلغي في منتصف القرن التاسع عشر ولم يعد له وجود، الذي هو العبد؛ أن أشتري عبدًا وأشتري أَمَةً جارية، لم يعد له وجود. واتفق العالم ونحن معهم وكنا أولهم في إلغاء الرق؛ لأن الشرع كان متطلعًا إلى الحرية.

وكان قد حرَّم علينا موارد الرق كلها إلا ما كان ناتجًا عن الحرب معاملة بالمثل، ثم فتح باب الحرية فجعل الكفارات عتق رقبة، وجعل عتق الرقبة من أفعال الخير، وجعل ألا نحمل العبيد فوق طاقتهم.

وعامل العبيد معاملة راقية حتى إن المسلمين وَلَّوْهُم حكمهم في فترة كبيرة في التاريخ تُسمى بحكم المماليك.

تميز الإسلام في معاملة العبيد مقارنة بالأمم الأخرى وتحريرهم

كل ذلك من رأفة الإسلام ومن نظرته إلى العبيد نظرة جعلت العبيد حكامًا لنا. لا يوجد أحد، لا توجد أمة في الأرض جعلت عبيدها حكامًا. الأمم استعبدت الناس، ضربتهم بالكرابيج والسياط، قتلتهم تحت وطأة العمل.

وعندك الرواية التي اسمها الجذور الأمريكية تقول لك: انظر كيف كان حال العبيد في أمريكا، إنها مصيبة. ولكن المسلمين عاملوا العبيد والرقيق معاملة راقية، وعندما جاءت أول فرصة لتحريرهم حرروهم جميعًا.

ودخلنا في مرحلة التحرير، وذهب الرق والحمد لله؛ لأن الشرع كان يتطلع أصلًا إلى زوال الرق.

أسئلة توضيحية حول الفرق بين السؤال التاريخي والاستفتاء الشرعي

أسئلة وإجابات:

كم غزوة غزاها النبي ﷺ بنفسه؟ أربع وعشرين غزوة.

كم غزوة حارب فيها المسلمون؟ ثمانين غزوة.

طيب، وهذه إفتاء أم ليست إفتاء؟ ليست إفتاء.

الإفتاء سؤال متعلق بماذا أفعل في الصلاة، الكيفية الفلانية، في عقد البيع، في عقد الزواج. أنا قلت وعِدت فزوجتي طالق أم ليست طالقًا؟ ماذا نفعل؟ حلال أم حرام؟ نأكل هذا ونشرب هذا ونترك هذا ونفعل هذا وهكذا.

تعريف الحكم الشرعي وعلاقته بأفعال المكلفين والفرق بين الاستفتاء والسؤال

فعل الحكم [الشرعي]: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالطلب أو التخيير. هذا هو الحكم: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين.

أما عن ذواتهم، فكيف يكون الأمر؟ لا، ليس لها علاقة، فهذا ليس حكمًا، إنما يتعلق بالأفعال.

يستفتونك ويسألونك، والفرق بينهما أن يستفتونك خاص وأن يسألونك عام، يشمل التاريخ والسنة.

ما كان يحبه النبي ﷺ من الطعام وأنه خبر وليس فتوى

كيف كان لون النبي ﷺ؟ وما الذي كان يحبه النبي من الطعام؟ كان يحب اللبن، وكان يحب اللحم، وكان يحب الدباء، وكان يحب الطعام الهادئ الطيب وليس الحار.

والحار هذا يُطلق على مرتفع الحرارة ويُطلق على ما فيه فلفل حار، فلم يكن يحب الحار هذا؛ فلفل أو شيء حار هكذا، لم يحبه عليه الصلاة والسلام.

حسنًا، أنا أحب الشطة قليلًا. أنت حر، ليس حرامًا. يعني نعم، هذه فتوى إذن: ليس حرامًا أن أضع الكشري هكذا وأضع عليه الشطة. حسنًا، أنت حر، لكن النبي لم يكن يحبه، لم يكن يحبه. هذا الخبر، ولكن ليس له علاقة بالفتوى.

قصة الضب والأرنب وخطأ الخلط بين الخبر النبوي والفتوى الشرعية

فليأتِ بعض الناس الذين يجب أن يتعلموا ما الفرق بين السؤال وبين الفتوى. فلنأتِ وأقول له: النبي لم يكن يحب أكل الضب، والضب هذا شيء لم يكن موجودًا في أرضه، فقالوا له: هذا ضب، فقال: لا. حسنًا، كلوه أنتم.

فجلس الصحابة؛ ابن عباس وخالد يأكلان أمامه، وقال: لم يكن في أرض قومي، فإذا رأيته أعافه، يعني نفسه لا تقبله. وقيل هذا أيضًا في الأرنب، فالنبي لم يكن يأكل الأرنب.

وبعد ذلك يأتي شخص ويقول: ما هذا؟ الشيخ أفتى أن الأرانب حرام؟ لماذا؟ لأنه لا يميز بين السؤال وبين الفتوى والاستفتاء.

التفريق بين الخبر النبوي عن الطعام وبين الحكم الشرعي في الحلال والحرام

عندما أقول أن النبي لم يكن يأكل الأرانب، هذا خبر لا علاقة له بالفتوى. عندما أقول إن النبي كان يحب القرع (الدباء)، فيقوم أحدهم ويقول: الله! يعني كان يكره البطاطس؟ يعني لا تجوز الملوخية؟ هذا يخلط الأمور.

هناك فرق بين أن النبي ﷺ كان يحب اللبن مثلًا ولم يكن يحب الضب، فأتى شخص وقال لي: أنا أحب الضب ولا أحب اللبن، فأنا لا أطيقه أبدًا. لا يحدث له شيء؛ لأن هذه طبائع وأمزجة، لا يحدث له شيء.

فيكون السؤال شيئًا والاستفتاء شيئًا آخر.

حقيقة الفتوى والفرق بينها وبين الرأي الشخصي والأذواق

يستفتونك: هذه لها معنى ينبغي أن نقف عنده كثيرًا في حقيقة الفتوى. وتختلف الفتوى أيضًا عن الرأي.

لو سألني أحدٌ في مسألة سياسية، فالسياسة لها وجهات نظر مختلفة، أنت تقول وأنا أقول، فلننظر أين تكمن مصلحة البلد. ينبغي على الحكومة وعلى المعارضة أن تسعى لمصلحة البلد والوطن.

فعندما يأتي أحدٌ ليسألني وأنا مفتٍ في رأي من الآراء، فهذا ليس استفتاءً بل هو سؤال. فذكرتُ رأيي وقلت: والله، رأيي كذا وكذا وكذا، فتقول لي: لا، لكنك غابت عنك أشياء، أنا ليس رأيي هكذا.

اختلاف الأذواق في الفن والرياضة لا علاقة له بالفتوى الشرعية

عندما يسألني أحدهم: ما رأيك في هذه اللوحة الفنية؟ أليست ألوانها جميلة؟ فأقول له: والله، أنا لا أرى أن ألوانها جميلة، ألوانها سيئة. قال: أنا أرى أنها أفضل لوحة في الدنيا. الفن تختلف فيه الأذواق.

فكما تختلف الأذواق في الأطعمة، كذلك يختلف الفن في الأذواق، والسياسة تختلف فيها الآراء.

عندما يسألني شخص: هل تشجع الزمالك أم الأهلي؟ فهذه آراء لا علاقة لها بالفتاوى.

وجوب التفريق بين الفتوى والسؤال والرأي والأذواق والانطباعات الشخصية

لذلك ينبغي علينا أن نفرق فرقًا واضحًا بين الفتوى وبين السؤال، وبين الفتوى وبين الرأي، وبين الفتوى وبين الأذواق والانطباعات.

افترض أن المفتي يكره شخصًا أو يحب شخصًا، فليس الذي يكرهه مكروهًا عند الله، ولا الذي يحبه محبوبًا عند الله، هذا قلبه هكذا. افترض أن لي ابنًا عاصيًا، أحبه وهو عاصٍ، أدعو الله له بالهداية.

لكن مسألة الفتوى: هذا بيان حكم شرعي لفعل إنسان.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.