سورة النساء | حـ 820 | 162 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •الآيات القرآنية لا تقص علينا قصص الأمم السابقة لمجرد التاريخ، بل لنتخذ منها طريقًا إلى الله.
- •الحقيقة واحدة يمكن الوصول إليها عبر طريقين: العلم والإيمان، فالعارفون يصلون بصفاء نفوسهم إلى ما يصل إليه العلماء بالتجربة.
- •لا تناقض بين الوحي والوجود، فكلاهما من عند الله، أحدهما صدر أمرًا والآخر خلقًا.
- •القرآن يؤكد تكامل الخلق والأمر في قوله تعالى: "ألا له الخلق والأمر"، وفي آيات "اقرأ باسم ربك" و"الرحمن علم القرآن".
- •الراسخون في العلم والمؤمنون يدركون وحدة مصدر الوحي، كما فهم ورقة بن نوفل حين قال عن القرآن والتوراة: "خرجا من مشكاة واحدة".
- •دعا الشيخ المراغي إلى "الزمالة الإنسانية" وطالب بدراسات توصل الناس لدرجة الرسوخ في العلم.
- •ظهرت بعض المحاولات كدراسات حداد اللاهوتية التي أثارت جدلًا كبيرًا في الأوساط العلمية.
مقدمة الدرس والغرض من قصص الأمم السابقة في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا من تجارب الأمم السابقة ما نقيم به حياتنا نحن، ولا نقف عند هذه الآيات باعتبارها توصيفًا أو وصفًا أو تأريخًا لغيرنا. هذا لا نريده ولا ينفعنا، هو هكذا فعلًا وهو تاريخ صحيح فعلًا، إلا أن المراد به نحن؛ أننا نسمع ونفهم ونتخذ منه سبيلًا وطريقًا إلى الله، فالله هو مقصودنا سبحانه وتعالى.
الراسخون في العلم والمؤمنون وانكشاف الحقيقة بالعلم والإيمان
لكن الراسخون في العلم منهم من الأمة السابقة — هذه [الآيات] يتكلم [الله فيها] عن بني إسرائيل — والمؤمنون، إذا القصد هو الانكشاف؛ انكشاف الحقيقة. وانكشاف الحقيقة قد يأتي بالعلم وقد يأتي بالإيمان.
ولذلك كان بعض العارفين عندما يطلع أحدهم على الحقائق التي سجلها ابن سينا — وابن سينا عالم تجريبي يدخل المختبر ويشاهد ويلاحظ ويستنبط ويسجل — وهو [أي العارف] في خلوته بذكره يصل إلى نفس ما كان يصل إليه ابن سينا، فيقرأ ابن سينا يقول: والله صحيح!
العارف يصل إلى الحقيقة بصفاء نفسه كما يصل العالم بتجربته
كيف؟ هل أنت عرفت هذه الحكاية؟ فيقول: نعم أنا أعرفها، نعم هذا شيء يعني عرفها. فمن أين عرفها؟ من صفاء نفسه وخلوته.
فهل هذا يصلح؟ هل هذا يصلح؟ فقال مقالته العجيبة الغريبة: لا أصل إلى حقيقة إلا رأيت ذلك الأعمى [يعني العارف الذي لا يستخدم أدوات العلم التجريبي] وصل إليها قبلي بعكازته.
الحقيقة واحدة يُتوصل إليها بالعلم أو بالعرفان دون تناقض
إذن فكيف يفيدنا هذا الكلام؟ بدون دخول في مهاترات الجدل، يفيدنا أن الحقيقة واحدة؛ ستصل إليها بالعلم، تصل إليها بالعرفان، لكنها واحدة لا تختلف. الحقائق التي خلقها الله سبحانه وتعالى واحدة؛ إما أن يخبرنا عنها بالوحي، وإما أن ندركها بانكشاف الوجود.
فتحصيل الإنسان لصوره القائمة في دماغه إما أن يأتي من الوجود وإما أن يأتي من الوحي. ولأن الوحي قد صدر عنه سبحانه وتعالى أمرًا، والوجود الذي حولنا صدر عنه سبحانه وتعالى خلقًا، فإنه ليس هناك أي تناقض بين الخلق وبين الأمر، بين الوجود وبين الوحي.
لا تعارض بين العلم والإيمان وخطأ المصارعة بينهما في أصل العقيدة
بين ما نصل إليه من حقائق لا نستطيع أن ننكرها ولا ينبغي لنا أن ننكرها عن طريق العلم، أو نصل إليها عن طريق العرفان.
وبهذا يتضح الحال بأن من غلب وجعل هناك مصارعة بين العلم والإيمان مخطئ في أصل العقيدة؛ فإن طريق العلم المتعلق بالوجود وطريق الإيمان المتعلق بالعرفان والوحي لا يختلفان. هذه الآية تقرر ذلك وجميع الآيات كذلك.
عمق القرآن في التفريق بين الخلق والأمر والشواهد القرآنية على ذلك
ولذلك ما هذا العمق وما هذه الفلسفة! أي أن هذا [القرآن] لو كان من عند الإنسان كان أيضًا يعني تجد فيه اختلافًا، ولكن يا أخي لا، تجد هاتين الكلمتين مكررتين في القرآن هكذا كما هما:
﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]
ما هذا! خلق وأمر؛ يبقى في شيء صدر منه خلقًا وشيء صدر منه أمرًا، تبارك الله رب العالمين.
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]
هذا هو الخلق.
﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [العلق: 2-4]
وجود ووحي. ويعكسها:
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [الرحمن: 1-2]
الذي هو الوحي.
﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ [الرحمن: 3]
الذي هو الخلق.
القرآن كتاب الله غير مخلوق والوصول إلى الحقيقة بالعلم أو الإيمان
القرآن كتاب الله غير مخلوق، ولذلك سماه أمرًا، يعني من أمر الله. ولذلك عندما تأتي بهذه الآية تضعها مع هذه، تضعها مع هذه، تضعها مع هذه، تجد واضحًا الكلام أن الوصول إلى الحقيقة قد يكون عن طريق العلم وقد يكون عن طريق الإيمان، وكلاهما من عند الله.
قد يُبنى على الوحي وقد يُبنى على الوجود، وكلاهما من عند الله. قد يكون تبعًا للكتاب الأكبر أو تبعًا للكتاب الأصغر، وكلاهما من عند الله.
الكتاب الأكبر والكتاب الأصغر بين الكون والقرآن وتوافق شبكتيهما
الكتاب الأكبر الذي هو الكون، والكتاب الأصغر الذي هو القرآن. وأحيانًا يُعكسان فيسمون القرآن الكتاب الأكبر والكون هذا الكتاب الأصغر؛ الكتاب الأكبر [أي الكون] من ناحية الحجم، لكن الكتاب الأكبر هذا عندما نسميه القرآن من ناحية العمق والمعنى؛ أنه شبكة من المعلومات توافق هذه الشبكة التي نعيش فيها [أي الكون].
لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون؛ الراسخ في العلم يؤمن، والمؤمن أيضًا يستمر في إيمانه، لا يناله ريب ولا شك ولا تردد. يؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك.
ورقة بن نوفل يشهد بوحدة مصدر القرآن والتوراة من مشكاة واحدة
هنا لما سمع ورقة بن نوفل الكلام الذي تلاه عليه النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن، فهم الأمر فورًا، انكشف له الحال، فقال:
«والله إن هذا والناموس الذي نزل على موسى قد خرجا من مشكاة واحدة»
انظر إلى الدقة؛ خرجا ولم يقل خُلقا، بل قال خرجا، أي من عالم الأمر من مشكاة واحدة. إذن القرآن والتوراة من عند الله.
فورًا الراسخ في العلم يؤمن أن هذا من عند الله، أما الذي ليس راسخًا في العلم يتكلم كثيرًا.
دعوة الشيخ المراغي إلى الزمالة الإنسانية ودراسات الرسوخ في العلم
مرة دعا الشيخ المراغي إلى شيء يسمى الزمالة الإنسانية وألّف فيها كتابًا يسمى "الزمالة الإنسانية" مطبوعًا. أرسله إلى مؤتمر الأديان وقال لهم: يا جماعة، المسلمون هؤلاء قلبهم مفتوح لكل العالم، وأنا أدعو إلى دراسات توصل الناس إلى درجة الراسخ في العلم؛ لأنكم عندما تصبحون راسخين في العلم ستؤمنون بما أُنزل على محمد عليه الصلاة والسلام.
قصة حداد الباحث اللبناني ودراساته القرآنية والفتنة التي أثارها
أخذ هذه القصة أحد الباحثين في لبنان كان اسمه حداد، وهذا حداد ذهب فأجرى سلسلة من الدراسات، هذه الدراسات اسمها الدراسات القرآنية والدراسات اللاهوتية وما إلى ذلك. وحده بنفسه هكذا، ولكن كان له غرض، والراسخ في العلم ما يبقى له غرض سوى أن يبحث لوجه الله.
فوجئنا في حوالي سنة سبعين وصلت إلينا هذه الكتب — سبعين أو واحد وسبعين — كان حينها شيخ الأزهر الشيخ محمد الفحام. وصلت الكتب الخاصة بحداد بناءً على الاستجابة التي قام بها الشيخ المراغي في الثلاثينات.
ادعاء حداد أن القرآن ترجمة للتوراة والإنجيل والفتنة التي نتجت عن ذلك
قرأوها ووجدوا أن محمدًا هذا [أي حداد] رجل علّامة عارف بالسريانية والعبرية والكلدانية والعمونية — هذه لغة — وبعد ذلك عكف على قراءة كتب أهل الكتاب وترجم التوراة والإنجيل ترجمة نظيفة جميلة جيدة، [ثم زعم أن] التي هي القرآن! هل تنتبه؟
وحدثت فتنة عمياء صماء حينئذٍ، وتشكلت لجان وردّوا عليه. أي كانت قصة لعل بعض الباحثين أن يدرسوها.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
