سورة النساء | حـ 798 | 137 - 139 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 798 | 137 - 139 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

13 دقيقة
  • القرآن الكريم يُرشد الإنسان لكيفية التعامل مع الحقائق العليا وأوامر الله وأركان الإيمان.
  • الإيمان بالله أمر سهل وفطري، يشعر معه الإنسان بالراحة، بينما الكفر يسبب معاناة شديدة.
  • يحذر الله سبحانه من حالة التذبذب بين الإيمان والكفر، فمن آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا لن يغفر الله لهم.
  • سبب هذا التذبذب هو عدم تسليم الأمر لله والانجرار وراء الشهوات التي تجذب الإنسان تارة للكفر وتارة للإيمان.
  • المتذبذبون في إيمانهم منافقون، يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وقد توعدهم الله بالعذاب الأليم.
  • الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين يبتغون عندهم العزة، والعزة لله جميعًا.
  • الولي هو القريب، والمنافق قريب من الكافرين بعيد عن المؤمنين.
  • مثال على ذلك انهيار الاتحاد السوفيتي الذي كان مصدر عزة للبعض فتلاشى وتفكك.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان موضوع سورة النساء في إرشاد الإنسان لأركان الإيمان

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى، ومع سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يرشد الإنسان في أثناء سيره في حياته كيف يتعامل مع الحقائق العليا، ومع أوامر الله سبحانه وتعالى، ومع أركان الإيمان التي أمر الله بها؛ من الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر، سبحانه وتعالى.

يقول [الله عز وجل] إلى أولئك الذين تحيّروا وحيّروا أنفسهم ولم يتركوا أنفسهم لله.

سهولة الإيمان بالله لموافقته الفطرة ومعاناة الكافر مع نفسه

والإيمان بالله مسألة سهلة جدًا وجميلة للغاية؛ سهلة لأنها موافقة للفطرة، فالإنسان عندما يؤمن بالله يجد نفسه يشعر بأنه مرتاح.

ولكن عندما يريد أن يكفر بالله فإنه يعاني معاناة شديدة، ويبرر لنفسه هذا الكفر بألف دليل، ولكن الفطرة تناديه من الداخل أن عُد.

﴿رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: 2]

ساعات الكافر يرى جهنم في حياته الدنيا، فإذا قلنا لهم: لماذا لا تخرج من هذه النار [نار الحيرة والضلال]؟ أنت تعيش في جهنم! يقول وهو لا يؤمن بالله: والله لا أستطيع. و"والله" هنا يعني مثل ماذا؟ قَسَم، يعني أقسم بأني لا أستطيع.

الله يحول بين المرء وقلبه والحيرة تقود الجاهل العنيد إلى الكفر

واعلم أن الله يحول بين المرء وقلبه، يعني هو أيضًا لا يعرف الطريق إلى هذا الكفر البواح.

يدخل الإنسان الجاهل العنيد نفسه في الحيرة، والله سبحانه وتعالى يحذر من هذه الحالة ومن الآثار التي تترتب على هذه الحيرة.

تفسير آية تقلب المنافقين بين الإيمان والكفر وسبب حيرتهم

فيقول [الله تعالى]:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ٱزْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 137]

إنّ [للتأكيد]، الذين آمنوا ثم كفروا، ثم [للترتيب مع التراخي]، هم لا يتلاعبون، هم فعلًا آمنوا وبعد فترة حيّر نفسه وضلّ نفسه وأضلّ نفسه وضلّل نفسه فكفر.

ثم لما دخل الكفر لم يرتح فآمن، رجع ثانية، لكنه لم يترك المنهج — منهج الحيرة — ثم كفروا. فيبقى كان كافرًا فآمن، ثم كفر، ثم آمن، ثم كفر، ذاهبًا جائيًا، ذاهبًا جائيًا، حيران.

لماذا [هذا التقلب]؟ لأنه لم يُسلّم أمره لله.

الشهوات تجر الإنسان بين الكفر والإيمان دون تسليم الأمر لله

وما الذي يدفعه هنا وهناك؟ الشهوات؛ شهوة تجره إلى الكفر، وطلب الراحة الذي وجده وهو مؤمن يجره أيضًا من ناحية الشهوة إلى الإيمان مرة ثانية، لكن لم يُسلم أمره لله.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ٱزْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 137]

سيظل طوال عمره وهو حائر.

قصة واقعية لرجل تقلب بين الإسلام والشيوعية ثم عاد للصلاة ثم تركها

عرفنا في حياتنا أحدهم، الحقيقة أننا عرفنا كثيرين، لكن الذي خطر في بالي الآن واحد كان مسلمًا وبعد ذلك ذهب إلى الشيوعية.

سار معها قليلًا فلم يجد تلك اللذة التي كان يجدها في قلبه عندما كان يذهب إلى المسجد لصلاة الفجر، فأخذ يذهب إلى صلاة الفجر خاصة، يصلي الفجر وبعد ذلك ربما لا يصلي بقية النهار.

هل أنت منتبه؟ يصلي الفجر في المسجد. [فسُئل:] الله، ليه [لماذا الفجر فقط]؟ قال: لا، هذه قضية وهذه قضية، ما قلبي غير قادر [على تركها]. سبحان الله، لا إله إلا الله.

تدرج الرجل في الكفر حتى ازداد كفراً بتأليف كتب يسب فيها النبي

ثم بعد ذلك غاب عن صلاة الفجر وترك الصلاة بالكلية، ثم بعد ذلك عاد مرة أخرى، ثم بعد ذلك ذهب ولم يعد.

ثم ازداد كفرًا بتأليف كتب يسب فيها النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم. شاهدنا هذا [الرجل] مسلمًا ومؤديًا للصلوات حسنًا، ثم شيوعي، ثم نصّ نصّ [بين الإيمان والكفر]، ثم كافر، ثم لا أعرف ماذا، ثم ازدادوا كفرًا.

﴿لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: 137]

ومات على هذه الحالة وهو يُعِدُّ أحد الكتب من سلسلة سب النبي والصحابة.

﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 137]

بشارة المنافقين بالعذاب الأليم والفرق بين الكفر والنفاق

﴿بَشِّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 138]

الله! طيب، هنا هو كافر أم منافق؟ هو منافق وكافر؛ لأنه يأتي إليّ في صلاة الفجر ليصلي معي.

ماذا سأقول له؟ هو يصلي، وليس لي تدخل فيما في قلبه، ليس لي تدخل فيه. لا أستطيع أن أقول له: أنت بالأمس كنت شيوعيًا، ولا أستطيع أن أقول له حتى: أنت بالأمس كنت مع الجماعة الشيوعيين في الليل. لا، لأنه هذا يأتي الفجر [للصلاة]، لا يمكن أن يكون غير ذلك، ليس لي علاقة بالأمر.

إذا قال أحدهم: يا الله، أنت ساذج! أقول له: نعم، أنا ساذج، ليس لي أن أتدخل في خلق الله.

التأمل في حال المنافقين بعد وفاتهم واستخلاص العبرة من قصصهم

لكنني الآن عندما أتحدث بعد ميلاده ورحيله، وأتأمل هكذا، في النهاية أجد الآية — سبحان الله — لا نذكر اسمه وإنما نأخذ منها العبرة، هي العبرة. سبحان الله.

يعني إذا كانت هذه الأمور موجودة ولها أسماء معروفين وموجودين، فربنا سماهم منافقين لهذا السبب؛ لأنهم منا ويتكلمون بلساننا ويصلون صلواتنا ويلبسون مثلنا تمامًا، أي ليس هناك شيء يميزهم.

فقال ماذا [ربنا سبحانه وتعالى]؟

﴿بَشِّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 138]

أول ما يسمع [المنافق] كلمة "بشّر" يقول: نعم، هذا يعني أن ربنا يغفر ولن يفعل فيه شيئًا ولن يعطيني شيئًا كذلك. [لكن] بشّر المنافقين بأن لهم عذابًا أليمًا! هذا عكس مراده.

اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين وترك الحقائق الثابتة

﴿ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 139]

بدلًا من أن يقرأ للمؤمنين الذين فتح الله عليهم في الشرق والغرب وعلّمهم الحقائق الثابتة، وجعلهم من المقربين إليه، وجعل قلوبهم ترى الحقيقة واضحة باطمئنان:

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

ذهبوا إلى التوهيمات وسموها أسماءً لطيفة خفيفة، يُضل بعضهم بها بعضًا، ومَلّوا من أنفسهم قبل أن يملوا من المؤمنين.

تجدهم يا أخي يكرهون بعضهم بشكل غريب جدًا، وتجد أنه لا يوجد عفو ولا صفح ولا شيء من هذا القبيل. تجد ألسنتهم أطول منهم وهم أضعف من الذبابة عند الله. سبحان الله.

التأمل في صبر الله على المنافقين ومعنى الولي في اللغة العربية

تتأمل وتقول: يا صبور، يا حليم، كيف صبر عليهم؟ لأنه هو الذي خلقهم، ولا بُدّ عليك أنت أيها المؤمن من الرضا.

﴿ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ﴾ [النساء: 139]

من هو الولي؟ الولي هو القريب. أول مطر يأتي عند العرب يسمونه الوسمي، أول مطر، أول دفعة مطر هكذا ومطر نازل، يفرحون به لأنه:

﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾ [الأنبياء: 30]

لأن الماء ينبت الزرع وينقذ الإنسان والحيوان، كل شيء يحتاج إلى الماء، فيسمونه الوسمي.

العلاقة بين الوسمي والولي وبيان معنى اتخاذ الكافرين أولياء

وانتبه، لاحظ كلمة وسمي وكلمة رجل وسيم أي جميل، يعني أول شيء هو الجمال.

والمطر الذي يليه يسمى الولي، وذلك لأن أول الموسم يأتي قريب منه جدًا بغيث، ثم يأتي بغيث آخر. الغيث الآخر هذا، ما اسمه؟ إنه الولي. فالولي قريب من الوسمي.

وبه سُمي الإنسان الذي فيه قرب والذي فيه حميمية، فهو أصبح قريبًا من أيدي الكافرين، لا يتأخر عنهم وهو قريب لهم وفي متناول أيديهم.

﴿ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 139]

يكون بُعده عمن؟ عن المؤمنين.

ابتغاء العزة عند الكافرين وانهيار الاتحاد السوفيتي دليلاً على أن العزة لله جميعاً

﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 139]

ما هم ابتغوا قبل ذلك؟ العزة عند الاتحاد السوفيتي! حدث شيء لم يكن أي شخص عاقل يفكر فيه ولا يستطيع تصوره: انهار الاتحاد السوفيتي.

ماذا يعني انهيار الاتحاد السوفيتي؟ ما هذا الكلام؟ هل هناك شيء بهذا الشكل؟ نعم يوجد، وقد انهار وتفكك. ماذا إذن؟ هكذا:

﴿فَإِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 139]

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.