سورة النساء | حـ 806 | 145 - 146| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 806 | 145 - 146| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • يوضح القرآن أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، لكن الله فتح لهم باب التوبة مشترطاً الإصلاح.
  • التوبة ليست مجرد كلام، بل تتطلب إصلاح ما أفسده الإنسان كرد المسروقات وإرجاع المغتصبات.
  • شروط التوبة الصحيحة: الندم، الإقلاع عن الذنب، الاستغفار، نسيان الذنب، الإيمان بالله، وإخلاص الدين له.
  • من تاب بهذه الشروط يصبح مع المؤمنين حتى لو كان منافقاً سابقاً، فالعبرة بالخواتيم.
  • يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً يفوق التصور، فضل واسع لا يقارن بمقاييس الدنيا.
  • عمر الإنسان في الدنيا بالنسبة لليوم الآخر كدقائق قليلة، فمن يعيش مائة سنة يعبد الله فكأنه عبده ثلاث دقائق.
  • الجزاء الأخروي يتجاوز بمراحل كل ما يمكن أن يتصوره الإنسان، فأقل أهل الجنة منزلة له مُلك هائل يفوق حجم الأرض.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

فتح باب التوبة حتى للمنافقين الذين في الدرك الأسفل من النار

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ [النساء: 145-146]

أي انظر إلى فتح باب التوبة حتى للمنافقين، الذين في الدرك الأسفل، الذين هم أخسّ خلق الله؛ فتح لهم مرة أخرى باب الأمل كي يتوبوا.

التوبة ليست بالكلام بل بإصلاح ما أُفسد وردّ الحقوق إلى أصحابها

التوبة ليست بالكلام، التوبة ليست بالكلام. التوبة هي أن يسرق أحدهم السرقة ثم يقول لك: «تُبنا إلى الله»، لا! هذا [لا يكفي]، أنت يجب أن تردّ السرقة إلى الشخص الذي يملكها والذي سرقتها منه.

﴿تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ [النساء: 146]

يعني أن ما أفسدتموه لا تنفع التوبة في إلغائه، بل يجب إصلاحه. أنا ذاهب للحج وكنت قد اغتصبت قطعة أرض من الحكومة أو من جاري ولو شبرًا هكذا، وتذكرتها فاكتفيت بأنه «تُبنا إلى الله»؛ فالتوبة إلى الله لا تنفع، بل يجب إرجاع الأرض إلى أصحابها.

تابوا وأصلحوا، فإن لم يُصلحوا فلا تنفعهم توبة.

شروط التوبة من النفاق: الإيمان بالله والاعتصام به وإخلاص النية

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَٱعْتَصَمُوا بِٱللَّهِ﴾ [النساء: 146]

هو [المنافق] في البداية كان كافرًا بالله، الآن من شروط التوبة أن يؤمن بالله سبحانه وتعالى؛ لا بدّ عليه أن يؤمن، لأن هذا طريق الإيمان وطريق الكفر هما هذان الطريقان اللذان بينهما جدال.

﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: 146]

النية ألّا يعمل شيئًا إلا لله تكفيرًا عن ذنوبه. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»

الإمام البخاري يجعله أول حديث في [صحيح] البخاري. لماذا؟ قال: هكذا مفتاح كل شيء؛ صلحت النية أم لم تصلح. صلحت النية استقام لك عملك، النية هكذا [عالية] النية متوسطة عملك متوسط، لا توجد نية لا يوجد قبول للعمل.

﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: 146]

إخلاص النية لله [هو الشرط الأساسي للقبول].

العبرة بالخواتيم والمنافق التائب يصبح مع المؤمنين الأصليين

﴿فَأُولَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 146]

[أي مع] المؤمنين الأصليين الذين لم ينافقوا مرة في حياتهم؛ لأن العبرة بالخواتيم. ما لي دعوة بالأمس، أنا عملت ماذا؟ أنا أريد اليوم، أنا عملت ماذا؟

هيّا اخرج من الذي كنت فيه بالأمس، واخلع الثوب الذي للأمس وارمِه بما فيه من معصية وخطأ وخطل وقلة إخلاص، ارمِه! ابدأ إذن صفحة جديدة في حياتك.

انظر إلى هذا الأمل كي لا يسأم المرء هكذا من حياته، ولا يكون أسيرًا لمعاصيه، ولا يتسلط عليه الشيطان ليُعظّم له الذنب تعظيمًا شديدًا ويُغرقه فيه.

تحذير من وسوسة الشيطان بتعظيم الذنب وبيان سعة رحمة الله

يقول له [الشيطان]: ما أنت داخل النار، داخل النار، فهيّا إذن نرتكب المعصية! لا، لست داخل النار، منها فررنا. من الذي قال لك إن ربنا سيدخلني النار؟ بل سيدخلني الجنة! يعطيك أملًا.

ولذلك العلماء يقولون لك: ما هي درجات التوبة؟

  1. أول شيء أن تندم وتبكي من الذنب.
  2. ثاني شيء أن تُقلع عنه.
  3. ثالث شيء أن تستغفر: يا ربّ اغفر لي، يا ربّ اغفر لي، يا ربّ اغفر لي، وتبقى هكذا يومين أو ثلاثة.

ماذا تفعل بعد ذلك؟ قال لك: أن تنسى الذنب.

نسيان الذنب بعد الندم والاستغفار خطوة أساسية من خطوات التوبة

انتبه! من ضمن الخطوات المتخذة لكي تنتهي من هذا الذنب أن تنساه.

فلا تحيّرنا، أننساه أم نندم؟ تندم في البداية وتنساه في النهاية، كأن لا شيء. تقول لنفسك: هذا أنا، صفحتي صفحة بيضاء.

هل يفعل الإنسان هكذا وحده؟ أنا لم أفعل في حياتي شيئًا! وماذا عن المصائب كلها التي فعلتها أنت؟ ما من شيء إلا أن نتوب إلى الله، ومن تاب تاب الله عليه.

وهذا يشجعك في أن تكون صفحتك بيضاء وتستمر بيضاء.

المنافق التائب يصبح من المؤمنين بل قد يكون سيدهم بشروط التوبة

﴿فَأُولَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 146]

دائمًا هكذا، إن من كان بالأمس منافقًا يصبح اليوم من المؤمنين، وقد يكون سيدهم بهذه الشروط: تاب وأصلح وعمل عملًا صالحًا واعتصم بالله وأخلص النية.

﴿فَأُولَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 146]

ما هو [هذا الأجر]؟ واسع إذن سبحانه وتعالى! والنبي ﷺ يصف لك الجنة، تشعر بهذه الآية: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، أجر فوق تصورك، عقلك لا يستطيع إدراكه.

مثال توضيحي لعظمة أجر الله مقارنة بعمل ثلاث دقائق في الدنيا

أنت ذهبت واشتغلت ثلاث دقائق عند شخص، كم تريد؟ ثلاث دقائق وليس ثلاث ساعات، ثلاث دقائق اشتغلتها عند شخص وتريد أن تأخذ أجرًا، كم؟ فقلت: والله يعني نقول ثلاثمائة جنيه، كل دقيقة مائة جنيه.

نعم هكذا أنتم ضحكتم! يعني لو أعطاك ثلاثة جنيهات فذلك جيد، اكبح الطمع فالطمع مفرط. مائة جنيه في الدقيقة يعني ثلاثمائة جنيه.

فإذا به يعطيك ثلاثة مليارات! ثلاثة مليارات! فقال له: أتتخذونني هزوًا؟ أنت تسخر مني أم تضحك عليّ؟ قال له: لا، خذ الثلاثة مليارات هذه؛ لأن هؤلاء ثلاث دقائق لا يساوون ثلاثة مليارات. وبعدها أعطاك الشيك بقيمة ثلاثة مليارات.

المفاجأة في قراءة الشيك وتبيان أن فضل الله أوسع من كل تصور

ثلاثة مليارات! كيف هذا؟ ثلاثة وأمامها ثلاثة أصفار، وأمام الثلاثة أصفار ستة أصفار، أصبحنا كم؟ تسعة! فجلست أقرأ الشيك، العدد كثير، فوجدتهم اثني عشر صفرًا، وجدتهم اثني عشر صفرًا! وانتبه، ليس مليارًا، هذا ثلاثة آلاف مليار!

فأنت على الفور تفهم أن هذا شيء من الفضل، أي الله فضله واسع.

حساب عمر الإنسان بمقياس الزمن عند الله وأنه لا يتجاوز ثلاث دقائق

يعني أن الذي سيحدث لك هكذا يوم القيامة: أنت قضيت في الدنيا كم؟ إن يومًا:

﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4]

اليوم عند ربنا بكم؟ خمسون ألف سنة من سنواتنا التي للأرض هذه [أي أربع وعشرون ساعة]، فتكون الساعة بكم؟ بألفي سنة. ساعة ربنا بالألفين سنة هنا، نقسمها على ستين، الألفان على ستين بثلاثة وثلاثين سنة، فتكون الدقيقة عند الله ثلاثة وثلاثين سنة.

أنت ستعيش مائة سنة تعبد الله، فكم تكون مدة إقامتك؟ ثلاث دقائق! الحساب هكذا.

ثلاث دقائق عبادة تساوي ثلاثة آلاف مليار من فضل الله الواسع

الحساب هكذا، ثلاث دقائق وأنت تعبد الله، فهذه هي العبادة، أي على الفور كل شيء [يُقبل]، أنت من عباد الله، نعم.

الثلاث دقائق ما أسهلها! كم قلنا؟ ها هو الشيخ أطمعنا! نحن كنا نعمل ثلاثة جنيهات، قال: لا، ثلاثمائة، استكثرناها، فذهب وأعطانا ثلاثة مليارات، والثلاثة مليارات عندما جئنا نقرأها وجدناها ثلاثة آلاف مليار!

جيد هكذا، يا ربّ نريد ثلاثة آلاف مليار!

أقل أهل الجنة يُعطى عشرة أمثال الكرة الأرضية من نعيم الله

هذه الدقائق الثلاث، عذرًا، لا تأخذوني إلى العمى الذي نجلس فيه هنا في الدنيا. فإذا بأتعس واحد، أقلّ واحد في البشرية كلها [يُعطى] عشرة أمثال الكرة الأرضية، عشرة أمثال الأرض!

مساحة الأرض كم هي؟ كبيرة قليلًا! لن أعطيك المدينة التي أنت فيها هذه، لن أعطيك القطر المصري، لن أعطيك أفريقيا، لا! لن أعطيك الكرة الأرضية! في ثلاث دقائق سيعطيك عشرة أمثال هذا.

وصف نعيم الجنة بالخدم والأنهار ودعوة لبيع النفس لله تعالى

عندما يأتي عشرة أمثال هذا [أي عشرة أمثال الكرة الأرضية]، وأين الخدم بخدمتهم؟ وأين الحشم بحشمتهم؟ وأين الخدمة التي تخصّ هذا [النعيم]؟ الأشياء التي فيها بأنهارهم بكل شيء!

ما رأيك أن تبيع نفسك لله أم تبقى حائرًا فيما تفعله؟

إلى اللقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.