سورة النساء | حـ 814 | 158 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •نفى الله تعالى قتل وصلب المسيح عليه السلام، وأكد رفعه إليه رفعة مكانة ومكان، فهو من أولي العزم من الرسل.
- •في حديث البخاري يوم القيامة يلجأ الناس للأنبياء ليشفعوا لهم، فيعتذر كل نبي ويذكر ما وقع منه، أما عيسى عليه السلام فيرشدهم لمحمد صلى الله عليه وسلم دون أن يذكر لنفسه شيئاً.
- •يقبل النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة بقوله "أنا لها"، فيسجد تحت العرش ويلهمه الله محامد يحمده بها، ثم يشفع للخلق جميعاً.
- •الشفاعة العظمى تشمل حتى من أساء للرسول ومن ظلم المسلمين، وهذا يدعو المسلم لضبط النفس والرضا بالقضاء.
- •قوله تعالى "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" يعني أن رحمته تشمل جميع الخلق من آدم إلى قيام الساعة.
- •يعتقد المسلمون أن عيسى عليه السلام حي في السماء الرابعة، وسينزل في آخر الزمان بجسده العنصري في المجيء الثاني.
مقدمة في رفع الله تعالى للمسيح عليه السلام ومعنى الرفعة
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى في شأن السيد الكريم المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، بعد أن نفى عنه أن يكون قد قُتل بأيدي اليهود أو صُلب، بعد ما قُتل أو صُلب، فقتل بذلك؛ نفى ذلك كله، ثم قال:
﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: 158]
والرفعة قد تكون رفعة مكانة وقد تكون رفعة مكان. أما أنه قد رفعه رفعة مكانة فهذا لائق به وبرتبته من أولي العزم من الرسل.
مكانة المسيح عليه السلام بين أولي العزم وحديث الشفاعة الكبرى
فالسيد الشريف المسيح عليه السلام في ترتيب الأنبياء من أولي العزم يأتي بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي حديث البخاري أن الناس بعدما يطول بهم يوم القيامة يلجؤون إلى الأنبياء، فيذهبون إلى آدم فيعتذر أن يذهب إلى ربه ليشفع في الخلق، ويذكّرهم بالخطيئة التي وقع فيها عندما أكل من الشجرة.
فيذهبون إلى نوح فيذكّرهم بأن هناك تقصيرًا عندما دعا ربه في ابنه [أي دعوته على قومه]. يذهبون إلى إبراهيم فيذكّرهم أنه قد جرى على لسانه صور تُعدّ وكأنها كذب وهي ليست بكذب.
اعتذار إبراهيم عليه السلام وبيان أن كلامه ليس كذبًا بل من السياق
عندما قال [إبراهيم عليه السلام]:
﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: 63]
ليست بكذب، إنما هذا من السياق والسباق والحال واضح أنه ليس بكذب، إنما أيضًا هو لم يفعلها كبيرهم هذا.
على كل حال فيعتذر [إبراهيم عليه السلام]؛ لأن هذا اليوم هو يوم صفاء وشفافية، وإن حتى القليل من الأمور يُحاسَب عليها؛ يُحاسَب على الذرة خيرًا أو شرًّا، يُحاسَب على الذرة يعني النملة الصغيرة أو الغبار الذي في الجو، يعني شيء ضئيل جدًّا.
اعتذار موسى عليه السلام وتوجيه عيسى الناس إلى محمد صلى الله عليه وسلم
فيذهبون إلى موسى [عليه السلام] فيذكّرهم أنه وكز رجلًا فقضى عليه؛ قتل قتيلًا بغير حق.
فيذهبون إلى عيسى [عليه السلام] فيقول لهم: اذهبوا إلى محمد، ولا يذكر النبي المصطفى والحبيب المجتبى له شيئًا [أي لا يذكر عيسى لنفسه ذنبًا يعتذر به].
صفحة المسيح عليه السلام بيضاء لا قصور فيها ولا تقصير
هذا يعني أن واحدًا يقول لي: حسنًا، يعني سيدنا عيسى كيف وصل إلى هذه المرتبة؟ صفحته بيضاء! فماذا سنفعل؟ صفحته بيضاء، هذا ما عنده شيء مطلقًا من لا القصور ولا التقصير ولا الهفوات ولا الذنوب ولا أي شيء.
هكذا هو سيدنا المسيح [عليه السلام]، شيء جميل! هكذا، هل أنت منتبه؟ صفحته بيضاء، كتابه ليس فيه شيء.
إبراهيم أبو الأنبياء أيضًا كتابه ليس فيه شيء، لكن توجد يعني ثلاثة مواضع هكذا ربما يعني، أو يعني لا، حتى لا يتذكّروا. أما هذا [المسيح عليه السلام] فلا مواضع تُذكر، ولا يوجد شيء كُتب ومُحي، ولا يوجد أي شيء.
شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم العظمى يوم القيامة
فلم يُذكر له [لعيسى عليه السلام] شيء، ولأنه يعلم قيمة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اذهبوا إلى محمد. فذهبوا إليه فقال: أنا لها، أنا لها! فهو الذي خُلق من أجل الشفاعة العظمى.
هكذا مصطفى ربنا اختاره، مختار عقيدتنا هكذا. فيذهب فيسجد تحت العرش لرب العالمين، ويُلهمه الله بمحامد كثيرة يحمد بها ربه، ويُلهمه أقوالًا حتى يقول له ربنا:
«ارفع يا محمد، وقُل تُسمع، واشفع تُشفَّع»
عليه الصلاة والسلام. اللهم اجعله شفيعنا يوم القيامة! فيشفع للخلق كلهم.
طول يوم القيامة وضجر الناس من الانتظار خمسمائة سنة
ما نزل في الجدول أن يوم القيامة ألف سنة، قوم هو [أي الله] يجعله خمسمائة [سنة بشفاعة النبي ﷺ]. الناس ضجّت، إذن بعد خمسمائة سنة فذهبوا إليه [إلى النبي ﷺ] على الفور.
فقال: ما هذا؟ انتهى! دعونا من هذا الموقف. طبعًا انتبه، أنت واقف هكذا لمدة خمسمائة سنة! ستُصاب بالدوالي، ولا توجد سيارة إسعاف، ولا يأخذونك إلى المستشفى، ولا يُجرون لك عملية دوالي فتموت، لا يوجد شيء! فملّ الناس.
حسنًا، وبعد ذلك، ولكن عندما ذهبوا للمصطفى أكرمه الله فاستجاب دعاءه وشفّعه في الخلق.
شمول شفاعة النبي لكل الخلق حتى من آذاه وآذى أمته
ومن ضمن هؤلاء الخلق ذلك الرجل الذي شتمه صاحب الرسوم الكاريكاتيرية؛ سيكون واقفًا من ضمن هؤلاء الخلق. الذين يعملون الآن يُخرجون فيلمًا، أو الذين يكتبون رواية يشتمونه هو وأهله وأزواجه وكل من معهم، فيُخزَون خزيًا شديدًا.
من ضمن هؤلاء الخلق الذين كفروا به وحاربوه وحاربوا أمته ودينه، من ضمن الخلق الذين سيدخلون في الشفاعة هؤلاء القادة الإسرائيليون الذين ارتكبوا المحرقة في غزة وقتلوا الأطفال والنساء وهدموا المساجد وهدموا البنيان وقتلوا الإنسان.
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
عقيدة المسلم في شمول شفاعة النبي لجميع الخلق وأثرها في السلوك
هذا ما يعتقده المسلم أن سيدنا المصطفى سيشفع في الخلق كلهم. الكلمة تمر علينا بسرعة هكذا كفخر، شيء نفتخر به؛ نبينا هو الذي سيشفع للناس جميعًا.
طيب، ولكن تأمّل: الناس جميعًا يعني كيف؟ يعني حتى حثالة الخلق هؤلاء سيدخلون في الأمر؟ نعم. يعني هؤلاء السفّاحون سيدخلون؟ نعم. الذين شتموا وكذلك سيدخلون؟ أجل، نعم.
وهذا يفيدك بماذا يا مؤمن؟ ضبط النفس، الرضا بقضاء الله، القراءة الصحيحة للأحداث.
فضل النبي صلى الله عليه وسلم على كل أحد وشمول رحمته للعالمين
إذا كان هؤلاء سيرحمهم الله من الخمسمائة سنة، فالله مثلًا لن يقول له: انتهى الأمر يا محمد، سأُدخل المؤمنين وأترك الباقين هكذا بقية الخمسمائة سنة. لا، بل إن النبي له فضل على كل أحد، وما دام له فضل على كل أحد فسينال هذا الفضل من كذّبوه، ومن صدرت منهم البذاءة، ومن صدر منهم العدوان والطغيان، ومن صدر كذا وكذا على ما كان من عمل.
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
أيّ عالمين؟ كل أحد من آدم إلى قيام الساعة. للعالمين، رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة لهؤلاء جميعًا، تتمثل في الشفاعة العظمى التي تنال كل أحد.
أثر الإيمان بالشفاعة في ضبط النفس عند الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم
الذي يُنكر الشفاعة يُضيّع علينا هذه الرؤية التي تؤثر في سلوك الفرد اليومي. وأنا أسير هكذا وأرى الرجل الذي سبّ الرسول في صورة كتاب، أو يُحضر فيلمًا يسبّ فيه الرسول، أو سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم في صورة رسم كاريكاتيري ساخر، أو نحو ذلك.
حين أنظر إليه هكذا أنظر إليه من جهتين: جهة أن هذا فسق وفجر، وجهة أخرى ومتلازمة معها أن هذا سيدخل في رحمة سيدنا محمد برحمة الله له.
فإذا كان هناك ضبط للنفس هنا فلا أترك نفسي لنفسي في الغضب حتى يصل الأمر إلى ما لا تُحمد عقباه. أغضب لله وأغضب لسيدنا رسول الله، ولكن غضب منضبط. هذا هو المسلم الذي من حقه أن يحمل الزمالة الإنسانية.
رفع المسيح إلى السماء ولقاؤه بالنبي في الإسراء وعقيدة نزوله آخر الزمان
قال تعالى:
﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 158]
وفي السنة في وقت الإسراء والمعراج يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه التقى عيسى عليه السلام في السماء الرابعة.
وفي العقيدة في كتاب الإبانة للأشعري يروي عن الإمام أحمد بن حنبل بأن عيسى حيّ في السماء، ينزل في آخر الزمان بجسده العنصري، وهو ما يُسمّى بـالمجيء الثاني الذي يعتقد فيه المسلمون كما يعتقد فيه المسيحيون، وأنكره بعض المعاصرين بغير حق.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
