سورة النساء | حـ 803 | 143 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 803 | 143 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • الفرق بين الوسطية والتذبذب واضح، فالوسطية من صفات المؤمنين والأمة المحمدية، والوسط هو أعلى الجبل حيث يكون المؤمن شاهدًا ومشهودًا.
  • الوسطية تكليف وتشريف في آن واحد، تعني أن يكون المسلم مثالًا صالحًا يُحتذى به وصورة من النبي صلى الله عليه وسلم.
  • المنافقون يتصفون بالتذبذب، فهم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، يمسكون العصا من الوسط انتظارًا لفتح أو نصيب من الدنيا.
  • القلب الحيران عقاب من الله، يشعر صاحبه بالجحيم وهو في الدنيا، بينما القلب الدافئ بالإيمان يكون مطمئنًا.
  • لخروج المنافق من النفاق طريق واحد هو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فهي مقبولة لتعلقها بالجناب الأجل.
  • من صلى على النبي واحدة صلى الله عليه عشرًا، فيصلي الله عليه ويرحمه ويخرجه من النفاق إلى الإيمان.
  • عتاة المنافقين لا يوفقون للصلاة على النبي، فمن يضلل الله فلن تجد له سبيلا.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

وصف المنافقين بالتذبذب في سورة النساء وبيان صفتهم الملازمة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى في صفة المنافقين، وهي صفة ملازمة دائمة لحال المنافقين:

﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: 143]

الفرق بين الوسطية المحمودة والتذبذب المذموم عند المنافقين

هناك فارق كبير وواضح بين الوسطية وبين التذبذب. فالوسطية من صفات المؤمنين ومن صفات الأمة المحمدية؛ قال تعالى:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]

وكما قلنا مرارًا أن الوسط هو أعلى الجبل، والمؤمن إذا صعد إلى الجبل كان في وسطه، وكان شاهدًا ومشهودًا؛ من كان في السفح من خلق الله يراه، وهو يرى من كان في سفح الجبل.

التكليف الإلهي بالتمثل بالنبي ﷺ والكون قدوة للأمم

وأمرنا ربنا أن نكون على الدرجة العليا من التمثل بسيد الخلق [النبي ﷺ] الذي هو أسوة حسنة لنا، نتمثل به ونجعله هو شاهد حياتنا شاهدًا ومشهودًا، ونتمثل [به] حتى نكون قدوة وأسوة وحجة ووسطًا للأمم.

فالوسطية ليست هي أن تكون مذبذبًا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، بل الوسطية هي تكليف وتشريف في ذات الوقت؛ أن تكون في أعلى الجبل، وأن تكون مكلفًا بتمثيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أن تكون مثالًا صالحًا يُحتذى به، وأن تكون صورة من نبيك صلى الله عليه وسلم.

الأمر بالجهاد في الله والشهادة على الناس كتكليف وتشريف

﴿وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [الحج: 78]

فالوسطية واضحة: تكليف وتشريف. في المقابل، ومن صفات المنافقين أنهم يمسكون العصا من الوسط؛ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، تحسبًا وانتظارًا منهم لفتح، أو لأن يصيب الكفار نصيب من الدنيا.

تذبذب المنافقين بين المؤمنين والكافرين حسب المصلحة الدنيوية

فإن كان في فتح المؤمنين التجأوا إليهم [أي إلى المؤمنين]، أو كان في نصيب الكافرين التجأوا إليهم [أي إلى الكافرين].

﴿مُذَبْذَبِينَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 143]

وهذا يبين القلب الحيران؛ قلوبهم حيرة. هذه الحيرة عقاب من الله؛ لأن القلب الحيران يشعر أنه في جهنم وهو في الدنيا. وسبحان الله، لا يستطيع أن يخرج من تلك النار.

الفرق بين القلب الحائر المذبذب والقلب الدافئ المطمئن بالإيمان

واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه.

﴿مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4]

القلب الحائر غير القلب الدافئ. عندما يكون القلب دافئًا بالإيمان هكذا يكون مطمئنًا:

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

وعندما يكون القلب حائرًا يكون مذبذبًا؛ كلما جاءته شبهة فذهب إليها. وهذا عذاب له؛ لأنه غير مستقر وليس له سكن.

تشبيه القلب الحائر بإنسان بلا مسكن يعاني في العراء

تصور إذن إنسانًا بلا مسكن، أي يجلس في الشارع. تصور إنسانًا قلبه يجلس في الشارع وليس له مسكن؛ فسيظل يعاني البرد والحر والعري، ويسقط عليه التراب والذباب. وهكذا سبحان الله.

﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: 143]

إن الذي خلق هذا [الحكم] هو الله، ولكن لا يظلم ربك أحدًا، ولا يظلم ربك أحدًا.

حكم الله على المنافق بالضلال لعدم امتثاله لأمر الله تعالى

ولذلك فإنك عندما حكم الله عليه [أي على المنافق] هذا الحكم؛ لأنه لم يمتثل لأمر الله، فلن تجد له سبيلًا. ما دام ربنا سبحانه وتعالى قد حكم عليه بذلك لأنه لم يمتثل لأمر الله، إذن فلا يمكن الخروج من هذا؛ لأن هذا هو حكم الله.

هل يمكن للمنافق أن يتوب وما الطريق إلى ذلك عند العلماء

يأتي واحد يقول لي: حسنًا، ما أنا أريد أن أتوب، أنا منافق وأريد أن أتوب؟ ها، يريد أن يحرجني! يعني فالعلماء قالوا: ماذا إذا المنافق أراد التوبة، نفعل ماذا؟ حسنًا، هو يقول: أنا لست قادرًا على نفسي وأريد أن أتوب، هل سترفض التوبة؟

فأقول له: لا ينفع [رفض التوبة]، ربنا ما رفض التوبة. قال: فماذا أعمل؟ قالوا [العلماء]: لا حل لها إلا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها مقبولة ولو من المنافق لتعلقها بالجناب الأجل [جناب النبي ﷺ].

الصلاة على النبي ﷺ طريق المنافق للخروج من النفاق إلى الإيمان

فالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي يعملها المنافق تُتقبل منه. لماذا؟ لأنها أصلها ذاهبة إلى حضرة النبي ﷺ، فلأجل خاطر حضرة النبي سيقبلونها منه.

فليدخل في الصلاة على النبي وليستدم فيها؛ فإن النبي ﷺ يصلي عليه. وعندما يصلي النبي عليه، ألم يقل ﷺ:

قال رسول الله ﷺ: «من صلى عليّ واحدة صلى الله بها عليه عشرًا»

فربنا يصلي عليه، أي يرحمه، فيخرجه من النفاق إلى الإيمان. فتكون هذه حلًّا؛ هذا هو الطريق لخروج المنافق من النفاق إلى الإيمان.

عتاة المنافقين لا يوفقون للصلاة على النبي لحيلولة الله بينهم وبين قلوبهم

أما إذا كان من عتاة المنافقين فإنه لا يُوفَّق أبدًا للصلاة على النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، ما دام يعلم أن الله يحول بين المرء وقلبه.

ما دام يحاول فيجد أنه لا يعرف، لا يستطيع أن يستمر؛ إنها ثقيلة جدًّا على قلبه، فيختار أن يدخل جهنم. أحسن قدره هكذا! فيبقى هذا حكم الله فيه.

إنما من ناحية وجود طريق، في طريق: صلِّ على النبي. وهو [أي الله] ربنا سبحانه وتعالى ينظر إليك بنظر الرحمة وينقلك مما أنت فيه من عصيان وكفران إلى الإيمان. والله سبحانه وتعالى خلقك وهو أرحم بك منا، وهو حكيم سبحانه وتعالى.

مثال أبي لهب كدليل على أن القرآن ليس من عند النبي ﷺ

يسلك هذا الطريق [طريق التوبة]، لكن سبحان الله، إذا ما أمرناه أن يسلك هذا الطريق، غالبًا لو كان من عتاة المنافقين وحكم الله عليه بالنفاق فإنه لا يستجيب.

هذا مثل ماذا؟ مثل أبي لهب. ربنا قال أنه في النار:

﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]

وبعد ذلك، حسنًا، وبعد ذلك افترض أن أبا لهب جاء وآمن، يبقى القرآن غير صحيح! لأنه لا بد عليه أن يؤمن بأنه غير مؤمن. ما هي كذلك؟ أبو لهب لو آمن، يؤمن بماذا؟ بالقرآن [الذي يقول] أنه ليس مؤمنًا. يؤمن أنه ليس مؤمنًا! لا تنفع، لا تجيء [أي لا تستقيم].

قصة أبي لهب دليل على أن القرآن من عند رب العالمين لا من عند النبي

فهذا مما يدل على أن هذا القرآن ليس من عند النبي ﷺ. لو كان من عند النبي، كان أبو لهب هذا جاء ليحرجه؛ قال له: أنت أدخلتني النار هكذا لأنني لست مؤمنًا، فلو أنني آمنت فسوف يحرجه.

فمن الذي يُحرج من؟ هذا رب العالمين! هو الذي خلق أبا لهب وخلق الإيمان وخلق الكفر، وجعل أبا لهب كافرًا ولن يؤمن. فهذه معجزة، هذا تحدٍّ! ما هذا؟ يقول له: أنت لن تؤمن. إذن فالأمر [أنه] لن يستطيع أن يؤمن ولا يمكن له أن يؤمن.

النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين وختام اللقاء

إذا كانوا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء:

﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: 143]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 144]

هذه نصيحة عامة مستمرة. وهذه الآية من أعظم الآيات، وهي من قواعد الإيمان ومن قواعد الحياة. ولذلك سنؤجلها إلى لقاء آخر.

أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.