سورة النساء | حـ 822 | 162 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 822 | 162 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • يشرح النص إعجاز القرآن اللغوي في قوله تعالى: "لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة".
  • التغيير من الرفع في "الراسخون والمؤمنون" إلى النصب في "المقيمين الصلاة" يفيد الاختصاص والتعظيم لشأن الصلاة.
  • نصب المقيمين يشبه أسلوب العرب في قولهم "نحن العربَ" أي "أخصُ العرب".
  • هذا التغيير في الإعراب يُنبِّه القارئ ويلفت انتباهه لأهمية الصلاة ومكانتها العظيمة.
  • وصفها الله بأنها "كبيرة إلا على الخاشعين"، وقال عنها النبي ﷺ: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر".
  • العودة للرفع في "والمؤتون الزكاة" بعد نصب "المقيمين" تبين ترتيب الأهمية: الإيمان ثم إقامة الصلاة ثم إيتاء الزكاة.
  • قاعدة التفريق بين المتجانسات في القرآن تدل على وجوب الترتيب.
  • الصلاة دليل الإيمان، فمن يرتاد المساجد يُشهد له بالإيمان.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية من سورة النساء عن الراسخين في العلم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿لَّـٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [النساء: 162]

فعطف «المقيمين الصلاة» على قوله «الراسخون في العلم» و**«المؤمنون»**؛ هذه [الراسخون والمؤمنون] مرفوعة، وهذه [المقيمين] منصوبة.

شرح أسلوب النصب على الاختصاص في لغة العرب بمثال عملي

في لغة العرب، عندما نرى في سياق الجملة رفعًا فنصبًا، فيكون هناك ما يُسمى عندهم بالتقدير. رأينا العرب وهي تقول: «نحن العَرَبَ نحب كذا ونكره كذا ونفعل كذا»، العَرَبَ [بالفتح].

فلمّا لم تقل «نحن العَرَبُ» [بالضم] ويبقى مبتدأ وخبر والمبتدأ مرفوع والخبر مرفوع، نصبها لأن هناك شيئًا حُذف، قُدِّر هو الذي سبّب هذا النصب والفتحة.

هذه [الجملة تقديرها]: «نحن أخصّ العَرَبَ»، كلمة «أخصّ» لم تعد موجودة، لكن دلّت عليها الفتحة التي بقيت على الباء. «نحن العَرَبَ» يعني «أخصّ العَرَبَ»، وأصبح هذا يقول لك: نصب على الاختصاص. «نحن العَرَبَ» نصب على الاختصاص، غير «نحن العَرَبُ» [بالرفع]. «نحن العَرَبَ» [بالنصب يعني] أخصّ.

دلالة النصب على الاختصاص في إبراز أهمية المذكور والتركيز عليه

طيب، يبقى الذي ليس عربًا، قصدك أنه ليس مُلتفَتًا إليه؟ يعني قال: لا، أنا أتكلم عن العرب، أركّز على العرب، أُظهر أهمية العرب.

كل ذلك من الفتحة! لغة جميلة حلوة مختصرة واضحة، كل ذلك من الفتحة.

تطبيق أسلوب الاختصاص على آية المقيمين الصلاة وتعظيم شأنها

طيب، «الراسخون في العلم منهم والمؤمنون» مرفوعة، وبعد ذلك قال «والمقيمين الصلاة» [بالنصب]؛ يجب أن هذا [الأسلوب] يُركّز على المقيمين الصلاة. هنا يكون في شيء محذوف جعلتها كذلك [أي منصوبة]: أخصّ المقيمين الصلاة.

الراسخون في العلم حسنًا، المؤمنون حسنًا، المؤتون الزكاة حسنًا، كل هذا حسنًا، لكن أهم شيء: المقيمين الصلاة. يكون هذا تعظيمًا لشأن الصلاة.

ولذلك لمّا جاء واحد من العلماء يؤلّف في الصلاة، قام سمّاها «تعظيم شأن الصلاة»، اسم الكتاب هكذا: «تعظيم شأن الصلاة»؛ لأن الصلاة هذه أمر عظيم جدًّا.

عظمة الصلاة في القرآن والسنة وثمرتها في نهي الفحشاء والمنكر

ربنا ماذا يقول عن الصلاة؟

﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]

كبيرة هكذا، أي صعبة يعني؟ ماذا، الصلاة هذه نحن نصلّيها كل يوم! يجب أن تكون الكبيرة إذن:

  1. أولًا: أن تحافظ عليها.
  2. ثانيًا: أن تكون خاشعًا فيها.
  3. ثالثًا: إنها تؤتي ثمرتها.

وما ثمرتها؟

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]

فإذن الصلاة عظيمة وكبيرة ومهمة وأساس.

حديث النبي في أن الصلاة عهد بين المسلم والكفر ومعنى تركها

جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم الأساس العظيم، فقال فيها وفي شأنها:

قال رسول الله ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»

هكذا، هو كفر بالفعل وليس كافرًا [كفر ملّة]؛ هو ليس كافرًا ولكنه عاصٍ، عصيان يجعل ما يفعله من صفات الكفر.

شأن الصلاة عظيم جدًّا؛ هذه الصلاة لأنها عنوان للمؤمن.

كيف أبلغ القرآن تعظيم الصلاة بأسلوب النصب على الاختصاص بدل كثرة الحديث

حسنًا، وكل هذا الكلام كيف أُبلّغه لك؟ بكثرة الحديث؟ أي أقول لك: «والمقيمون الصلاة وهم أهم عنصر، التفت إليه وركّز عليه؛ لأن الصلاة شأنها عظيم، ولا بدّ عليك إلا أن تسير عليك هذه الكلمة سيرًا عابرًا، بل قف عندها وتأمّل والتفت، وابنِ على التفاتك هذا، واستنبط منها حكمًا يهمّك».

ما هذا؟ إذن هذا ليس قرآنًا فقط، هذا القرآن إيجاز في إعجاز وحلاوة وموسيقى وشيء كذلك رسالة واضحة.

ماذا نفعل؟ فيقول لك: حسنًا، دع الأمر، اعمل أسلوب اختصاص وتعظيم، قل: «والمقيمين الصلاة».

تشبيه أسلوب النصب على الاختصاص بالتنبيه المفاجئ للسامع في القرآن

قم على الفور! واحد مثل ماذا يحدث له؟ انتباه هكذا، مثل واحد ماذا حدث له، قال له: انتبه!

«الراسخون والمؤمنون والمقيمين»، ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ «والمقيمين»! أنت تقول «الراسخون والمؤمنون» [بالرفع]، قال له: نعم، فُقْ الآن، ابقَ معي، ركّز!

ها، كأنها — انظر إلى هذه حلاوة اللغة — كأنه قال لك ماذا: ركّز، أخصّ بالذكر المقيمين الصلاة.

عودة الرفع بعد النصب في الآية وسبب عدم تأخير المقيمين الصلاة

وبعد ذلك رجع مرة أخرى ليُهدّئ بالك؛ ما أنت لست ذاهبًا، كله فوق. ها، هم راسخون، مؤمنون، مؤتون، «والمؤتون الزكاة» رجع للرفع مرة أخرى كي يُنبّهك.

فلماذا لم يأتِ بهذه [المقيمين الصلاة] في الآخر؟ «وما أُنزل من قبلك والمؤتون الزكاة والمؤمنون» وبعد ذلك قال «والمقيمين الصلاة»؟ ما كان ينبغي أن تكون فيها هذه الأهمية. هو يجب أن يضعها لك في النصّ هكذا [في الوسط] حتى تنتبه الانتباه التام.

قاعدة التفريق بين المتجانسات في القرآن ودلالتها على وجوب الترتيب

ولذلك وضعوا قاعدة الذين تدبّروا القرآن، قال لك: إذا فرّقت العربُ بين المتجانسات دلّ ذلك على وجوب الترتيب. أنت منتبه؟ دلّ ذلك على ماذا؟ وجوب الترتيب.

فأنتم الآن [في آية الوضوء]:

﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6]

اغسلوا الوجه، واغسلوا اليدين، وامسحوا الرأس، «وأرجلَكم» بالفتح هكذا، «وأرجلَكم إلى الكعبين»؛ فيجب أن تغسلوا أرجلكم. فيكون: غسل، غسل، مسح، غسل. فيكون فرّق بين المتجانسات أم لا؟

استنباط وجوب الترتيب في الوضوء من التفريق بين المتجانسات في آية المائدة

لم يقل: غسل، غسل، مسح [متتالية]، وجاء بالرأس في الآخر. قال: لا، غسل، مسح، غسل. التفريق بين المتجانسات يفيد ماذا؟ الترتيب.

إذن يجب أن ترتّب [أفعال الوضوء]:

  1. أولًا: تغسل وجهك.
  2. وبعد ذلك: تغسل يديك.
  3. وبعد ذلك: تمسح رأسك.
  4. وبعد ذلك: تغسل رجليك.

من أين جئت بالترتيب؟ ألم يقل ترتيبًا [صراحةً]؟ قال: أين؟ فرّق بين المتجانسات. إذن التفريق بين المتجانسات يفيد فائدة أخرى غير الاهتمام والاختصاص، وهي الترتيب.

دلالة ترتيب الإيمان ثم الصلاة ثم الزكاة من نصب المقيمين في الآية

فلمّا جاء مرفوع، مرفوع، منصوب، مرفوع [في آية سورة النساء]، دلّ ذلك على أن الترتيب هذا مُراعًى تمامًا:

  1. الإيمان أولًا.
  2. ثم إقامة الصلاة.
  3. ثم إيتاء الزكاة.

فالإيمان هذا أمر عظيم جدًّا، وصلنا إليه من العلم أو وصلنا إليه من طمأنينة القلب. ثم بعد ذلك لا بدّ أن يظهر على سلوكك وعملك؛ أهم حاجة الصلاة.

ولذلك النبي ﷺ يقول:

«الصلاة خير موضوع»

ويقول:

«ذروة سنامه [الإسلام] الصلاة»

ذروة السنام الخاص به [بالإسلام] هي الصلاة.

خاتمة الدرس وتأكيد عظمة الصلاة وأنها عنوان الإيمان بالحديث والآية

فتبقى الصلاة هذه ليست أمرًا هيّنًا ولا سهلًا ولا صغيرًا، لا، بل هي كبيرة وكبيرة جدًّا.

قال رسول الله ﷺ: «إذا رأيتم الرجل يرتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان»

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ﴾ [التوبة: 18] إلى آخر الآية.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.